جنوبان وإنسانية واحدة بين لبنان وهايتي

جنوبان وإنسانية واحدة بين لبنان وهايتي

الأخبار والأنشطة > الأخبار > جنوبان وإنسانية واحدة بين لبنان وهايتي

كنت أتابع الأخبار عن بعد وأشاهد يوميات الحرب الإسرائيلية على لبنان عبر الشاشات، لكنني وبعد انطلاقي من مطار بيروت الدولي باتجاه بلدتي الجنوبية، أيقنت أنني لم أكن مستعدة لما سأراه بعينيّ. وكيف يستعد المرء لصدمة بهذا الثقل؟ 

اسمي دونا لوسيا سعاده، وأنا من جديدة مرجعيون في جنوب لبنان.  

درست الهندسة المعمارية وعملت فيها. ومع بداية حياتي المهنية، كان التركيز في بيئة العمل منصبًّا على الفخامة والجمال، والساعات الطويلة التي كنا نقضيها إما وراء الشاشات أو في النقاشات مع الزبائن. أدركت أن هذا الخط لا يغذي اهتمامي بالجوانب الإنسانية التي تقع في صلب الهندسة المعمارية، لذلك قررت أن أدعّم خبرتي الأكاديمية والمهنية عبر تحصيل شهادة الماجستير في التعاون الدولي، وهكذا جمعت بين الشغفين: العمارة والإنسان. 

عندما وقع انفجار مرفأ بيروت عام 2020، كنت أعمل مع منظمة محلية تجمع بين مجالَي دراستي، وقد علمتني هذه الأزمة أهمية التواصل مع الناس ومساعدتهم، والوقوف إلى جانبهم في ظل مأساة غيرت مجرى حياتهم للأبد. أردت من بعدها توسعة آفاق تجربتي الإنسانية والمضي في مهمات إغاثية دولية، ما قادني إلى أوكرانيا عام 2024، حيث عملت في إدارة مشاريع الإنشاء. ومن بعدها بعام، انضممت إلى الطاقم الدولي المتنقل لأطباء بلا حدود، وهنا بدأت رحلتي الجديدة. 

من جديدة مرجعيون إلى بورت أبيمان 

مع بداية مسيرتي مع أطباء بلا حدود، انطلقت من جنوب لبنان إلى جنوب هايتي، كي أساند فرق المنظمة هناك بصفتي مديرة للشؤون اللوجستية في بورت أبيمان، لدعم جناح الأمومة الذي أعادت المنظمة بناءه ووسعته بالشراكة مع وزارة الصحة والسكان في هايتي والجهات الفاعلة في المجال الصحي هناك، في ظل ارتفاع معدلات وفاة الأمهات والرضّع في البلاد. 

كنت متحمسة لاستغلال خبراتي في مجالات العمارة والبناء والتدفئة والتكييف والطاقة، واستخدامها في مهامي المتعلقة بإدارة اللوجستيات؛ فالخبرات التقنية تحسن من إدارة العمليات الإنسانية. لكنني لا أنكر تخوفي من السياق الجديد الذي وجدت نفسي وسطه: بلاد جديدة، وتحديات أمنية، ومسؤولية تتضمن إدارة فرق من خارج خبرتي، كالطب الحيوي وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وظروف مناخية استثنائية. 

استقبلني الإعصار! 

وما أن وصلت إلى هايتي، حتى أُعلن عن انطلاق عاصفة استوائية اسمها إعصار ميليسا! لم أتوقع أن تتحول أسابيعي الأولى في المهمة إلى اندماج كلي في خلية الطوارئ، لكنني كنت محاطة بفريق ممتاز بمهنيته وخبراته وتعاونه الذي ذلل مصاعب هذه الفترة الدقيقة.  

أدهشني تفاني الفريق اللوجستي، الذي كان يغادر حدود المناطق الآمنة لتحصيل أكياس الدم، وهذا تحدٍ كبير في ظل غياب بنك للدم في المنطقة. في نهاية المطاف، ولحسن الحظ، لم يصل إعصار ميليسا إلى حيث كنا، على الرغم من بلوغه مناطق جنوبية أخرى وإيقاعه أضرارًا هناك. كانت استعداداتنا على أتمها، وتأكدت من خلال هذه التجربة أن حالة الطوارئ صقلتني وعلمتني الكثير، خاصةً الصبر وتجنّب التسرع وإدارة الغضب. 

خلال الأشهر السبعة التي أمضيتها في هايتي، كانت التحديات يومية، وكذلك كانت فرص التعلّم. صحيح أنني لم أكن ضمن الفريق الطبي، لكن عملي ساهم بتحسين قدرة مرضانا على طلب الرعاية الصحية بسلاسة وأمان. في جناح الأمومة حيث عملت، كان مشهد وصول الأمهات وأطفالهن أجمل تذكير لي بأهمية العمل الذي نقوم به وبكافة التخصصات في أطباء بلا حدود. 

فارق سبع ساعات 

كنت لا أزال في مهمتي عندما اندلع التصعيد الأخير للحرب الإسرائيلية في لبنان. أنا في جنوب هايتي، وعائلتي وأحبتي في جنوب لبنان حيث الحرب مستعرة، وبعد المسافات والفرق في التوقيت زادا من قلقي وألمي. أذكر الساعات الطويلة بعد منتصف ليل هايتي وأنا أتابع تسارع الأخبار القادمة من لبنان قبل الظهيرة. لم أستطع أن أطيل البقاء أكثر هناك، فعدت إلى لبنان في منتصف مايو/أيار المنصرم، وتوجهت من المطار مباشرةً إلى بلدتي في الجنوب. 

مع وصولنا إلى طريق النبطية، بدأت الصدمة 

الطرق التي سلكتها، والأماكن التي زرتها بصحبة عائلتي، والمعالم التي ترسم الطريق إلى بلدتنا، سوّاها الجيش الإسرائيلي جميعها في الأرض. لا شيء إلا الركام. استقرّت الصدمة في جسدي طوال الأيام الثلاثة الأولى، وحلّ معها الحزن والفقد والفراغ. لكنني كنت ممتنة لعدم إصابة أهلي بمكروه جسدي. وإن لم تكن الصدمة الأولية كافية، أُغلقت الطرق لأسبوعين بعيد عودتي إلى جديدة مرجعيون مع اشتداد القصف الإسرائيلي. 

أمل بالمهمة المقبلة 

أنطلق اليوم في مهمتي الثانية مع أطباء بلا حدود، في عودة إلى هايتي ولكن إلى العاصمة بورت-أو-برنس هذه المرّة، بصفتي مديرة لمشاريع الإنشاء هناك. أتوق إلى النمو والتوسّع في المجال التقني مع المنظمة، وأنا سعيدة بالعودة إلى هايتي وأهلها الطيبين، ومتحمسة للعودة إلى المشهد الثقافي هناك، وخاصة الموسيقى المحلية التي تركت وقعها الجميل فيّ منذ مهمتي الأولى. لا شك بأنني قلقة على أهلي وبلدي مع استمرار انعدام اليقين وتواصل الضربات الإسرائيلية جنوبًا، لكنني سأحمل قلقي هذا وأسخّره حرصًا على عملي وفريقي والأشخاص الذين سنقدم لهم الدعم في هايتي. 

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print