عام على مؤسسة غزة الإنسانية: أطباء بلا حدود تحذّر من عسكرة المساعدات
في ظل الطروحات المتداولة بشأن قطاع غزة، تذكّر أطباء بلا حدود كل من إسرائيل والولايات المتحدة بأن عسكرة المساعدات الإنسانية لا ينبغي أن تتكرر تحت أي ظرف
القدس/عمّان، 3 يونيو/حزيران 2026 – قبل عام، بدأت ما يُعرف بمؤسسة غزة الإنسانية تشغيل نقاط معَسكَرة لتوزيع الغذاء في مختلف أنحاء قطاع غزة، لتحلّ محل نظام توزيع المساعدات الذي تنسّقه الأمم المتحدة. وقد أُديرت المؤسسة من قبل إسرائيل بدعم مالي من الولايات المتحدة وحلفاء آخرين، لكنها أغلقت أبوابها بعد نحو ستة أشهر، بعدما أسفرت أعمال العنف المرتبطة بها عن مقتل وإصابة آلاف الأشخاص[1]. ولا تزال أطباء بلا حدود تعالج أعدادًا من المرضى المتأثرين بهذا العنف، والذين يعيشون اليوم مع صدمات نفسية وإصابات سترافقهم مدى الحياة. وفي ظل الطروحات المتداولة بشأن قطاع غزة، تذكّر أطباء بلا حدود إسرائيل والولايات المتحدة بأن عسكرة المساعدات الإنسانية تنطوي على مخاطر جسيمة، إذ تعرّض الناس للعنف وتلحق بهم أضرارًا بالغة، ولا ينبغي تكرارها تحت أي ظرف.
[1] لا يتوفّر حتى الآن أي إحصاء رسمي تراكمي لعدد الضحايا المرتبطين بمؤسسة غزة الإنسانية. وقد أفادت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان بأن المؤسسة تسبّبت في مقتل أكثر من 2,140 شخصًا (حتى سبتمبر/أيلول 2025) وإصابة أكثر من 4,000 آخرين (حتى أغسطس/آب 2025)، إلا أن التقديرات تشير إلى أن الأعداد الفعلية قد تكون أعلى بكثير. وتشمل هذه الحصيلة أيضًا الضحايا على طرق الإمداد أثناء محاولتهم الوصول إلى الغذاء في ظل حالة اليأس المتفاقمة.
أُنشئت مؤسسة غزة الإنسانية لتوزيع المساعدات الغذائية على السكان في غزة بعد أشهر من الحصار الإسرائيلي المطبِق، لتحلّ محل نحو 400 نقطة توزيع للمساعدات كانت قائمة سابقًا. وبدأت مواقع المؤسسة الأربعة عملها في أواخر مايو/أيار 2025، وتولّى “تأمينها” متعاقدون مسلّحون أمريكيون من القطاع الخاص، بينما أبقت القوات الإسرائيلية سيطرتها على محيطها الأوسع.
وبين يونيو/حزيران وأكتوبر/تشرين الأول 2025، سجّلت فرق أطباء بلا حدود ما لا يقل عن 32 حالة وفاة، وقدّمت العلاج إلى 1,885 مصابًا في مركزي العطار والمواصي للرعاية الصحية الأولية في خان يونس.
ويشرح كريم الذي كان يعمل حلاقًا قبل تعرّضه لإصابات غيّرت مجرى حياته وأدت إلى إصابة دائمة في أحد أعصاب ساقه، “أُعدم صديقي أمام عينيّ، وما زالت تلك اللحظة تطاردني حتى اليوم. أوقفنا نحن الاثنين وكُبّلت أيدينا خلف ظهورنا [على يد جنود إسرائيليين]. ثم استُدعيت طائرة مسيّرة للتحليق فوقي، وطُلب من أربعة رجال أن يأخذوني بعيدًا”.
محمد هو مريض آخر أصيب بتسع طلقات نارية. ولا يزال يأمل أن يتمكن من المشي مجددًا، لكنه يعاني من آلام مزمنة ويحتاج إلى علاج فيزيائي. ويوضح، “لم يكن الطعام يكفي للجميع. كان التدافع شديدًا لأن البوابات الحديدية الضيقة لم تتسع لهذه الأعداد الكبيرة. رأيت الكثير من القتلى، بينهم نساء. أُصيب أحدهم برصاصة في الصدر، وآخر في الظهر. كان إطلاق النار يأتي من جهات عدة، وكان الجندي الإسرائيلي الذي أطلق النار عليّ متمركزًا على تلة”.
ويضيف، “بينما كنت ملقى على الأرض، لوّحت بيدي متوسلًا، “أرجوك توقّف، هذا يكفي”. لكنه أطلق النار على يديّ لمجرد التسلية”.
أما مصطفى، وهو سائق أجرة من رفح، فقد قُتل ابن أخيه، البالغ من العمر 17 عامًا، بعدما أصيب برصاصة في الرأس أطلقها قنّاص. كما تعرّض مصطفى لإصابة بطلق ناري تسبب في كسر عظمتين وأدّت لاحقًا إلى إصابته بعدوى في قدمه وتعفّن في كعبها.
ويقول، “كانت مؤسسة غزة الإنسانية تجربة مهينة إلى حدّ كبير. كان آلاف الأشخاص يركضون باتجاهها، فيما كانت القوات الإسرائيلية تطلق النار علينا من مواقع ثابتة. أصيب ثلثا الجرحى الذين أعرفهم في غزة في حوادث مرتبطة بمؤسسة غزة الإنسانية”.
تعكس هذه الشهادات واقع كثيرين ممن أُجبروا على التعايش مع مثبتات عظمية خارجية، أو لا يزالون بحاجة إلى متابعة طبية دقيقة ومستمرة.
كما لعبت مؤسسة غزة الإنسانية دورًا رئيسيًا في أزمة سوء التغذية التي تسبّبت بها إسرائيل. فقد أسهم التقليص الحاد في نقاط توزيع الغذاء والمساعدات، إلى جانب الحصار الكامل والعنف المتصاعد والنزوح الجماعي وتدمير المرافق الصحية، إلى دفع قطاع غزة نحو المجاعة التي أُعلن عنها في منتصف عام 2025[1]، وما خلّفته من آثار مدمّرة على الفئات الأكثر حاجة، ولا سيما النساء الحوامل وحديثي الولادة والأطفال.
تدعو أطباء بلا حدود إسرائيل والولايات المتحدة وسائر الجهات القادرة على التأثير إلى ضمان عدم عسكرة المساعدات الإنسانية وتوفّرها وتقديمها وفق مبادئ الاستقلالية وعدم التحيّز والحياد والإنسانية. فلا بد من وصول المساعدات الإنسانية إلى جميع المدنيين بشكل آمن، بناءً على احتياجاتهم، أينما اختاروا الإقامة، وعلى نطاق يتناسب مع حجم الاحتياجات.
* تم تغيير أسماء المرضى حمايةً لهوياتهم