الرحلة الإنسانية لصيدلانية سودانية مع أطباء بلا حدود

الرحلة الإنسانية لصيدلانية سودانية مع أطباء بلا حدود

الأخبار والأنشطة > الأخبار > الرحلة الإنسانية لصيدلانية سودانية مع أطباء بلا حدود

تنزيل الجوشري هي صيدلانية سودانية، حملت معها من خبرتها في إدارة الصيدليات والخدمات الصحية المجتمعية شغفًا بالعمل من أجل الآخرين. منذ سنواتها الأولى في المهنة، لم يكن عملها مقتصرًا على إدارة استخدام الأدوية أو تقديم المشورة للمرضى، بل كان مدفوعًا بقناعة عميقة بأن الرعاية الصحية حق أساسي من حقوق الإنسان.

تقول تنزيل: “كثيرون في العالم يُحرمون من أبسط أشكال الرعاية الصحية. كانت فكرة وضع خبرتي في خدمة المجتمعات التي تواجه أزمات صحية دائمًا في ذهني. الانضمام إلى منظمة أطباء بلا حدود منحني هذه الفرصة، لأكون جزءًا من عمل إنساني يحدث فرقًا مباشرًا في حياة الناس”.

من الصيدلية إلى الميدان

عملت تنزيل في البداية ضمن مشروع بالشراكة مع أطباء بلا حدود في دار للأيتام في الخرطوم، حيث تولّت منصب مديرة الصيدلية وكانت مسؤولة عن تأمين الأدوية للأطفال الأيتام. لكنها لم تكن موظفة مباشرة لدى أطباء بلا حدود آنذاك، بل ضمن مشروع شراكة.

وفي 13 أغسطس/آب 2025، التحقت رسميًا بالمنظمة كموظفة دولية متنقلة وكانت أولى مهامها في جنوب السودان، وتحديدًا في مدينة الرنك، حيث شغلت منصب مديرة صيدلية في المشروع.

تقول تنزيل إن هذه الخطوة كانت طبيعية بعد سنوات من الخبرة في السودان. فقد أعدّت نفسها مهنيًا بالاطلاع على بروتوكولات المنظمة في إدارة الصيدليات والاستجابة للطوارئ وسلاسل الإمداد، كما هيّأت نفسها شخصيًا بالتعرف على السياق المحلي والأعراف الثقافية للمكان الذي ستعمل فيه.

وفي الميدان في مدينة الرنك، تولّت مسؤولية إدارة الصيدلية وضمان توفر الأدوية وصرفها وفق معايير المنظمة، إلى جانب العمل مع الفريق الطبي في مواجهة أزمات مثل الكوليرا والملاريا، وضمان استمرارية سلاسل الإمدادات الطبية في بيئة شحيحة الموارد.

A patient suffering diabetes is taking medical devices and drugs at an MSF facility.

أثر الحرب والنزوح

اندلاع الحرب في السودان غيّر مسار حياتها. حاولت تنزيل الاستقرار في ولايات بعيدة عن مناطق النزاع، لكن مع توسّع القتال كانت تُضطر للنزوح مرارًا. وفي النهاية اضطرت إلى مغادرة السودان متجهةً إلى مصر، حيث استقرت.

تقول إن دار الأيتام في الخرطوم كان يعاني من نقص كبير في الموارد والأدوية قبل الحرب، لكن بعد اندلاع النزاع وتفاقم الأوضاع أصبحت هي الصيدلانية الوحيدة المتوفرة في مكان عملها، وكانت تشهد على العجز في الأدوية حادًا ومزمنًا.

مواقف لا تُنسى

من أكثر الحوادث المؤلمة التي واجهتها كانت قصة طفلٍ في السودان تعرّض لعضّة كلب في شهر أيلول. تأخرت والدته في إحضاره إلى عيادة أطباء بلا حدود، ورغم توفّر اللقاح، كان الأوان قد فات لإنقاذه. تقول تنزيل بأسى:

“يمكن أن يكلّف الجهل بالموضوع حياة إنسان، فالمشكلة لم تكن في نقص الدواء بل في التأخر في الوصول إلى العلاج.”

وتضيف: “الوعي الطبي يسير جنبًا إلى جنب مع عملنا؛ فالطاقم الطبي قد يكون حاضرًا ويقوم بعمله على أكمل وجه، لكن من دون وعي الناس وحرصهم لا يمكن إنقاذ الأرواح في الوقت المناسب”.

الدروس المستفادة

تصف تنزيل مهمتها الأولى كموظفة دولية متنقلة بأنها لم تكن غريبة عليها، على الرغم من أن خبرتها المباشرة مع أطباء بلا حدود لم تتجاوز الشهرين. فقد شعرت في جنوب السودان وكأنها في وطنها، كونها “ابنة السودان ” وتدرك تمامًا طبيعة التحديات هناك. لكنها تقرّ بأن الصعوبات الحقيقية قد تبرز مستقبلًا عندما تُكلَّف بمهمات في بلدان أخرى.

وتؤكد على أهمية دور الصيادلة في أوقات الأزمات، وتقول: “أهم ما يجب ضمانه في الميدان هو توفّر الأدوية المنقذة للحياة في الوقت المناسب، حتى يتمكّن باقي الطاقم الطبي من أداء دوره. في بعض الأيام كان الطاقم الطبي جاهزًا، لكن من دون دواء لا تسير الأمور.”

A woman receives medication from an MSF staff in Jerbana, a town located just 20 km from Sudan.

من مصر إلى المهمة الدولية

مع نزوحها إلى مصر هربًا من الحرب في السودان، بدأت فصلًا جديدًا من حياتها. ومن خلال مكتب أطباء بلا حدود في القاهرة، تمّ توظيفها رسميًا كمديرة صيدلية ضمن الطاقم الدولي. هذا الانتقال شكّل نقطة تحوّل في مسيرتها المهنية والإنسانية، إذ أتاح لها الانطلاق إلى مهمتها الدولية الأولى، لتواصل خدمة المجتمعات الأكثر حاجة للرعاية الصحية.

رسالة إنسانية

تختم تنزيل حديثها بالقول: “العمل الصحي الإنساني ليس مجرد طب، بل هو تضامن وإنسانية وكرامة. حتى في أصعب الظروف هناك أمل وقدرة على الصمود. وكل جهد صغير يُحدث فرقًا. دعمكم لنا يعني أن أيدينا ستبقى ممدودة لإنقاذ المزيد من الأرواح”.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print