البقاع: حيث انقلبت حياة السكان في ظل الحرب

البقاع: حيث انقلبت حياة السكان في ظل الحرب

الأخبار والأنشطة > الأخبار > البقاع: حيث انقلبت حياة السكان في ظل الحرب

خلف الدمار الذي طال جنوب لبنان وضاحية بيروت الجنوبية، بلغت تداعيات الحرب كذلك سهل البقاع، هذه المنطقة الزراعية الشاسعة في شرق لبنان على الحدود مع سوريا، ما يُضيف بعدًا آخر إلى الأزمات المتداخلة التي عانت منها المنطقة، ومنها الانهيار الاقتصادي، ومرافق الرعاية الصحية محدودة التمويل، والبنية التحتية غير الملائمة للمياه والصرف الصحي، ووضع اللاجئين الذي طال أمده. 

منذ تصعيد القصف الإسرائيلي في الثاني من مارس/آذار، التجأ الأشخاص الذين تركوا بيوتهم بسبب أوامر الإخلاء الكلّي إلى مختلف أنحاء البقاع، حيث يواجه السكان المحتاجون أساسًا (ومنهم اللاجئون السوريون) ضغوطات متفاقمة. بلغت موجة النزوح في المحافظة ذروتها في أبريل/نيسان، حيث سُجل نزوح 52,935 شخصًا في مراكز الإيواء ووسط السكان. واليوم، تعود عائلات إلى منازلها وأحيائها في البقاع، ليواجه كثير منها مرافق متضررة بالقصف الإسرائيلي، وعوائق مختلفة تحول دون حصولهم على الرعاية الصحية. 

استقر كثيرون في البقاع، مستأجرين المقدور عليه، أو مقيمين في مراكز إيواء جماعية، أو عائدين إلى بيوت عائلاتهم التي غادروها منذ سنوات. لم ينتهِ النزوح في نظرهم مع تراجع حدة القصف، بل تحول إلى عملية إعادة بناء بطيئة من دون دخل وغالبًا بلا تأمين صحي، في محافظة انصرف عنها اهتمام الرأي العام إلى حد كبير. 

مهجّرون بلا استقرار 
في كامد اللوز بالبقاع الغربي في لبنان، تمتد الأراضي الزراعية والوديان الشاسعة، ولكن في نظر عائلات مثل عائلة مها وحسن، فالعثور على مكان للعيش لا يعني بالضرورة إيجاد الاستقرار. تعتني مها بزوجها حسن في غرفة مستأجرة منذ مارس/آذار، عندما أجبرتهما الحرب على مغادرة الخيام بجنوب لبنان، حيث دُمر منزلهما. لا يستطيع حسن التحرك بمفرده، ومها وحدها قائمة على رعايته. اتضح أن البقاء في شقة أختها بالطابق الثاني غير ممكن، فانتقلا إلى كامد اللوز، في ظل انقطاع الدخل وأي فرصة قريبة للعودة إلى بيتهما. 

قالت مها، “صار كل شيء أصعب منذ أن غادرنا بيتنا. عليّ أن أعتني بزوجي وأدير كل الأمور بمفردي“. 

كانت مها قد توقفت عن تناول الأدوية التي تحتاجها لأنها لم تعد قادرة على تحمل تكاليفها. من خلال جولات التواصل المجتمعي، التقت فرق أطباء بلا حدود بحسن ومها، وساعدتهما في الحصول على الخدمات الصحية التي يحتاجان إليها. 

منذ الثاني من مارس/آذار، قدمت فرق أطباء بلا حدود في البقاع 13,722 استشارة طبية، منها 7,505 استشارات لحالات حرجة، و6,760 استشارة لأمراض غير معدية، و2,570 استجابة في مجال الصحة الجنسية والإنجابية، و852 استشارة للأطفال دون الخامسة، إلى جانب 3,270 جلسة توعية صحية. 

في زحلة بمحافظة البقاع، تواجه عائلة أخرى اضطرابات مختلفة فيما تستعد لاستقبال أجدد أفرادها. قبل الحرب، عاشت العائلة في النبطية بجنوب لبنان، وقامت حياتها على الزراعة. عاد خليل وزوجته الحامل ميرنا إلى مسقط رأسه، زحلة، لبيت قديم ورثه عن جده، فكان مأوى بلا استقرار. ومع اقتراب موعد ولادة ميرنا، لم تملك العائلة أي وسيلة لتغطية التكاليف. 

قال خليل، “خسرنا عملنا ودُمّرت حياتنا”. 

لو نظرنا إلى العائلات مثل عائلة ميرنا وخليل، نرى أن تداعيات الحرب قد تجاوزت حدود البيت، مع انقطاع الدخل وفقدان السكن والقدرة على الاستعداد لولادة طفلهما. 

أضاف خليل، “فيما تستعد لولادة طفلك، عليك أن تفكر في المستقبل. إلا أنني قد قلقت بشأن تكاليف الولادة وكيف سنعيد بناء حياتنا“. 

من خلال الشراكة مع المستشفى اللبناني-الفرنسي في زحلة، ساعدت أطباء بلا حدود في ضمان حصول ميرنا على رعاية الأمومة المتخصصة التي يقدمها المستشفى وولادة طفلها بأمان. 

ما وراء الوصول إلى الرعاية الصحية 
قال منسق مشروع أطباء بلا حدود في البقاع، عمرو إبراهيم، “يعاني السكان في لبنان من ظروف معيشية صعبة بسبب الأزمة الاقتصادية المزمنة، والتي تفاقمت بفعل النزاع المسلح القائم، وعدم الاستقرار السياسي. تشمل الفئات الأشد تضررًا المهجّرين واللاجئين والسكان الأقل حظًا، وكثيرًا ما يواجهون ظروفًا معيشية تعاني من الاكتظاظ، ووصولًا محدودًا إلى الرعاية الصحية، وصعوبات متزايدة في توفير الغذاء والمأوى. يجب حماية المدنيين وضمان وصول آمن وسريع إلى الإغاثة الإنسانية والرعاية الصحية لكل المحتاجين”. 

حافظت أطباء بلا حدود على وجود طبي طويل الأمد في البقاع، مكيفةً استجابتها مع تغير الاحتياجات. وفي بعلبك-الهرمل، تدير المنظمة مركزًا للرعاية الصحية الأولية في الهرمل وعيادة متنقلة، فيما يستمر وصول الفرق المتنقلة في مختلف أنحاء البقاع إلى السكان الذين يعانون من محدودية الوصول إلى الرعاية الصحية. 

منذ تصعيد القصف الإسرائيلي في الثاني من مارس/آذار، قدمت أطباء بلا حدود الدعم كذلك للأشخاص الذين هُجّروا إلى البقاع، ومنهم من يعيشون في مراكز إيواء جماعية وأماكن عامة. قدمت الفرق مواد الإغاثة الأساسية، وأصلحت أنظمة المياه والصرف الصحي، وزودت السكان بالوقود والمياه، وقدمت الرعاية الصحية عبر العيادات المتنقلة. 

في البقاع، وزعت أطباء بلا حدود منذ الثاني من مارس/آذار 1,796 من مجموعات النظافة الصحية، و1,020 بطانية، و962 فرشة، و109,691 لترًا من مياه الشرب، و929,000 لتر من المياه، و31,200 لتر من الوقود، و32 من مجموعات التنظيف. 

وفي هذا الصدد، قالت منسقة الطوارئ مع أطباء بلا حدود في البقاع، لبنى معروف، “في سياق يواجه فيه الناس عوائق متعددة تحول بينهم وبين الرعاية الصحية، فإن الوصول إليها لا يُترجم بتوفر الخدمة فقط. استطعنا عبر التعاون مع مستشفى قائم وذي قدرة تشغيلية أن نستجيب سريعًا لتلك الاحتياجات وأن نوفّر وصولًا آمنًا إلى الرعاية”. كذلك يدعم فريق أطباء بلا حدود الوصول إلى الرعاية التوليدية الطارئة في المرافق الصحية المتخصصة في البقاع، ما يعزز قدرات المستشفى ويدعم توفير الرعاية السريعة وعالية الجودة للسكان. 

سد الثغرات 
تستمر الأزمة في التأثير على الحياة اليومية للمهجّرين، والعائدين إلى بيوتهم، ومن لم يغادروها، في سبل العيش المنقطعة، والمنازل المتضررة، والضغوط على الخدمات الأساسية. 

تطورت لذلك استجابة أطباء بلا حدود بالتوازي مع هذه الاحتياجات المتغيرة: من الدعم الطارئ خلال التهجير، إلى أنشطة الرعاية الصحية طويلة الأمد، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات، وتوفير الرعاية الصحية الأساسية والإحالات للعلاج المتخصص. 

ربما غابت الأزمة عن عناوين الأخبار، لكن تبعاتها لا زالت ترسم ملامح الحياة اليومية لكثيرين في البقاع. فالحفاظ على الوصول إلى الرعاية الصحية يستوجب الاستمرار بالوصول إلى السكان حيثما كانوا، ودعم المرافق الصحية التي تواجه ضغوطًا، وضمان حصول السكان على الرعاية التي يحتاجونها. 

الاحتياجات القائمة 
في مختلف أنحاء البقاع، لا زالت الأزمات المتداخلة تثقل بتبعاتها السكان اللبنانيين، واللاجئين السوريين، والمهجّرين، والعائدين إلى بيوتهم. فالخطر المباشر لم يعد الهم الوحيد لكثر، في ظل الحاجة لإعادة بناء البيوت، واستعادة الدخل، والحصول على الرعاية الصحية، والتي قد تصبح كلها معاناة مطوّلة. 

لا زالت تداعيات الأزمات في البقاع تؤثر على أماكن سكن الناس، وكيفية كسب رزقهم، وقدرتهم في الحصول على الرعاية التي يحتاجون إليها. 

قالت مها، “لا أشعر بالاستقرار، ولا أعتقد أنني سأشعر بهذا الاستقرار أبدًا لأنني خسرت بيتي. لا أشعر بالراحة إلا في بيتي وقريتي“. 

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print