50 سنة من أطباء بلا حدود في لبنان: العمل مستمر

1976 — 2026

50 سنة من عمل أطباء بلا حدود في لبنان

من الحرب الأهلية إلى أزمات اليوم، وقفت أطباء بلا حدود إلى جانب الناس في لبنان برعاية طبية مستقلة، حيث تكون الحاجة أكبر.

اقرأ القصة
أطباء بلا حدود في لبنان

من الحرب الأهلية إلى حرب 2006

رعاية في قلب النزاع.

بدأ عمل أطباء بلا حدود في لبنان بتقديم الرعاية الطارئة في خضمّ حرب أهلية مستعرة، عندما كانت المنظمة لا تزال تبحث عن موطئ قدمها وتخطط لكيفية استجابتها للأزمات في العقود التالية.

وبعد انتهاء الحرب الأهلية، دعمت فرقنا مستوصف بئر حسن في ضاحية بيروت الجنوبية، حيث قدمت الرعاية الطبية واستشارات ما قبل الولادة للفلسطينيين واللبنانيين والسكان النازحين.

في عام 2006، وقع المدنيون مجددًا في براثن حرب إسرائيلية، حيث تسببت الأضرار في الطرق والحصار الجوي والبحري بانقطاع الوصول إلى الاحتياجات الأساسية.

رأي

جيريمي ريستور، منسّق برامج أطباء بلا حدود في لبنان

50 عامًا من أطباء بلا حدود في لبنان: الإنجاز المرير

يحمل نصف قرن من العمل الإنساني في بلد واحد ثقلًا غريبًا ومربكًا.

مع مرور 50 عامًا على وجود منظمة أطباء بلا حدود في لبنان، اعتمدنا شعار «الإيد عالجرح بتشفي»، والذي يستحضر التواصل والاستعداد بثبات لمواجهة الألم، لا الهروب منه.

لكنه وبعد نصف قرن يستدعي تفكيرًا صادقًا. فالأيدي قادرة على تضميد الجراح، أو إعطاء لقاح، أو احتضان طفل يعاني من صدمة نفسية. لكنها لا تستطيع أن تعالج نظامًا منهكًا، أو توقف القنابل، أو تحلّ محل البنى التحتية المتداعية في بلدٍ ما، أو تضمن استقرارًا دائمًا.

هنا تكمن مفارقة هذه اللحظة التاريخية، إذ ساهم لبنان في تشكيل أطباء بلا حدود كما نعرفها اليوم، إلا أن الحاجة إلى المنظمة لا تزال قائمة حتى بعد 50 عامًا.

قبل خمسين عامًا، وخلال الحرب الأهلية في لبنان، دخلت أطباء بلا حدود منطقة حرب للمرة الأولى. أدى تعاملنا مع نزاع قائم وسط الحصار والفوضى إلى إجبار ما بدأ كمبادرة تطوعية على النضوج، فقد كان لبنان إحدى المحطات التي عززت فيها المنظمة خبرتها في الاستجابة لحالات الطوارئ المعقدة في مختلف أنحاء العالم. ولكن إذا كان لبنان قد ساهم في تشكيل أطباء بلا حدود، فماذا يعني بقاؤنا هنا بعد خمسة عقود؟

لا تزال أصداء الماضي تتردد بألم معهود، في التصعيدات العسكرية الإسرائيلية، وغياب العدالة الاجتماعية، والتهجير، والفشل البنيوي الذي يدفع بالسكان الأشد حاجة إلى حافة الانهيار. هل ستختلف الصورة بعد خمسين عامًا؟ هل سيستمر العنف الإسرائيلي باجتثاث العائلات من أرضها في الجنوب؟ وهل سيستمر نظام الكفالة باستغلال العاملات والعمال المهاجرين، وهل سيظل اللاجئون مشرّدين بلا طريق آمن للعودة إلى ديارهم؟

لا تحلّ أزمات لبنان محل بعضها البعض، بل تتراكم. فالانهيار الاقتصادي يفاقم التهجير، والتهجير يفاقم انعدام الأمن، وانعدام الأمن يثقل أنظمة الرعاية الصحية التي تعاني. تتعدد أوجه الحاجة وتكثر طبقاتها. لننظر مثلًا إلى أحمد، العامل المهاجر السوداني الفلسطيني في جنوب لبنان، والذي هُجّر قسرًا بفعل الحرب الحالية. يحمل أحمد وزر أجيال من انعدام الجنسية والتغريبة الفلسطينية، والأوضاع القانونية الهشة للعمال المهاجرين، والرعب ذاته الذي يعيشه جيرانه اللبنانيون في بلد وقع مجددًا في أتون الحرب. الرعاية الطبية وحدها لا تكفي إطلاقًا، فالطب لا يستطيع شفاء مريض عائد إلى بيت لا يصلح للسكن أو مجبر على الاختيار بين الطعام والدواء. أجبرنا هذا الواقع على النظر إلى المحددات الاجتماعية للصحة، أي أوجه عدم المساواة التي تقرر من يمرض، ومن يحصل على الرعاية، ومن يتعافى. لهذا السبب، وسعت أطباء بلا حدود نطاق عملها ليشمل الدعم النفسي الاجتماعي، والعمل الاجتماعي، والحماية، عوضًا عن معالجة المرض من دون النظر إلى الظروف التي تسببت به.

في خضم هذه المِحن، يستمر تفاني زملائنا بإدهاشنا. تعتمد أطباء بلا حدود في لبنان اليوم على أكثر من 300 موظف محلي، وهم العمود الفقري لكل ما نقوم به. لا يقف زملاؤنا خارج دائرة الأزمة، فهم يعيشون ذات الضغوط وانعدام الأمن الذي يعيشه المرضى الذين يقصدون عياداتنا. يحمل كل من زملائنا فقدًا شخصيًا، لكنهم حاضرون يوميًا ليساعدوا ويداووا ويواسوا غيرهم ويقفوا إلى جانبهم. لكن لا يجوز مطلقًا أن يُستغل الصمود ذريعةً للإهمال الممنهج، خاصة في ظل الوهم الخطير القائل بأن الإغاثة الإنسانية قادرة على إدارة أو حتى إصلاح واقع مختلّ. علينا أن نكون صريحين حيال ما يمكننا فعله وما نعجز عن فعله. فالعمل الإنساني لا يمكنه حل النزاعات المسلحة أو القضاء على الظلم الممنهج. لا يجوز مطلقًا أن تحلّ الإغاثة الإنسانية محل الحلول المستدامة وطويلة الأمد. كما لا يجوز تفويض المنظمات غير الحكومية لتوفي بالتزامات الدولة لحماية المدنيين، وضمان الوصول إلى الرعاية الصحية بلا تحيّز، واحترام القانون الدولي الإنساني. عندما يمتد النزاع لأجيال، تتعرض الجهات الفاعلة الإنسانية لخطر التحول إلى جزء من الآلية التي تبقي على الوضع الراهن كما هو، فتدير المعاناة عوضًا عن إنهائها. علينا في أطباء بلا حدود ألّا نصبح ضمادًا يلف العنف البنيوي، وأن نبني القدرات المحلية عوضًا عن الاعتماد طويل الأمد على الإغاثة الإنسانية.

يمكن للرعاية الطبية والحماية الاجتماعية أن تخففان من المعاناة، لكن لا يمكنهما إنهاء العنف الذي يأتي بهما، ما يتطلب مساءلة، وتغييرًا في السياسات، وقيادة سياسية. لهذا يمثل الإدلاء بالشهادة جزءًا لا يتجزأ من عملنا الطبي والاجتماعي. فعندما نشهد هجمات عسكرية وسياسات تعرقل الرعاية الصحية، أو نشهد استهداف المدنيين والمرافق الطبية والعاملين في المجال الإنساني، لا يمكننا أن نخيط الجراح بصمت. نحن نوثّق ونرفع أصواتنا. تحمل مسؤوليتنا وجهين: أن نبقى إلى جانب الأشخاص الذين يحتاجون إلى الرعاية، وألّا نسمح لهذه الرعاية بحجب أسباب حاجتهم إليها.

لم توجد المنظمات الإنسانية لتكون دائمة. فقد استجابت فرق أطباء بلا حدود للأزمات في لبنان على مدى خمسة عقود، وهذا ليس مجرد تعبير عن قدرة تحمّلنا، بل هو دليل على استمرار أزمات لأجيال. يكمن هدفنا في مساعدة الناس على النجاة بكرامة، فيما نذكّر العالم بأن الإغاثة الإنسانية ليست إلا جسرًا مؤقتًا. مع مضي 50 عامًا على وجودنا في لبنان، نؤكد مجددًا التزامًا ثنائيًا: أن نصون استقلاليتنا وعدم تحيّزنا في تقديم الرعاية، وأن نطالب بمستقبل لا حاجة فيه إلى وجودنا. غاية آمال أطباء بلا حدود هي انتفاء الحاجة إليها. وحتى ذلك اليوم، يظل التزامنا كما كان قبل خمسة عقود: أن نمد أيدينا لأشد المحتاجين إليها، ونقدم الرعاية لمن يعيشون الأزمات، وندلي بشهادتنا على الخسائر البشرية فيما يغض العالم طرفه. لا يهم كم تدوم الحاجة لهذه الأيدي، فالغاية أن تنتفي الحاجة إليها يومًا ما.

رعاية لم تنقطع عند انتهاء الحروب

استمرت الرعاية بعد انتهاء القتال.

في عام 2008، افتتحت أطباء بلا حدود مركزًا للصحة النفسية في برج البراجنة، بالقرب من أحد أكبر مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في بيروت، وبهذا كانت بداية الوجود المستمر للمنظمة في لبنان.

وفيما أجبرت الحرب في سوريا مئات آلاف الأشخاص على اللجوء إلى لبنان، وسعت أطباء بلا حدود نطاق استجابتها لتلبية الاحتياجات المتزايدة.

منذ عام 2019

عندما وقع نظام الرعاية الصحية تحت ضغوطات هائلة.

منذ عام 2019، لم تعد الرعاية الصحية في متناول كثير من الناس. أثقل فيروس كوفيد-19 كاهل النظام الصحي، ثم أدى انفجار مرفأ بيروت إلى احتياج آلاف الأشخاص للرعاية الطبية والنفسية العاجلة.

كوفيد-19

حولنا مستشفانا في بر الياس في سهل البقاع إلى مرفق مخصص لعلاج كوفيد-19، ودعمنا مركز عزل في سبلين.

انفجار بيروت

أدى انفجار مرفأ بيروت إلى احتياج آلاف الأشخاص للرعاية الطبية والنفسية العاجلة.

الكوليرا

في عام 2022، استجبنا لأول تفشي لمرض الكوليرا في لبنان منذ قرابة ثلاثة عقود.

الاستجابة الحالية

تدعم أطباء بلا حدود المستشفيات ومراكز الرعاية الصحية الأولية في جميع أنحاء البلاد.

منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، أدت تصعيدات الحرب المتكررة والمثقلة بقصف إسرائيلي مكثف إلى تهجير قسري وتزايد في الاحتياجات الطبية.

واليوم، تعمل أطباء بلا حدود جنبًا إلى جنب مع وزارة الصحة العامة لدعم المستشفيات ومراكز الرعاية الصحية الأولية في جميع أنحاء البلاد.

اقرأ المزيد عن استجابتنا للحرب

50 سنة من عمل أطباء بلا حدود في لبنان

رعاية قائمة على الاحتياجات

رعاية قائمة على الاحتياجات

على مدى خمسين سنة، قدمت أطباء بلا حدود رعاية طبية مستقلة في لبنان.

انطلاقًا من الحاجة الطبية وحدها، وصلت هذه الرعاية إلى اللاجئين الفلسطينيين والعائلات السورية والعمال المهاجرين والسكان اللبنانيين الذين يعيشون تحت وطأة النزاع والانهيار الاقتصادي.

وهذا هو جوهر عمل أطباء بلا حدود في لبنان: 50 سنة والإيد عالجرح بتشفي.

1976 — 2026

50 سنة من عمل أطباء بلا حدود في لبنان

من الحرب الأهلية إلى أزمات اليوم، وقفت أطباء بلا حدود إلى جانب الناس في لبنان برعاية طبية مستقلة، حيث تكون الحاجة أكبر.

أطباء بلا حدود في لبنان

من الحرب الأهلية إلى حرب 2006

رعاية في قلب النزاع.

بدأ عمل أطباء بلا حدود في لبنان بتقديم الرعاية الطارئة في خضمّ حرب أهلية مستعرة، عندما كانت المنظمة لا تزال تبحث عن موطئ قدمها وتخطط لكيفية استجابتها للأزمات في العقود التالية.

وبعد انتهاء الحرب الأهلية، دعمت فرقنا مستوصف بئر حسن في ضاحية بيروت الجنوبية، حيث قدمت الرعاية الطبية واستشارات ما قبل الولادة للفلسطينيين واللبنانيين والسكان النازحين من جراء الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان.

في عام 2006، وقع المدنيون مجددًا في براثن حرب إسرائيلية، حيث تسببت الأضرار في الطرق والحصار الجوي والبحري بانقطاع الوصول إلى الاحتياجات الأساسية. ونظرًا لقلة سبل الوصول إلى البلاد، لجأت أطباء بلا حدود إلى البحر، حيث أمّنت ممرًا آمنًا، وتعاونت مع منظمة غرينبيس لنقل 75 طنًا من الإمدادات من قبرص إلى بيروت.

جيريمي ريستور، منسّق برامج أطباء بلا حدود في لبنان

رأي

50 عامًا من أطباء بلا حدود في لبنان: الإنجاز المرير

يحمل نصف قرن من العمل الإنساني في بلد واحد ثقلًا غريبًا ومربكًا.

مع مرور 50 عامًا على وجود منظمة أطباء بلا حدود في لبنان، اعتمدنا شعار «الإيد عالجرح بتشفي»، والذي يستحضر التواصل والاستعداد بثبات لمواجهة الألم، لا الهروب منه.

لكنه وبعد نصف قرن يستدعي تفكيرًا صادقًا. فالأيدي قادرة على تضميد الجراح، أو إعطاء لقاح، أو احتضان طفل يعاني من صدمة نفسية. لكنها لا تستطيع أن تعالج نظامًا منهكًا، أو توقف القنابل، أو تحلّ محل البنى التحتية المتداعية في بلدٍ ما، أو تضمن استقرارًا دائمًا.

هنا تكمن مفارقة هذه اللحظة التاريخية، إذ ساهم لبنان في تشكيل أطباء بلا حدود كما نعرفها اليوم، إلا أن الحاجة إلى المنظمة لا تزال قائمة حتى بعد 50 عامًا.

قبل خمسين عامًا، وخلال الحرب الأهلية في لبنان، دخلت أطباء بلا حدود منطقة حرب للمرة الأولى. أدى تعاملنا مع نزاع قائم وسط الحصار والفوضى إلى إجبار ما بدأ كمبادرة تطوعية على النضوج، فقد كان لبنان إحدى المحطات التي عززت فيها المنظمة خبرتها في الاستجابة لحالات الطوارئ المعقدة في مختلف أنحاء العالم. ولكن إذا كان لبنان قد ساهم في تشكيل أطباء بلا حدود، فماذا يعني بقاؤنا هنا بعد خمسة عقود؟

لا تزال أصداء الماضي تتردد بألم معهود، في التصعيدات العسكرية الإسرائيلية، وغياب العدالة الاجتماعية، والتهجير، والفشل البنيوي الذي يدفع بالسكان الأشد حاجة إلى حافة الانهيار. هل ستختلف الصورة بعد خمسين عامًا؟ هل سيستمر العنف الإسرائيلي باجتثاث العائلات من أرضها في الجنوب؟ وهل سيستمر نظام الكفالة باستغلال العاملات والعمال المهاجرين، وهل سيظل اللاجئون مشرّدين بلا طريق آمن للعودة إلى ديارهم؟

لا تحلّ أزمات لبنان محل بعضها البعض، بل تتراكم. فالانهيار الاقتصادي يفاقم التهجير، والتهجير يفاقم انعدام الأمن، وانعدام الأمن يثقل أنظمة الرعاية الصحية التي تعاني. تتعدد أوجه الحاجة وتكثر طبقاتها. لننظر مثلًا إلى أحمد، العامل المهاجر السوداني الفلسطيني في جنوب لبنان، والذي هُجّر قسرًا بفعل الحرب الحالية. يحمل أحمد وزر أجيال من انعدام الجنسية والتغريبة الفلسطينية، والأوضاع القانونية الهشة للعمال المهاجرين، والرعب ذاته الذي يعيشه جيرانه اللبنانيون في بلد وقع مجددًا في أتون الحرب. الرعاية الطبية وحدها لا تكفي إطلاقًا، فالطب لا يستطيع شفاء مريض عائد إلى بيت لا يصلح للسكن أو مجبر على الاختيار بين الطعام والدواء. أجبرنا هذا الواقع على النظر إلى المحددات الاجتماعية للصحة، أي أوجه عدم المساواة التي تقرر من يمرض، ومن يحصل على الرعاية، ومن يتعافى. لهذا السبب، وسعت أطباء بلا حدود نطاق عملها ليشمل الدعم النفسي الاجتماعي، والعمل الاجتماعي، والحماية، عوضًا عن معالجة المرض من دون النظر إلى الظروف التي تسببت به.

في خضم هذه المِحن، يستمر تفاني زملائنا بإدهاشنا. تعتمد أطباء بلا حدود في لبنان اليوم على أكثر من 300 موظف محلي، وهم العمود الفقري لكل ما نقوم به. لا يقف زملاؤنا خارج دائرة الأزمة، فهم يعيشون ذات الضغوط وانعدام الأمن الذي يعيشه المرضى الذين يقصدون عياداتنا. يحمل كل من زملائنا فقدًا شخصيًا، لكنهم حاضرون يوميًا ليساعدوا ويداووا ويواسوا غيرهم ويقفوا إلى جانبهم. لكن لا يجوز مطلقًا أن يُستغل الصمود ذريعةً للإهمال الممنهج، خاصة في ظل الوهم الخطير القائل بأن الإغاثة الإنسانية قادرة على إدارة أو حتى إصلاح واقع مختلّ. علينا أن نكون صريحين حيال ما يمكننا فعله وما نعجز عن فعله. فالعمل الإنساني لا يمكنه حل النزاعات المسلحة أو القضاء على الظلم الممنهج. لا يجوز مطلقًا أن تحلّ الإغاثة الإنسانية محل الحلول المستدامة وطويلة الأمد. كما لا يجوز تفويض المنظمات غير الحكومية لتوفي بالتزامات الدولة لحماية المدنيين، وضمان الوصول إلى الرعاية الصحية بلا تحيّز، واحترام القانون الدولي الإنساني. عندما يمتد النزاع لأجيال، تتعرض الجهات الفاعلة الإنسانية لخطر التحول إلى جزء من الآلية التي تبقي على الوضع الراهن كما هو، فتدير المعاناة عوضًا عن إنهائها. علينا في أطباء بلا حدود ألّا نصبح ضمادًا يلف العنف البنيوي، وأن نبني القدرات المحلية عوضًا عن الاعتماد طويل الأمد على الإغاثة الإنسانية.

يمكن للرعاية الطبية والحماية الاجتماعية أن تخففان من المعاناة، لكن لا يمكنهما إنهاء العنف الذي يأتي بهما، ما يتطلب مساءلة، وتغييرًا في السياسات، وقيادة سياسية. لهذا يمثل الإدلاء بالشهادة جزءًا لا يتجزأ من عملنا الطبي والاجتماعي. فعندما نشهد هجمات عسكرية وسياسات تعرقل الرعاية الصحية، أو نشهد استهداف المدنيين والمرافق الطبية والعاملين في المجال الإنساني، لا يمكننا أن نخيط الجراح بصمت. نحن نوثّق ونرفع أصواتنا. تحمل مسؤوليتنا وجهين: أن نبقى إلى جانب الأشخاص الذين يحتاجون إلى الرعاية، وألّا نسمح لهذه الرعاية بحجب أسباب حاجتهم إليها.

لم توجد المنظمات الإنسانية لتكون دائمة. فقد استجابت فرق أطباء بلا حدود للأزمات في لبنان على مدى خمسة عقود، وهذا ليس مجرد تعبير عن قدرة تحمّلنا، بل هو دليل على استمرار أزمات لأجيال. يكمن هدفنا في مساعدة الناس على النجاة بكرامة، فيما نذكّر العالم بأن الإغاثة الإنسانية ليست إلا جسرًا مؤقتًا. مع مضي 50 عامًا على وجودنا في لبنان، نؤكد مجددًا التزامًا ثنائيًا: أن نصون استقلاليتنا وعدم تحيّزنا في تقديم الرعاية، وأن نطالب بمستقبل لا حاجة فيه إلى وجودنا. غاية آمال أطباء بلا حدود هي انتفاء الحاجة إليها. وحتى ذلك اليوم، يظل التزامنا كما كان قبل خمسة عقود: أن نمد أيدينا لأشد المحتاجين إليها، ونقدم الرعاية لمن يعيشون الأزمات، وندلي بشهادتنا على الخسائر البشرية فيما يغض العالم طرفه. لا يهم كم تدوم الحاجة لهذه الأيدي، فالغاية أن تنتفي الحاجة إليها يومًا ما.

رعاية لم تنقطع عند انتهاء الحروب

رعاية لم تنقطع عند انتهاء الحروب

استمرت الرعاية بعد انتهاء القتال.

في عام 2008، افتتحت أطباء بلا حدود مركزًا للصحة النفسية في برج البراجنة، بالقرب من أحد أكبر مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في بيروت، وبهذا كانت بداية الوجود المستمر للمنظمة في لبنان. قدّم المركز الرعاية النفسية والنفسية الطبية، وساهم في دمج خدمات الصحة النفسية ضمن الخدمات القائمة.

وفيما أجبرت الحرب في سوريا مئات آلاف الأشخاص على اللجوء إلى لبنان، وسعت أطباء بلا حدود نطاق استجابتها لتلبية الاحتياجات المتزايدة. وصلت الرعاية إلى السكان بناءً على احتياجاتهم الطبية، بغض النظر عن أوضاعهم.

عندما وقع نظام الرعاية الصحية تحت ضغوطات هائلة

منذ عام 2019

عندما وقع نظام الرعاية الصحية تحت ضغوطات هائلة.

منذ عام 2019، لم تعد الرعاية الصحية في متناول كثير من الناس. أثقل فيروس كوفيد-19 كاهل النظام الصحي الذي كان يعاني أساسًا من ضغوطات هائلة، ثم أدى انفجار مرفأ بيروت إلى احتياج آلاف الأشخاص للرعاية الطبية والنفسية العاجلة.

لكن كثيرًا من المرضى لم تأتهم هذه الأزمات بمفردها، فقد كانوا يعانون أساسًا من انقطاع العلاج والنزوح وارتفاع تكاليف الرعاية.

كوفيد-19

عندما انتشر فيروس كوفيد-19 في عام 2020، حولنا مستشفانا في بر الياس في سهل البقاع إلى مرفق مخصص لعلاج كوفيد-19، ودعمنا مركز عزل في سبلين.

انفجار بيروت

أدى انفجار مرفأ بيروت إلى احتياج آلاف الأشخاص للرعاية الطبية والنفسية العاجلة.

الكوليرا

في عام 2022، استجبنا لأول تفشي لمرض الكوليرا في لبنان منذ قرابة ثلاثة عقود، بافتتاح وحدات علاج ونقاط إماهة ودعم أنشطة التوعية والتطعيم.

الاستجابة الحالية

الاستجابة الحالية

تدعم أطباء بلا حدود المستشفيات ومراكز الرعاية الصحية الأولية في جميع أنحاء البلاد.

منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، أدت تصعيدات الحرب المتكررة والمثقلة بقصف إسرائيلي مكثف إلى تهجير قسري وتزايد في الاحتياجات الطبية. نشرت أطباء بلا حدود فرقًا متنقلة في النبطية، وقدمت رعاية للإصابات البالغة وتدريبًا على التعامل مع الإصابات الجماعية، وعالجت المصابين في مخيم عين الحلوة، ثم نشرت لاحقًا 22 فريقًا طبيًا متنقلًا في مختلف أنحاء بيروت وجبل لبنان وبعلبك-الهرمل وعكار.

واليوم، تعمل أطباء بلا حدود جنبًا إلى جنب مع وزارة الصحة العامة لدعم المستشفيات ومراكز الرعاية الصحية الأولية في جميع أنحاء البلاد من خلال التبرعات، وتوفير الوقود، ورعاية الإصابات البالغة، والاستجابة الطارئة.

50 سنة من عمل أطباء بلا حدود في لبنان عدم التحيز الاستقلالية الحياد الشهادة الإيد عالجرح

رعاية قائمة على الاحتياجات

على مدى خمسين سنة، قدمت أطباء بلا حدود رعاية طبية مستقلة في لبنان.

انطلاقًا من الحاجة الطبية وحدها، وصلت هذه الرعاية إلى اللاجئين الفلسطينيين والعائلات السورية والعمال المهاجرين والسكان اللبنانيين الذين يعيشون تحت وطأة النزاع والانهيار الاقتصادي.

خلال هذه الأزمات، اتخذت المعاناة أشكالًا متعددة، بدءًا بإصابات الحرب والتهجير، وصولًا إلى تفشي الأمراض وتوقف العلاج، فضلًا عن المعاناة اليومية للحصول على الرعاية.

وهذا هو جوهر عمل أطباء بلا حدود في لبنان: 50 سنة والإيد عالجرح بتشفي.