يا بيتًا لنا: أصوات المهجرين قسرًا وذكريات من الجنوب

الوضع الراهن

تسببت الحرب الإسرائيلية خلال ذروتها بتهجير أكثر من مليون شخص في لبنان، وحتى 22 يوليو/تموز، لا يزال أكثر من 375,000* منهم غير قادرين على العودة إلى بيوتهم، أو ببساطة لم يعد لديهم بيوت يعودون إليها.

يقاسي المهجّرون قسرًا التبعات المستمرة للحرب والنزوح، والتي لا تقتصر مطلقًا على فقدان البيت والمستقر.

*بحسب المنظمة الدولية للهجرة.

More than 1 million forced from home. 375,000+ still cannot return.

Forcibly displaced people.

0

people displaced in Lebanon at the peak of the Israeli war

0

remain unable to return home, or no longer have homes to return to, as of July 22 (IOM)

حليمة

من قعقعية الجسر، النبطية

"بدي أوصل عالبيت وبوس العتبة".

صورة أفقية لحليمة.

هُجّرت حليمة مع زوجها وابنتها من قعقعية الجسر في النبطية إلى مدرسة رسمية في بيروت، وقد أثقلها النزوح بضغوطات جسدية ونفسية شديدة. تقول، "هون أنا كل شي مستصعبته. مش متقبّلة. يعني حتى صار عندي ضغط نفسي، بطّل فيي أوقف على إجري، بدي إمشي ما فيي. إذا بدي قوم عن الأرض، بدي جوزي يشدني لأقدر قوم. رحت عند الحكيم عملت فحوصات، طلع عندي إلتهابات بجسمي كله".

تصميم فني من قصة حليمة.

ولدت حليمة في بيروت وترعرعت فيها، ولا تنكر تفضيلها لحياة المدينة، لكنها تحنّ إلى بيتها المتواضع في القرية، بجنينته الصغيرة التي يزرعها زوجها ويعتني بها. كانت حليمة بيتوتية ولا تغادر منزلها إلا للضرورة، لكنها مضيافة وكانت تستقبل الزائرين في مختلف أوقات اليوم.

مع اندلاع التصعيد الأخير للحرب الإسرائيلية، اضطرت حليمة إلى مغادرة بيتها بصحبة زوجها وابنتها البالغة من العمر 13 عامًا. أثقل النزوح كاهل حليمة وأنهك جسدها فلم تعد قادرة على الوقوف على قدميها والمشي من دون مساعدة، فيما دفع ابنتها للانزواء والخوف، خاصة مع صعوبة الظروف في المدرسة الرسمية التي كانت مركز الإيواء الذي استقبلهم في بيروت. تغمض حليمة عينيها فتعود إلى شرفة بيتها التي حولتها إلى خيمة صغيرة، بشبابيك خشبية ومجلس يستضيف الأهل والأصدقاء صيفًا شتاءً.

بس إجت بنتي عالمدرسة الرسمية هون، كانت ردة فعلها إنو ما بدها تسكن هون، بس الأمر الواقع، ’ماما بيت ما في. يعني ما في هلق إلا مدرسة تكون ملجأنا. بدك تتقبلي‘.

حليمة

وردة*

من دير الزهراني، النبطية

"كل وردة إلها قصّة واسم، وبهتم فيهن متل ولادي".

صورة أفقية لوردة.

لم تكبت وردة ضحكتها وهي تخبرنا بأنها حين غادرت بيتها لأول مرة بعيد اندلاع التصعيد الأخير للحرب الإسرائيلية في لبنان، أخذت معها البطانيات والوسائد، كي تضمن حدًّا أدنى من الراحة لبيات عائلتها المكونة من زوج وثلاث بنات وصبي. بقيت العائلة في البيت الجنوبي طوال 18 يومًا وسط هدير الطائرات الحربية الإسرائيلية والصواريخ، إلى أن وقعت غارة خلف البيت سقط خلالها قتلى وجرحى.

تصميم فني من قصة وردة.

أخبرتنا وردة عن معاناة أولادها خلال التهجير، من تعطّل دراستهم وشعورهم بانعدام الأفق بعيدًا عن بيتهم وضيعتهم، إلى جانب الضائقة المادية وانقطاع مصادر الرزق، خاصةً وأن العائلة هُجّرت للمرة الثانية خلال هذه الحرب، وهم متواجدون حاليًا في مركز إيواء في الجيّة بجبل لبنان. تسببت الغارات الإسرائيلية بتحطيم الزجاج في بيت وردة في دير الزهراني، لكنها ترفض تغيير الزجاج المكسور لأحد الشبابيك، لأنه يذكرها بجارهم الذي كان يمر من أمام البيت يوميًا قبل أن يُقتل خلال الحرب.

تشتاق وردة لجنينتها التي تفوح بعطر الورد الجوري والكولونيا والبوصفير، وتتطلع للرجوع إلى بيتها لتزرع الورود التي اشترتها واعتنت بها خلال نزوحها. لا تزال وردة مهجّرة في الجيّة بعيدًا عن ضيعتها.*اسم مستعار.

طلعة صغيرة، أوّلها من تحت، شجرة زنزلخت كبيرة. بتطلعي شوي، عندي شجرة أكيدنيا، حبتها كبيرة وطيبة كتير، منضل معربشين عليها... بيت صغير، ناعم، غرفتين ومطبخ وحمام ومبسوطة فيهن.

وردة

نسرين

من صدّيقين، صور

"كل ذكرياتي جبتها معي، حتى بيتي بعقلي وبمخيلتي، بحسه معي".

صورة أفقية لنسرين.

عاشت نسرين في بيتها مع زوجها ووالدتها، حيث صنعتا مونة البيت سويًا، من الكشك والزعتر والمكدوس والزيتون والمربى، وداومت نسرين على رعاية والدتها حتى توفّيت.

تصميم فني من قصة نسرين.

لا تزال نسرين تستذكر ويلات الحرب الإسرائيلية في لبنان عام 2024، حيث أُجبرت على مغادرة بيتها هي وزوجها على دراجة نارية في ساعات الصباح الأولى، وظلّت قرابة 37 ساعة في الطريق، إلى أن وصلت إلى مركز إيواء في الحمرا ببيروت. قبل التصعيد الأخير للحرب بعشرة أيام، قررت نسرين أن تغيّر الزجاجيات ومستلزمات المطبخ، لكنها هُجّرت قسرًا من بيتها قبل أن تتمكن من استخدام المستلزمات الجديدة.

حتى في نزوحها، أخذت نسرين مونتها من بيتها وخصصت لها مكانًا في المدرسة التي تحولت إلى مركز للإيواء في الجية بجبل لبنان، تذكارًا وأملًا بعودة إلى ضيعتها. منذ عدة أسابيع، عادت نسرين إلى ضيعتها بعد خفض التصعيد في الجنوب، لكنها لا تزال مُبعدة عن بيتها.

كل شي بستفقدله ببيتي. كل شي، كل شي، كل شي. وقت الهدنة، طلعنا فلّينا وعأساس خلص، ولما طلعت على البيت، وشفت [الدمار] اللي شفته، حسيت إنه طويلة.

نسرين

محمد علي* وولاء*

من ميفدون، النبطية

"إذا في شي بيضلّ معنا من التهجير، هي الناس الطيبة اللي تعرّفنا عليها".

محمد علي*
محمد علي وولاء يجلسان معًا في مركز الإيواء.
لوحة فنية تستعيد بيت محمد علي وولاء التراثي والدالية.

محمد علي* سوري من جبل الشيخ، تزوج من ولاء*، اللبنانية الجنوبية، وعاشا في سوريا لبضع سنوات حيث ولدت ابنتهما، ثم انتقلت العائلة إلى جنوب لبنان عام 2011، حيث ولد ابنهما. في ميفدون، عاشت العائلة في بيت تراثي، في فنائه دالية وشجرتا رمّان وحوض من الورود، وكان محمد علي يزرعه خضروات وأعشابًا. كانت العائلة تجتمع في ظل الدالية لنتاول العشاء جلوسًا على الأرض، فيما كانت ولاء تستمتع بطهي مختلف الأطباق والحلويات.

خلال التصعيد الأخير للحرب الإسرائيلية، خسرت ولاء جنينها بسبب الخوف من جدران الصوت التي ترافق الطيران الحربي الإسرائيلي، فيما قُتلت صديقة ابنتها البالغة من العمر 16 عامًا. في مركز الإيواء بالجيّة في جبل لبنان، تواجه العائلات صعوبات متعددة، من غياب المستلزمات الأساسية مثل البرّاد، إلى جانب الظروف المتردية للمياه والصرف الصحي، مثل قلة المراحيض وما يتبع ذلك من محدودية للخصوصية. على الرغم من الألم، يأمل محمد علي وولاء أن يعودا إلى بيتهم ويلاقون جيرانهم الذين فرقهم التهجير عنهم.*تم تغيير الأسماء.

صوت الطيران كان كتير مخيف وبيفزّع. قد ما كان الواحد عنده إيمان برب العالمين، بس الخوف مو بإيده.

ولاء

سعيد وسناء

من حاريص، النبطية

"حرمونا من أشياء كثيرة كانت عزيزة علينا. وهلق مش رح نلاقي مطرح نقعد فيه. يعني من التهجير على التهجير صرنا".

سعيد
سعيد وسناء وابنتهما وحفيدهما في مركز الإيواء.
لوحة فنية لذكرى عائلية تجمع سعيد وسناء حول مائدة احتفال.

خلال التصعيد الأخير للحرب الإسرائيلية في لبنان، دمّرت غارة جوية إسرائيلية بناية تمتلكها عائلة سعيد وسناء، وخسر الزوجان منزلهما الذي كان قد نجى من التدمير خلال جولات التصعيد الإسرائيلية السابقة. هُجّرت العائلة إلى ملعب الصفاء في بيروت، حيث يقاسون جميعًا ضغوطات نفسية بسبب الاكتظاظ وسوء ظروف المياه والصرف الصحي، مع معاناة سعيد من مشكلات في الرئتين إلى جانب السكري وارتفاع ضغط الدم.

أخبرتنا سناء عن حزنها عندما رأت صور ركام بيتها، والذي لشدة دماره يستحيل حتى البحث في أنقاضه عن أي أغراض يمكن إنقاذها، لكنها تعزي نفسها بأنها وأولادها بخير. أما سعيد، فقد آلمه فقدان إرثه العائلي من قنديل أثري ومعدات الحصاد القديمة التي لا تقدّر بثمن في الوقت الحالي. تحاول ابنة سعيد وسناء، المهجّرة معهما كذلك، أن تحافظ على العادات والتقاليد التي نشأت عليها، مثل اجتماع الأهل في المناسبات السعيدة، حتى في ظل الظروف الحالية وانعدام اليقين.

أيمتى بدنا نرجع عكنبايتي، أقعد بالمطبخ، فنجان القهوة حدّي؟ هيدي حسرة بقلبي معش يمكن نلاقيها إسّا. إنشالله نضلّ عايشين ليطلع البيت وإقعد هالقعدة إرجع. حسرة، حسرة.

سناء

يعاني كثير من مراكز الإيواء من اكتظاظ كبير، إلى جانب سوء ظروف المرافق الصحية، ما قد يهدد خصوصية الأشخاص الذين يتشاركون هذه المساحات. تقدم فرق أطباء بلا حدود الخدمات الطبية من خلال العيادات المتنقلة التي أطلقتها ضمن الاستجابة الطارئة لتصعيد الحرب في لبنان.

"بيتي بيشبه لون السما، وريحته ريحة الأرض".

وردة