متاح أيضاً باللغة

اليمن يواجه الخطر المتزايد لسوء التغذية: علاج أكثر من 35 ألف طفل في المرافق التي تدعمها أطباء بلا حدود في الفترة من 2022 إلى 2024

الأخبار والأنشطة > الأخبار > اليمن يواجه الخطر المتزايد لسوء التغذية: علاج أكثر من 35 ألف طفل في المرافق التي تدعمها أطباء بلا حدود في الفترة من 2022 إلى 2024

تجلس عائشة بجانب سرير في مستشفى السلام بمنطقة خمر في محافظة عمران باليمن. جاءت طلبًا للرعاية المنقذة لحياة ابنتها زهراء البالغة من العمر خمسة أشهر. وفي المرفق الصحي الذي تدعمه أطباء بلا حدود، يراقب الكادر هناك درجة حرارة الطفلة ويجرون لها الفحوصات ويزودونها بالأكسجين والحليب.

تقول عائشة، “سافرنا لأكثر من ساعتين وأنفقنا 15 ألف ريال يمني [قرابة 61 دولارًا أمريكيًا] للوصول إلى هنا. نحن نعيش ظروفًا قاهرة، ولا نملك المال الكافي لتلبية احتياجاتنا اليومية، وأقرب المراكز الصحية لا يوجد بها أقسام متخصصة لعلاج سوء التغذية. وفي النهاية، أحالنا طبيب قريب من مكان سكني إلى هنا”.

رسائل توعية صحية تخص سوء التغذية على حائط خارج مركز التغذية العلاجية في للمرضى المقيمين الضحي بمحافظة الحديدة. اليمن، مارس/آذار 2025. © ليا كوان/أطباء بلا حدود

 

قبل الوصول، كانت ابنتها تعاني من الحمى وتبكي كثيرًا بسبب ألم في أذنيها. تقول عائشة، “جربت الرضاعة الطبيعية والحليب المجفف، لكن لم يساعدها شيء. لعائلتنا المكونة من 12 فردًا معيل واحد ولا يمكنه تغطية كل النفقات. لا تزال ابنتي متعبة ولم يتغيّر وزنها إلى الآن. أخشى أن أفقدها، فهي البنت الوحيدة في العائلة. آمل أن تتعافى قريبًا وآمل أن تأتي منظمات أخرى إلى هنا لتدعم الناس، خاصة من لا يملكون كفايتهم من الطعام أو الدخل”.

صعود صارخ لحالات سوء التغذية في جميع أنحاء اليمن

لسوء الحظ، فحالة عائشة أبعد من أن تكون فردية في اليمن. فهذه أزمة تتفاقم بسرعة، حيث تفوق الاحتياجات بكثير قدرة العلاج الحالية. ففي شهر سبتمبر/أيلول الماضي خلال موسم الذروة السنوي لسوء التغذية، بلغت معدلات إشغال الأسرّة في المرافق التي تدعمها أطباء بلا حدود مستويات عالية للغاية في معظم المرافق. ففي مستشفى السلام الذي صُمم لما بين 23 إلى 51 سريرًا، بلغ معدل إشغال الأسرّة 254 في المئة في الشهر نفسه، ما يشير إلى درجات قصوى من الاكتظاظ. وغالبًا ما يضطر كوادر الرعاية الصحية إلى تقديم الرعاية للمرضى في الممرات المزدحمة والأماكن البديلة غير المجهزة. يتوافق هذا الارتفاع المقلق في سوء التغذية مع ما شهدته فرقنا على مدى السنوات الثلاث الماضية. ففي فترة بين يناير/كانون الثاني 2022 وديسمبر/كانون الأول 2024، عالجت المرافق التي تدعمها أطباء بلا حدود في خمس محافظات – عمران وصعدة وحجة وتعز والحديدة – 35,442 طفلًا دون الخامسة يعانون من سوء التغذية. وفي حين أن هذه الأرقام لا تشمل كل اليمن، إلا أنها تُظهر المعاناة اليومية التي تواجهها الأسر عندما يكون الوصول إلى الرعاية الصحية والطعام المناسب محدودًا جدًا.

مركز التغذية العلاجية للمرضى المقيمين الذي تدعمه أطباء بلا حدود في مستشفى الضحي في الحديدة. اليمن، مارس/آذار 2025. © ليا كوان/أطباء بلا حدود

 

غرق اليمن في النزاع وعدم الاستقرار والقتال المطول منذ قرابة 10 سنوات، ما دفع نظام الرعاية الصحية إلى حافة الانهيار. ووفقًا لمنظمة الصحة العالمية، وحتى أبريل/نيسان 2024، كانت قرابة 46 في المئة من المرافق الصحية في اليمن تعمل بشكل جزئي أو خرجت عن الخدمة كليًا. كما أن تأخر الإحالات وعدم الوصول إلى الرعاية الصحية العامة لا يترك للعائلات أي خيار سوى طلب المساعدة بعد أن يشارف الوقت على النفاد.

تعاني العائلات في متابعة الرعاية لأنها تفتقر إلى المساعدة الغذائية أو تواجه صعوبات مفرطة في الحصول على الرعاية الصحية الروتينية والتحصينات. ونتيجة لذلك، ينتكس الكثير من المرضى حتى بعد مغادرتهم مرفق الرعاية الصحية. وهذا يزيد من المخاطر الصحية التي يتعرضون لها ويضعف صحتهم. كما أن انخفاض معدلات التطعيم يزيد من قابلية الإصابة بالأمراض التي يمكن الوقاية منها، مثل الحصبة والكوليرا والإسهال المائي الحاد، ما يجعل الأطفال أكثر عرضة لسوء التغذية.

أم وطفلها في مركز التغذية العلاجية للمرضى المقيمين الذي تدعمه أطباء بلا حدود في مستشفى الضحي في الحديدة. اليمن، فبراير/شباط 2025. © كوستانتينوس بسيكاكوس/أطباء بلا حدود

 

تواجه الكثير من الأسر نفقات الرعاية الصحية الباهظة إلى جانب معاناتها لتوفير الوجبات المناسبة. تقول امرأة أُدخل ابنها البالغ من العمر سنة واحدة إلى المرفق الصحي الذي تدعمه أطباء بلا حدود في مستشفى الضحي في محافظة الحديدة، ” لا يستطيع زوجي أن يعمل بسبب إعاقته البدنية. أحاول كسب المال لكنه لا يكفي أبدًا. نعاني لتوفير وجبات طعام لائقة، ولا نتناول اللحم إلا مرتين في السنة – خلال العيدين، عندما يشاركنا الآخرون في تناولها. هذه هي فرصتنا الوحيدة لنتذوق اللحم طوال العام”. في عامي 2023 و2024، تلقى أكثر من 10 آلاف طفل العلاج في هذا المرفق الصحي.

توسيع نطاق الرعاية الصحية في كل اليمن ضرورة للحد من سوء التغذية

في عام 2024، سجّل مستشفى عبس في محافظة حجة معدلات إشغال الأسرّة لحالات سوء التغذية بلغت 200 في المئة في سبتمبر/أيلول و176 في المئة في أكتوبر/تشرين الأول، وهي أعلى معدلاتها منذ ست سنوات، علمًا بأن قدرة المستشفى الاستيعابية تصل إلى 120 سريرًا خلال موسم ذروة سوء التغذية. في مركز التغذية العلاجية للمرضى المقيمين في المستشفى، تسعى آسيا إلى الحصول على الرعاية الطبية لسوء التغذية لطفلتها أيانا علي البالغة من العمر سنة وثلاثة أشهر. أُدخلت أيانا وهي تعاني من سوء تغذية متوسط ومضاعفات تفاقم من حالتها.

أيانا البالغة من العمر سنة وثلاثة أشهر برفقة والدتها آسيا، وقد أُدخلت إلى مركز التغذية العلاجية للمرضى المقيمين الذي تدعمه أطباء بلا حدود لعلاج سوء التغذية الحاد المتوسط مع مضاعفات طبية في مستشفى عبس العام في محافظة حجة. مارس/آذار 2025. © مجدي العدني/أطباء بلا حدود

 

تقول إحدى ممرضات أطباء بلا حدود في مستشفى عبس العام، “وصلت أيانا قبل بضعة أيام وكانت تعاني من إسهال مائي حاد وارتفاع في درجة الحرارة.  أُدخلت إلى المستشفى وهي تخضع للعلاج، وها هي تتعافى وتتحسن يومًا بعد يوم”.

أيانا هي ابنة أسيا الوحيدة وأمها متعلقة بها بشدة وتخشى أن تفقدها. ومن أجل تحمل تكاليف رحلة علاج أيانا، باعت آسيا بعض أغراضها المنزلية. وقد أوصى بالعلاج جيرانها الذين عالجوا طفلهم في نفس المرفق الصحي.

تستجيب أطباء بلا حدود بفعالية لسوء التغذية في اليمن منذ عام 2010 من خلال تشغيل مراكز التغذية العلاجية للمرضى المقيمين بالتعاون مع السلطات الصحية في خمس محافظات هي عمران وصعدة وحجة وتعز والحديدة. توفر هذه المراكز علاجًا متخصصًا للأطفال دون الخامسة ممن يعانون من سوء التغذية الحاد والمتوسط ومضاعفاته. تتعاون فرقنا مع السلطات الصحية المحلية لتدريب الكوادر وتعزيز مسارات الإحالة ودعم الكشف المبكر عن سوء التغذية على مستوى المجتمع المحلي.

تُظهر سجلات الإدخال لدى أطباء بلا حدود أن معظم حالات سوء التغذية هي من الأطفال دون الخامسة، والرضع دون الستة أشهر معرضون للخطر على وجه الخصوص. كما تشكل النساء الحوامل والمرضعات نسبة كبيرة من الحالات، حيث تصل الكثيرات منهن مصابات بسوء التغذية متوسط الدرجة أو الحاد. ونتيجة لذلك، يعانين أيضًا في إطعام أطفالهن.

تقول إحدى ممرضات أطباء بلا حدود في مركز التغذية العلاجية للمرضى المقيمين في مستشفى الضحي في الحديدة، “لا تستطيع أمهات كثر أن ينتجن الحليب لإرضاع أطفالهن لأنهن يعانين من سوء التغذية. فعندما تعجز الأم عن إنتاج حليبها تستبدله بحليب البقر وتخففه. وهذا يساهم في إصابة أطفالهنّ بسوء التغذية”.

أحد ممرضي أطباء بلا حدود يقدم الرعاية لمريض في المرفق الصحي الذي تدعمه أطباء بلا حدود في مستشفى الضحي في الحديدة. اليمن، فبراير/شباط 2025. © كوستانتينوس بسيكاكوس/أطباء بلا حدود

 

وفي ضوء التخفيضات المفاجئة والجذرية في التمويل الإنساني لليمن، فإن المشاركة المستمرة للمانحين والتمويل المرن من المانحين الرئيسيين أمران في غاية الأهمية لمعالجة الأزمة الإنسانية المتفاقمة في اليمن.  وسيساعد التمويل الكافي والمتسق، إلى جانب تعزيز الشراكات بين وزارة الصحة والجهات المانحة والشركاء المنفّذين، في إنعاش مراكز الرعاية الصحية وضمان خدمتها الفعالة للمجتمعات المحلية والمناطق الأكثر تضررًا. تحث أطباء بلا حدود هذه الجهات المعنية على توسيع حملات التطعيم المجتمعية، للحد من الأمراض التي يمكن الوقاية منها، مثل الحصبة والكوليرا والإسهال المائي الحاد.

هناك حاجة ماسة إلى المزيد من عمليات توزيع الأغذية الموجّهة. فستضمن هذه الجهود حصول النساء الحوامل والمرضعات، وكذلك الأطفال دون الخامسة، على التغذية التي يحتاجونها قبل أن تهدد صحتهم. وإذا لم تُتخذ تدابير عاجلة وموحّدة، سيستمر سكان اليمن الأشد حاجة في مواجهة المزيد من المصاعب، في ظل نظام رعاية صحية منهك ومعدلات سوء تغذية متصاعدة.