السلطات الإسرائيلية تعطّش الفلسطينيين في غزة
القدس، 21 أغسطس/آب – تتعمد إسرائيل حرمان السكان في غزة من المياه ضمن حملة الإبادة الجماعية التي تشنها على الفلسطينيين – إذ تحرمهم من ضروريات الحياة، بما في ذلك الغذاء والماء والرعاية الصحية، بحسب منظمة أطباء بلا حدود. وبعد 22 شهرًا من تدمير إسرائيل للبنية التحتية الأساسية للمياه وتقييد الوصول إليها، أصبحت كمية المياه المتوفرة في غزة غير كافية على الإطلاق. يمكن لمنظمات مثل أطباء بلا حدود أن تزيد كمية المياه الصالحة للشرب في القطاع، إلا أن إسرائيل تمنع استيراد المواد الضرورية لمعالجة المياه. فمنذ شهر يونيو/حزيران 2024، لم تنل أطباء بلا حدود سوى موافقة واحدة عن كل عشرة طلبات لاستيراد المواد اللازمة لتحلية المياه.
غزة تواجه نقصًا كارثيًا في المياه في ظل الحصار الإسرائيلي
على إسرائيل أن تسمح وعلى نطاق واسع باستيراد المعدات الضرورية لإمداد المياه وتوزيعها. وعلى الجيش الإسرائيلي أن يتوقف عن تدمير البنية التحتية للمياه وأن يسمح بالإصلاح الفوري لأنظمة المياه التي تضررت، لضمان وصول الناس إلى المياه بشكل مستدام. لا يجوز استخدام المياه وغيرها من ضرورات الحياة كأدوات للحرب.
لا تقتصر الأزمة على شح المياه لسكان غزة، فالاعتماد على شاحنات المياه يعني عدم وجود طرق موثوقة للحصول على المتوفر. يخضع 86 في المئة من قطاع غزة لأوامر التهجير القسري التي يصدرها الجيش الإسرائيلي، ما يمنع الوصول الآمن لشاحنات المياه إلى السكان في تلك المناطق. كذلك تفاقم المشاكل التي يواجهها الناس بسبب عدم وجود طرق تخزين ملائمة في المنازل.
شح المياه في غزة ينشر الأمراض ويهدد الصحة العامة
ارتفاع حالات الإسهال والأمراض الجلدية مع نفاد المياه النظيفة
أدى نقص المياه النظيفة في غزة إلى زيادة انتشار الأمراض، حيث أجرت الفرق الطبية التابعة أطباء بلا حدود أكثر من ألف استشارة أسبوعيًا خلال الشهر الماضي لمرضى يعانون من الإسهال المائي الحاد. وفي غياب المياه الكافية للنظافة الصحية، أصبح الناس يعانون من أمراض جلدية مثل الجرب.
المستشفيات تعاني في غياب المياه النظيفة للمرضى ولمكافحة العدوى
تمثل المياه النظيفة ضرورة أساسية للمستشفيات كذلك، للحد من انتشار العدوى والحفاظ على ارتواء المرضى، كي تُشفى أجسادهم من الإصابات والأمراض.
وفي هذا الصدد، يقول مسؤول أطباء بلا حدود للمياه والصرف الصحي في غزة، محمد نصير، “الماء شحيح جدًا والناس كثر جدًا، والكمية التي يمكننا توفيرها قليلة جدًا مقارنة بالاحتياجات، والظروف صعبة للغاية”.
تدمير البنية التحتية المائية ومنع إصلاحها
تضع إسرائيل شروطًا صعبة لإيصال المياه الصالحة للشرب إلى السكان. ولطالما تحكمت بمعظم المياه التي تصل إلى غزة. لا تتوفر مياه الشرب بشكل طبيعي في غزة بسبب ملوحة المياه وتلوثها بالصرف الصحي والمواد الكيميائية، ما يضطر السكان للاعتماد على خطوط الأنابيب القادمة من إسرائيل وعلى محطات التحلية في غزة. وقد تعرضت هذه البنية التحتية لهجمات إسرائيلية متكررة.
ألحقت إسرائيل أضرارًا متكررة باثنين من أصل ثلاثة أنابيب مياه تصل إلى غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023. تشير التقديرات إلى فقدان 70 في المئة من المياه التي تجري في هذه الأنابيب نتيجة التسريبات في شبكة الأنابيب الأوسع، بفعل الأضرار جراء القصف. ونتيجة لذلك، يجب توزيع المياه بالشاحنات القادمة من محطات التحلية. ومن بين 196 محطة تحلية تديرها الحكومة والمنظمات غير الحكومية، فإن أكثر من 60 في منها خارجة عن الخدمة بسبب موقعها أو الأضرار التي لحقت بها.
يمكن للمنظمات الإنسانية إصلاح المتضرر من الأنابيب والمحطات التابعة للبنية التحتية المائية الموجودة قبل أكتوبر/تشرين الأول 2023 – وهي على استعداد لإصلاحها – لكن إسرائيل أعاقت هذه الجهود مرارًا وتكرارًا عبر منعها إمكانية الوصول إلى هذه المواقع. أما في المواقع التي يمكن الوصول إليها، تُتبع أساليب أشبه بتحضير المسوخ – إذ تؤخذ أجزاء صالحة من مولّد أو محطة مدمرة لإصلاح محطة أخرى – مع محاولات يائسة لإيجاد قطع الغيار محليًا. وهذه الإجراءات ضرورية لأن إسرائيل تمنع دخول الإمدادات اللازمة لإصلاح هذه البنية التحتية إلى غزة. وفي حال دخلت هذه المواد، يتأخر وصولها شهورًا بفعل العراقيل المتعمدة.
تنتج سبع وحدات لمعالجة المياه تابعة لأطباء بلا حدود ما يكفي من المياه لـ65,000 شخص ليحصلوا على سبعة لترات ونصف من المياه يوميًا[1]، وهو جزء ضئيل من المطلوب. تحاول أطباء بلا حدود منذ أشهر أن تُدخل تسع وحدات جديدة لمعالجة المياه إلى غزة – والتي من شأنها أن تزيد من قدرة المنظمة على إنتاج المياه بشكل كبير – لكن هذه الجهود لم تُفلح لأن إسرائيل لم تصدر الموافقات ولم تسمح بدخول الوحدات إلى غزة.
1 7.5 litres is the minimum amount of water a person needs per day during a humanitarian emergency, according to the WHO: Water Sanitation and Health
وصول خطر ومحدود إلى نقاط توزيع المياه في غزة
عندما تتمكن شاحنات المياه من الوصول إلى محطات التحلية، فعليها أن تتعامل مع العقبات الكبيرة لتوزيع المياه على السكان. فالوصول الآمن إلى السكان شبه مستحيل، إذ إن اتساع رقعة الأنشطة العسكرية والقصف ضمن ما يُسمى بالمناطق الآمنة يجبر نقاط التوزيع على تغيير مواقعها باستمرار. اضطرت أطباء بلا حدود في 2025 إلى التوقف عن توفير المياه في 137 نقطة على الأقل لتوزيع المياه. يضطر الناس إلى السير لمسافات طويلة وهم يحملون الغالونات الثقيلة كي يصلوا إلى نقاط التوزيع.
في ظل النزوح والقصف تُجبر العائلات على السير لمسافات طويلة لتعبئة المياه
تحدثنا مع امرأة كانت تنتظر عند نقطة توزيع تابعة لأطباء بلا حدود في مدينة غزة فقالت، “أترون كيف يعاني الناس؟ الجميع بحاجة ماسة إلى المياه. والحصول على الماء صعب جدًا جدًا، بصراحة. حتى المشي قليلًا أصبح صعبًا جدًا. ماذا أقول لكم؟ هذا عذاب”.
الأطفال معرضون للخطر عند ضياعهم خلال عمليات التوزيع الفوضوية
ونتيجةً للعوائق المرتبطة بالحصول على المياه، تتزايد مخاطر هذه العملية، فشح المياه يتسبب بتوتر في نقاط التوزيع. أخبرنا بعض السكان أنهم يخشون عملية تعبئة المياه. تشهد فرقنا أطفالًا يضيعون بعدما تُجبر نقطة توزيع على تغيير موقعها نتيجة لأمر إخلاء أو غارة جوية، أو لأن الدمار الهائل أعجزهم عن تمييز بيئتهم.
على إسرائيل أن تتوقف عن استخدام المياه كأداة حرب
يقول مدير الطوارئ في أطباء بلا حدود، أوزان أغباس، “خفّض الجيش الإسرائيلي الوصول إلى المياه لأدنى المستويات، كما فعل في الغذاء والإمدادات والرعاية الصحية. يتجنب الجيش الإسرائيلي قطع المياه بالكامل كي يتمكن من إنكار هذه التهمة، فيما يحكمون الخناق حول رقاب الفلسطينيين ويجردونهم من وسائل نجاتهم”.