أطباء بلا حدود توفر الرعاية الطبية لطالبي اللجوء العالقين في هولندا

أطباء بلا حدود توفر الرعاية الطبية لطالبي اللجوء العالقين في هولندا

أمستردام، 25 أغسطس/آب 2022 – ستباشر منظمة أطباء بلا حدود بدءًا من اليوم بتوفير الرعاية الطبية لمئات الأشخاص الذين تقطعت بهم السبل في هولندا أمام مركز الاستقبال الأساسي في تر آبل. وفي هذا السياق، تدعو المنظمة الدولية والطبية الحكومة الهولندية إلى توفير القدرة على الوصول إلى الرعاية الطبية وتحسين ظروف الأشخاص الذين يضطرون إلى النوم في العراء أمام المركز المكتظ.

في يوم الجمعة الماضي، أجرى فريق من أطباء بلا حدود تقييمًا للوضع خارج مركز الاستقبال في بلدة تر آبل، علمًا أنها تشكل نقطة الدخول الأولى للاجئين إلى هولندا، إذ أمسى المركز مكتظًا بالكامل ويعجز عن تلبية الاحتياجات الأساسية للوافدين الجدد. ومن بين الأشخاص الذين يعيشون في ظروف مهينة وغير إنسانية في الساحة أمام مركز الاستقبال نساء حوامل وأطفال ومرضى مصابين بأمراض مزمنة (كالسكري)، مع العلم أن الأدوية قد نفذت من بعضهم. هذا ولا تتوفر أماكن للاستحمام ولا يُعتنى بما يكفي بالمراحيض القليلة المتوفرة في الساحة. والجدير ذكره أن الخيم ومواد الإيواء المؤقتة قد أزيلت من الموقع، وبات الناس ينامون على الأرض ويتحملون ما ينطوي على ذلك من آثار. وقد شهدت منظمة أطباء بلا حدود كيف يعاني الناس من أمراض جلدية والتهابات الجهاز التنفسي العلوي والتهابات المسالك البولية والإسهال والتقيؤ والمشاكل النفسية ومشاكل في الأسنان وإصابات أخرى من شتى المستويات. ويكمن القلق الأكبر في ما قد يفضي إليه استمرار هذا الوضع من طوارئ طبية حرجة.

إنها المرة الأولى التي توفر فيها أطباء بلا حدود المساعدة الطبية في هولندا. لا يمكننا أن نقف مكتوفي الأيدي ونتفرج على هذا الوضع غير الإنساني وغير المقبول الآخذ بالتدهور.
جوديث سارغنتيني، مديرة منظمة أطباء بلا حدود في هولندا

توفير الرعاية الطبية الأساسية

بعد إجراء المشاورات مع السلطات المعنية والصليب الأحمر، أرسلت أطباء بلا حدود فريقًا طبيًا إلى هولندا ليبدأ العمل بصورة فورية على توفير الرعاية الصحية الأساسية للأشخاص الذين يلتمسون اللجوء في هولندا عبر مركز استقبال تر آبل. وسيعمل فريق طبي خارج مركز الاستقبال لعلاج الأمراض والإصابات وضمان مواظبة الأشخاص المصابين بأمراض مزمنة على تناول أدويتهم، وفرز المرضى الذين يحتاجون إلى الإحالة إلى المستشفى أو الخضوع للعلاج في المركز الصحي، وتوفير الإسعافات النفسية الأولية للراشدين والأطفال.

الحاجة إلى حل بنيوي

تقول جوديث سارغنتيني، “هنا، تجدر الإشارة إلى أن استجابتنا ليست إلا تدبير لسد الفجوة القائمة. وعليه، لا بد للحكومة الهولندية والبلديات المحلية أن تعمل بصورة عاجلة على تحسين الظروف المعيشية لهؤلاء الأشخاص وتحمل مسؤولية توفير الرعاية الطبية للأشخاص الأكثر حاجة. هذا ولا بد من إرساء حل بنيوي على غرار توفير مواقع استقبال متعددة تؤمن ظروفًا إنسانية. والجدير ذكره أن الحكومة الهولندية قد دُعيت إلى اتخاذ هذه الإجراءات منذ أعوام”.

تبرئة جميع موظفي أطباء بلا حدود في المحكمة العسكرية الكاميرونية

تبرئة جميع موظفي أطباء بلا حدود في المحكمة العسكرية الكاميرونية

بويا/ياوندي (10 يناير/كانون الثاني 2023) – تعرب المنظمة الدولية الطبية الإنسانية أطباء بلا حدود عن ارتياحها الكبير بعد تبرئة موظفيها الخمسة الذين حوكموا في الكاميرون بتهمة التواطؤ مع المجموعات الانفصالية، مع العلم أن أربعةً منهم قد سُجنوا لعدة أشهر.

نفت أطباء بلا حدود بشكل قطعي تواطؤها مع مجموعات مسلحة أو أي طرف في أي نزاع أو أزمة ينطويان على أعمال عنف. إن موظفينا يسترشدون بالأخلاقيات الطبية. وعليه، فإن الاتهامات التي قُدمت لا أساس لها منذ البداية، لا سيما أن السلطات على دراية دقيقة بكيفية توفيرنا للدعم الطبي
منسق مشاريع أطباء بلا حدود في وسط إفريقيا سيلفان غرو

في 26 ديسمبر/كانون الأول 2021، أوقفت إحدى ممرضات أطباء بلا حدود وسائق سيارة إسعاف في نغوتي جنوب غرب الكاميرون خلال نقلهما لجريح بطلقة نارية إلى المستشفى. وبعد اعتقال دام خمسة أشهر بتهمة التواطؤ مع المجموعات الانفصالية، أُفرج عن عاملَي الإغاثة مؤقتًا في مايو/أيار من عام 2022.

هذا وقد اعتُقل زميلان آخران، أحدهما يعمل في مجال الصحة المجتمعية والآخر منسق ميداني مساعد، في يناير/كانون الثاني 2022 بالتهمة نفسها، بينما اتُهم زميل خامس غيابيًا.

في الأول من نوفمبر/تشرين الثاني 2022، قضت محكمة بويا العسكرية “بعدم وجود قضية” ضد أحد موظفي الإغاثة المعنيين، مستشهدةً بعدم توفر أدلة كافية. وقد أُفرج عن الموظف بعد فترة قصيرة من إصدار الحكم بعد أن قضى عشرة أشهر في السجن.

وأخيرًا، في 29 ديسمبر/كانون الأول، تمت تبرئة جميع موظفي أطباء بلا حدود الذين اعتقلوا وأُطلق سراح آخرهم في اليوم التالي. هذا وصدر حكم تبرئة بحق منسق مشروع أطباء بلا حدود الذي حوكم غيابيًا.

في هذا الصدد، يعلّق منسق مشاريع أطباء بلا حدود في وسط إفريقيا سيلفان غرو، “نشعر برضا شديد إزاء الحكم الذي برّأ موظفينا الخمسة – وبالتالي أطباء بلا حدود بصفتها منظمة – من ارتكاب أي مخالفة”. 

هذا وتعرب أطباء بلا حدود عن بالغ استيائها لسجن موظفيها لحوالي العام، مما سبّب قلقًا وألمًا لا يوصفان لهم ولعائلاتهم. 

“إن توجيه الاتهامات إلى عاملين في المجال الطبي بذريعة تأدية عملهم المتمثل في معالجة المرضى أمامهم ينافي جميع الأخلاقيات والقوانين الإنسانية والطبية”.

في مايو/أيار من عام 2022، بعد اعتقال موظفي أطباء بلا حدود الأربعة، اتخذت فرقنا قرارًا صعبًا بتعليق جميع الأنشطة في المنطقة الجنوبية الغربية من الكاميرون. نحن حريصون على استئناف توفير الخدمات الضرورية والمنقذة للحياة، لكن بعد استيفاء شروط أساسية تضمن تأدية أنشطتنا الطبية في بيئة آمنة وسليمة لحماية المرضى والطواقم على حد سواء.

ويشرح غرو، “رغم محاولتنا بفتح قناة حوار مع الحكومة لنضمن قدرة فرقنا على استئناف الأنشطة الحيوية في المنطقة الجنوبية الغربية، لم نلقَ أي تجاوب من جهة الحكومة. وقد صعّب ذلك التوصل إلى اتفاق يؤمّن ظروف عمل تضمن سلامة الموظفين والمرضى”.

ويضيف، “يحول هذا الوضع دون استئناف توفير الخدمات الطبية المفصلية والمنقذة للحياة، مع أن المنطقة الجنوبية الغربية في حاجة ماسة إليها”.

يجب أن تتمكن فرق أطباء بلا حدود من توفير الرعاية الطبية لأي مريض يحتاج إليها، بما يتماشى مع الأخلاقيات الطبية والمبادئ الإنسانية المتمثلة في الاستقلالية والحياد وعدم التحيز.

“نبقى على استعداد لاستكمال الحوار مع السلطات الكاميرونية للبحث في إمكانية استئناف أنشطتنا الطبية والإنسانية في المنطقة الجنوبية الغربية إذا ما تأمنت الشروط الأساسية”.

في ديسمبر/كانون الأول 2020، علقت السلطات أنشطة أطباء بلا حدود في المنطقة الشمالية الغربية من البلاد بعد سلسلة ادعاءات تتهم أطباء بلا حدود بدعم المجموعات المسلحة المحلية، الأمر الذي نفته أطباء بلا حدود بصورة مستمرة علنًا أو خلال اجتماعاتها مع السلطات. وحتى الآن، ما زال التعليق قيد التنفيذ، علمًا أن أطباء بلا حدود لا زالت مستعدة للحوار لمتابعة توفير الدعم الطبي للسكان في هذه المنطقة أيضًا.

تعمل أطباء بلا حدود في الكاميرون منذ عام 1984 وفي المنطقة الجنوبية الغربية منذ عام 2018. منذ عام 2019، وفرت فرقنا الطبية أكثر من 400 ألف استشارة طبية وما يزيد عن 68 ألف استشارة في المرافق الصحية التي ندعمها في جنوب غرب البلاد. في عام 2021، ساعدت المرافق التي تدعمها أطباء بلا حدود في أكثر من 2,284 ولادة. ونقلت فرق الإسعاف التابعة للمنظمة أكثر من ثمانية آلاف مريض ليتلقوا الرعاية الطبية الطارئة، مع العلم أن نظام الإحالة الطارئة هذا كان الوحيد في جنوب غرب البلاد قبل تعليق الأنشطة في 2021.

مليون روهينغي يقاسون ظروفًا صعبة مع مرور خمس سنوات على عمليات قتل الروهينغا

مليون روهينغي يقاسون ظروفًا صعبة مع مرور خمس سنوات على عمليات قتل الروهينغا

يصادف اليوم مرور خمس سنوات على الأحداث المروعة التي شهدتها ولاية راخين في ميانمار، والتي قُتل خلالها آلاف الروهينغا على يد جيش ميانمار. خلال هذه الأحداث، وثقت منظمة أطباء بلا حدود وحدها وقوع 6700 حالة قتل عنيف في المنطقة.

وهرب إثر هذه الأحداث أكثر من 700,000 شخص إلى بنغلاديش لينجوا بحياتهم وانضموا إلى أقرانهم الذين دفعتهم حلقات عنف سابقة إلى التماس اللجوء في البلد المجاور، حتى بلغ عدد الذين تقطعت بهم السبل في منطقة كوكس بازار في بنغلاديش مليون شخص.

في ما يلي بعض الشهادات التي يرويها لاجئون روهينغا في مخيم كوكس بازار، علمًا أن حاجتهم إلى الرعاية الصحية والمياه وخدمات الصرف الصحي والحماية ما زالت تسجل مستويات هائلة، في وقت لا يُلقى فيه بالٌ إلى جذور هذه المشاكل المتمثلة في انعدام الجنسية.

طيبة بيغوم، هربت من ميانمار في العام 2017 مع أطفالها

“لم يتجاوز عمر ابنتاي التوأم، نور أنكيس ونور باهار، الستة أشهر عندما هربنا من ديارنا في ميانمار. فعندما بدأت عمليات القتل، لم نستطع البقاء في ميانمار لفترة أطول نظرًا للقتل الوحشي وحرق المنازل الذي مارسه الجيش البورمي بحق الروهينغا.

عندما هربت مع أطفالي الرّضع، عبرنا الأدغال والطرقات الموحلة تحت المطر للوصول إلى بنغلادش. وبعد الوصول إلى الحدود، كان الناس يحطون رحالهم أينما توفر لهم ليستريحوا، لكن المكان كان بعيدًا كل البعد عن كونه مأوى. كنا نتناول ما نجد من الطعام لنبقى على قيد الحياة، حتى أن التعب أعيى ابنتاي وكانتا تتقيآن كلما حاولت إطعامهما. لقد عانتا لفترة طويلة، فالعثور على دواء كان في غاية الصعوبة عندما وصلنا.

بعد بضعة أيام من وصولنا [إلى كوكس بازار]، بُنيت أماكن للإيواء باستعمال البامبو وقطع القماش. واليوم، بتنا نعيش في مخيمات للاجئين. مرّت خمس سنوات وما زالت الظروف القاسية على حالها.

إننا نعتمد على ما نتلقاه من مساعدات غذائية ويساورنا قلق كبير عندما نفكر بما سنوفره من الطعام لأطفالنا وكيف سنؤمن لهم الملبس والتعليم.

أتوق إلى حلول السلام. إذا تمكنا من أن نعيش بسلام من جديد في ميانمار، فإننا سنعود إلى البلد. ولمَ لا نعود إذا ما تحققت العدالة ومُنحنا حق المواطنة؟ أوليس ذاك البلد وطننا أيضًا؟ ولكن كيف لنا أن نعود وأبسط حقوقنا غير مضمونة؟ أين سنمكث بعدما دمّرت منازلنا؟ كيف لنا أن نعود بينما يُقتل أطفالنا ويؤخذون منا؟

لا مانع لدينا في البقاء هنا أو في نقلنا إلى بلد آخر، لكننا لن نعود إلى ميانمار ما لم تأخذ العدالة مجراها”.

أنور، 15 عامًا، هرب من العنف في ميانمار

“اسمي أنور. أنا طالب من ميانمار. هربنا من حيّنا في ميانمار وانتقلنا إلى مخيم جامتولي للاجئين في بنغلاديش.

أتذكر عندما هربت من ميانمار مع عائلتي. كنا في فترة ما بعد الظهيرة، وكان الجيش قد هجم على حينا مجبرًا إيانا على الفرار إلى منطقة مجاورة. وعندما أحرقوا منزلنا، أجبرنا على الهرب إلى منطقة أبعد. لقد نجونا في حين لقي الكثير من أقاربنا وجيراننا حتفهم.

خضنا رحلة طويلة للبحث عن الأمان. أتذكر أن الوصول إلى بنغلاديش استغرق 12 يومًا من الركض والمشي في رحلة محفوفة بالمخاطر، إذ عبرنا طرقًا غير مألوفة وتسلقنا الهضاب ومررنا عبر المياه. حتى أننا رأينا الكثير من الجثث على طول الطريق. 

كنت طالبًا في المدرسة عندما هربنا، وعندما أتيت إلى هنا لم أعد أتلقى أي تعليم. كنت طالبًا مجتهدًا أحصد درجات عالية. أحب أن أتعلم، لكنني لم أعد أستطيع أن أدرس أو أحصل على الكتب التي أحتاجها.

كنت أحلم أن أصبح طبيبًا، وأن أعود بالمنفعة على مجتمعي. فمنذ طفولتي، رأيت أطباءً يساعدون الناس ويبذلون قصارى جهودهم لتوفير المساعدة. أدرك الآن أن هذا الحلم قد لا يتحقق أبدًا. وعلى الرغم من ذلك، ما زلت أشعر بالسعادة عندما أحضر الصفوف وأرى رفاقي. نحاول أن نكون سعداء عندما ندرس ونلعب.

حياتنا في المخيم ليست سهلة. فالحوافز التي يتلقاها والدي لا تكفي لإعالة عائلتنا. وفي بعض الأحيان، عندما أعود من المدرسة إلى البيت في الليل، أشعر بانعدام الأمان.

أودّ أن أوجّه رسالة إلى الشباب حول العالم. اغتنموا الفرصة المتوفرة لكم وتعلموا ما أمكنكم تعلمه. فأنا وأقراني من اللاجئين الروهينغا لا نحظى بهذه الفرصة”.

محمد حسين، 65 عامًا، هرب من ميانمار منذ خمسة سنوات

“ذات صباح [من العام 2017]، سمعنا صوت إطلاق نار. وفي ليل نهار الخميس، أطلقت أعيرة نارية من مركز عسكري على مقربة من منزلنا. وفي الصباح التالي، سمعنا أن أشخاصًا من الروهينغا قد قُتلوا.

تملكنا خوف كبير، إذ كان الجيش يعتقل الناس ويقتلهم في كل مكان. وما كان منا إلا أن هربنا لننجو بحياتنا ووصلنا إلى بنغلاديش. حالفنا الحظ وتمكنا من الوصول إلى هنا ونحن ما زلنا على قيد الحياة. إن بنغلاديش تقدم لنا الكثير وتقف إلى جانبنا.

عندما وصلنا إلى هنا، كنا مفعمين بالأمل. لكننا بتنا نشعر وكأننا عالقون. أمست الحياة في غاية الصعوبة. وأشعر بالقلق إزاء مستقبلنا، لا سيما أن أطفالنا لا يتلقون تعليمًا مناسبًا. وسواء بقينا في بنغلاديش أو عدنا إلى ميانمار، لا يسعنا أن نفعل الكثير في ظل عدم الحصول على تعليم؟ تقض هذه الأفكار مضجعنا في الكثير من الليالي.

أتلقى الرعاية الطبية في مرفق أطباء بلا حدود في المخيم نظرًا لإصابتي بمرض السكري وارتفاع ضغط الدم. ولا يتوفر العلاج لمرض الكلى الذي أعاني منه في المخيم. لقد أصبحت كبيرًا في السن وقد اقترب أجلي. لكن هل تراني سأتمكن من رؤية وطني قبل أن ألقى حتفي؟ أتمنى أن ألفظ أنفاسي الأخيرة في ميانمار، مع أني غير متأكد من ما إذا كانت هذه الأمنية ستتحقق.

أحترق شوقًا لإعادتنا إلى موطننا ميانمار، شرط أن تُضمن حقوقنا وأن نحظى بالحماية من دون أن نقاسي المزيد من الاضطهاد. أخاف من مواجهة الاضطهاد من جديد في ميانمار. ونظرًا لأن عائلتانا تعيش في البلد، لا بد من أن نحرص على سلامتها.

يجب أن نتمكن من أن ندرس ونعيش حياة طبيعية وننتقل من منطقة إلى أخرى كأي مواطن في ميانمار. يجب أن نحظى بحق التصويت والمشاركة في الانتخابات والإجهار بأصواتنا في البرلمان.

في الوقت الحالي، وفي ظل سلبنا لجميع حقوقنا، لم نعد إلا جثثًا متحركة. لقد خُلق هذا العالم ليعيش فيه الجميع. واليوم، لا موطن لنا رغم كوننا بشرًا كغيرنا.

أتوجه لكل العالم لأقول إننا لا نقل إنسانيةً عن أحد. لقد ولدنا بشرًا، ونتمنى أن نعيش حياةً كريمة. نطلب من العالم أن يساعدنا لكي نتمكن من العيش كغيرنا من البشر. أمنيتي هي أن أتمتع بحقوقي وأن يحلّ السلام”.

معاناة ونزوح في شمال غرب سوريا

معاناة ونزوح في شمال غرب سوريا

لا يزال فصل الشتاء صعبًا على النازحين في شمال غرب سوريا. تشهد فرق أطباء بلا حدود كل عام التأثير الصحي المباشر لفصل الشتاء على السكان من خلال أنشطتها في المخيمات.

Published on كانون الثانى 11, 2023

غزة: محاصرة في دائرة من الدمار

غزة: محاصرة في دائرة من الدمار

كان صخر نائماً عندما أصابت قذيفة منزل عائلته في مدينة غزة، وحتى في ذلك الوقت كان يعرف بالضبط ما كان يحدث. كان ذلك قبل أن يفقد وعيه قبل أن يتم نقله إلى المستشفى وقبل أن يأتي ويدرك أنه قد نجى هو وعائلته مرة أخرى.

تصفح صخر الصور على هاتفه التي أرسلها له جيرانه أثناء جلوسه في عيادة أطباء بلا حدود في غزة في 10 أغسطس/ آب بعد خمسة أيام من القصف وبعد يومين من إعلان وقف إطلاق النار. والتي تظهره فاقداً للوعي هو وإخوته ووجوهم مغطاة بالدماء وغبار الأسمنت. تعجب من حقيقة أنه وعائلته ما زالوا على قيد الحياة.

لم ينج صخر البالغ من العمر ثلاثين عامًا وهو أب لأربعة أطفال من قصف أغسطس 2022 فحسب، بل نجا أيضًا من قصف آخر خلال حرب 2014 في غزة، حيث احتاج إلى ترقيع الجلد. اليوم ظهر صخر مغطى بجروح جديدة ومفتوحة وجاء مع شقيقيه الأصغرين الى عيادة أطباء بلا حدود والذان يعانيان من كسور وجروح خطيرة، وذلك لتغيير الضمادات الخاصة بهم.

وتعتبر عائلتهم من بين حوالي 350 غزيّاً أصيبوا بجروح خطيرة خلال جولة التصعيد هذه، حيث أنهم ينضمون إلى عدة آلاف آخرين أصيبوا أو حدثت لهم إعاقة في إحدى الحروب الخمس على غزة والتي وقعت في غضون 15 عامًا. وفي هذه المرة بحسب الأمم المتحدة فقد قُتل 49 مواطناً غزيّاً، بما فيهم 17 طفلاً.

يتذكر أشقاء صخر البالغان من العمر 22 و13 عامًا كيف تشكلت حياتهم من خلال اقترابهم من صدمات الحروب على الرغم من الانتقال المتكرر إلى الأحياء هربًا من الدمار.

يقول محمود الذي يبلغ من العمر 22 عامًا “كنت في الصف الرابع أثناء حرب 2008، أتذكر عندما كنا أطفالًا أننا اعتدنا على سماع الانفجارات ورؤية (الجثث).”

“رأينا مرة أخرى في عام 2012 العديد من الجرحى و (القتلى)، وفقدت العديد من أصدقائي في ذلك الوقت. وبعد ذلك فقد في تدمر منزلنا في (حرب 2014)”.

ويتذكر على مر السنين “رأينا مشاهد سيئة ومروعة، ولكن ليس مثل هذه”.

أدت دائرة الحروب المتكررة إلى إصابات جسدية ونفسية مضاعفة للمواطنين في غزة مثل صخر وإخوته. وأيضاً بالنسبة للعاملين في مجال الرعاية الصحية فأصبحت المشاهد في غرف الطوارئ مألوفة جداً لديهم.

كان الدكتور أسامة توفيق حمد طبيب التخدير يعمل مساء الجمعة عندما بدأ القصف على غزة. وحيث أنه طبيب في منظمة أطباء بلا حدود منذ عام 2019، قدم الرعاية للمرضى خلال حربين. ويصف كيف امتلأت غرفة الطوارئ في مستشفى العودة في غضون دقائق، واستقبلت أكثر من 15 مريضاً بينهم ستة أطفال. عالج طفلًا صغيرًا أصيب بشظية في الجمجمة وآخر مصابًا بكتلة دموية في الصدر، وكلاهما يتطلب جراحة عاجلة.

“كان لدينا في غزة (في السنوات الخمس عشرة الماضية) خمسة حروب، وفي كل مرة تحدث غارة جوية لدينا يتوافد عدد كبير من (الجرحى) إلى المستشفى في وقت واحد. حيث يمكن أن يكون لديك 50 مريضًا أو أكثر في وقت واحد. في هذه اللحظات يصبح لدينا مشاعر سيئة للغاية وغضب ومشاعر مختلطة، لكن يجب أن تكون قوياً للتعامل مع الحالات “.

يشير دكتور أسامة إلى حقيقة أنه بمرور الوقت بالنسبة للمرضى الناجين تصبح العودة إلى المستشفى، لمتابعة العمليات الجراحية والعلاج الطبيعي والدعم الذي يلي الإصابات النفسية والجسدية التي خلفتها الحرب، جزءًا من حياة اليومية للمرضى.

زميله شادي النجار الذي يشرف على قسم العلاج الطبيعي في مستشفى العودة مع منظمة أطباء بلا حدود على دراية بتردد المرضى الذين يأتون بشكل كبير بعد كل حرب.

“ما زلت أرى مرضى من تصعيد مايو الذي حدث في عام 2021 يتلقون إعادة التأهيل والعلاج الطبيعي. لدينا في قسمنا عدد كبير من المرضى إضافة إلى مرضى مسيرات العودة الكبرى. نحن الآن نجهز القسم، في المبيت و العيادات، لاستقبال المصابين من هذا التصعيد “.

عاد شادي إلى العمل لعلاج عبء الحالات الموجودة والجديدة بالرغم من التجربة الخاصة به في عطلة نهاية الأسبوع، حيث تعرض منزله لدمار جزئي في اليوم الثاني من الحرب، بينما تم إصابة منزل جيرانه. لم تُتح لعائلته فرصة الإخلاء قبل أن تتدمر غرفة ابنه البالغ من العمر 9 أشهر، وجده في مهده محاطًا بالزجاج والشظايا ولكن بدون إصابة. يقول إن ابنته الصغرى أصيبت بصدمة أيضًا.

“إنها غير قادرة على النوم وتبكي طوال الوقت وأحاول أن أكون داعماً لهم بقدر الإمكان.”

أكد صخر  مثل شادي على أن أحد أسوأ جوانب التأقلم مع التداعيات هو محاولة دعم أطفاله عاطفياً. “يبلغ عمر ابني الأكبر الآن 5 سنوات. وبعد هذا التصعيد، كان ابني يطلب مني إيقاف الحرب ويصرخ دائمًا في الليل ولم ينم لمدة ثلاث ليالٍ وعندما يكون نائمًا يستيقظ من الكوابيس ويبدأ في الركض ولا أعرف ماذا أفعل أو كيف يمكنني مساعدته”.

لقد كان لصدمة العنف المتكرر في غزة أثراً ملموساً على الصحة النفسية للأطفال والوالدين. ووفقًا لمنظمة الصحة العالمية في عام 2021، حيث ذكرت أن 82% من المراهقين في غزة يعانون من تدني عام إلى مستوى متدني جداً من الرفاهية النفسية. وينص تقرير الأمم المتحدة حول الاحتياجات الإنسانية لعام 2022 على أن أكثر من نصف الأطفال في غزة (53 بالمائة) هم في حاجة إلى حماية الطفل وخدمات الصحة النفسية. إضافة إلى أن  137000 من مقدمي الرعاية في غزة هم في حاجة إلى خدمات الصحة النفسية.

Website (2000 × 1333px) (2)

في الأيام التي أعقبت التصعيد، أعرب موظفو منظمة أطباء بلا حدود والمرضى مرارًا عن قلقهم على أطفالهم وغيرهم من الشباب في غزة الذين نشأوا أو سينشئون في بيئة يحدث فيها التصعيد بانتظام مزعج. وبعد تغيير ضمادات الجرح الخاص بوائل شقيق صخر ومحمود البالغ من العمر 13 عاماً، سأله أحد العاملين الداعمين في منظمة أطباء بلا حدود عما يريده في المستقبل.

قال: “أتمنى ألا تكون هناك حروب في المستقبل ويستمر الهدوء (في غزة) بدون قصف.”

وضع الطوارئ لم ينته في باكستان

وضع الطوارئ لم ينته في باكستان

السند، باكستان: تشهد منظمة أطباء بلا حدود أعداداً كبيرة إلى حد مقلق من المرضى المصابين بالملاريا والأطفال الذين يعانون من سوء التغذية ضمن المجتمعات المتضررة من الفيضانات التي تساعدها المنظمة في إقليمي السند وشرق بلوشستان بباكستان.

وقد بدأت الفيضانات الكارثية في يونيو/حزيران، ولا يزال الوضع يشكل حالة طوارئ، مع وجود احتياجات إنسانية حرجة، كما أن الاستجابة الحالية غير كافية. ولا تزال الاحتياجات الأساسية للناس الذين يعيشون في المناطق الأكثر تضرراً من الفيضانات، كالحصول على المساعدات الغذائية الأساسية والرعاية الصحية ومياه الشرب الآمنة، غير ملباة.

الاستجابة الطارئة لأطباء بلا حدود في السند وشرق بلوشستان

في السند وشرق بلوشستان، تشهد فرق أطباء بلا حدود أعداداً كبيرة من الأشخاص الذين يحتاجون إلى العلاج من الملاريا. وعلى الرغم من حلول الفصل البارد، حين يُتوقع أن تنخفض معدلات الإصابة بالملاريا، فإننا لا نزال نرى معدلات إصابة بالملاريا تبلغ 50 في المئة خلال شهر ديسمبر/كانون الأول لدى المرضى الذين تم فحصهم في عياداتنا الطبية المتنقلة وقد عالجنا أكثر من 42,000 مريض منذ أكتوبر/تشرين الأول.

وقد دمرت الفيضانات مساحات واسعة من المحاصيل والماشية، التي تمثل مصدر المعيشة الرئيسي لكثير من المجتمعات المحلية. وفي عياداتنا الطبية المتنقلة في شمال السند وشرق بلوشستان، تشهد منظمة أطباء بلا حدود بالفعل أعداداً مقلقة من سوء التغذية الحاد. ومنذ بدء أنشطتنا في هذه المناطق، قمنا بفحص ما مجموعه 28,313 طفلاً للكشف عن سوء التغذية في عياداتنا الطبية المتنقلة. ومن بين الذين تم فحصهم، كان 23 في المئة (6,489) يعانون من سوء التغذية الحاد الشديد و31 في المئة (8,738) يعانون من سوء التغذية الحاد المعتدل، ويشكلون أكثر من نصف الأطفال الذين جاؤوا إلى عياداتنا.

“ما زلنا في مرحلة طوارئ”

ويقول إدوارد تايلور، منسق الطوارئ في أطباء بلا حدود في شمال السند وشرق بلوشستان: “لقد مرت أشهر على هذه الاستجابة، ولا تزال فرقنا في السند وشرق بلوشستان ترى أناساً يعيشون في خيام ومساكن مرتجلة. وفي أشهر الشتاء هذه، يصبح الناس أكثر عرضة للخطر. وبينما يتحول التركيز نحو التعافي وإعادة الإعمار، لا توجد استجابة إنسانية موسعة لتلبية الاحتياجات الفورية للناس. ففي ديسمبر/كانون الأول، ظلت فرقنا الطبية ترى معدلات عالية من الملاريا وسوء التغذية الحاد والالتهابات الجلدية. وعلى المنظمات الإنسانية والوكالات الحكومية المشاركة في الاستجابة ألا تنسى أن الوضع لا يزال حرجاً. وفي المناطق التي نعمل فيها، لم تنحسر المياه بعد، ولا تزال الاحتياجات الطبية والإنسانية الطارئة مرتفعة. يحتاج الناس بشكل عاجل إلى الحصول على المساعدات الغذائية ومياه الشرب الآمنة والرعاية الصحية والمأوى. ما زلنا في مرحلة طوارئ”.

تدير فرق الطوارئ التابعة لأطباء بلا حدود عيادات متنقلة وفرق مكافحة الملاريا التي تزور أكثر من 50 موقعاً أسبوعياً في مناطق دادو وجاكوب أباد وشهدادكوت في السند وجعفر أباد ونصير أباد وسهباتبور وجهل مكسي وأوسته محمد في شرق بلوشستان. وحتى الآن، قدمنا الرعاية الطبية الأساسية لأكثر من 92,000 شخص، معظمها للأمراض الجلدية والملاريا والتهابات الجهاز التنفسي والإسهال.

العودة إلى منازل مدمرة ومصادر مياه ملوثة

يجد العائدون إلى قراهم منازل وأراضٍ مدمرة، لا تزال محاطة بالمياه الراكدة. وتؤثر الخسارة المدمرة للمنازل والممتلكات على الصحة النفسية للناس، وكذلك على سبل عيشهم. وتقدم فرق أطباء بلا حدود الإسعافات الأولية النفسية وجلسات المشورة الجماعية لدعم الناس خلال هذا الوقت العصيب للغاية.

وفي الوقت نفسه، يواجه الباقون في المخيمات والملاجئ غير الرسمية خطر الشتاء الزاحف. حيث تواصل أطباء بلا حدود تكييف توزيعها للمواد غير الغذائية هذا الموسم مع بطانيات إضافية لفصل الشتاء؛ وفي الأسبوعين الماضيين، تلقت 6,000 أسرة الحزم الإغاثية هذه.

وجد العديد من الناس الذين يمكن الوصول إلى قراهم الآن، في السند وشرق بلوشستان، أن مصادر المياه لا تزال ملوثة ويضطرون لجلب مياه الشرب من أماكن بعيدة. وقد دُمِّرت المحاصيل ومخازن الأغذية، ونفقت المواشي، ولن تكون الحقول جاهزة لموسم الزراعة المقبل، مما يزيد من خطر زيادة انعدام الأمن الغذائي. وتواصل فرق أطباء بلا حدود توفير مياه الشرب الآمنة للمجتمعات الريفية، حيث وفرت حتى الآن أكثر من 20 مليون لتر. كما ساعدت الفرق في توزيع 15,973 سلة من مستلزمات النظافة على أُسر المناطق النائية المتضررة من الفيضانات.

و يضيف تايلور: “ينبغي أن يكون ضمان توفير الغذاء الكافي والمياه والصرف الصحي والرعاية الصحية والمأوى أولوية للاستجابة الدولية والوطنية للفيضانات الكارثية في باكستان، فالعديد من الناس في المناطق المتضررة لديهم احتياجات فورية وعاجلة لا يمكن أن تنتظر”.

لمحة عن أطباء بلا حدود في باكستان

منظمة أطباء بلا حدود هي منظمة طبية إنسانية دولية تقدم المساعدات الطارئة للأشخاص المتضررين من النزاعات المسلحة والأوبئة والكوارث الطبيعية والحرمان من الرعاية الصحية. بدأت منظمة أطباء بلا حدود العمل في باكستان في عام 1986 ولديها الآن 1,738 موظفاً محلياً و 53 موظفاً دولياً يقدمون الرعاية الطبية الجيدة للناس في أقاليم البنجاب وبلوشستان وخيبر بختونخوا والسند. وفي عام 2022، تم إرسال أكثر من 50 موظفاً دولياً لدعم الاستجابة للفيضانات. وقد التزمت أطباء بلا حدود بدعم المجتمعات المتضررة في باكستان واستجابت للكوارث الطبيعية على مر السنين. وكان المئات من أفراد الطاقم الباكستانيين، بمن فيهم الأخصائيون الطبيون وغير الطبيين، في صميم هذه الاستجابة للطوارئ، ما مكَّن من الوصول إلى المحتاجين.

“العودة إلى هايتي تعني الموت”

“العودة إلى هايتي تعني الموت”

مازال الهايتيون الذين يلتمسون اللجوء في الولايات المتحدة الأمريكية يرزحون تحت خطر الطرد والإعادة إلى بلدهم الغارق في الأزمات مع تحول عاصمته، بورت أو برانس، إلى ساحة حرب بين المجموعات المسلحة. وأجبر هذا الوضع آلاف الأشخاص على الهرب من منازلهم وقوض قدرة الناس على الوصول إلى الرعاية الصحية والخدمات الأساسية بشكل كبير.

وبين سبتمبر/أيلول 2021 ويونيو/حزيران 2022، طُرد أكثر من 26,000 شخص ينحدر من هايتي من الولايات المتحدة الأمريكية، من بينهم 4,000 شخص طردتهم الحكومة الأمريكية في شهر مايو/أيار وحده. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الإجراءات تُتخذ بموجب الفصل 42، وهو مرسوم صحة عامة يُحتكم إليه منذ بداية جائحة كوفيد-19 ويسمح بصد المهاجرين وطردهم بصورة سريعة، بما في ذلك الأشخاص الذين يلتمسون الحماية في الولايات المتحدة الأمريكية. وأدت هذه السياسة الكارثية إلى إغلاق باب اللجوء عبر الحدود الجنوبية للولايات المتحدة الأمريكية وسمحت بتشريع أكثر من مليوني عملية طرد من الولايات المتحدة الأمريكية.

وفي حين تم تعليق رحلات الترحيل الجوية إلى هايتي منذ يونيو/حزيران من دون أن يطرأ أي تغيير على السياسة الأمريكية، ما زال طرد الهايتيين الذين يصلون إلى الحدود الأمريكية أمرًا ممكن، علمًا أنهم يُرسلون إلى ما بات يُجزم أنها منطقة نزاع تستولي فيها المجموعات المسلحة على مناطق واسعة من العاصمة. ففي تاباري في بورت أو برانس، يعاني أكثر من نصف السكان الذين يقصدون مستشفى أطباء بلا حدود من جروح مهددة للحياة يعود سببها غالبًا إلى الأسلحة النارية شديدة القوة. وفي عام 2021، أُجبرنا على نقل برامجنا الطبية القائمة منذ فترة طويلة في المنطقة بسبب الاشتباكات المسلحة في حي مارتيسان وحي سيتي سولاي.

وهذا العام، وثقت الأمم المتحدة ارتفاعًا ملحوظًا في مستويات العنف، مسجلةً 934 عملية قتل و684 إصابة و680 عملية خطف في بورت أو برانس بين يناير/كانون الثاني وأواخر يونيو/حزيران. ويعيش معظم الأشخاص الذين فروا من العنف في مواقع نزوح غير منظمة في المدينة ويعانون من ظروف مروّعة. وخلال الأشهر الأخيرة، أدت الاشتباكات المسلحة إلى تدمير شبكات المياه من جديد وعرقلة طريق الشاحنات التي تنقل المياه في حي بل اير وغيره من الأحياء. وفي هذا السياق، تكيف فرق أطباء بلا حدود أنشطتها لمواكبة ارتفاع مستويات العنف وانعدام الأمان، وذلك عبر نشر فرق طبية متنقلة وتأمين مرافق مياه وصرف صحي.

ويقول منسق المشروع للبرنامج المعني بالعنف الحضري في بورت-أو-برانس، سيدريك شابون، “نشهد ارتفاعًا ملحوظًا في عمليات الخطف والقتل في المنطقة ويبلغ الناس أنهم أمسوا لا يشعرون بالأمان في منازلهم وأن مغادرة منازلهم باتت غير آمنة بتاتًا. هذا ويواجهون تحديات كثيرة للحصول على المياه. فمنذ بداية العام، نشهد انتشارًا لوباء الجرب، وهو أمر لم يعتد عليه السكان في هايتي ويعود سببه بشكل أساسي إلى شح المياه. فبينما يستطيع الناس تحمل تكاليف الحصول على كميات صغيرة من المياه الصالحة للشرب، فإنهم لا يتمكنون من الحصول على ما يكفي من المياه النظيفة للحفاظ على النظافة الشخصية”.

ويواجه موظفو أطباء بلا حدود مخاطر كثيرة في هذا الوضع، إذ أمسى بعضهم عالقٌ بسب أعمال العنف وباتوا غير قادرين على مغادرة منازلهم للتوجه إلى عملهم. وفي بعض المناطق، يضطر الموظفون إلى العمل في الأقبية وفي غرف من دون نوافذ تفاديًا لأية رصاصات طائشة.

المهاجرون الهايتيون يواجهون الخطر عند عبورهم أمريكا اللاتينية

توفر أطباء بلا حدود الرعاية الصحية الطبية والنفسية على طول طريق الهجرة الذي يمر بالأمريكيتين. وقد شهدت الفرق خلال السنوات العديدة الماضية ارتفاعًا في عدد الهايتيين الذين يحاولون الوصول إلى الولايات المتحدة.

وفي حين يلتجئ المهاجرون الهايتيون في أغلب الأحيان إلى شبكات دعم أو معارف من عائلتهم في الولايات المتحدة، إلا أن الفصل 42 يجبرهم على عبور طرق محفوفة بالمخاطر المتزايدة لبلوغ وجهتهم، فينطلقون من جنوب أمريكا ويمرون بغابة دارين شديدة الخطورة في بنما. وبين أبريل/نيسان 2021 ومطلع مايو/أيار 2022، عالجت فرق أطباء بلا حدود في بنما 417 امرأة تعرضت للعنف الجنسي من بين المرضى الذين قطعوا غابة دارين.

وتشكل الحدود بين المكسيك والولايات المتحدة محطة المهاجرين الأخيرة. فعندما يصل المهاجرون إلى المدن الحدودية على غرار نويفو لاريدو وريينوسا، فإنهم ينضمون إلى مهاجرين آخرين ينتظرون عبور الحدود طلبًا للجوء في الولايات المتحدة في أغلب الأحيان. وفي هذا السياق، يُجبر المهاجرون غالبًا على النوم في الشوارع أو في أبنية مهجورة أو في مخيمات مؤقتة، فمراكز الإيواء في المنطقة لا تتسع لاستقبال هذا العدد المرتفع من الأشخاص. والجدير ذكره أن فرص الحصول على الرعاية الصحية والطعام والخدمات الأساسية محدودة في المنطقة. كما تسود مخاطر كثيرة في هذه المدن، لا سيما بالنسبة إلى المهاجرين، إذ ترتفع احتمالية تعرضهم لأعمال العنف كالخطف والعنف الجنسي. 

وفي هذا السياق، يقول ويسلي، وهو رجل من هايتي يبلغ من العمر 36 عامًا، وقد وصل إلى مدينة ريينوسا في المكسيك في أبريل/نيسان بعدما خاض رحلة طويلة من تشيلي مرورًا بأمريكا الوسطى والجنوبية، “وصلت إلى هنا مع عائلتي. لدي طفلين ونعيش في ظروف مروعة. نمرّ بفترة بالغة الصعوبة بسبب الحرارة. إننا ننام في الشارع حيث يمكن أن نتعرض لأي مكروه. وقد قال لي أحدهم أننا نتواجد في منطقة شديدة الخطورة. ويمكن لأي مكروه أن يحدث”.

ترك غالبية المهاجرين الذين تعاينهم فرق أطباء بلا حدود على طريق الهجرة هايتي منذ أعوام عديدة هربًا من العنف وانعدام الاستقرار العام. وفي المرحلة الأولى بعد هروبهم، يجد المهاجرون فرص عملٍ في تشيلي أو البرازيل، إلا أن عوامل عدة، منها الانكماش الاقتصادي وتعذر الحصول على وثائق تخولهم العمل بصورة شرعية والمشاعر المعادية للمهاجرين في هذه البلدان، دفعت الآلاف من الهايتيين إلى مغادرتها خلال الأعوام الماضية في محاولة للوصول إلى الولايات المتحدة.

وغادر أنتوغوما هونوراي ذو الـ 23 عامًا هايتي وتوجه إلى البرازيل عام 2019، لكنه لم يجد فرصة عمل في البلد. وعليه، شد رحاله وتوجه إلى الولايات المتحدة الأمريكية، فمرّ بكولومبيا وأمريكا الوسطى قبل الوصول إلى المكسيك التي يمكث فيها منذ خمسة أشهر.

ويقول في هذا الصدد، “أنا هنا لأنني أرغب في الوصول إلى الولايات المتحدة الأمريكية ومساعدة عائلتي. يعيش أفراد من أسرتي في الولايات المتحدة الأمريكية بينما أنا وحيد هنا. ولا يتوفر أي مكان يمكنني أن أنام فيه. أمطرت السماء طوال نهار أمس، فاضطررت إلى النوم في المياه القذرة. لا أريد أن أعود إلى هايتي. فلا تتوفر المدارس هناك، ولا يتوفر الطعام أو فرصًا للعمل. إن العودة إلى هايتي تعني الموت”.

مهاجرون يُعاملون كالمجرمين

تقول لوكنسيا بول ذات الـ 28 عامًا وهي تستذكر رحلة عبورها غابة دارين في بنما، “من دون استراتيجية نافعة، لا يمكنك النجاة في هذه الغابة. تواجه المخاطر في الغابة بشكل كبير، إذ يعيش فيها حيوانات متوحشة وبعض الطرقات فيها غير سالكة أو يصعب المرور عبرها. هذا وتصل إلى مرحلة ينفذ فيها ما معك من طعام، فيتعين عليك أن تستجمع كل ما أوتيت من قوة لتتمكن من الخروج من الغابة”.

أُجريت مقابلة مع بول في نويفو لاريدو في مايو/أيار أثناء محاولتها العبور إلى الولايات المتحدة للمرة الثانية. فقد تركت لوكنسيا هايتي منذ سنوات وانتقلت إلى تشيلي قبل أن تقرر التوجه إلى الولايات المتحدة الأمريكية. وفي ديسمبر/كانون الأول 2021، وصلت إلى الولايات المتحدة بعد عبور تسعة بلدان والمخاطرة بحياتها بعبورها غابة دارين، وأمضت سبعة أيام في مركز الاحتجاز في الولايات المتحدة قبل أن يتم طردها إلى هايتي”.

وتصف تجربتها قائلة، “في تكساس، نقلوني إلى حافلة والقيود تكبّل يداي وخاصرتي وقدماي. فكرت في الرحلة التي خضتها وبالتضحيات التي قدمتها، وكيف أنهم يعاملونني كالمجرمة بعد كل ما قاسيت”.

وفي هايتي، شجعتها عائلتها على محاولة العبور إلى الولايات المتحدة من جديد.

وتقول، “شعرت بالسعادة عندما التقيت بهم، لكن الوضع كان حزينًا أيضًا. شعرت وكأنني أحضر عزاء أحد ما بسبب سوء الوضع في هايتي. نصحني الجميع بألا أبقى في البلد، وأن أفعل ما بوسعي لكي أعود بسرعة، فلا شيء يتوفر في هايتي. أفكر فقط في حجم الألم الذي سأشعر به إذا عدت إلى بلدي ولم أتمكن من الشعور بالسعادة عند تواجدي مع عائلتي بسبب سوء الوضع”.

تدعو أطباء بلا حدود بصورة متكررة إلى إنهاء العمل بالفصل 42 وإيقاف رحلات الطرد إلى هايتي لدواعٍ إنسانية. فهايتي تمر بأزمة إنسانية واقتصادية وسياسية. والمعارك مفتوحة في شوارعها، كما ترتفع أعداد الجرحى والقتلى فيها باستمرار، لا سيما بسبب تعرضهم للرصاصات الطائشة. كما تجدر الإشارة إلى أن الكثير من الهايتيين لا يستطيعون الوصول إلى الرعاية الطبية والاحتياجات الأساسية على غرار المياه النظيفة.

لا يجوز لأي بلد في العالم أن يعيد الأشخاص إلى هايتي. ولا بد من أن توقف الولايات المتحدة جميع رحلات الترحيل بصورة دائمة وأن تسهل وصول الهايتيين إلى إجراءات اللجوء.

مرسوم جديد يعيق جهود الإنقاذ في البحر وسيتسبب في المزيد من الوفيات

مرسوم جديد يعيق جهود الإنقاذ في البحر وسيتسبب في المزيد من الوفيات

نحن، المنظمات المدنية المشاركة في أنشطة البحث والإنقاذ في المنطقة الوسطى من البحر الأبيض المتوسط، نعرب عن بالغ قلقنا إزاء المحاولة الأخيرة التي قامت بها حكومة أوروبية لعرقلة تقديم المساعدة للأشخاص الذين يمرون بمحنة في البحر.

سيقلل مرسوم القانون الجديد، الذي وقعه الرئيس الإيطالي في 2 يناير/كانون الثاني 2023، من قدرات الإنقاذ في البحر وبالتالي يزيد من خطورة المنطقة الوسطى من البحر المتوسط، التي تعد أحد أكثر طرق الهجرة فتكاً في العالم. ويستهدف المرسوم ظاهرياً المنظمات غير الحكومية العاملة في مجال البحث والإنقاذ، لكن الثمن الحقيقي سيدفعه الأشخاص الذين يفرون عبر وسط البحر الأبيض المتوسط ويجدون أنفسهم في أوضاع خطرة.

منذ عام 2014، تقوم سفن الإنقاذ المدنية بملءِ الفراغ الذي خلَّفته الدول الأوروبية عمداً بعد وقف عمليات البحث والإنقاذ التي تقودها دولهم. وقد لعبت المنظمات غير الحكومية دوراً أساسياً في سد هذه الفجوة ومنع فقدان المزيد من الأرواح في البحر، مع الالتزام بشكل مستمر بالقوانين السارية.

على الرغم من ذلك، حاولت الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي – وأبرزها إيطاليا – لسنوات عرقلة أنشطة البحث والإنقاذ المدنية من خلال التشهير والمضايقة الإدارية وتجريم المنظمات غير الحكومية والناشطين.

ويوجد بالفعل إطار قانوني شامل يخص البحث والإنقاذ، ألا وهو اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS) والاتفاقية الدولية للبحث والإنقاذ في البحر (SAR Convention). إلا أن الحكومة الإيطالية استحدثت مجموعة أخرى من القواعد لسفن البحث والإنقاذ المدنية، تعيق عمليات الإنقاذ وتعرض الأشخاص الذين هم في محنة في البحر لمزيد من المخاطر.

ومن بين القواعد التي فرضتها الحكومة الإيطالية أن على سفن الإنقاذ المدنية التوجه فوراً إلى إيطاليا بعد كل عملية إنقاذ. وهذا يؤخر المزيد من عمليات إنقاذ الأرواح، حيث تقوم السفن عادة بعمليات إنقاذ متعددة على مدار عدة أيام. وإن إصدار تعليمات إلى المنظمات غير الحكومية للبحث والإنقاذ بالتوجه على الفور إلى الميناء، بينما يكون أشخاص آخرون في محنة في البحر، يتناقض مع التزام القبطان بتقديم مساعدة فورية للأشخاص الذين يمرون بمحنة، على النحو المنصوص عليه في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار.

ومما يزيد من تعقيد هذا البند من المرسوم السياسة التي اتبعتها الحكومة الإيطالية مؤخراً بتخصيص “موانئ بعيدة” على نحو أكثر تكرراً، والتي قد يستغرق الوصول إليها حتى أربعة أيام من الإبحار من موقع السفينة.

وكلا البندين قد صُمِّما لإبقاء سفن البحث والإنقاذ خارج منطقة الإنقاذ لفترات طويلة وتقليل قدرتها على مساعدة الأشخاص المعرضين للخطر. إن المنظمات غير الحكومية مُثقَلة بالفعل بسبب عدم وجود عمليات بحث وإنقاذ تديرها الدول، وسيؤدي انخفاض وجود سفن الإنقاذ حتماً إلى غرق المزيد من الناس بشكل مأساوي في البحر.

وهناك مسألة أخرى يثيرها المرسوم وهي الالتزام بجمع البيانات على متن سفن الإنقاذ من الناجين، والتي تعبر عن نيتهم في التقدم بطلب للحصول على الحماية الدولية، ومشاركة هذه المعلومات مع السلطات. والشروع في هذه العملية هو من واجب الدول، والسفينة الخاصة ليست مكاناً مناسباً لذلك. ويجب التعامل مع طلبات اللجوء على الأراضي الجافة فقط، بعد النزول إلى مكان آمن ، وفقط بعد تغطية الاحتياجات الفورية، كما أوضحت مؤخراً المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. [1]

إجمالاً، يتناقض مرسوم القانون الإيطالي مع القانون البحري الدولي وقانون حقوق الإنسان والقانون الأوروبي، ولذا يجب أن يثير رد فعل قوي من قبل المفوضية الأوروبية والبرلمان الأوروبي والدول الأعضاء والمؤسسات الأوروبية.

وندعو، نحن المنظمات المدنية المشاركة في عمليات البحث والإنقاذ في وسط البحر الأبيض المتوسط، الحكومة الإيطالية إلى سحب مرسومها القانوني الصادر حديثاً على الفور. كما ندعو جميع أعضاء البرلمان الإيطالي إلى معارضة المرسوم، ومن ثَمَّ منع تحويله إلى قانون.

ما نحتاجه ليس هيكلية أخرى ذات دوافع سياسية تعرقل أنشطة البحث والإنقاذ المنقذة للحياة، لكن أن تمتثل الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي للقوانين الدولية والبحرية الحالية بالإضافة إلى ضمان مساحة العمل للجهات الفاعلة المدنية في البحث والإنقاذ.

منظمات البحث والإنقاذ الموقِّعة:

Emergency

Iuventa Crew

Mare Liberum

Médecins Sans Frontières/Doctors Without Borders (MSF)

MEDITERRANEA Saving Humans

MISSION LIFELINE

Open Arms

r42-sailtraining

ResQ – People Saving People

RESQSHIP

Salvamento Marítimo Humanitario

SARAH-SEENOTRETTUNG

Sea Punks

Sea-Eye

Sea-Watch

SOS Humanity

United4Rescue

Watch the Med – Alarm Phone

منظمات مشاركة في التوقيع:

Borderline-Europe, Menschenrechte ohne Grenzen e.V.

Human Rights at Sea

[1]مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين، الاعتبارات القانونية بشأن أدوار ومسؤوليات الدول فيما يتعلق بالإنقاذ في البحر، وعدم الإعادة القسرية ، والوصول إلى اللجوء، 1 ديسمبر 2022، متاح على: https://www.refworld.org/docid/6389bfc84.html.

مستشفى على قضبان.. مشاهدات من رحلتي على متن القطار الطبي في أوكرانيا

مستشفى على قضبان.. مشاهدات من رحلتي على متن القطار الطبي في أوكرانيا

بقلم*: ياسر كمال الدين

بدأت كتابة هذه الخواطر بعد مرور شهر على إنهاء مهمتي وعودتي إلى القاهرة، وقد أتاحت لي هذه المدَّة إعادة ترتيب أفكاري واسترجاع الأحداث التي شهدتُها على مدار الأسابيع الخمسة التي أمضيتها في أوكرانيا. كانت هذه المهمة من أقصر المهمات التي عملت فيها بالميدان خلال قرابة العشر سنوات التي أمضيتها في مجال العمل الإغاثي، إلاَّ أنها رغم قصرها كانت الأغنى بالأحداث على الاطلاق.

في الثالث عشر من شهر مايو، وصلت إلى مدينة لفيف غرب أوكرانيا، بعد رحلة طويلة، سافرت خلالها من القاهرة إلى العاصمة البلجيكية بروكسل، ومنها لبولندا، ثم أكملت الرحلة براً إلى غرب أوكرانيا، وأنا أفكر في القطار الطبي الذي قرأت وسمعت عنه كثيراً في الأسابيع السابقة لالتحاقي بالبعثة. يعمل هذا القطار الطبي – الذي هو الأول من نوعه لمنظمة أطباء بلا حدود – على نقل المرضى من المستشفيات الأوكرانية المثقلة بالأعباء بسبب قربها من مناطق الحرب النشطة إلى المستشفيات البعيدة عن القتال التي تتوفر فيها القدرة الاستيعابية اللازمة. لم أكن قد رأيت مثيلاً له خلال عملي في المجال الإغاثي سواء في مناطق النزاع المسلح أو غيرها. تسميات عدَّة أطلقت عليه، “القطار الطبي” و”مستشفى على قضبان” و”كبسولة الهروب” ما حمسني لخوض هذه التجربة كأنها أول مهمة ميدانية لي.

لفيف مدينة صغيرة جميلة، تقع بالقرب من الحدود الغربية لأوكرانيا مع بولندا، بدا الجو العام فيها هادئاً جداً ولا يعكس المشهد فيها خطورة الحرب. رأيت المارة في الشوارع يتجولون بين المطاعم والمتاجر كأن ما من تأثيرٍ على سكان هذه المدينة. توجست من هذا الهدوء الخادع، ولم يكد ينتهي اليوم حتى سمعت دوي صافرات الإنذار في كل أرجاء المدينة مبشرة باحتمال وقوع غارة جوية روسية. توقفت المطاعم عن خدمة زبائنها وأغلقت أبوابها واتجه بعض المارة بهدوء لمنازلهم، بينما أكمل البعض الاخر تجوله في الشوارع غير عابئ بالإنذار.

سبقَ أن عايشت قدرة الشعوب على التكيف مع أهوال الحروب في أماكن أخرى عملت بها مثل أفغانستان والعراق، ولكن كانت أسابيع قليلة قد مرَّت على اندلاع الحرب، فتوقعت وضعاً ً أكثر حدة. ولكن علمت فيما بعد أن سكان المدينة اعتادوا أصوات صافرات الإنذار التي تتكرر بشكل يومي لتنبيه الناس بضرورة إخلاء الشوارع فورًا والاحتماء من غارة محتملة على الرغم من أنَّ لفيف تبعد عن المواجهات اليومية في شرق البلاد أكثر من ألف كيلومتر.

40 إلى 60 ساعة رحلة القطار الطبي في أوكرانيا

بعد تمضية ليلة واحدة في لفيف، اتجهت مع أفراد الفريق لنستقل القطار الشهير. كنت قد علمت أن الفريق يبيت في المدينة بعد كل رحلة ويستغل هذا الوقت للراحة والاستحمام قبل الانطلاق لرحلة إخلاء جديدة. تستغرق الرحلة الواحدة نحو عشرين ساعة من لفيف لمدن الشرق الواقعة على خط المواجهة مثل خاركيف ودنيبرو وبكروفسك. فيما يستغرق مجموع الرحلة الواحدة ذهاباً وإياباً ما بين الـ 40 والـ60 ساعة، وقد تطول المدَّة إنْ كان علينا إرسال المرضى إلى أكثر من وجهة أو تقصر إذا كان الاجلاء من مدن خط المواجهة مباشرة الى لفيف.

قبل وصولي إلى أوكرانيا، سمعت من زملائي في بروكسل عن امتلاك هذا البلد لشبكة من أعقد وأكبر شبكات القطار في القارة بأكملها. وكانت فكرة هذا النشاط الإغاثي بسيطة وعبقرية في الوقت نفسه، فهو يعتمد على قطار عادي من الخارج، لا يوحي بأي شيء غير اعتيادي، شكله متطابق مع قطارات الركاب الكثيرة، ولكنه يحتوي من الداخل على تجهيزات تمكن الفريق الطبي من نقل نحو ٣٠ مريضاً ومريضة من من شرق البلاد إلى غربها والعكس.

“البابوشكات” يواجهنَ كل يوم تأثير الحرب على حياتهن

يضمُّ القطار أطباءً وطاقماً تمريضاً وأخصائياً لوجستياً ومترجمة بالإضافة اليّ أنا كمنسقاً ميدانياً. كان جزء من الفريق يستريح في لفيف حين يعمل ما بين ١٨ و٢١ فرد من باقي الفريق على القطار كل رحلة.

كان القطار بمثابة مستشفى صغير متنقل، مجهَّز بـ ٣٠ فراشاً طبياً معدين لرعاية المرضى خلال الرحلة الطويلة، فيما طوَّر الفريق اللوجستي لأطباء بلا حدود عربة كاملة لتصبح وحدة رعاية مركزة تتسع لخمسة مرضى من ذوي الحالات الحرجة مع معظم التجهيزات المتواجدة في وحدات الرعاية في المستشفيات مثل شبكة كاملة لإنتاج وتوصيل الاوكسجين وجهازان للتنفس الصناعي.

تبدأ التجهيزات للرحلة بإخطار من وزارة الصحة الأوكرانية والمستشفيات الواقعة بالقرب من خط المواجهة، على أن تتبعها زيارة استطلاعية من أحد زملائنا الأطباء المقيم في مدينة قريبة من الاحداث. نحصل على عدد تقريبي للحالات المطلوب نقلها لغرب أوكرانيا مع وصف عام للوضع الصحي واحتياجات هؤلاء المرضى الذي قد ينقص أو يزيد عددهم خلال الرحلة. كان هذا الكم من المعلومات كافياً لإخطار الفريق للاستعداد لرحلة جديدة. كنا نجتمع في محطة القطارات قبل موعد الرحلة بنصف ساعة لنستقل القطار الطبي فور وصوله. كانت رحلة الذهاب مخصصة لتجهيز القطار والاستعداد لاستقبال المرضى في كافة مقصورات القطار الخمس المخصصة للمرضى.  فيما كان كل اثنان او ثلاث من طاقم الفريق يتشاركون مقصورة المعيشة نفسها في الليلة الأولى من الرحلة، مدركين أنَّ الليلة التالية ستكون خالية من الراحة لأن الطاقم الطبي يتقاسم ساعات العمل الليلية للإشراف على المرضى. باختصار، كان النوم صعباً طوال الرحلة!

ولكن، كان فريق القطار من أروع من عملت معهم في مسيرتي المهنية، أغلبهم يعمل في وظيفة أخرى توقف عن أدائها مؤقتا ليلحق بالقطار الطبي الذي يساعد في تقديم الخدمات الطبية. شعرت من محادثاتي مع أفراد الفريق ان سبب وجودهم على متن القطار نابع من يقينهم بأنَّ لكل شخص دوراً في مجتمعه وقت الكوارث. يفخر أفراد الفريق بدورهم في الحرب على الرغم من صعوبته وخطورته. وكان يصدف أكثر من مرة أن يلتقي أحد افراد الفريق بشخص من مسقط رأسه يتم إخلائه بواسطة القطار الطبي أو يعلم بأنَّ له معارف وأصدقاء مشتركون بينه وبين أحد المرضى. أغلب أفراد الفريق كانوا بدورهم متأثرين بالحرب ونازحين هم أو أهلهم من مدنهم وقراهم لاماكن أكثر امانا. كان القطار مسرحاً يومياً للقصص الإنسانية المشتركة بين الأطباء والممرضين والمرضى طوال رحلة الاخلاء.

خلال وجودي تمكنا من إخلاء نحو ٢٠٠ مريض ومريضة أغلبهم مصابو حرب جراء انفجارات او شظايا. كان يطلق الفريق على أغلب مرضانا تسمية «بابوشكا»، أي الجدة باللغتين الروسية والاوكرانية. في كثير من الأحيان كنا نعود بقطار مليء بالـ«بابوشكات»! هؤلاء الجدات كنَّ يقاومن كل يوم تأثير الحرب على حياتهن. أغلبهن كن يرفضن ترك منازلهن منذ بدء الحرب ولكنهن اضطررنَ لتركها كمرضى بعد الإصابة. في تلك الفترة، نزح اغلب سكان القرى القريبة من خط النيران وبقي من لا يملك من الأموال ما يكفي للرحيل ولا أقرباء خارج القرية لاستضافته، هذا إضافة إلى أنَّ أغلب الـ«بابوشكات» رفضنَ ترك مكان ولادتهن. قالت لي إحداهن «سوف أعود لمنزلي في أقرب وقت ممكن، لم أكن اريد ترك بيتي أبداً و لكني الآن مضطرة لذلك”.

ساق مقابل أرنب

قص عليَّ بعض المرضى كيف غيرت الحرب حياتهم وأخبار أحبائهم الذين خسروا حياتهم بسبب الحرب. أحد المرضى كان عامل بناء في أواخر الأربعينيات من عمره من سكان إحدى القرى في شرق مدينة خاركيف، كان قد فقد أباه وأمه قبل الحرب وبقي وحده في منزله. لم يكن لديه سبب لترك منزله الصغير حتى مع اقتراب الاشتباكات ودوي الصواريخ. لم يكن لديه زوجة أو طفل يخاف عليهم وكان منزله وقطعة الأرض الصغيرة أمامه كل ما يملك في هذه الحياة. سمع دوياً قريباً ذات يوم، ثم آخر أقرب وبعده دوي انفجار أطاح به عدة أمتار وكسر ذراعيه. استرسل وهو يخبرني تفاصيل ما جرى معه وكأنها قصة شخص آخر. “لم أكن أعلم ما ينبغي علي فعله للاحتماء من القذائف. كنت قد رأيت كيف لقيَ جيراني حتفهم، اب وام و٤ أطفال، وهم محتمون بقبو منزلهم. دفنتهم القذائف تحت الأنقاض. لم أكن أعلم إذا كنت آمناً في العراء، ولكني كنت متيقن من أني لا اريد لنفسي نهاية تشبه مأساة تلك الأسرة». مريضة أخرى من مصابي الحرب مازحتني وهي على الفراش وإحدى ساقيها مبتورة والساق الأخرى مصابة جراء التعرض المباشر لانفجار والإصابة بشظايا: “كنت أُحضر أرنباً من الحظيرة لتجهيز وجبة العشاء لأصدقائي، كان هذا أغلى أرنب في حياتي، أرنب واحد مقابل ساق”. ابتسمت على الرغم من الألم الواضح على معالم وجهها بالرغم من مسكنات الألم. كان أبوها السبعيني يرافقها في الرحلة وينظر اليها بمزيج من الحزن والفخر وهي تروي لي كيف انتهى بها الحال على متنِ هذا القطار. قال لي بعيداً عن ابنته «سوف تعبر تلك الأزمة، انها امرأة قوية، لقد ورثت صلابتها مني».

العمل على مساعدة الأشخاص الأكثر حاجة أينما كانوا

كعامل إغاثة، أفكِّر دوماً في حال المحتاجين للمساعدات الإنسانية على جانبَي النزاع في بلدانِ كثيرة من حول العالم. لطالما واجه العمل الإنساني هذا التحدي، أي أن يكون قادراً على إيصال المساعدات الانسانية الضرورية للمحتاجين بغض النظر عن العرق او الدين او الانتماء السياسي في الحروب.

في سياق الحرب الروسية الأوكرانية، وعلى الرغم من تواجد أطباء بلا حدود في روسيا منذ عام ١٩٩٢، وحتى كتابة هذه السطور لا تستطيع فرق المنظمة الوصول للناس المتواجدين في مناطق سيطرة روسيا والمجموعات المدعومة من روسيا في أوكرانيا. في أماكن عدة حول العالم تضيق باستمرار مساحة العمل الاغاثي خلال الحروب، أي أن تكون قادراً على الوصول للمحتاجين وإنقاذ أراوح المتضررين من النزاعات المسلحة من دون تمييز.

الوداع

خمسة أسابيع أمضيتها في هذه البعثة، قبل أن أبدأ بترتيب اشيائي للعودة للقاهرة. ذهبت ليلة سفري لحضور حفل صغير أعده فريق القطار لتوديعي وشاركتهم شعوري، كيف كان لكلٍ منهم تأثير على رؤيتي لواقع المعاناة من جراء الحرب، وكيف انبهرت من الروح الرائعة السائدة بين أفراد الفريق على متنِ القطار.

على الرغم من بعد المسافة بين مصر وأوكرانيا، الا ان الحرب في أوكرانيا كانت موضع اهتمام جميع وسائل الاعلام بلا استثناء. وانا أجهز نفسي للعودة خطرت في بالي أسئلة كثيرة، كيف لكافة التحليلات الجيوسياسية، وتفاصيل أسباب اندلاع الحرب وتأثيراتها من عضوية الناتو وتجارة النفط لرغيف الخبز، أن تفسر المعاناة والقصص الإنسانية التي عاشها الاشخاص الذين قابلتهم على متنِ القطار، لم أصل لإجابة! سأكتفي بالذكريات الطيبة التجربة الثرية والعلاقات الإنسانية التي سأحتفظ بها بعد هذه البعثة. وها أنا أودِّع الفريق وأعود إلى أرض الوطن في انتظار مهمة جديدة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  ياسر كمال الدين صيدلي وعامل إغاثة من مصر، انضم لأطباء بلا حدود عام 2012 وعمل في مجال إدارة العمليات الإغاثية كمنسق مشروع ورئيس بعثة في بعثات مختلفة، منها مصر، لبنان، العراق، افغانستان، سوريا، اليونان، كينيا وأوكرانيا. يشغل حاليا منصب رئيس بعثة أطباء بلا حدود في مصر. حصل ياسر على درجة البكالوريوس في الصيدلة من جامعة القاهرة والماجستير في الأنثروبولوجيا من جامعة كوليدج لندن.

أطباء بلا حدود تدعم السلطات الصحية الهايتية في التطعيم ضد الكوليرا

أطباء بلا حدود تدعم السلطات الصحية الهايتية في التطعيم ضد الكوليرا

بورت أو برانس، 20 ديسمبر/كانون الأول 2022 – تدعم فرق أطباء بلا حدود في هايتي حملة التطعيم ضد الكوليرا التي أطلقتها السلطات الصحية المحلية. وتمثل هذه الحملة أحدث جهود الاستجابة لعودة انتشار المرض، والذي أصاب أكثر من 15 ألف شخص وأدى إلى أكثر من 300 حالة وفاة في البلد منذ أواخر شهر سبتمبر/أيلول. تلقت وزارة الصحة العامة والسكان في 12 ديسمبر/كانون الأول 1,17 مليون جرعة من لقاح الكوليرا من مجموعة التنسيق الدولية، وهي آلية تدير وتنسق عملية توفير الإمدادات الطارئة من اللقاحات للبلدان عند تفشي الأمراض.

وفي هذا السياق، يوضح منسق حالات الطوارئ في أطباء بلا حدود ويليام إيتيان، “نحن ندعم حملة التطعيم في سيتي سولاي التي تُعدّ من أكثر المناطق تضررًا بالكوليرا في بورت أو برانس. تساعد فرقنا في نقل جرعات اللقاح وغيرها من المواد، وتسهّل تحركات فرق التطعيم التابعة لوزارة الصحة العامة والسكان، كما توزع الصابون وغيره من مستلزمات النظافة الصحية وتهتم بإدارة النفايات”.

تتزامن عودة الكوليرا وتفشيه المستمر مع صعوبات هائلة تعيق وصول السكان إلى الرعاية الصحية. وحتى مع توفر الوقود بصورة تدريجية بعد شحٍ شديد بسبب إغلاق المحطة الرئيسية لتخزين النفط، فإن العنف وانعدام الأمان واقترانهما بأزمة اقتصادية واجتماعية غير مسبوقة يجعل الوصول إلى الخدمات الأساسية عملية شديدة التعقيد.

ويضيف إتيان، “على الرغم من تدني وتيرة انتقال العدوى مؤخرًا، يبقى التطعيم أداةً مفيدة جدًا في سياق صحي هش كهذا. لقد تعرضت هايتي لتفشٍ كبير لوباء الكوليرا في الماضي القريب”. تشارك فرق أطباء بلا حدود في الاستجابة الطارئة للكوليرا منذ تحديد أوائل المصابين بالمرض، فأسرعنا إلى افتتاح عدة مراكز لعلاج الكوليرا في بورت أو برانس وفي مقاطعة أرتيبونيت. ونعمل أيضًا على تعزيز الوصول إلى المياه النظيفة وندير أنشطة تُعنى بالتوعية الصحية.