استجابة أطباء بلا حدود للحرب في لبنان
الناس يواجهون هجمات متواصلة ونزوحًا متكررًا واحتياجات متفاقمة
آخر تحديث: 10 مارس/آذار 2026
بعد أشهر من الهجمات الإسرائيلية المتواصلة على لبنان رغم اتفاق وقف إطلاق النار في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، والذي لم يوفّر يومًا أمانًا حقيقيًا للناس في البلاد، عاد الوضع ليتصاعد بشكل حاد في 2 مارس/آذار 2026، في ظل تصعيد إقليمي أوسع. وقد اشتدت الهجمات الإسرائيلية في جنوب لبنان والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت، ومناطق أخرى من البلاد.
وفي الوقت نفسه، تسببت أوامر الإخلاء الإسرائيلية الواسعة في موجة نزوح كبيرة، وشملت مناطق يقطنها أكثر من مليون شخص، بحسب السلطات المحلية. واضطر كثيرون، مرة جديدة، إلى الفرار من دون أن يعرفوا إلى أين يذهبون، فيما وجد آخرون أنفسهم عالقين على الطرقات مع أطفالهم وأقاربهم المسنين وأفراد مرضى من عائلاتهم، في ظروف بالغة القسوة.
بحسب السلطات اللبنانية، وحتى 10 مارس/آذار، قُتل نحو 570 شخصًا وأُصيب قرابة 1,444 آخرين جراء حملة القصف الإسرائيلية المتواصلة. ويُضاف ذلك إلى 370 شخصًا أُعلن مقتلهم منذ ما يُسمّى باتفاق وقف إطلاق النار المبرم في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، و64,000 شخص ما زالوا في عداد النازحين قسرًا.
وفي ظل ذلك، تعمل أطباء بلا حدود على توسيع أنشطتها في مختلف أنحاء البلاد، وتدعو إلى تعزيز الاستجابة الإنسانية بشكل عاجل لتلبية الاحتياجات الهائلة، كما تدعو لضمان حماية المدنيين والعاملين في الرعاية الصحية والمرافق الطبية.
كيف تؤثر الحرب على السكان؟
التأثير الإنساني
يعدّ الأثر الإنساني للتصعيد الأخير في لبنان مدمّرًا ولا يزال يتفاقم. فمنذ 2 مارس/آذار، نزح أكثر من 700 ألف شخص في مختلف أنحاء البلاد، ولجأوا إلى مراكز إيواء جماعية وبلدات ومدن تكافح أصلًا لاستيعابهم.
يفاقم هذا الحجم من النزوح الضغط على القدرة المحدودة أصلًا لتوفير المأوى والمساعدات الأساسية. يفتقر كثير من النازحين إلى مواد إغاثية أساسية مثل الفرشات والبطانيات ومستلزمات النظافة الصحية ومواد التنظيف. وتبرز أيضًا حاجة ملحّة إلى المياه النظيفة وخدمات الصرف الصحي، ولا سيما في مراكز الإيواء المكتظة ولدى الأشخاص الذين ما زالوا عالقين على الطرقات.
كما أن الاكتظاظ في مراكز الإيواء الجماعية وسوء ظروف العيش وانعدام الخصوصية، كلها عوامل تزيد من مخاطر الحماية، ولا سيما بالنسبة إلى النساء والفتيات. وبعد إعلان إسرائيل عن توغّل بري، وجد كبار السن والأشخاص المتعايشين مع عجز أنفسهم عالقين في البلدات الحدودية، إذ باتت عمليات الإخلاء أكثر صعوبة مع تصاعد هذه التقارير.
تثير أوامر الإخلاء الجماعي مخاوف جدية، بما في ذلك تلك التي صدرت للضاحية الجنوبية لبيروت ولأكثر من 150 بلدة وقرية جنوب نهر الليطاني. وفي ظل العنف المستمر وحالة عدم اليقين، تبدّد أي شعور بالحياة الطبيعية. فالعائلات التي كانت تكافح أصلًا للتأقلم باتت تواجه ضغطًا نفسيًا هائلًا، وهي تعيش في خوف دائم ونزوح متكرر وانعدام عميق للأمان.
على مدى ما يقارب عامين، تعرّضت الخدمات والموارد في لبنان لضغط هائل. وزاد التصعيد الأخير من وطأة هذا الضغط، في وقت أدّت فيه التخفيضات العالمية في تمويل المساعدات الإنسانية إلى تقليص المخزونات الاحتياطية المخصّصة للطوارئ. ومع الارتفاع السريع في أعداد النازحين، تشتد الحاجة إلى دعم المأوى وخدمات المياه والرعاية الصحية.
الأثر الطبي وإمكانيات الحصول على الرعاية الصحية
يزداد الوصول إلى الرعاية الصحية في لبنان صعوبةً يومًا بعد يوم، إذ تؤدي الهجمات والنزوح وأوامر الإخلاء إلى تعطيل الخدمات الصحية، كما تحدّ من قدرة المرضى على الوصول إليها. ويأتي هذا التصعيد الأخير ليزيد الضغط على نظام صحي هش في الأساس بعد أشهر من العنف المتواصل والاحتياجات غير الملبّاة في أعقاب حرب 2024.
كما تشهد مراكز الرعاية الصحية الأولية والمستوصفات في مناطق عدة ضغطًا كبيرًا نتيجة تزايد أعداد المرضى، وتكافح في الوقت نفسه للحفاظ على استمرارية الرعاية. وفي بعض المناطق، تقع المرافق الصحية نفسها ضمن نطاق أوامر الإخلاء، ما يؤدي مباشرة إلى تعطيل الخدمات ويقلّص الخيارات المتاحة أمام المرضى للحصول على العلاج.
هذا ويخلق النزوح عوائق إضافية أمام الحصول على الرعاية. فالأشخاص الذين أُجبروا على ترك منازلهم يواجهون صعوبات في الوصول إلى الرعاية الصحية الأولية والأدوية الأساسية ومتابعة العلاج، ولا سيما في حالات الأمراض المزمنة والحالات الصحية الطارئة.
كما تتعرض المستشفيات في المناطق المتضررة لضغط متزايد مع استقبالها مصابين من جراء الهجمات المتواصلة. وفي الوقت نفسه، وكما حدث خلال تصعيد عام 2024، أُبلغ مجددًا عن هجمات طالت مرافق الرعاية الصحية والعاملين فيها، ما يزيد من إضعاف قدرة النظام الصحي على الاستجابة. فبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، وحتى 9 مارس/آذار، جرى إخلاء خمسة مستشفيات و48 مركزًا للرعاية الصحية الأولية أو أُجبرت على الإغلاق. كما أفادت وزارة الصحة العامة بمقتل 14 عاملًا صحيًا وإصابة 24 آخرين، من بينهم مسعفان أُصيبا في هجوم استهدف سيارة إسعاف تابعة للصليب الأحمر اللبناني في قضاء صور.
كما تتزايد احتياجات الصحة النفسية بشكل حاد. فالأشخاص الذين سبق أن عانوا من نزوح متكرر وانعدام طويل للأمان، يجدون أنفسهم مرة أخرى يعيشون تحت القصف وفي ظل الخوف وعدم اليقين، فيما لا يزال الوصول إلى الدعم المناسب محدودًا.
استجابة أطباء بلا حدود
تعمل فرقنا في مختلف أنحاء لبنان على تكييف أنشطتها بسرعة استجابةً للاحتياجات المتزايدة. وقد نشرت أطباء بلا حدود عيادات متنقلة أُنشئت حديثًا في أنحاء عدة من البلاد، تشمل بيروت، وصيدا، وبرجا وعاليه في جبل لبنان، وراشيا وجب جنين وبر الياس في البقاع، وعرسال وبعلبك في بعلبك-الهرمل، وببنين في عكار، لتقديم الاستشارات الطبية والإسعافات النفسية الأولية للنازحين. كما تعمل فرقنا على إطلاق المزيد من العيادات المتنقلة، إلى جانب خطوط دعم للصحة النفسية لمساندة الأشخاص العالقين على الطرقات أو أولئك الذين يتعذّر عليهم الوصول إلى الخدمات.
كما بدأت أطباء بلا حدود أيضًا بتأمين المياه عبر الصهاريج وتوزيع المواد غير الغذائية، وتقديم دعم للمأوى في عدة مناطق في لبنان، منها بيروت وصيدا والشوف وعكار وجبل لبنان، للمساعدة في تلبية الاحتياجات الفورية للنازحين.
وفي الوقت نفسه، تواصل أطباء بلا حدود تشغيل عياداتها القائمة في برج حمود في بيروت، وفي عرسال والهرمل في محافظة بعلبك-الهرمل، لضمان استمرارية الرعاية للمرضى. كما تواصل دعم مراكز الرعاية الصحية الأولية التي كانت تساندها أصلًا في طرابلس.
ونبقى على تواصل وثيق مع السلطات اللبنانية وسائر الجهات المعنية، وعلى أهبة الاستعداد لتوسيع نطاق دعمنا مع تزايد الاحتياجات.
مطالبنا
حماية المدنيين والبنى التحتية
ندعو إلى حماية المدنيين والعاملين في الرعاية الصحية والمرافق الطبية، وإلى احترام القانون الدولي الإنساني في لبنان.
تعزيز التمويل والاستجابة الإنسانية
ندعو إلى تحرك سريع لتأمين تمويل طارئ ومرن من أجل توسيع نطاق الاستجابة لاحتياجات النازحين والمجتمعات المضيفة.