بين طنين المسيَّرات ويوميّات الحياة في جنوب لبنان

بين طنين المسيَّرات ويوميّات الحياة في جنوب لبنان

الأخبار والأنشطة > الأخبار > بين طنين المسيَّرات ويوميّات الحياة في جنوب لبنان

تعمل فيرينا برينز كمديرة للموارد البشرية والشؤون المالية في لبنان. وتشاركنا كيف يرسم طنين المسيَّرات الإسرائيلية شكل حياتها اليومية، وكيف يؤثّر الوضع المشحون على الناس في جنوب لبنان.  

[Verena (on the right) with her colleague Alice at her workplace in Nabatieh, Lebanon]
فيرينا (على اليمين) مع زميلتها أليس في مكان عملهما في النبطية، لبنان

تقول ابنة إحدى زميلاتنا هنا في جنوب لبنان، وهي في الثالثة من عمرها، “لستُ خائفة من صوت الانفجارات. أريد فقط أن أنام في سريري”.

هذا حال طفلةٍ لم تعد تخاف من القصف ما دامت والدتها إلى جانبها، وأقصى أمنياتها ألّا تضطر إلى الفرار من الغارات الجوية مرة أخرى وأن تعيش في بيتها بسلامٍ، لا أكثر.

طنين دائم يذكّر بانعدام الأفق

أعيش وأعمل في مدينة النبطية، جنوب لبنان، على بعد 15 كيلومترًا تقريبًا عن الحدود الجنوبية. ورغم سريان وقف إطلاق النار رسميًا هنا، فإننا نادرًا ما نجد السماء هادئة.

عصفت حرب شعواء بجنوب البلاد العام الماضي. ومنذ ذلك الحين، لم تتوقف الغارات الجوية أو طنين المسيّرات الإسرائيلية في المنطقة الحدودية رغم الإعلان عن وقف إطلاق النار.

وبالنسبة للسكان في المنطقة، يعني هذا كلّه أن طنينًا دائمًا يلازم الخلفية ويقترن بشعور مستمر بانعدام اليقين. يطلق الناس على هذا الوضع اسم “الروتين”. أمّا بالنسبة لمن يأتي من خارج المنطقة، فهذا انعدامٌ مستمرّ للأمان — وكلا الوصفين صحيح.

نعمل مع الناس بعياداتنا المتنقلة

لا يزال مشروعنا في النبطية في مراحله الأولى. وقد أطلقناه في أبريل/نيسان 2025 لتقديم الرعاية الطبية للناس في هذه المنطقة. فهنا، يواجه النظام الصحي العام تحديات جسيمة نتيجة سنوات من الأزمة الاقتصادية وتداعيات الهجمات الإسرائيلية على المرافق الصحية، فيما يخيّم الخوف من التصعيد على تفاصيل الحياة اليومية للسكان.

نسمع طنين الطائرات المُسيّرة بشكل شبه يومي، وكثيرًا ما تستهدف الغارات الجوية مناطق مجاورة لنا.

بصفتي مسؤولة عن الشؤون المالية والموارد البشرية، فأنا جزء من الفريق الأساسي هنا. ويتمثّل دوري في ضمان قدرة فرقنا على العمل بفعالية. فأتولّى كل ما يتعلّق بذلك، من توظيف زملاء جدد إلى تنسيق أنظمة الرواتب، وصولًا إلى التفاصيل اليومية الصغيرة.

حاليًا، نشغّل ثلاث عيادات متنقلة إلى جانب أنشطة أخرى. وفي كل يوم، نتوجّه إلى مجتمعات مختلفة في المنطقة لمساعدة الناس. فتعالج فرقنا المرضى وتقدّم الاستشارات الطبية وتوفّر الدعم النفسي.

رغم كل شيء، يظلّ المزاج العام داخل فريقنا هادئًا، فالجميع يدرك أهمية هذه الجولات في المناطق.

تتطلّب كل مهمة ورحلة بين المجتمعات تنظيمًا وتنسيقًا وتحمّلًا للمسؤولية. وأحيانًا نضطر إلى الارتجال عندما تتغيّر الخطط بشكل مفاجئ بسبب الأوضاع الأمنية أو إغلاق الطرق أو نقص الكوادر.

ضجيج يرافق الناس في حياتهم اليومية

وعلى وقع طنين السماء في الأعلى، يبدأ يومنا. نلتقي لإحاطة سريعة، نناقش الخطط ونوزّع المهام. ثم تنطلق العيادات المتنقلة نحو القرى التي تعاني من نقصٍ في الرعاية الطبية. بالنسبة للكثيرين، هو يوم عادي. أمّا بالنسبة لنا، فهو يوم يتصارع فيه الروتين والواقع بصمت.

تستمرّ الحياة اليومية في مسارها. أصبح الطنين الرتيب للطائرات المسيَّرة جزءًا من المشهد، كصوت ساعة يدقّ في الخلفية، لا يُلاحَظ إلا حين يحلّ الصمت. أحيانًا يكون بعيدًا، بالكاد يُسمَع. ثم يشتد ويزداد حدّةً، يصبح أقرب.

الروتين وسط ظروف استثنائية

بعد ذلك، تأتي أصوات الطائرات الحربية. تتعثّر أحاديثنا، وتتلاقى النظرات، ويخيّم السكون في الهواء. ففي حال وقوع غارة جوية، قد تؤدي موجة الضغط إلى تحطيم النوافذ والتسبّب بإصابات. فنفتح النوافذ قليلًا للتخفيف من خطر تناثر الزجاج. نصغي، ننتظر، ونعدّ الثواني.

ثم يقع الانفجار. هذه المرّة، يبعد نحو خمس عشرة دقيقة — إنّه “بعيد”. بعيدٌ بمعناه النسبي الذي اكتسب هنا دلالة جديدة تمامًا.

تمضي الحياة هنا لأن لا بدّ لها من أن تمضي، لكنني أشعر بعمق الأثر الذي يتركه الوضع المشحون على زملائي.

بعد بضع دقائق، تعطي فرقنا إشارة الأمان. تستأنف الحياة اليومية إيقاعها: طفل يحتاج إلى مضادّات حيوية، يجري تأمين وسيلة نقل، ويضحك أحدهم في المكتب على نكتة سيئة.

لحظة ارتياح عابرة

يقول بعض زملائي إنهم يشعرون بلحظة ارتياح عندما تصيب الطائرة المسيّرة هدفها. ليس لأن الأمر انتهى، بل لأنهم يعرفون أن القصف اليوم لم يكن قريبًا منا. وهم أنفسهم يصفون هذا الشعور بالعبثي والمتناقض.

لكن في لحظة وقوع الضربة، لِنَفَسٍ واحد فقط، يخفّ التوتر. ولثوانٍ، يعود الهدوء، ويحلّ إحساس خادع بالارتياح.

الخيار بالمساعدة

بين صوت الطائرات المسيّرة وإيقاع الحياة العادية، بين التوتر والاتزان، يتشكّل عملنا يومًا بعد يوم. نعمل، نساعد، نضحك، نخطّط — ومع ذلك ندرك هشاشة الوضع.

لديّ خيار أن أقدّم المساعدة، ولهذا أنا هنا. إنّها مسؤوليتنا أن ننظر، ونصغي، ونساعد حيثما استطعنا.

Verena with the team in Nabatieh
فيرينا مع الفريق في النبطية
Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print