أطباء بلا حدود تدين بشدّة الهجوم الإسرائيلي على مأوى في المواصي والذي تسبب بمقتل شخصين من عائلة زميلنا وأصاب ستة بجروح

أطباء بلا حدود تدين بشدّة الهجوم الإسرائيلي على مأوى في المواصي والذي تسبب بمقتل شخصين من عائلة زميلنا وأصاب ستة بجروح

تشجب أطباء بلا حدود بأشد العبارات الممكنة مقتل فردين من عائلة أحد زملائنا في المنظمة في هجوم إسرائيلي على المواصي في خان يونس بغزة. وقد أُصيب ستة آخرون بجروح على إثره.

في وقت متأخر من مساء يوم 20 فبراير/شباط، شنّت القوات الإسرائيلية عملية عسكرية في المواصي، على الشريط الساحلي لقطاع غزة، حين أطلقت الدبابات الإسرائيلية النار على منزل يؤوي زملاء في أطباء بلا حدود مع عائلاتهم. أودى هذا الهجوم بحياة زوجة أحد زملائنا وزوجة ابنه وجُرح على إثره ستة أشخاص، خمسة منهم نساءٌ أو أطفال. هذا وأُطلِق الرصاص على المبنى الذي يظهر شعار أطباء بلا حدود بوضوح عليه، مُخترقًا البوابة الأمامية والجدار الخارجي للمبنى والجزء الداخلي من الطابق الأرضي.

بعد الهجوم، تأخرت فرق الإسعاف أكثر من ساعتين بسبب القصف في المنطقة، ولكنها تمكّنت من الوصول في النهاية، ونقلت الجرحى الذين أصيب بعضهم بحروق إلى المستشفى الميداني للهيئة الطبية الدولية في رفح.

وفي هذا الصدد، تشرح المديرة العامة لأطباء بلا حدود والمسؤولة حاليًا عن تنسيق الأنشطة الطبية في غزة، ميني نيكولاي، “نشعر بغضب وأسى عميقين من عمليات القتل هذه. وفي اليوم الذي اختارت فيه الولايات المتحدة استخدام حق النقض لمعارضة وقف فوري لإطلاق النار في غزة، شهدت ابنتان مقتل أمهما وزوجة أخيهما أمام أعينهما بنيران دبابة إسرائيلية”.

وتضيف، “تؤكد أعمال القتل هذه على الواقع المرير الذي لم يُبقي في غزة أي مكان آمن، وعلى خواء الوعود بتخصيص مناطق آمنة، وعلى إخفاق آليات عدم الاشتباك في إثبات فعاليتها. وحجم القوة المستخدمة في مناطق عمرانية مكتظة بالسكان صاعق، كما أنّ استهداف مبنى يُعرف بإيوائه لعاملين في المجال الإنساني وعائلاتهم فعلٌ لا يقبله ضمير”.

تواجد في المنزل لحظة الهجوم 64 شخصًا التجأوا إليه. وفي هذا السياق، تبلغ أطباء بلا حدود جميع الأطراف المتنازعة، بما في ذلك القوات الإسرائيلية، عن أماكن وجودها بشكل منتظم، وقد أكّدت الأطراف على درايتها بوجود فرق لأطباء بلا حدود في المواقع المحددة. هذا وأُبلغت القوات الإسرائيلية بوضوح بالموقع المحدد لمأوى أطباء بلا حدود في المواصي. وبالإضافة إلى ذلك، عُلِّق علم المنظمة بطول مترين وعرض ثلاثة أمتار على الجدار الخارجي للمبنى. مع ذلك، لم تصدر القوات الإسرائيلية أي أوامر إخلاء قبل شنّ هذا الهجوم. تواصلت أطباء بلا حدود مع السلطات الإسرائيلية في سعي للحصول على توضيح.

كان بعض زملائنا وعائلاتهم ممن أقاموا في ملجأ المواصي قد نجوا من هجوم الثامن من يناير/كانون الثاني على مأوى لأطباء بلا حدود في رفح والذي أودى بحياة طفلة أحد زملائنا في الخامسة من عمرها. هذا دليل جديد على تجاهل القوات الإسرائيلية لضمان سلامة المدنيين خلال عملياتها العسكرية واستهانتها بأرواح الناس وعدم احترامها للمهمات الطبية. وفي ظل كل هذا، يمسي الاستمرار في الأنشطة الطبية الإنسانية في غزة أقرب إلى المستحيل.

توفر فرق أطباء بلا حدود الدّعم لزملائنا وعائلاتهم الذين نجوا من هجوم الأول من أمس وإلى الأشخاص المقرّبين من القتيلتين. قُتل خمسة أعضاء من فريق أطباء بلا حدود منذ بداية الحرب بالإضافة إلى عديدٍ من أفراد أسرهم.

نكرر دعوتنا إلى وقف فوري ودائم لإطلاق النار في غزة. يجب أن ينتهي العنف ضد المدنيين على الفور.

غزة: تدعو أطباء بلا حدود إلى توفير الحماية والإجلاء الآمن للمرضى من مستشفى ناصر

غزة: تدعو أطباء بلا حدود إلى توفير الحماية والإجلاء الآمن للمرضى من مستشفى ناصر

تُعرب أطباء بلا حدود عن غضبها الشديد إزاء استمرار حصار الطاقم الطبي والمرضى بعد أن هاجمت القوات الإسرائيلية مستشفى ناصر في خان يونس بغزة وداهمته في 15 فبراير/شباط.

ولا يزال قرابة 130 مريضًا وما لا يقل عن 15 عاملًا في الرعاية الصحية في المستشفى من دون كهرباء أو مياه جارية ومع طعام محدود، بحسب الأمم المتحدة، والتي تقول إنّها تمكنت من نقل 32 مريضًا في حالة حرجة وتحاول إجلاء الباقين في الأيام القادمة. تعبّر أطباء بلا حدود عن شديد قلقها حيال سلامة هؤلاء المرضى وتدعو إلى إجلائهم بشكل آمن. وفرقنا في مستشفى الأقصى والمستشفى الميداني الإندونيسي في رفح جاهزة لعلاجهم إذا لزم الأمر.

وفي الساعات الأولى من يوم 15 فبراير/شباط، أصابت قذيفة قسم العظام في المستشفى متسببةً بفوضى ومقتل وإصابة عدد غير محدّد من الأشخاص. اضطر أعضاء فريق أطباء بلا حدود إلى الفرار من المجمع خوفًا على حياتهم، تاركين وراءهم عديدًا من المرضى في حالة خطيرة. ليس في متناولنا إلا معلومات قليلة جدًا حول بقية الطاقم الطبي والمرضى وحالتهم.

ويأتي ذلك بعد أسابيع من القتال العنيف بالقرب من المستشفى، حيث وجد الطاقم الطبي والمرضى والنازحون أنفسهم محاصرين داخل المجمع مع إمكانية محدودة للغاية للوصول إلى الإمدادات الأساسية. لم يتمكّن الكثير من الأشخاص الذين أصيبوا جراء القصف المكثف في خان يونس من الوصول إلى المستشفى لتلقي الرعاية الطارئة.

وبعد مرور أربعة أيام على الهجوم، انقطع الاتصال بين أطباء بلا حدود واثنين من كوادرنا كانا في المستشفى وقت الهجوم. مصير أحدهما مجهول منذ حدوث الهجوم والآخر اعتقلته القوات الإسرائيلية عند نقطة تفتيش فيما حاول مغادرة مستشفى ناصر. نطلب من السلطات الإسرائيلية أن تشاركنا معلومات حول مكان تواجدهما وندعو إلى الحرص على سلامتهما وحماية كرامتهما.

تقول المنسقة الطبية لأطباء بلا حدود في فلسطين، غييميت توما، “يمثل الوضع في مستشفى ناصر مثالًا آخر على الطريقة التي تُفكك من خلالها مرافق الرعاية الصحية واحداً تلو الآخر في هذه الحرب. وبالرغم من أن الطاقم الطبي والمرضى قد أُخبروا في البداية بأنهمّ يستطيعون البقاء داخل المرفق، إلا أنّهم عُرِّضوا للخطر في مكان توجّب أن يوفر لهم الحماية. غضبنا شديد لأنهم اضطروا مرّة أخرى إلى دفع ثمن باهظ”.

في 13 فبراير/شباط، أمرت القوات الإسرائيلية بإجلاء آلاف النازحين الذين لجأوا إلى مستشفى ناصر، وأخبرت الطاقم الطبي والمرضى أنّه يمكنهم البقاء في المبنى مع مُرافق واحد لكل مريض. خشي عديد من المدنيين مغادرة المستشفى بسبب إطلاق النار بشكل مباشر على المبنى وعلى الأشخاص الذين كانوا يحاولون مغادرة مجمع المستشفى.

كان مستشفى ناصر في السابق أحد أكبر مستشفيات جنوب غزة، وهو الآن في عداد المرافق الطبية التي فقدت القدرة على معالجة المرضى. وما تبقى من النظام الصحي في غزة بالكاد يعمل بسبب تأثّر المستشفيات الرئيسة باستمرار بالعمليات العسكرية والقتال العنيف في المناطق المجاورة مباشرةً لها. ولم يتعرّض عشرات الآلاف من الأشخاص للإصابة فحسب، بل شُوِّهوا أيضًا لمدى الحياة، ولا توجد حاليًا إمكانية لتلقيهم العلاج المناسب أو استمرار رعايتهم.

يجب أن تتوقف الهجمات على المرافق الطبية وكوادرها ومرضاها. وتكرر أطباء بلا حدود دعوتها العاجلة إلى وقف فوري ومستدام لإطلاق النار للسماح بإنقاذ حياة المدنيين وبدخول المساعدات الكبيرة إلى القطاع.

لبنان: أطباء بلا حدود تدعم النظام الصحي في طرابلس

لبنان: أطباء بلا حدود تدعم النظام الصحي في طرابلس

عطاء (23 عامًا) هي مريضة في مركز الرعاية الصحية الأساسية الذي تدعمه أطباء بلا حدود في المستشفى الحكومي في طرابلس، ثاني أكبر مدن لبنان. تقصد عطاء المركز الصحي مع زوجها عدنان (26 عامًا) لإجراء المعاينات الروتينية قبل الولادة. وفي ظل الأزمة الاقتصادية المتفاقمة في البلد، يعاني الزوجان لتوفير ضرورياتهما اليومية. يعمل عدنان حيثما سنحت له الفرصة لكن دخله لا يكفي دائمًا لتغطية احتياجات أسرته. ويشرح، “الأزمة تؤثر على الجميع. دخلنا بالليرة اللبنانية لكن كل السلع مسَعَّرة  بالدولار الأمريكي. يتعين علينا قطع مسافات طويلة، إلى خارج المدينة أحيانًا، لمجرّد شراء احتياجاتنا بأسعار أقل”.

ريما (25 عامًا) هي مريضة أخرى تقصد المركز الصحي. وتصف العراقيل التي تصعّب حصولها على رعاية صحية ذات جودة، “إن لم تحمل ما يكفي من المال أو لم تستطع الدفع مباشرة، لن تتمكن من الحصول على الخدمات الصحية. بات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي لا يغطي إلا نسبةّ ضئيلة جدًا من التكاليف مع انخفاض قيمة العملة. فيُطلَب من المرضى دفع أثمان باهظة مقابل العلاج في المستشفى”.

تكافح عطاء وريما وكثيرون مثلهما للحصول على الرعاية الصحية في مدينة طرابلس . وقد تدهورت الظروف المعيشية فيها خلال السنوات الأخيرة بفعل قلة المساكن، والبنية التحتية المنهكة، ونقص المياه النظيفة وخدمات الصرف الصحي، وصعوبة الوصول إلى الخدمات الاجتماعية. ومع تجاوز معدل البطالة 35 في المئة، يعيش نصف سكان المدينة تحت خط الفقر،[1]. وتصعّب كل هذه التحديات المالية المتفاقمة وصول السكان إلى احتياجاتهم الأساسية كالغذاء والماء و الخدمات الطبية.

تلقي جميع هذه العوامل بظلالها على السلامة النفسية للسكان وتتسبب في مستويات عالية من الإجهاد والصدمات والاكتئاب. يكافح العديد من المراكز الصحية في طرابلس لتزويد السكان بالرعاية الطبية والأدوية اللازمة نتيجة نقص الكوادر والإمدادات. وأمست مراكز الرعاية الصحية بعيدة المنال عن الكثيرين إثر ارتفاع تكاليف الخدمات فيها. أما في العيادات الخاصة، فارتفعت تكلفة الخدمات أيضًا بسبب الأزمة الاقتصادية ونقص أدوية أساسية كثيرة.

في هذا السياق، وإدراكًا للحاجة الملحة إلى رعاية صحية منصفة يمكن الوصول إليها في طرابلس، أطلقت أطباء بلا حدود مشروعًا لدعم نظام الرعاية الصحية الأساسية في المدينة في يونيو/حزيران 2022. يدعم المشروع أربعة مراكز للرعاية الصحية الأولية في مناطق مختلفة في طرابلس، مع التركيز على الأمراض المزمنة، كمرض السكري وأمراض القلب، وخدمات الصحة النفسية. يشمل هذا الدعم توفير الإرشاد الفني و الطبي للكوادر الصحية في المدينة ودعم بعض المرضى في تكاليف استشارات الأمراض المزمنة في المراكز المدعومة، فضلًا عن العمل على بناء القدرات، وتعزيز العمل الاجتماعي، والتبرع بالأدوية.

لبنان: أطباء بلا حدود تدعم النظام الصحي في طرابلس

من خلال هذه الأنشطة، تساعد أطباء بلا حدود في توفير رعاية صحية شاملة تتمحور حول المريض. ويوضح منسق مشروع أطباء بلا حدود، إيفان سيناغا، “نحن نركّز على المريض باعتباره في صلب الرعاية الصحية. تركّز فرقنا على احتياجات كل مريض وتفضيلاته ورفاهه، وتكيّف الرعاية الطبية بما يناسب ظروفه الخاصة، فالعلاج يجب أن يكون شاملًا وليس طبيًا فقط”.

وباتباع نهج يتمحور حول المريض، يتوجّه كل التركيز على تعزيز علاقة تعاونية ملؤها الاحترام بين مقدمي الرعاية الصحية والمرضى، ما يضمن اتخاذ قرارات طبية تتناسب مع قيم المريض والمعطيات التي يقدّمها.

ويضيف سيناغا، “إننا نصب جلّ تركيزنا على التعاطف مع المرضى وتعزيز التنوع والاستجابة لاحتياجات السكان الفردية”.

بين يونيو/حزيران 2022 وديسمبر/كانون الأول 2023، دعمت كوادر أطباء بلا حدود في طرابلس توفير 1,554 استشارة في مجال الأمراض المزمنة، و1,843 استشارة صحة نفسية، و3,175 جلسة للإرشاد الصحي شارك فيها 28,717 شخصًا، كما تبرعت بثلاثة أطنان من الأدوية، وأجرت 116 جلسة تدريبية للعاملين في مجال الصحة، وساعدت في دفع رواتب 28 من الكوادر الصحية المحلية.

يردف سيناغا قائلًا، “نحن نتعاون مع شركائنا في وزارة الصحة العامة ومرافق الرعاية الصحية الأولية في طرابلس لاعتماد نهج يركز على المريض وتعزيز قدرات وصول السكان إلى الرعاية الصحية الأساسية. نظرًا للوضع الحالي والتحديات الكثيرة، ازداد لجوء السكان إلى مراكز الرعاية الصحية الأولية. ولا بد من بذل جهود جماعية لتسهيل الوصول إلى هذه المراكز”.

حول أطباء بلا حدود

منظمة أطباء بلا حدود هي منظمة طبية إنسانية دولية مستقلة تقدم رعاية صحية مجانية لمن هم بحاجة إليها من دون أي تمييز. بدأت منظمة أطباء بلا حدود عملها لأول مرة في لبنان عام 1976. وتعمل في البلاد دون انقطاع منذ عام 2008.

تعمل فرق أطباء بلا حدود حاليًا في سبعة مواقع في لبنان، وتوفر الرعاية الطبية المجانية للمجتمعات الأكثر حاجة، بما في ذلك المواطنون اللبنانيون واللاجئون والعمال المهاجرون. تشمل خدمات أطباء بلا حدود الرعاية النفسية والرعاية المرتبطة بالصحة الجنسية والإنجابية ورعاية الأطفال والتطعيم وعلاج الأمراض المزمنة. تضم طواقم أطباء بلا حدود في لبنان أكثر من 700 موظفًا، وتوفر حوالي 150,000 استشارة طبية كل عام.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on linkedin
LinkedIn
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on print
Print

سوريا: بعد عام من الزلزال الجراح النفسية لم تلتئم بعد

سوريا: بعد عام من الزلزال الجراح النفسية لم تلتئم بعد

تشرح هند التي تبلغ من العمر 36 عامًا وتعيش في عفرين، شمال غرب سوريا، بعضًا مما تقاسيه مع أطفالها الخمسة، وتقول، “انتقلنا للعيش في خيمة. وباتت المباني والمنازل تخيف أطفالنا. لقد أعيانا التعب”.

فأين يصبح ملاذك عندما ينعدم الأمان من قلب منزلك؟ كيف تهدّئ من روع أطفالك وقد أتعبهم الخوف من أن تهتز الأرض تحت أقدامهم من جديد؟ هذه بعض الأسئلة المؤرقة التي تدور في أذهان سكان شمال غرب سوريا. فالمنطقة تتخبّط أساسًا بين الأزمات الاقتصادية وويلات نزاع دام لأكثر من عقد قبل أن يلمّ بها الزلزال المدمر الذي ضرب جنوب تركيا وشمال غرب سوريا في السادس من فبراير/شباط 2023.

وفي هذا الصدد، يوضح رئيس بعثة أطباء بلا حدود في سوريا، توماس باليفيه، “زاد الزلزال من الفقر والتشرد والنزوح وتردي الظروف المعيشية في المنطقة، فتدهور الوضع الاقتصادي وتأثّر أداء النظام التعليمي، ولحقت الأضرار بالبنى التحتية. هذا وفقد آلاف الأطفال ذويهم أو تعرضوا لإصابات جسدية وبُترت أطرافهم. كل هذه العوامل فاقمت التحديات النفسية للآلاف في المنطقة”.

قبل شهر فبراير/شباط الأخير، كانت الحرب قد أجبرت الكثيرين على النزوح في شمال غرب سوريا. وفي أعقاب الزلزال، وجد هؤلاء أنفسهم وسط احتياجات هائلة من دون مأوى أو طعام أو مياه نقية أو أي مستلزمات أخرى.

وتوضح هند، “غادرنا مسقط رأسنا في سراقب، شرق إدلب، بسبب الحرب والقصف المستمر، وبعد سنوات من النزوح والبحث عن ملاذ آمن، استقررنا في عفرين الأبعد شمالًا. كان المنزل الذي مكثنا فيه من دون جدران، فوضعنا بعض الأغطية والستائر لتأمين بعض الخصوصية. ومع أن زوجي كان يعمل، كان ما لدينا من طعام يكفينا بالكاد. ثم وقع الزلزال وفقدنا كل ما لدينا مرة أخرى”.

وقع الزلزال الذي بلغت شدته 7,8 درجات وترك وراءه رقعة شاسعة من الدمار تذّكرنا بالندوب التي سببتها الحرب في شمال غرب سوريا.

وفي هذا السياق، يستذكر مشرف الصحة النفسية في أطباء بلا حدود في إدلب، عمر العمر، الساعات الأولى بعد الزلزال، ويقول، “عند بزوغ الفجر، توجهت إلى سلقين، وهي بلدة في محافظة إدلب. رأيت مبان وقد انهارت بأكملها وتحولت إلى ركام. أكثر ما آلمني كان أصوات العالقين تحت الأنقاض وهم يطلبون النجدة فيما كنت غير قادر على مساعدتهم. بعد ذلك، توجهت إلى مستشفى سلقين الذي تشارك أطباء بلا حدود في إدارته. وعندما دخلت، صدمت بعدد الجرحى والجثث الذين رأيتهم في الغرف والممرات. فقدت توازني وجلست على الأرض ثم أجهشت في البكاء. كنا نشعر بالهزات الارتدادية في المستشفى، وكنا نشهد في كل لحظة دخول أعداد كبيرة من الجرحى والمصابين إلى المستشفى. كانت هذه الليلة عصيبة وستبقى محفورة في ذاكرتي حتى أفارق الحياة”.

قبل وقوع الزلزال في فبراير/شباط، كانت منطقة شمال غرب سوريا تعاني من ضعف نظام الرعاية الصحية الناجم عن نقص تمويل المرافق الطبية ومحدودية الخدمات. وقد جاء الزلزال ليدمّر 55 مرفقًا للرعاية الصحية ما تسبب بتعطل عملها بنسب كبيرة. وبالإضافة إلى الرعاية الطبية، احتاج السكان آنذاك إلى مراحيض ومرافق للاستحمام وأنظمة تدفئة وملابس شتوية، ومولدات، بطانيات، ومستلزمات نظافة، ومنتجات تنظيف.

وفي الساعات التي تلت وقوع الزلزال الأول، وفرت أطباء بلا حدود الرعاية الطبية الطارئة وباشرت على الفور بتوزيع مخزونها من المستلزمات الإغاثية الاساسية. وفي الأيام التالية، استقدمت المنظمة أكثر من 40 شاحنة محملة بالمواد الطبية وغير الطبية إلى المنطقة، بما في ذلك مواد غذائية ومستلزمات الإيواء.

بموازاة ذلك، بدأ الخبراء في مجال المياه والصرف الصحي ببناء المراحيض ومرافق الاستحمام للناجين من الزلزال وزودوهم بمياه الشرب النظيفة.

ويعلق توماس باليفيه، “بعد اجتياز المرحلة الأكثر حرجًا من الاستجابة الطارئة، تحول تركيزنا نحو توفير المأوى والغذاء والمواد الإغاثية، وضمان وصول السكان إلى الرعاية الصحية وخدمات المياه والصرف الصحي. لقد كان لنقص هذه المواد الأساسية تأثير عميق على الصحة النفسية للسكان”.

وبعد عام، لم تعد العواقب المادية للزلزال جلية كالسابق، لكن آثاره النفسية الصارخة لا تخفى على أحد.

ويشرح العمر، “بعد الزلزال، زادت حالات اضطراب ما بعد الصدمة والمشاكل السلوكية، خاصة في صفوف الأطفال، كما زادت نوبات الهلع، وبعض أنواع الرهاب والأعراض النفسية الجسدية”.

تلبية احتياجات النفسية للسكان

تقدم أطباء بلا حدود خدمات الصحة النفسية في شمال غرب سوريا منذ عام 2013. وبعد الزلزال، أطلقت مبادرة شاملة تُعنى بالصحة النفسية كجزء من استجابتها الطارئة. هذا ونشرت فرقًا متنقلة من مستشارين نفسيين لتقديم الإسعافات النفسية الأولية والمشورة المتخصصة لمن يعاني من حالات متوسطة وعالية الخطورة في 80 موقعًا، كما نظمت جلسات توعية لتدريب السكان على التعامل مع ردود الفعل المباشرة للزلزال والمشاعر التي تظهر في مرحلة لاحقة. في المجموع، أجرت فرقنا 8,026 استشارة نفسية فردية بعد الزلزال.

توفير “مساحات آمنة” للنساء والأطفال

أطلقت أطباء بلا حدود كذلك برنامج “المساحات الآمنة” في أربعة مواقع شمال حلب وإدلب بالتعاون مع منظمات شريكة. يهدف هذا البرنامج إلى توفير مساحة آمنة للنساء والأطفال لأخذ قسط من الراحة والابتعاد عن الواقع القاسي في الخارج. ما زالت الأنشطة مستمرة حتى يومنا هذا، وأُضيفت إليها ثلاثة مواقع جديدة في محافظة إدلب. داخل هذه الخيام، تشارك النساء والأطفال في الأنشطة والألعاب، كالرسم والجلسات الجماعية، أو يمكنهم مجرد الجلوس فيها لأخذ قسط من الراحة. وسواء اختاروا الاستغراق بالتأمل أو المشاركة في الحوارات التفاعلية، تبقى هذه المواقع ملاذًا لهم وتتيح لهم الابتعاد مؤقتًا عن أعباء تثقل كاهلهم وإيجاد متنفس لهم.

وفّر الفريق هذه الخدمة إلى 25 ألف امرأة وطفل وأحال 1,900 منهم إلى منظمات أخرى لمتابعة حالاتهم الصحية سواء كانت جسدية أو نفسية.

وتشرح هند التي تتردد إلى إحدى مواقع “المساحات الآمنة” باستمرار، “عندما أدخل إلى هذه المساحة الآمنة، أنسى كل شيء، أنسى العذاب والخوف. أطفالي يأتون معي ويلعبون. ننسى الخوف جميعنا، وتتلاشى ذكريات ما حدث بعد الزلزال”.

وسط الأنقاض التي خلّفها النزاع والزلزال، ما زال السكان في شمال غرب سوريا يحتاجون إلى المياه النقية والطعام والمأوى المناسب والرعاية الصحية الأساسية.

في الختام، يؤكد باليفيه، “إن الاستثمار في تحسين الظروف المعيشية لسكان شمال غرب سوريا أمر ضروري. فمجرّد معالجة الأسباب الجذرية للمعاناة يبعث في نفوسنا أمل بأن الطريق نحو التعافي قد بدأ”.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on linkedin
LinkedIn
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on print
Print

غزّة: طاقم مستشفى الشفاء يعاني لتأمين رعاية المرضى نظراً لهول الاحتياجات

غزّة: طاقم مستشفى الشفاء يعاني لتأمين رعاية المرضى نظراً لهول الاحتياجات

توقف نشاط مستشفى الشفاء الواقع في مدينة غزة في فلسطين في شهر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي بعد القصف العنيف الذي نفذه الجيش الإسرائيلي على المنطقة المحيطة به. وقد أصيب المستشفى مرّاتٍ عديدة ثم جرى تطويقه قبل أن يتم إخلاؤه. وهذا المستشفى الذي يعد الأكبر في قطاع غزة تحوّل تدريجياً إلى مخيمٍ لإيواء النازحين حيث يحتمي فيه اليوم نحو 50,000 شخص. ويسعى الفريق الطبي العامل فيه إلى الحفاظ على خدمات الرعاية الصحية وقد استأنف أنشطته جزئياً. وتمكنت رئيسة الأنشطة الطبية في منظمة أطباء بلا حدود أوريلي غودار من زيارة المستشفى في إطار قافلة إمدادات نظمتها الأمم المتحدة بتاريخ 22 يناير/كانون الثاني. وفيما يلي تقدم لمحةً عامة عمّا رأته أثناء زيارتها.

“كان الهدف الرئيسي للقافلة إيصال 19,000 لتر من الوقود إلى مستشفى الشفاء. إذ يعبر الوقود أساسياً كونه يُستخدم في تشغيل المولدات التي تمُدّ المستشفى بالكهرباء. وقد نجحنا في عبور نقطة التفتيش التي تفصل شمال غزة عن جنوبها في مستهل فترة بعد الظهر، لكن لم نكد نواصل طريقنا حتى حاصرت حشودٌ من الشباب الصغار سيارتينا وشاحنة الوقود وطالبوا بالماء والغذاء. فقد كانوا محبطين جداً من أننا لم نكن ننقل إلا الوقود. واجهتنا مصاعب كثيرة حتى اجتزنا ذلك الحشد الهائل من الناس الغاضبين”.

ثلاث غرف عمليات لكن الموارد قليلة

“لا يزال مستشفى الشفاء صامداً، لكنه تضرر بشدة وبالكاد يعمل. يجدّ السائر في ممراته فتحات تتخلل أسقفه المستعارة، كما رأينا أكياس السوائل الوريدية [المستخدمة في إعطاء المرضى أدويتهم عن طريق الوريد] معلقةً مباشرةً على جدران المستشفى نظراً لغياب أية بدائل أفضل. ونجحت الفرق الطبية العاملة هناك من استئناف خدمات غرفة الطوارئ، لكنها مليئة بالمرضى الذين يتم قبولهم في المستشفى. أما باقي غرف وباحات المستشفى فيشغلها النازحون الباحثون عن الأمان”.

“يتمكن العاملون الصحيون من استقبال وفرز الجرحى وتأمين استقرار حالتهم، لكنهم بعد ذلك يقفون عالقين بعض الشيء نظراً للنقص الشديد في أسرّة المستشفى. ويعمل الأطباء في مساحة مخصصة للإنعاش يعالجون فيها الأشخاص الذين يعانون من إصابات حرجة تهدد حياتهم: إما أمراضٌ مزمنة أو على الأغلب إصابات بأعيرة نارية وانفجارات. ولم تتوقف أثناء زيارتنا أصوات الانفجارات التي لم تكن تبعد عن المستشفى”.

“يضم فريق المستشفى كثيراً من المتطوعين، بينهم متطوعان من أطباء بلا حدود، وقد نجحوا في إعداد ثلاث غرف عمليات لإجراء العمليات الجراحية المستعجلة. نتفهم رغبة الطاقم الطبي في إعادة افتتاح وحدة العناية المركزة. لكن ما من سبيل أمامنا حالياً لمراقبة المرضى الذين يخضونهم للعمليات الجراحية مراقبةً حسنة”.

“رأينا في غرفة الطوارئ مريضاً يعاني من إصابة خطيرة وكان قد وصل في اليوم السابق. خضع لفغر الرغامي ووضع له الأطباء أنبوباً صدرياً كما أجريت له عملية جراحية بطنية. كان يحيط به عشرات المرضى في غرفةٍ لا كهرباء فيها نظراً لانقطاع التيار الكهربائي وقتئذٍ، وبالتالي لم يكن بالإمكان مراقبة علاماته الحيوية لأن أجهزة المراقبة لم تكن تعمل. أخبرنا الفريق بأنهم فقدوا مؤخراً أحد المرضى لأنهم لم يتمكنوا من نقل الدم إليه. فقد كان بنك الدم خاوياً. يا لها من ظروف عمل مريعة”.

مجموعة كبيرة من المرضى

“يعاني طاقم مستشفى الشفاء لتأمين رعاية المرضى نظراً لهول الاحتياجات. فهناك عددٌ كبير من الناس في المستشفى ومحيطه ومعظمهم نازحون. ولا يزال الكثير من الناس يعيشون في شمال غزة، والعديد منهم يعانون من الصدمات المتعلقة بإصابات الحرب كما أنهم يعيشون في ظروف سيئة ويعانون من أمراض الشتاء”.

“أعداد المرضى كبيرة جداً وقد أبلغ الطاقم الطبي عن الصعوبات التي يواجهونها على العديد من الأصعدة، سواء الأكسجين والكهرباء والمعدات الطبية أو ببساطة الغذاء. وكل هذا يُصعِّب جداً من توفير الرعاية الطبية، وعليهم أن يتغلبوا على مصاعب تشغيلية هائلة. وبالكاد سيكفي هذا الوقود البالغ حجمه 19,000 لتر المستشفى لمدة أسبوع. إذ يتطلب تشغيله حوالي 3,000 لتر من الوقود يومياً”.

“كانت هذه الزيارة قصيرة جداً، حيث طالت جداً الرحلة من جنوب القطاع ولم يُسمَح لنا بالمكوث لفترة طويلة. كان يفترض بالقافلة أن تذهب إلى المستشفى قبل خمسة أيام لكن ذلك كان مستحيلاً لأسباب عديدة. وقد تأثّرتُ حين رأيت الدهشة وقد علت وجوه المرضى والأسر النازحة والطواقم عند رؤيتهم أشخاصاً جدد. إذ يرجح أنهم كانوا مختبئين في المستشفى لأسابيع”.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on linkedin
LinkedIn
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on print
Print

غزة: أطباء بلا حدود تدين قصف مأواها وقتل طفلة في الخامسة لأحد كوادرها

غزة: أطباء بلا حدود تدين قصف مأواها وقتل طفلة في الخامسة لأحد كوادرها

القدس، 10 يناير/كانون الثاني 2024 – تدين أطباء بلا حدود بأشد العبارات القصف الذي طال مأواها في الثامن من يناير/كانون الثاني، والذي أودى بحياة ابنة أحد كوادرها وهي في الخامسة من عمرها.

في صباح الأول من أمس، اخترقت قذيفة تبدو قادمة من دبابة جدار المبنى الذي يؤوي أكثر من 100 من كوادر أطباء بلا حدود مع عائلاتهم في خان يونس جنوب قطاع غزة. فتعرضت الطفلة ذات الخمس سنوات لإصابة حرجة وخضعت لجراحة في مستشفى غزة الأوروبي، قبل وفاتها متأثرة بجروحها في التاسع من يناير/كانون الثاني. هذا وتعرّض ثلاثة أشخاص آخرين لإصابات طفيفة خلال القصف.

ويوضح منسق مشروع أطباء بلا حدود في غزة، توماس لوفين، “نشعر بغضب وأسى بالغين حيال وفاة فرد آخر من عائلة أحد كوادرنا. لا يمكن القبول بهذا القصف على المدنيين الذي يؤكد من جديد أن لا مأمن لأي شخص أينما كان في غزة. لم تنفجر القذيفة عند الاصطدام، وإلا لقُتل على الأرجح عدد أكبر بكثير من كوادرنا وعائلاتهم”.

قبيل هذه الحادثة، أبلغت أطباء بلا حدود القوات الإسرائيلية أن كوادر من أطباء بلا حدود وعائلاتهم يلتجئون في المأوى القريب من مستشفى غزة الأوروبي. هذا ولم نتلقَ أي أوامر بالإخلاء قبل القصف. لا تستطيع أطباء بلا حدود الجزم بمصدر القذيفة إلا أنها مماثلة لذخائر الدبابات الإسرائيلية. وقد اتصلت أطباء بلا حدود بالسلطات الإسرائيلية وطلبت شرحًا إضافيًا.

قُتل أربعة كوادر من أطباء بلا حدود منذ بداية الحرب بالإضافة إلى الكثير من أفراد عوائلهم.

وفي هذا السياق، نكرر دعوتنا إلى وقف فوري ودائم لإطلاق النار في غزة. على أعمال العنف بحق المدنيين أن تتوقف على الفور.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on linkedin
LinkedIn
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on print
Print

لبنان: أطباء بلا حدود توفر الرعاية الصحية للنازحين عقب التصعيد على الحدود الجنوبية

لبنان: أطباء بلا حدود توفر الرعاية الصحية للنازحين عقب التصعيد على الحدود الجنوبية

8  يناير/كانون الثاني 2024 – في ظل التصعيد في الاشتباكات على الحدود الجنوبية للبنان، أُجبر آلاف السكان على النزوح من بلداتهم الحدودية بحثًا عن ملاذ آمن في مناطق أبعد شمالًا وفي المدن الرئيسية. وفي حين يتبادل حزب الله والقوات الإسرائيلية إطلاق النار منذ بداية الحرب بين إسرائيل وغزة في السابع من أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي، تصاعدت أعمال العنف خلال الأسابيع الأخيرة مع توجيه القوات الإسرائيلية هجمات عنيفة على المنطقة الحدودية في جنوب لبنان. يحتاج العديد من النازحين إلى مواد الإغاثة الأساسية وقد نفدت الأدوية من أشخاص آخرين يحتاجونها بانتظام. واستجابةً لهذا الوضع، أرسلت منظمة أطباء بلا حدود الطبية الدولية فرقًا متنقلة لمساعدة النازحين وتزويدهم بالرعاية الصحية.

ويشرح عباس شيت من كفركلا في جنوب لبنان، “يحتاج السكان إلى الأفرشة والملابس والأدوية. تركنا كل ممتلكاتنا عندما اشتد القصف. ولا يمكننا العودة لأخذ وصفاتنا الطبية أو حتى ملابسنا”.

جاء التصعيد العسكري ليفاقم أزمة إنسانية مستمرة في لبنان ويزيد من احتياجات السكان صعبة التلبية. فالأزمة الإنسانية في لبنان أتمت عامها الرابع ودفعت بثلثي المواطنين نحو الفقر، فألمّت بقدرتهم على تحمل تكاليف السلع والخدمات الأساسية كالطعام والرعاية الصحية.

عمل عباس في مجال البناء، ومع عدم توفر أي فرصة عمل في الوقت الحالي، بات عاجزًا عن كسب رزقه وإعالة أسرته. ويوضح، ” أعمل في مجال البناء لكنّ كل الأعمال توقفت مع بداية الأزمة الاقتصادية”

أنشطة منظمة أطباء بلا حدود في جنوب لبنان بالإضافة إلى شهادات المرضى

وعلى غرار جميع القطاعات في البلد، يعاني نظام الرعاية الصحية من أعباء الأزمة الاقتصادية التي أثقلت كاهله. في الجنوب، قد تواجه المراكز الصحية المنهكة أساسًا ضغوطًا متزايدة في حال تفاقمت الاحتياجات الطبية للنازحين. تدعم فرق أطباء بلا حدود المتنقلة مركزين صحيين في منطقة النبطية في جنوب لبنان عبر توفير الرعاية للمرضى الذين يعانون من أمراضٍ مزمنة وعبر تقديم إسعافات الصحة النفسية الأولية. وفي هذا السياق، تفيد الدكتورة عايدة حسوني من فريق أطباء بلا حدود المتنقل، “عندما ينزح السكان، يضطرون إلى ترك منازلهم على حين غرّة، فينقطع العلاج الذي يتلقونه لا سيما في حالات الأمراض المزمنة. وفي ظل انعدام اليقين حول موعد عودتهم، نعمل على سد الفجوات عبر توفير رعاية الأمراض المزمنة. يضمن ذلك إكمال الأفراد لعلاجهم حتى يتمكنوا من العودة إلى حياتهم الطبيعية”.

منذ شهر كانون الثاني، قامت فِرَق أطباء بلا حدود بتمكين عدة مستشفيات ومرافق طبية في لبنان من خلال تخزين عشرة أطنان من الإمدادات الطبية تمهيدًا للاستجابة لحالة طارئة. هذا ودرّبت فرق أطباء بلا حدود طواقم المستشفيات  حول لبنان على رعاية الإصابات الطارئة وإدارة الإصابات الجماعية بالاستناد إلى خطة الطوارئ التي وضعتها وزارة الصحة العامة وبالتعاون مع شركاء صحيين آخرين. تم تدريب أكثر من مئة موظف طبي في تسعة مستشفيات على مدار ثلاثة أسابيع.

انتهى

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on linkedin
LinkedIn
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on print
Print

أطباء بلا حدود توقف أنشطتها في مركز الولادة في مستشفى رفيق الحريري الجامعي

أطباء بلا حدود توقف أنشطتها في مركز الولادة في مستشفى رفيق الحريري الجامعي

بيروت، لبنان – 2 يناير/كانون الثاني 2024 – بعد خمسة أعوام من العمل في مركز الولادة في مستشفى رفيق الحريري الجامعي دعمًا لوزارة الصحة اللبنانية، قررت منظمة أطباء بلا حدود وقف أنشطتها في مركز الولادة في نهاية شهر ديسمبر/كانون الأول 2023، وتسليم إدارته إلى مستشفى رفيق الحريري الجامعي.

أدارت أطباء بلا حدود مركز الولادة التابع لمستشفى رفيق الحريري الجامعي منذ يوليو/تموز2018، حيث أسست نموذج القبالة للرعاية. يركّز هذا النموذج على توفير رعاية شاملة للنساء الحوامل غير المعرضات لخطورة عالية والأطفال حديثي الولادة، بالاستناد إلى خبرات القابلات القانونيات المدرّبات والمؤهلات وطوال مدة الحمل وعند الولادة وفترة ما بعد الولادة. وفيما تتولى القابلات القانونيات حالات الولادة الطبيعية، يتواجد فريق مخصص من أطباء التوليد لتوفير الدعم عند حدوث المضاعفات. أما في حال الولادات التي تتطلب رعاية متخصصة متقدمة، فقد أسست فرقنا نظامًا للإحالات لضمان نقل الحوامل إلى المرافق المناسبة. يمثّل نموذج القبالة للرعاية مقاربة مستندة إلى الدليل ومستدامة وفعّالة التكلفة يمكن تطبيقها في لبنان. وتكمن فعالية تكلفته، لا سيما في حالات الحمل منخفضة المخاطر، في التخصيص الحكيم للموارد واعتماد التدابير الوقائية. وفي هذا السياق، توفّر القابلات القانونيات، بصفتهن موفرات الرعاية الأساسيات، رعاية شخصية تتوافق مع احتياجات كل حالة، ما يقلّص حاجة اللجوء إلى التدخلات الطبية المكلفة.

وفرت أطباء بلا حدود بين يوليو/تمّوز 2018 وديسمبر/كانون الأول 2023 رعاية مجانية وعالية الجودة في مجال الصحة الجنسية والإنجابية لمجموع 21851 امرأة وساعدت في 17,812 ولادة في المركز. وحرصًا على استمرارية الرعاية، ستدعم أطباء بلا حدود مستشفى رفيق الحريري الجامعي عبر تزويده بالمعدات اللازمة.

يلتقي قرار وقف الأنشطة مع هدف أطباء بلا حدود الذي يقضي بتوسعة نطاق نموذج الرعاية القائم على القبالة القانونية. وتهدف المنظمة، عبر توفير الدعم الفني وتشارك الخبرات، إلى محاكاة تجربتها الناجحة في مرافق الأمومة الأخرى في أنحاء لبنان وإلى تعزيز فرص وصول الحوامل إلى رعاية عالية الجودة.

تبقى أطباء بلا حدود ملتزمة بدعم السكان في لبنان. ومن خلال مشاريعها المستمرة في البلاد، تواصل المنظمة تكييف نهجها لتلبية الاحتياجات الآخذة بالتطور والتركيز على تعزيز الوصول إلى الخدمات وإتاحة الرعاية عالية الجودة للجميع.

عن أطباء بلا حدود في لبنان:

منظمة أطباء بلا حدود هي منظمة طبية إنسانية دولية ومستقلة تقدم المساعدة الطارئة للمتضررين من النزاعات المسلحة والأوبئة والكوارث الطبيعية والحرمان من الرعاية الصحية في نحو 70 بلدًا في العالم. تقدّم منظمة أطبّاء بلا حدود المساعدات إلى السكان بصرف النظر عن العرق أو الدين أو الجندر أو الانتماء السياسي. بدأت أطباء بلا حدود العمل في لبنان عام 1976 خلال الحرب الأهلية، إذ أرسلت فرقًا طبية إلى بيروت وجنوب لبنان، وكانت تلك المهّمة الأولى لأطباء بلا حدود في منطقة نزاع مسلّح. تقدم أطباء بلا حدود اليوم الرعاية الطبية المجانية في مواقع مختلفة وتضمّ طواقمها في لبنان أكثر من 600 موظف.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on linkedin
LinkedIn
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on print
Print

دعوني أموت مع أسرتي: قصة لاجئ من غزة إلى الضفة الغربية

دعوني أموت مع أسرتي: قصة لاجئ من غزة إلى الضفة الغربية

حاله كحال أكثر من ستة آلاف فلسطيني من غزة، كان عباس* يعمل في إسرائيل وأصبح لاجئًا في الضفة الغربية بعد اندلاع الحرب بين إسرائيل وغزة. يقصد عباس فرق أطباء بلا حدود التي توفر الدعم النفسي في نابلس ويصف في ما يلي المعاناة التي قاساها بفعل النزوح وانفصاله عن عائلته العالقة تحت القصف حتى الآن.

عند الفجر، يشعل عباس سيجارته ويحدق في الأفق البعيد، في طبيعية الضفة الغربية الوعرة. لم يغمض له جفن كل الليل، إذ كان يفكر بأسرته العالقة تحت القصف في غزة، على بُعد أكثر من مئة كيلومتر عن مكان تواجده. ما زال هدفه الوحيد على حاله هذا اليوم وفي جميع الأيام، يريد أن يتمكن من التحدث مع أسرته.

ويشرح بغصّة، “كل أفراد عائلتي يسكنون في غزة وقد تشتتوا بين الشمال وخان يونس ورفح في الجنوب. يعيش أطفالي وزوجتي في خيمة. لقد نزحوا أربع مرات منذ بداية الحرب وناموا في الشارع والمساجد والمباني المهجورة في بعض الأحيان. أصغر أطفالي الأربعة في الخامسة من عمره وأكبرهم يبلغ 14 عامًا من العمر، أيمكنك تصديق ذلك؟ كل يوم، مع بزوغ الفجر، أحاول الاتصال بهم لأعرف إن نجوا خلال الليل. وفي بعض الأحيان، تنقطع جميع سبل التواصل فتمضي أيام عديدة لا أقدر فيها على التواصل معهم”.

عباس هو أحد من يسمونهم “عمّال غزة”، أي الفلسطينيين الذين يتنقلون من غزة إلى إسرائيل للعمل. وكل شهر، كان يعبر الحدود من شمال القطاع حيث يسكن، ويتوجه للعمل في مصنع حديد لبضعة أسابيع، ثم يعود إلى منزله لقضاء عطلة من ثلاثة أيام. ومنذ وفاة والده، صار عباس مسؤولاً عن بقية أفراد عائلته أيضًا كإخوته وأخواته، إذ إنه أكبر أفراد الأسرة على قيد الحياة.

في السابع من أكتوبر/تشرين الأول، عندما شنت حماس هجومها على إسرائيل، كان عباس في عمله. وفي اليوم التالي، وصل جنود إسرائيليون إلى المصنع وبدأوا بمضايقة العمّال الفلسطينيين والإساءة إليهم، كما هددوا بإطلاق النار عليهم إن لم يهربوا إلى الضفة الغربية. وجد عباس ملجأً له في الجبال لمدة يومين قبل أن يصل أخيرًا إلى الضفة الغربية على غرار أكثر من ستة آلاف من سكان غزة وفقًا لوزارة العمل في السلطة الفلسطينية. وعندما اجتاز الحاجز الإسرائيلي، أخذ الجنود أمواله وكل ممتلكاته باستثناء هاتفه. ويشرح في هذا الصدد، “أعتبر نفسي محظوظًا لأنني تمكّنت من الاحتفاظ بهاتفي. فالحظ لم يحالف الكثير من الأشخاص الذين اعتقلوا أو ضُربوا أو اختفوا عن الأنظار. لا أقارب لي هنا في الضفة الغربية، ووجدت ملجأي في مجتمع مع عمّال آخرين. نعيش ظروفًا مزرية، وننام على الأرض من دون أفرشة أو بطانيات أو تدفئة، لكن هذا لا يُقارن بالوضع المروّع في غزة”.

وفيما تتحول غزة إلى حطام تحت وطأة القصف الذي يشنه الجيش الإسرائيلي من دون هوادة، تشهد الضفة الغربية بدورها معاناةً دامية. فقبل السابع من أكتوبر/تشرين الأول، كان سجلّ المستوطنين والقوات الإسرائيلية حافلًا بأعمال العنف والمضايقات بحقّ الفلسطينيين، ثم جاء عام 2023 ليسجل رقمًا قياسيًا جديدًا بعدد الفلسطينيين الذين قُتلوا في المنطقة بحسب تقديرات الأمم المتحدة، علمًا أن في ذلك استمرار لتوجه صادم نشهده منذ بضعة سنوات. وبعد هذا الحدث الفاصل، ارتفع عدد الهجمات على الفلسطينيين، وأصبح لا يمرّ يوم على الفلسطينيين إلا ويواجهون هجمات المستوطنين ويتعرضون للاعتقال أو الضرب على يد القوات الإسرائيلية في الضفة الغربية. هذا ولقي الكثيرون حتفهم جرّاء العمليات العسكرية الإسرائيلية في مخيمَي جنين وطولكرم.

وفي نابلس، التقى عباس باختصاصيين اجتماعيين يعملون مع أطباء بلا حدود، وأحالوه إلى زملائهم الذين يوفرون الاستشارات النفسية. يعمل هؤلاء ضمن برنامج الصحة النفسية الذي أُطلق منذ أكثر من عقدين وتفرّع عنه مرفقين إضافيين في بلدتي قلقيلية وطوباس مع مرور الوقت. منذ بدء العام وحتى أواخر نوفمبر/تشرين الثاني 2023، وفّر المعالجون والأطباء النفسيون في البرنامج أكثر من 2,600 استشارة نفسية.

كانت هذه تجربة عباس الأولى في العلاج الذي يعود عليه بالمنفعة على حد قوله. كان عباس يعرف عن أطباء بلا حدود منذ تواجده في غزة، إذ كان والده يقصدها منذ بضعة سنوات.

ويقول، “أبذل كل ما في وسعي للعودة إلى غزة والاجتماع بعائلتي، لكن العودة مستحيلة الآن. في مرحلة ما، أفادت السلطات الإسرائيلية بأنها ستسمح لعمال غزة بالعودة إلى القطاع، لكن كل من حاول ذلك اعتُقل أو سُلب أو استُجوب أو ضُرب. وإذا تعرضت للاعتقال، سأفقد الاتصال مع عائلتي”.

ومع ذلك كله، ما زال عباس عازمًا على إيجاد طريق للعودة. ويضيف، “تريد زوجتي أن أعود حتى نموت معًا. من الصعب عليها الاعتناء بالأطفال وحدها. وكلما مرت أسابيع جديدة أمست فرص النجاة أقرب للمعجزة. لا تتوفر مياه الشرب ويكاد الطعام لا يكون متاحًا. في بعض الأيام، يشربون مياهًا مالحة من البحر. وإذا أصابهم مرض، لا يستطيعون الذهاب إلى المستشفى إذ إنه مكتظ بالمصابين بجروح بليغة ولا مأمن فيه”.

ويردف باكيًا، “سألني ابني ذو الخمس سنوات ذاك اليوم،’لماذا تتركنا نتضور جوعًا يا أبي؟ مات آباء الأطفال الآخرين إلى جانبهم، فلا تتركنا نموت وحدنا‘. لم أعرف كيف أجيبه وحاولت إيجاد كلمات تطمئنه، فجاءت إجابته أن لا تكذب عليّ يا أبي، تعال الآن لنموت معًا”.

ويكمل، “في ظل القصف المستمر، اعتاد سكان غزة على كتابة أسمائهم على أجسادهم للتعرف إليهم إذا ما قتلوا، فيُكتب الاسم على اليد أو الذراع أو الساق أو الرقبة. كتبت زوجتي وثلاثة من أطفالي أسماءهم على أجسادهم، لكنها لم تستطع أن تكتب على أصغرهم. كان ذلك مؤلمًا للغاية”.

ويختم عباس قوله، “كيف ستكون حياتنا بعد انتهائهم من القصف؟ الشوارع والمستشفيات والجامعات والمدارس كلها مدمرة. هذا لا يعقل، أنا مواطن صالح، أعمل، وأدفع الضرائب. يجب أن أتمتع بحقوق الإنسان الأساسية. ضعوا حدًا لهذه المعاناة”.

*لم يُستعمل الاسم الحقيقي

—-

ملاحظة: بدأت فرق أطباء بلا حدود بتقديم الاستشارات النفسية في نابلس عام 1988. وتدير فرق أطباء بلا حدود في الضفة الغربية أنشطة نفسية وبرامج تأهب لحالات الطوارئ في الخليل، كما تدعم الاستجابة للاحتياجات الطبية الطارئة في جنين، لا سيما في مستشفى خليل سليمان وفي مخيم طولكرم للاجئين.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on linkedin
LinkedIn
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on print
Print

في غزة: “البقاء على قيد الحياة مسألة حظ فقط”

في غزة: “البقاء على قيد الحياة مسألة حظ فقط”

يعمل ريكاردو مارتينيز منسقًا للشؤون اللوجستية مع أطباء بلا حدود وقد عاد لتوه من قطاع غزة بعد عمله فيه لأربعة أسابيع.

نعرف أن الوضع الإنساني مأساوي في غزة. ماذا شهدت شخصيًا خلال عملك في القطاع؟

“في البداية، لا بد من التطرق إلى ضرورة وقف إطلاق النار بشكل دائم وفوري في غزة. هذا وأود أن أشدد محذرًا من نقص المياه وخدمات الصرف الصحي في غزة. صرت متيقنًا أن هذا الوضع لا يقل خطورة عن القصف وأنه سيودي بحياة عدد مماثل من الأشخاص على المدى البعيد.

توقف نظام المياه عن العمل وانهار بالكامل. وصل السكان في غزة  إلى أقصى حدود قدرتهم على التحمل ويكافحون اليوم للبقاء على قيد الحياة. على أغلب تقدير، يحصل السكان على لتر واحد من المياه في اليوم ويستعملونه للشرب والغسيل والطبخ. هذا ويتوفر مرفق استحمام واحد لنحو 500 شخص. ويعتبر محظوظًا من يتمكّن من الاستحمام. في جنوب غزة، توزع فرقنا بين 50 و60 مترًا مكعبًا من المياه يوميًا، لكن هذه الكمية ليست إلا غيض من فيض الاحتياجات على الأرض.

أمسى جنوب غزة شديد الاكتظاظ حتى بات يشبه ملعب كرة قدم شديد الازدحام. ونظرًا لكثرة السكان الذين يستعملون عددًا محدودًا من المراحيض، ومع غياب الوقود لضخ المياه، رأيت مياه المجارير تفيض في الشوارع حيث يعمل البائعون ويلعب الأطفال في المياه السوداء القذرة. يمكنكم تخيل أثر ذلك على صحة السكان.

على السكان أن يخططوا في وقت مسبق لكل ما يودون فعله. عليهم التفكير والتخطيط والتنظيم، والانتظار لرؤية ما إذا كان الحظ سيحالفهم أو لا. وإذا أرادوا الذهاب إلى المرحاض، لن يجدوا له سبيلًا إلا في طابور من مئات الأشخاص الذين ينتظرون أمام مرحاض واحد. ما عساهم يفعلون ومتى يذهبون؟ أعتقد أن لا حاجة لشرح كيف يتدبّر الناس أمورهم”.

هل الوقود والكهرباء متوفران في غزة؟

الوقود والكهرباء مفقودان كليًا في بعض المواقع. وكل شيء يتأثر بغيابهما. فمن دون الوقود، لا تعمل المطاحن، وبالتالي، لا يتوفر القمح لأحد؛ ولا طعام من دون قمح. أما الشاحنات التي تأتي من مصر، فتفرغ حمولتها في شاحنات في غزة، ومن دون الوقود، لا تقدر هذه الشاحنات على أن تتحرك وتوزّع المساعدات.

شهدنا كيف يخسر أشخاص حياتهم بطريقة مأساوية نتيجة نقص الوقود في المستشفيات، فالمولدات لا تعمل والأطباء يعجزون عن إنقاذ حياة المرضى في هذه الأوضاع. لقد تحولت المستشفيات إلى قرى وبات السكان يقيمون في أروقتها”.

أمرت القوات الإسرائيلية الناس بإخلاء مواقع داخل غزة مرارًا وتكرارًا. وفي الثالث من ديسمبر/كانون الأول، اضطرت أطباء بلا حدود إلى إغلاق عيادتها في مدينة خان يونس الجنوبية بعد صدور أمر بإخلاء المنطقة. هل يمكنك وصف ما حدث؟

“تعلن القوات الإسرائيلية عن أوامر الإخلاء عن طريق موقع إلكتروني عسكري أطلقته في الأول من ديسمبر/كانون الأول. وعندما تتحول منطقة معينة إلى “منطقة حمراء” على الخريطة، يعني ذلك أنها ستُستَهدَف. علينا أن نبقي في بالنا أن الكهرباء تكاد تكون منعدمة في غزة، ما يعني أن الإنترنت مقطوع أيضًا. فكيف يعرف السكان بضرورة مغادرتهم للمنطقة التي يسكنونها؟

كنا نعلم أن الوقت لن يطول قبل أن تتلقى المنطقة التي نعمل فيها أمرًا بالإخلاء. وكنا نناقش الأمر قبل يومين أو ثلاثة من حدوث ذلك. وفي الثالث من ديسمبر/كانون الأول، أُجبرنا على إغلاق عيادتنا ومغادرة خان يونس. كنت مسؤولًا عن الشؤون اللوجستية لانتقالنا بضع كيلومترات نحو الغرب ذاك الصباح. وطيلة فترة بقائي في غزة، لم أشعر بألم كالذي شعرته ذاك اليوم.

كان الوضع مفجعًا. اضطررنا إلى الهرب ونحن نتبادل النظرات مع زملائنا الفلسطينيين والجيران الذين لازمونا طيلة هذه الفترة وقدموا لنا يد العون في جميع الأمور، ونحن على دراية بأننا لن نراهم مجددًا على الأرجح. لم يتسنَ لنا أن نشكرهم على طيب معاملتهم لنا. شعرت في الحقيقة بخزي كبير آنذاك.

لكن في الواقع، ما من مكان آمن في غزة. أذكر أنني كنت بصحبة زميلي الفلسطيني عمر الذي يشرف على الشؤون اللوجستية ننظر إلى موقع زرناه في اليوم السابق. وقال لي حينها، “أرأيت يا ريكاردو، لقد كنا هنا يوم أمس وها هو المكان قد تحوّل إلى أنقاض”.

من كان ليقول لنا ألا نأتي إلى هذا المكان لأنه سيتعرّض للقصف؟ لا أحد. البقاء على قيد الحياة في غزة مسألة حظ فقط. زرنا إجمالي ستة مواقع تعرضت للقصف في وقت لاحق، ستة مواقع سُوِّيت بالأرض. المدارس لم تعد موجودة. المكاتب دمّرت. المنازل الخاصة اختفت. ومحطات المياه مجرّد أنقاض.

كيف استجاب السكان في غزة للهدنة المؤقتة بين 24 و30 نوفمبر/تشرين الثاني؟

“أتذكر جيدًا ما حصل عندما بدأت فترة التهدئة. ذاك الصباح، بمجرد أن دقت الساعة السابعة، بدأت أسمع الهتافات والغناء ونداءات الفرح. وفي ذاك اليوم، تمكنت أخيرًا من البكاء. بكيت لأنني رأيتهم في غاية السعادة.

لكن ذلك لم يستمر إلا لبضعة أيام قصيرة. انتهت الهدنة عند السابعة مساءً، وبحلول الساعة السابعة والثلاث دقائق، فُتحت أبواب الجحيم من جديد.

لفترة قصيرة، تمكّن السكان من زيارة عائلاتهم وكان ذلك أهم شيء للجميع. توجّه البعض نحو الشمال واستغلوا الوقت لقضاء بضعة أيام مع أقربائهم ومن يحبون.

في الوقت نفسه، لم تنتهِ المعاناة تمامًا. فالبعض استغلّ هذا الوقت لدفن القتلى. وذهب الكثيرون لانتشال الجثث المتعفنة من الشوارع، فبعضها بقي في العراء لما يصل إلى شهرين. هل يمكنكم تخيل الرائحة والألم؟

تقدم فرق أطباء بلا حدود الرعاية الطبية الطارئة وتتبرع بالإمدادات الطبية للمستشفيات والعيادات في غزة. كيف تتمكن المنظمة من تقديم المساعدة في هذه الظروف؟

“عندما وصلت إلى غزة، كان من الواضح أن أي تأثير نحققه هو بفضل زملائنا الفلسطينيين المتفانين. فمنذ اليوم الأول، كانوا يفعلون كل ما في وسعهم للاستمرار في إنقاذ أكبر عدد من الناس. إنهم يبعثون الأمل في النفوس وسط كابوس دامي.

نزح معظم العاملين في فرقنا من منازلهم وفقدوا أقرباء لهم. من المفجع أن ما يقاسونه اليوم من همجية ليس جديدًا بالنسبة إليهم، وسبق أن واجهوه من قبل. يعلمون أنهم قد يموتون في أي لحظة، لكنهم يرحبون بك في كل صباح والابتسامة تعلو وجههم. وعندما تسأل عن حالهم، يجيبون، “أنا بخير، ما زلت على قيد الحياة”.

لن أنسى في حياتي تفاصيل عملي في عيادتنا في خان يونس. كنت أستيقظ في السادسة صباحًا وأذهب إلى العيادة. وكل صباح، كان زميلنا إسحاق يفتح الباب ويستقبلني بابتسامة كبيرة على وجهه. أعتذر منه على إيقاظه لكنه كان يطمئنني في كل مرة، “لا عليك يا ريكاردو، أنا مستيقظ منذ نصف ساعة. أهلًا بك، لقد كنت في انتظارك”.

وعلى غرار إسحاق، كان الكثير من زملائنا يحرصون على توفر كل ما نحتاجه نحن القادمون من خارج غزة، فكانوا يساعدوننا على شحن مصابيحنا ويحرصون على أننا نحصل على طعام وأننا نلقى ترحيبًا مناسبًا.

إنهم لا يهتمون بمرضاهم فحسب، بل بكل من حولهم. سيقولون لك، “أريد أن أساعدك – بل يجب أن أساعدك – لأنني أريد أن أساعد شعبي”.

وفي الوقت نفسه، يستمرون في التساؤل، “لماذا يحصل كل هذا؟ ماذا فعلنا لنستحق هكذا عقوبة؟ لماذا نسينا العالم؟”

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on linkedin
LinkedIn
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on print
Print