كيف تكشف رسومات الأطفال عن الصدمات النفسية والأمل في لبنان؟
كتابة: غليكيريا كوكولياتا، مديرة أنشطة الصحة النفسية مع أطباء بلا حدود في بعلبك–الهرمل، لبنان.
في بعلبك–الهرمل، إحدى أكثر محافظات لبنان افتقارًا إلى الخدمات، والتي تأثّرت بشدّة بالحرب الأخيرة والغارات الجوية الإسرائيلية المتواصلة، تعيش تجمعات كبيرة من اللاجئين السوريين، سواء ممّن طال أمد نزوحهم أو من الوافدين حديثًا[1]، جنبًا إلى جنب مع المجتمعات المحلية. هنا، ينشأ الأطفال في ظل توتّر وعدم يقين فيما لا يمتلكون بعد أي وسيلة للتعبير عنهما. ومن خلال الرسومات، يكشفون كيف تتعايش الصدمة والذاكرة والأمل في حياة يومية تشكّلها ظروف النزوح وانعدام الأمان.
وُلدت الفكرة على نحو غير متوقّع خلال نقاش مجتمعي في بعلبك–الهرمل. فبينما كانت فرق منظمة أطباء بلا حدود تتحاور مع عائلات لبنانية وسورية حول احتياجاتها الصحية، وقف طفل بخجل على هامش الحديث، قبل أن يسأل، “هل يمكننا أن نرسم؟ نريد فقط أن نرسم“.
[1] لا يزال لبنان يستضيف أعلى عدد من اللاجئين نسبةً إلى عدد السكان على مستوى العالم، وتضمّ محافظة بعلبك–الهرمل المحافظة أكبر تجمّع للاجئين في البلاد. وإلى جانب أكثر من مليون لاجئ سوري يقيمون في لبنان منذ سنوات، ونحو 230,000 لاجئ فلسطيني، شهد لبنان أيضًا تدفّقًا حديثًا لقرابة 120,000 سوري عقب سقوط حكومة الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024 وما تبعه من حالة عدم استقرار، استقرّ العديد منهم في محافظة بعلبك–الهرمل.
في شمال شرق لبنان، ينشأ الأطفال، سواء من مجتمعات اللاجئين أو من المجتمعات المضيفة، تحت ضغوط هائلة. فقد خلّفت سنوات النزاع في سوريا والانهيار الاقتصادي في لبنان والعمليات العسكرية والغارات الجوية الإسرائيلية المتواصلة، إلى جانب حالة عدم اليقين التي طال أمدها، أثرًا نفسيًا بالغًا، لا سيما على الأطفال. وتُعدّ اضطرابات النوم والقلق والانسحاب والتغيّرات السلوكية السلبية وصعوبات التركيز من بين الحالات التي ترصدها فرق الصحة النفسية لدى الأطفال الذين يزورون عياداتنا، نتيجة انعدام الأمان المستمر من حولهم. ويجد كثير من الأطفال صعوبة في التعبير عن مشاعر الخوف والفقد والاشتياق، ولا سيما في بيئات يرزح فيها البالغون أنفسهم تحت وطأة الضغوط، منشغلين بتأمين متطلبات البقاء اليومية ومحاولات التكيّف.
بالنسبة للأطفال، غالبًا ما تطفو المشاعر والتجارب التي لا يفهمونها إلى السطح بشكل غير مباشر، من خلال لعبهم أو سلوكهم أو الرسومات التي يرسمونها، لا عبر الكلام. والدعم النفسي الاجتماعي القائم على الفن يتيح لهم التعبير عمّا لا يستطيعون بعد تسميته بالكلمات.
بدأت فرقنا للصحة النفسية بتنظيم أنشطة قائمة على الفن وجلسات منتظمة للرسم في عياداتنا المتنقلة ومرافقنا الثابتة في الهرمل وعرسال. وكان التفاعل فوريًا، ففي كل أسبوع، كان الأطفال يصلون باكرًا وبحماسة، يحمل بعضهم أقلام التلوين من جلسات سابقة، فيما يطلب آخرون أوراقًا إضافية ليأخذوها إلى منازلهم. وهذا النشاط البسيط سرعان ما تحوّل إلى فعالية ثابتة وبات مساحةً يشعرون فيها بالأمان والحرية في أن يتخيّلوا ما يريدون وبأن أحدًا يراهم كما هم.
لكن ما بدأ كنشاطٍ لدعم المجتمع تحوّل سريعًا إلى نافذة قوية على معاناة صامتة. فقد كانت الدلالات لافتة. ولأنني متخصّصة في علم النفس، لم أنظر إلى الرسومات بحدّ ذاتها فحسب، بل إلى العناصر المتكرّرة فيها، وتلك الغائبة، أو التي كانت تتبدّل مع الوقت. وقد أُخذت هذه الملاحظات في الاعتبار إلى جانب معطيات أخرى، لتوجيه دعمنا النفسي والاجتماعي. ومع الوقت، بدأت الرسومات تروي حكاية كاملة.
ما الذي تكشفه الرسومات عن وضع الأطفال النفسي؟
رسم كثير من الأطفال منازل لم يعودوا يعيشون فيها. وغالبًا ما بدت هذه البيوت أكبر حجمًا، وأكثر إشراقًا، وأكثر تفصيلًا من محيطهم الحالي. ورسم آخرون أشجارًا وحدائق وحيوانات وسماءً مفتوحة. وعند النظر إلى هذه الرسومات مجتمعةً مع كلمات الأطفال وسردياتهم والسياق الأوسع لتجاربهم، يتّضح أنها تعبّر عن حنين، لكنه ليس حنينًا إلى مكان فحسب، بل شوقًا إلى الأمان وإلى الإحساس بإمكانية توقّع ما قد يأتي، وإلى الشعور بالانتماء، إلى مشاعر تطمسها الحرب والنزوح بصورة مفاجئة.
الحنين، في هذا السياق، لا يقتصر على الماضي فحسب. فبالنسبة إلى الأطفال، يعدّ عامل استقرار يساعدهم على الحفاظ على إحساسهم بالهوية وسط الاضطراب. ومن خلال رسم مشاهد مألوفة، يتمكّن الأطفال من إعادة الاتصال بذكريات الرعاية والأسرة والاستقرار، وهي عناصر أساسية لتنظيم المشاعر وبناء القدرة على الصمود.
في الوقت نفسه، تضمّنت رسومات أخرى صورًا ترتبط غالبًا بالخوف وفرط اليقظة: طائرات مُسيّرة في السماء ورجال يحملون الأسلحة، وغيومٌ داكنة أو مساحات مقسومة. وغالبًا ما ظهرت هذه الصور إلى جانب مشاهد هادئة، بما يبيّن كيف يتعايش الخوف والأمل في العالم الداخلي للطفل. وهذه الازدواجية شائعة لدى الأطفال المتأثّرين بالنزاع – فهم ليسوا مجرّد “ضحايا” للخوف، بل يسعون أيضًا بشكل فاعل إلى استيعاب تجارب شديدة وطاغية.
إحدى الرسومات التي ظلّت عالقة في ذهني كانت لحميدة، فتاة سورية تبلغ من العمر 13 عامًا. رسمت شجرة توت كبيرة، وروت لنا كيف كان والدها يهزّ أغصانها بينما كانت هي وإخوتها يلتقطون الثمار المتساقطة تحتها.
الشجرة التي تركناها وراءنا، بريشة حميدة، 13 عامًا
هذه شجرتنا الكبيرة والجميلة في القرية التي غادرناها عندما جئنا إلى هنا. كنت أحبّها كثيرًا لأن توتها لذيذٌ جدًا. كان والدي يهزّ الشجرة، فنركض أنا وإخوتي لنجمع التوت من الأرض. كانت هناك أزهار، وأرض مزروعة بالبصل قرب الشجرة. لا بدّ أن الشجرة قد جفّت الآن.
من منظور الصحة النفسية، تحمل رسمة حميدة وما يرافقها من قصة وسياق طبقاتٍ متعددة من المعاني تجتمع في صورة واحدة، كالارتباط بمقدّم الرعاية والذاكرة الحسّية واللعب والخسارة. وبالنسبة إلى حميدة، لم تكن مشاركة هذه الذكرى بصوتٍ عالٍ مجرّد سردٍ لحكاية، بل عملية معالجة وجدانية. فقد أتاح لها هذا الرسم أن تُخرِج فقدَها وحزنها إلى الخارج بطريقة شعرت فيها بالاحتواء والدعم.
لقد لمسنا الأثر الإيجابي لهذه الجلسات القائمة على الرسم، إذ يخبرنا الأهل بأن أطفالهم باتوا ينامون بشكل أفضل، ويتحدّثون بانفتاح أكبر، أو يُظهرون نوبات سلوكية أقل. كما يبدأ مقدّمو الرعاية في إدراك أنّ ما يُنظر إليه على أنّه “سوء سلوك” قد يكون في جوهره تعبيرًا عن ضيق نفسي، لا عن عصيان. وبهذه الطريقة، يصبح الأطفال في كثير من الأحيان عوامل تغيير صامتة، يعيدون من خلالها تشكيل نظرة العائلات إلى المشاعر والصحة النفسية.
تُعدّ بعلبك–الهرمل منطقةً تزخر بجمال لافت وقدرة كبيرة على الصمود، لكنها في الوقت نفسه تحمل في طيّاتها سنواتٍ طويلة من المعاناة. فالناس هنا كرماء ومضيافون، غير أنّ الألم غالبًا ما يُعاش في صمت. ولا تزال تحدّيات الصحة النفسية محاطة بالوصم، فلا يلجأ كثيرون إلى طلب المساعدة إلا حين يصبح الضيق لا يُحتمل.
ومن خلال تدخلات بسيطة وإبداعية في مجال الدعم النفسي الاجتماعي، مثل الرسم، تفتح فرقنا نوافذ دخول ومسارات مبسّطة للحديث عن الصحة النفسية بطريقة إنسانية وقريبة من الناس. وتتيح هذه المساحات للأطفال والبالغين على حدّ سواء أن يفهموا أنّ الضيق النفسي ليس فشلًا شخصيًا، بل استجابة طبيعية لظروف غير طبيعية.
وفي بعلبك–الهرمل، لا تقتصر هذه الرسومات على كونها صورًا على الورق. إنها دليل على أنّ الأطفال، حتى في أعقاب الفقدان، ما زالوا قادرين على التخيّل والتذكّر والأمل. وأحيانًا، لا يكون إعطاء طفل قلم تلوين مجرّد لفتة بسيطة، بل الخطوة الأولى نحو أن يُسمَع صوته، ونحو تفكيك جدار الوصم الذي شُيّد حول الصحة النفسية.
شاهدوا جميع الرسومات: هل يمكن لطفلٍ يحمل أقلام تلوين أن يساهم في تعافي مجتمع؟
** غليكيريا كوكولياتا هي معالجة نفسية من اليونان، انضمّت إلى أطباء بلا حدود في عام 2023. وعملت في مهام مختلفة في السودان وأرمينيا وإثيوبيا، ومؤخرًا في لبنان. كانت غليكيريا قد بدأت مسيرتها الأكاديمية في مجال المحاماة، قبل أن يتغيّر مسارها حين التقت باختصاصية في علم النفس ولاحظت مدى انجذاب الناس إلى تعاطفها وحضورها. واستلهامًا من تلك التجربة، قرّرت أن تدرس لتصبح معالجة نفسية بدلًا من ذلك.
اليوم، تركّز غليكيريا في عملها على تقديم الرعاية في مجال الصحة النفسية والدعم النفسي الاجتماعي للمجتمعات المتأثّرة بالنزوح والأزمات، مساعدةً الناس على استعادة القوة وبلوغ التعافي حتى في أشدّ الظروف قسوة.