استجابة أطباء بلا حدود للحرب في لبنان
لبنان: بعد أكثر من 100 يوم من الحرب، لا يزال المدنيون بحاجة إلى الحماية والرعاية الصحية والدعم العاجل
آخر تحديث: 23 يونيو/حزيران 2026
في وقت تتقدم فيه المناقشات بشأن اتفاق إقليمي يشمل لبنان، لا تزال الأوضاع على الأرض شديدة الضبابية، ولم يتضح بعد ما إذا كان وقف إطلاق النار الأخير سيؤدي إلى تحسن ملموس في حياة الناس في لبنان. فقد أمضى السكان أكثر من 100 يوم وسط أزمة إنسانية متواصلة ومدمّرة، تركت آثارًا عميقة لن تزول بانتهاء الحرب.
لا يزال كثير من الناس ينظرون بحذر إلى الإعلان عن وقف إطلاق النار، إذ لا يعني لهم بالضرورة عودة الأمان. فقد أُعلن عن وقف سابق لإطلاق النار في 17 أبريل/نيسان بعد 46 يومًا من الحرب، لكنه لم يجلب الحماية للمدنيين أو النظام الصحي، إذ استمرت الهجمات، وتواصلت أوامر التهجير القسري، فيما تابع الجيش الإسرائيلي توغله البري. واليوم، ينتظر السكان ليروا ما إذا كان وقف إطلاق النار الأخير سيوفّر لهم فعلًا الحماية التي حُرموا منها طوال الأشهر الماضية.
هذا وقد خلّفت الحرب حصيلة بشرية مروعة، فبين 2 مارس/آذار و22 يونيو/حزيران 2026، قُتل أكثر من 4,100 شخص وأصيب أكثر من 12,000 آخرين.
ورغم الإعلان عن وقف جديد لإطلاق النار، لا تزال الأوضاع شديدة الهشاشة. فما زالت أجزاء من البلاد تقبع تحت الاحتلال. وقد نزح نحو مليون شخص من منازلهم خلال أكثر من 100 يوم، بينما تعرض آخرون لموجات نزوح متكررة منذ عام 2023، من دون أي أفق واضح لعودة العائلات التي اقتُلعت من مناطقها الواقعة تحت الاحتلال.
وفي وقت بدأ فيه بعض السكان بالعودة إلى مناطقهم، بينما لا يزال آخرون نازحين، تواصل أطباء بلا حدود تكييف أنشطتها في مختلف أنحاء البلاد استجابةً للاحتياجات المتغيرة. وهذا ولا تزال العودة تنطوي على أخطار كبيرة لكثير كثير من العائلات، لا سيما في المناطق التي لا تزال تفتقر الأمان، في ظل صعوبة الوصول إلى الرعاية الصحية ومياه الشرب والخدمات الأساسية.
استجابة أطباء بلا حدود
تواصل أطباء بلا حدود تنفيذ استجابة طارئة على مستوى لبنان من خلال تقديم خدمات طبية أساسية، ودعم المستشفيات ومراكز الرعاية الصحية الأولية، ودعم فرق الإسعاف وخدمات الإسعاف، بالإضافة إلى توفير المساعدة في مجالات المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية للأشخاص المتضررين من الأزمة.
ومنذ بدء التصعيد، وسّعت أطباء بلا حدود نطاق استجابتها الطارئة في مختلف أنحاء البلاد، مع مواءمة أنشطتها تبعًا لتطور الاحتياجات والقيود المفروضة على الوصول. وتدير فرقنا في مختلف المناطق عيادات متنقلة تقدّم الرعاية الصحية الأولية، والدعم النفسي، والرعاية الصحية الجنسية والإنجابية، وتحيل المرضى إلى المستشفيات عند الحاجة.
وبالتوازي، وسّعت أطباء بلا حدود دعمها للمستشفيات ومراكز الرعاية الصحية الأولية من خلال التبرعات الطبية، وتوفير الوقود، والتدخل المباشر في حالات الإصابات، وتقديم الرعاية الطارئة. كما تدير المنظمة عيادة مستقلة في برج حمود في ضواحي بيروت، وعيادة أخرى في الهرمل في البقاع.
ولدعم قدرة الناس على الحصول على الرعاية الصحية، أطلقنا أيضًا خطًا ساخنًا للدعم النفسي وخدمة تطبيب عن بُعد مصمّمة بما يتناسب مع السياق المحلي، للأشخاص الذين قد يواجهون صعوبات في الوصول إلى الرعاية، سواء بسبب انعدام الأمن أو النزوح أو غير ذلك من العوائق. ومن خلال هذه الخدمة، يتلقى المرضى أدويتهم عبر خدمات متنقلة، فيما يقدّم أطباء من المنظمة استشارات المتابعة عبر الهاتف.
وتشمل استجابة أطباء بلا حدود أيضًا أنشطة الإغاثة وخدمات المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية. ففي الأيام الأولى من التصعيد، بدأت فرقنا بتوزيع مواد إغاثة أساسية، من بينها البطانيات والفرش ومستلزمات النظافة الصحية والمياه الصالحة للشرب، على الأشخاص المتضررين من أعمال العنف والعائلات التي لجأت إلى مواقع الإيواء الجماعي.
تواصل أطباء بلا حدود مواءمة أنشطتها باستمرار تبعًا لتطور احتياجات الناس والسياق الميداني. وإذا استمرت التوترات الأمنية، سنواصل تقييم الوضع بعناية وتعديل عملياتنا وفقًا لذلك، بما يضمن وصول المساعدة إلى من هم في أمسّ الحاجة إليها.
أنشطة أطباء بلا حدود بالأرقام
بين 2 مارس/آذار و1 يونيو/حزيران 2026، دعمت أطباء بلا حدود الاستجابة من خلال:
- عيادات متنقلة تغطي 13 منطقة في النبطية والشوف وراشيا والبقاع الغربي وبعلبك وزحلة والهرمل وبيروت وصور وطرابلس وضاحية بيروت الجنوبية وصيدا وعاليه.
- دعم 16 مستشفى، من بينها مستشفى جبل عامل في صور، ومستشفى النجدة الشعبية في النبطية، ومستشفى مشغرة في البقاع.
- دعم 21 مركزًا للرعاية الصحية الأولية في أنحاء البلاد.
الأنشطة الطبية عبر العيادات المتنقلة
- 90,930 شخصًا حضروا جلسات التوعية الصحية
- 60,703 استشارات طبية
- 24,634 شخصًا تلقّوا الدعم النفسي
- 12,367 استشارة في مجال الصحة الجنسية والإنجابية
وقف إطلاق نار بلا حماية فعلية: المجتمعات تخشى أن يتكرر السيناريو نفسه
على مدى أكثر من 100 يوم، عاش الناس في لبنان تحت وطأة تصعيد عسكري متواصل، وسقوط ضحايا بين المدنيين، ونزوح قسري واسع النطاق، وعوائق متزايدة أمام الحصول على الرعاية الصحية.
ومنذ الإعلان عن وقف إطلاق النار في 17 أبريل/نيسان، واصل الجيش الإسرائيلي شنّ ضربات على مناطق مكتظة بالسكان في جنوب لبنان والبقاع وضاحية بيروت الجنوبية. كما أدّت الهجمات على الجسور وغيرها من البنى التحتية المدنية إلى مزيد من القيود على الحركة، ما جعل وصول السكان والنازحين والفرق الإنسانية إلى الخدمات الأساسية والرعاية الطبية أكثر صعوبة.
في نظر المدنيين، عنى ذلك العيش في حالة دائمة من عدم اليقين وتحت تهديد مستمر. فقد اضطر كثيرون إلى الفرار أكثر من مرة، بعضهم للمرة الثانية أو الثالثة. ولا يتحدث الناس عن فقدان منازلهم وأحبائهم فحسب، بل أيضًا عن فقدان شعورهم بالهوية والاستقرار، وأي يقين بشأن المستقبل.
وتثير الإصابات التي عالجتها فرق أطباء بلا حدود، ومن بينها عائلات بأكملها وأطفال صغار ومسنّون، مخاوف جدية بشأن مدى اتخاذ الاحتياطات اللازمة أثناء تنفيذ الضربات، وحماية المدنيين.
النزوح الجماعي وتداعياته المستمرة
لم تنتهِ تبعات النزوح مع وقف إطلاق النار. فما زال كثيرون خارج بيوتهم ومناطقهم، فيما يستمر عدم اليقين في التأثير على قرارات من يفكرون في العودة، وما إذا كانت العودة آمنة أصلًا.
خلال الأشهر الماضية، أدّت أوامر الإخلاء الواسعة والمباغتة، إلى جانب استمرار الضربات، إلى اقتلاع نحو خُمس سكان لبنان من بلداتهم. وقد تُرك مئات الآلاف من الناس من دون مأوى ملائم، يعيشون في ظروف بالغة الصعوبة، مع قدرة محدودة على الحصول على الخدمات الأساسية.
منذ 2 مارس/آذار، أدّت أوامر الإخلاء المتكررة إلى موجات متتالية من النزوح، فيما نُفّذت الضربات في كثير من الحالات من دون سابق إنذار، ما أجبر الناس على الإخلاء من دون أي وقت للاستعداد، أو تركهم عاجزين عن النجاة أصلًا. وفي 8 أبريل/ نيسان على سبيل المثال، سُجّل نحو 100 هجوم خلال عشر دقائق، ما لم يترك للمدنيين أي فرصة فعلية للاحتماء.
وبالنسبة إلى العائلات النازحة، لا يقتصر الأثر على اللحظة الراهنة. ففقدان المنازل وسبل العيش وشبكات الدعم المجتمعية والقدرة على الحصول على الرعاية، لا يزال يفاقم الاحتياجات الإنسانية، حتى مع الإعلان عن وقف إطلاق النار.
الرعاية الصحية نفسها تحت الهجوم، ما يثير مخاوف بالغة
تعكس الهجمات المتكررة على مرافق الرعاية الصحية إخفاقًا خطيرًا في حماية المهمة الطبية، وتقيّد بشدة قدرة الناس على الحصول على الرعاية.
كما تعرّض المسعفون وفرق الدفاع المدني مرارًا للقتل أو الإصابة، غالبًا أثناء تنفيذ مهام الإنقاذ عقب الضربات. وفي بعض الحالات، طالت الضربات المواقع نفسها التي كانت فرق الإنقاذ تستجيب فيها، ما اضطر العاملين في الطوارئ إلى تعديل طريقة عملهم خشية أن يُستهدفوا هم أيضًا.
وقد لحقت أضرار جسيمة بالبنية التحتية الصحية. بين 2 مارس/آذار و22 يونيو/حزيران 2026، وثّقت منظمة الصحة العالمية 208 هجمات على مرافق الرعاية الصحية، قُتل فيها 133 من العاملين الصحيين وأُصيب 403 آخرون. وخلال الفترة نفسها، تضرّر 17 مستشفى وأُجبرت ثلاثة مستشفيات على الإغلاق، فيما اضطُر 38 مركزًا للرعاية الصحية الأولية في أنحاء لبنان إلى إغلاق أبوابه.
في 1 يونيو/حزيران، أسفرت غارة جوية إسرائيلية قرب مستشفى جبل عامل في صور، المدعوم من أطباء بلا حدود، عن مقتل أربعة أشخاص وإصابة 127 آخرين، بينهم 39 من العاملين في المستشفى. وكانت هذه أكبر حادثة منفردة تُسجَّل خلالها إصابات في صفوف العاملين الصحيين خلال هذه الفترة.
وتعرب أطباء بلا حدود عن بالغ قلقها إزاء الضربات المتكررة على مقربة شديدة من المرافق الطبية. فهذه الهجمات تتسبب بوفيات كان من الممكن تفاديها، من خلال عرقلة الوصول إلى الجرحى، وإلحاق الأضرار بالبنى التحتية الحيوية، وإحداث صدمات نفسية شديدة لدى المرضى والعاملين الصحيين، في وقت يقدّم فيه هؤلاء رعاية منقذة للحياة تحت ضغط استثنائي.
تفاقم الاحتياجات الصحية وتراجع القدرة على الوصول إلى الرعاية
عالجت فرق أطباء بلا حدود والكوادر الصحية في المرافق التي ندعمها مرضى يعانون من إصابات بالغة ومعقّدة، احتاج كثيرون منهم إلى تدخلات جراحية متعددة.
وبعيدًا عن علاج الإصابات، تعطّلت استمرارية الرعاية الصحية بشكل كبير، ولا سيما للنساء الحوامل والأشخاص الذين يحتاجون إلى علاج طويل الأمد. ويواجه كثير من المرضى صعوبات في الحصول على المتابعة الدورية والأدوية والخدمات الأساسية، في وقت تستمر فيه الاحتياجات الصحية بالتزايد.
أجبرت الهجمات التي تطال المدنيين الناس على العيش في حالة دائمة من عدم اليقين وتحت تهديد لا ينقطع.
وتتزايد احتياجات الصحة النفسية بشكل حاد، إذ يصف المرضى معاناة نفسية عميقة وحزنًا وفقدانًا وصدمات مرتبطة بالنزوح المتكرر. فقد اضطر كثيرون إلى الفرار أكثر من مرة. ولا يتحدث الناس عن فقدان منازلهم وأفراد من عائلاتهم فحسب، بل أيضًا عن فقدان شعورهم بالهوية والاستقرار، وأي يقين بشأن المستقبل.
مطالبنا
حماية المدنيين وإنهاء النزوح القسري
تدعو أطباء بلا حدود إلى حماية المدنيين فورًا وإنهاء النزوح القسري.
حماية الرعاية الصحية واحترام القانون الدولي الإنساني
تدعو أطباء بلا حدود إلى حماية العاملين في مجال الرعاية الصحية وفرق الإنقاذ وسيارات الإسعاف والمرافق الطبية، وإلى الاحترام الكامل للقانون الدولي الإنساني.
زيادة التمويل الطارئ والمرن
تدعو أطباء بلا حدود إلى تعبئة سريعة لتمويل طارئ مرن وشامل، بما يتيح توسيع نطاق الدعم المقدّم للنازحين والمجتمعات المضيفة.