قد ما تقعد ووين ما قعدت، اسماتك ابن جنوب لبنان!
خديجة، 56 سنة، من عديسة (قرية حدودية من قرى قضاء مرجعيون في محافظة النبطية)
نزحت إلى المروانية (قضاء صيدا، جنوب لبنان)
عندما بدأت الحرب في الثامن من أكتوبر/تشرين الأول 2023، اتجهنا إلى بيروت وأقمنا هناك لسنة واحدة، إلى أن توفيت أمي في فبراير/شباط 2024. بقيت في بيروت، فيما انتقلت أختي وأولادها إلى المروانية. وبعد وقف إطلاق النار في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، قررت أن أعود إلى عديسة، إلى بيت أهلي، حيث الأمان الذي افتقدته أنا.
توجهت إلى القرية وحاولت إصلاح البيت قدر المستطاع. كنت سعيدة جدًا في البداية وكانت الفرحة تغمرني، فالبيت في النهاية ملجأي وأماني استقراري.
لكن للأسف، بعد أربعة أشهر هناك، لم أعد أشعر بالأمان[1]: قلق، خوف، توتر، تفجير.
[1] على الرغم من اتفاق وقف إطلاق النار في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، استمر القصف الإسرائيلي بالمسيّرات والطيران الحربي على مختلف المناطق اللبنانية، وخاصة القرى الحدودية الجنوبية بشكل شبه يومي.
حاولت أن أبقى هناك، لكنني لم أستطع. لا تقتصر الحياة في القرية على الأكل أو الشرب أو على سقف يؤويك. وعلى الرغم من الدمار، حاولت البقاء هناك، إلا إنني احتجت للأمان. لكن ما من أمان.
ما من أمان.
بعدما أُنهكت أعصابي، اضطررت للقدوم إلى المروانية، عند أختي. دخلت إلى غرفة الطوارئ لأن أعصابي انهارت. وأنا الآن مقيمة مع أختي وأولادها الثلاثة. لكن ولأنني لست متزوجة ولا أولاد لدي، فلا أعتبر “عائلة”، فأتبعوني بأختي.
أريد أن أعرف، إذا لم أكن “عائلة”، فكيف لي أن أتدبر أموري؟ كيف أيسّر حياتي؟ الحمل ثقيل على أختي، الأرملة وأولادها الثلاثة، فكيف أتدبر أموري أنا؟ كيف أعيش؟ هل هذا يعني أن مصيري الانتقال على الدوام من مكان إلى آخر؟
تعب أبي طوال 35 سنة من غربة وعمل ليبني بيتنا، مملكتنا. حتى لو كان بغرفة واحدة، لكنه بيتنا. كل حجر وكل زاوية لها قصة وذكريات في نفسي. فأينما أقمت، أنا لست ببيتي. ما من استقرار. أنا اليوم هنا، لكن بعد ساعة لا أعرف أين سأكون. لا أدري متى سيُطلب منّي المغادرة. كل ما تراه عيناي ليس لي. لا يعنيني.
أنا أريد بيتي. أريد أن أرجع إلى بيت أهلي الذي ترعرعت فيه، حيث نشأت أنا وأمي وأبي وإخوتي في كل أركانه.
أبكي على الحجر. يقولون “الحجر يعوّض”، ربما، لكن كل ما يذهب لا يرجع مثلما كان. فالحجر أنا من حملته بيدي ووضعته. والزرع أنا من غرزته وانتظرته لينبت أمام عينيّ. فما بالك بمن تعب طوال 35 سنة ليبني بيتًا سيهدم في نهاية المطاف؟
لا أمانع البقاء في خيمة، شريطة أن تكون في أرضي وقريتي، وأن أكون بأمان. لا ذنب لي بما يحصل. لا ذنب للأطفال. لا ذنب لكبار السن. لا ذنب لكل إنسان مريض. ما ذنب هؤلاء؟
أختي أرملة وكلانا بلا عمل. فكيف لنا أن نؤمّن الأكل والغاز والمصروف؟ نعيش كل يوم بيومه، وكل ساعة بساعتها. قد نصل لمرحلة لا نأكل فيها إلا وجبة واحدة أو وجبتين، وقد نحرم أنفسنا الأكل لإطعام الأولاد. ابن أختي يعاني من الربو، وأختي لديها السكري. أما أنا، فلا أعرف. أخاف الذهاب إلى الطبيب فأكتشف شيئًا ما. لكنني أتوتر وأخاف. صرت أخاف من أي شيء. فإذا سألني الطبيب “ما الذي يؤلمكِ؟” سأجيب بأن كل شيء يوجعني. كل شيء. صرت أخاف من أي شي.
صرت أعبّر بالصراخ. أشعر بضغط بداخلي من خوف وغضب، كيَد مطبقة على خناقي. أشعر بالغضب! أشعر بالحزن. أحاول أن أتمالك أعصابي. طوال أربعة أشهر وأنا في العديسة حاولت أن أتمالك أعصابي، حتى صار الناس يقولون لي “أنت قوية، فلم يقم أحد بما قمتِ به. لقد أعطيتِ حياة للناس. أرجعتي لنا القوة. أنت أرجعتي لنا الحياة. نحن نستروح بك”.
ولكن في النهاية وعند الليل، أمسي وحيدة كطفل يبحث عن أمه.
فقدت أمي في الحرب. لم تكن مريضة، لكن لأنها غادرت بيتها بعد تعب عقود، وعرفت إنها لن ترجع، ماتت قهرًا. إذا فقدت أهلك فقدت الأمان، فكيف إذا فقدت وطنك وقريتك وأرضك؟
أينما رحت، يسألونني “من أين أنت؟”، أجيب “من الجنوب”… “نازحة؟” لا! أنا لبنانية. لماذا تسمونني نازحة وأنا بأرضي؟