متاح أيضاً باللغة

سلامة الرجال في اليوم العالمي للصحة النفسية

World Mental Health Day - Syrian Survivor of Torture

سلامة الرجال في اليوم العالمي للصحة النفسية

هو رجل متعب يُفترض به أن يكون قويًا على الدوام، أن يتحمّل وأن يصمد. هو يعرف أن التعب والدموع والخوف ليست له، وأن عليه ألّا يتزعزع مهما حمل من أعباء. قد يبدو ثابتًا من الخارج، لكنه يضمر في داخله جراحًا خفية. وفي لحظة صمتٍ، وعندما يوشك على الانهيار، يكتم صرخته… لأن السؤال الذي يطارده في كل مرة هو ذاته: “وماذا سيقول الناس؟”

تواجه منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بعض أطول الأزمات أمدًا وأكثرها تعقيدًا في العالم. فمن فلسطين إلى السودان وسوريا واليمن ولبنان، قاست المنطقة حروبًا واحتلالات وانهيارًا اقتصاديًا وتهجيرًا قسريًا، فعاشت شعوب بأكملها تحت ضغوطات مزمنة وانعدام يقين.

أخبرنا منير محمد عبد الفتاح الكيلاني، أحد مرضانا القادمين من غزة والمقيمين حاليًا في عمّان: “بعيد الحرب التي عشناها، يحتاج كل فلسطيني إلى دعم نفسي وإلى من يصغي إليه ويوعيه”.

غالبًا ما يُغض النظر عن احتياجات وواقع الرجال في بيئات النزاع والأزمات. وكثيرًا ما يواجه الرجال في منطقتنا ضغوطًا شديدة مثل العنف المباشر، والنزوح، والبطالة، والاحتجاز، والتعذيب، وفقدان أدوارهم كحماة ومعيلين.

يتربى الرجل في مجتمعنا على أن يكون قويًا، فهو ممنوع من أن يبكي أو أن يعبر عن نفسه، أو حتى أن يطلب المساعدة
ريان البداوي النجار، مشرفة الصحة النفسية في منظمة أطباء بلا حدود في مشروع طرابلس بلبنان

يخبرنا سامر*، وهو شاب مقيم في شمال لبنان: “كانت طفولتي مأساوية. تعرضت لحادث وفقدت يدي على أثره. كنت أشعر بالتمييز ضدي في المدرسة وتركت التعليم، لكنني لم أيأس. عملت وأسست عائلة. ومع الأزمة المالية خسرت كل شيء، وبدأ القلق ينهشني. وعندما مرضت ابنتي وانتابني الخوف الشديد، انهرت”.

يمكن للتجارب الصعبة التي يمر بها الرجال في منطقتنا، مثل تجربة سامر، أن تتسبب اضطرابات نفسية، مثل الاكتئاب، واضطرابات ما بعد الصدمة، والإدمان، والعدوانية. تقول البداوي النجار، بناء على مشاهداتها في مشروع أطباء بلا حدود في طرابلس بلبنان خلال العام الحالي، “وجدنا أن نسبة الذهان لدى الرجال بلغت 9.5 في المئة مقابل 1.5 في المئة لدى النساء. كما أن نسبة الرجال الذين تراودهم أفكار بإنهاء حياتهم أو تمني الموت أيضًا أعلى، بلغت 18 في المئة عند الرجال و13 في المئة عند النساء”.

لكن الخطر الذي تحمله هذه الأرقام لم يكسر الحواجز التي تحول دون طلب الرجال للرعاية النفسية.

وجدنا أن أحد أبرز أسباب امتناع الرجال عن طلب خدمات الصحة النفسية هي الوصمة المجتمعية تجاه الاضطراب النفسي، إضافة إلى ضعف الوعي بأهمية الصحة النفسية. فيعتبر طلب المساعدة بنظر المجتمع دليل ضعف أو خلل.
صدام محمد، مشرف الصحة النفسية مع أطباء بلا حدود في دارفور بالسودان

أمل بعد ألم: رحلات مرضانا مع العلاج النفسي

إلا أن سامر قد اقتنع بضرورة طلب الرعاية الصحية: “ومن الجلسة الثانية، بدأت أشعر بالتغيير وأصبحت أنتظر الجلسات”. يسعى رجال آخرون كذلك إلى كسر هذا القيد. عماد مراد رجل في الخامسة والأربعين من عمره من مرياطة في شمال لبنان، قرر مواجهة الفكرة التي كبّلته لسنوات: “ليست خدمات الصحة النفسية عيبًا ولا تمسّ بكرامتي كشخص. هو علاج لا يقل أهمية عن علاج القلب أو السكري”.

ولأن الصحة النفسية ركيزة أساسية في عمل أطباء بلا حدود، توجه عماد لطلب المساعدة من أحد عيادات المنظمة. تعمل أطباء بلا حدود على تقديم خدمات الصحة النفسية إلى الفئات الأكثر حاجة، من ضحايا النزاعات والعنف، إلى اللاجئين، والمجتمعات التي تواجه أزمات معيشية خانقة. من لبنان إلى غزة والسودان واليمن، تقدم المنظمة جلسات دعم نفسي فردية وجماعية، وتعمل على كسر الوصمة وتشجيع الناس على طلب المساعدة دون خوف أو خجل.

يقول محمد أباكر محمد، وهو شاب في الثلاثين من السودان: “لا عيب في طلب المساعدة، ولا عيب في العلاج النفسي. فبعدما بدأت العلاج النفسي، شعرت بتغيير كبير. كنت أهمل نفسي وأكره العمل، أما الآن فأشعر بالنشاط وأحب عملي”.

يمكن للجوانب المشرقة في خدمات الرعاية النفسية أن تعمّ بين مرضانا الرجال ومن حولهم كذلك. شجع عماد أفراد عائلته “لأن تجربتي كانت إيجابية، فأحضرت أولادي وأخي لزيارة فريق الصحة النفسية في أطباء بلا حدود”. أما سامر، فينصح “جميع الرجال بالحصول على خدمات الصحة النفسية، لأن العيب ليس في العلاج، بل في الوصول إلى مرحلة الانهيار”.

*غُيّر الاسم حفاظًا على الخصوصية

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

منظمة أطباء بلا حدود تُضطر إلى تعليق أنشطتها وسط هجوم إسرائيلي مكثف في مدينة غزة

Logistics staff dismantle and evacuate tents often used for triage and overflow, are no longer available to the influx of wounded from continued Israeli airstrikes.

منظمة أطباء بلا حدود تُضطر إلى تعليق أنشطتها وسط هجوم إسرائيلي مكثف في مدينة غزة

  • أجبر الهجوم الإسرائيلي المستمر في مدينة غزة منظمة أطباء بلا حدود على تعليق أنشطتها الطبية الحيوية في المنطقة بسبب التدهور السريع للوضع الأمني، بما في ذلك استمرار الضربات الجوية وتقدُّم الدبابات على بعد أقل من كيلومتر واحد من مرافق الرعاية الصحية خاصتنا. وقد أدت الهجمات المتصاعدة من القوات الإسرائيلية إلى مستوى غير مقبول من المخاطر لموظفينا، مما أجبرنا على تعليق الأنشطة الطبية المنقذة للحياة.

    وفي هذا الصدد، يقول منسق الطوارئ في أطباء بلا حدود في غزة، جاكوب جرانجر، “لم يعد أمامنا خيار سوى وقف أنشطتنا لأن عياداتنا محاطة بالقوات الإسرائيلية. هذا هو آخر شيء نريده، حيث أن الاحتياجات في مدينة غزة هائلة، والأشخاص الأكثر ضعفًا – الرضع في جناح رعاية حديثي الولادة، وأولئك الذين يعانون من إصابات خطيرة وأمراض تهدد الحياة – غير قادرين على الحركة وفي خطر جسيم”.

    بينما فرّت أعداد كبيرة من الناس جنوبًا بسبب أوامر الإخلاء، لا يزال هناك مئات الآلاف في مدينة غزة، غير قادرين على المغادرة وليس لديهم خيار آخر سوى البقاء. يواجه أولئك القادرون على المغادرة خيارًا مستحيلًا: إما البقاء في مدينة غزة في ظل عمليات عسكرية مكثفة وتدهور القانون والنظام، أو التخلي عما تبقى من منازلهم وممتلكاتهم وذكرياتهم، للانتقال إلى مناطق تنهار فيها الظروف الإنسانية بشكل سريع.

لم يعد أمامنا خيار سوى وقف أنشطتنا لأن عياداتنا محاطة بالقوات الإسرائيلية. هذا هو آخر شيء نريده.
جاكوب جرانجر، منسق الطوارئ في أطباء بلا حدود في غزة

في الوقت نفسه، تعاني المستشفيات التي تعمل بشكل جزئي في جميع أنحاء القطاع من نقص حاد في الموظفين والإمدادات والوقود، في حين يواجه المرضى عقبات هائلة في الوصول إلى الرعاية، وغالبًا ما يصلون متأخرين وفي حالة حرجة.

 في الأسبوع الماضي وحده، وعلى الرغم من الهجوم المتصاعد، أجرت عياداتنا في مدينة غزة أكثر من 3,640 استشارة وعالجت 1,655 مريضًا يعانون من سوء التغذية. كما عالجنا مرضى يعانون من إصابات خطيرة وحروق، وكذلك نساء حوامل وغيرهم ممن يحتاجون إلى رعاية طبية مستمرة وغير قادرين على مغادرة المدينة. وهذا يدل على حجم الاحتياجات الطبية. على الرغم من أن منظمة أطباء بلا حدود قد اضطرت إلى تعليق أنشطتها في مدينة غزة، إلا أننا نهدف إلى مواصلة دعم الخدمات الرئيسية في مرافق وزارة الصحة، بما في ذلك مستشفيي الحلو والشفاء، طالما هما مستمران في العمل.

تزداد القيود المفروضة على الحصول على المياه الآمنة الصالحة للشرب والغذاء والمأوى والرعاية وإمكانية توفيرها. يتعرض الناس في مدينة غزة للقصف المتكرر وبلا هوادة. الناس مرهقون ويُحرمون عمدًا من الضروريات اللازمة للبقاء على قيد الحياة.

ندعو إلى الوقف الفوري للعنف واتخاذ تدابير ملموسة على النطاق اللازم لحماية المدنيين. يجب على السلطات الإسرائيلية أن تضمن على الفور ومن دون عوائق وصول المنظمات الإنسانية العاملة في مدينة غزة وأمنها، وتوفير ظروف مقبولة لتقديم الرعاية الطبية والمساعدات الإنسانية بشكل آمن ومستدام – وهي ظروف من الواضح أنها غير موجودة اليوم.

في جنوب غزة، تواصل فرق أطباء بلا حدود تقديم الرعاية الحرجة. في خان يونس، تدعم أطباء بلا حدود مستشفى ناصر وتدير ثلاثة مراكز للرعاية الصحية الأساسية، وفي المنطقة الوسطى، تدعم أطباء بلا حدود قسم الطوارئ في مستشفى الأقصى وعيادة العناية بالجروح، وتدير مستشفيين ميدانيين في دير البلح.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

حرب السودان: قصة عنف جنسي من دارفور

Illustration of a patient testimonies on the sexual violence that MSF she faced during her long path from El Fashir, Sudan

حرب السودان: قصة عنف جنسي من دارفور

تتذكر قابلةٌ عملت مع أطباء بلا حدود في طويلة، في شمال دارفور، السودان، القصة المروعة لفتاة اغتصبها رجلٌ مراراً بعد لحظات من إصداره أمراً لسائقه بدهس والدتها. فقد كانت الفتاة ووالدتها تحاولان الفرار إلى طويلة من مخيم زمزم القريب منها والواقع على مشارف الفاشر، عاصمة شمال دارفور. إذ كانت قوات الدعم السريع وحلفاؤها يحاصرون الفاشر ويهاجمونها منذ أكثر من عام. وفي 13 أبريل/نيسان، هاجمت قوات الدعم السريع زمزم، الأمر الذي أدى إلى نزوح حوالي 380,000 شخص إلى طويلة. وفي غضون خمسة أسابيع فقط، التمس أكثر من 300 من ضحايا العنف الجنسي والناجين منه الرعاية في مرافق تدعمها منظمة أطباء بلا حدود في طويلة.

أيامٌ لن يطويها النسيان أبداً

صار أبريل/نيسان 2025 محفوراً في ذاكرة آنا*، وهي قابلة تتمتع بخبرة 18 عاماً مع منظمة أطباء بلا حدود، تلقت نداءً عاجلاً للتوجه إلى غرفة الطوارئ، حيث كان ضحايا العنف الجنسي يتوافدون بأعداد كبيرة عقب الهجوم على مخيم زمزم.

"كانت هناك رائحة لن أنساها أبداً. كانت الغرفة مليئة بنساء يصرخن، معظمهن يلتمسن الرعاية بعد تعرضهن للاغتصاب. ووسط كل ذلك، جلست فتاة صامتة، لا تجرؤ على النظر في عينيّ"
آنا - قابلة تتمتع بخبرة 18 عاماً مع منظمة أطباء بلا حدود

تتابع آنا: “سألت: ’ماذا يحدث؟ ما هذه الرائحة؟‘ أجابتني امرأة: ’توجد جثة هنا‘. في تلك اللحظة، رفعت الفتاة نظرها أخيراً. سألتها: ’هل أنتِ بخير؟‘ فأجابت: ‘هلا أتيتِ معي لنتحدث؟'”.

استهداف عرقي وفظائع بحقّ المدنيين

أوضحت الفتاة لآنا بأن المعتدي سألها أولاً عمّا إذا كانت تنتمي إلى قبيلة الزغاوة.

"أنكرت ذلك، لكن الرجل القيادي استمر في إصراره. حاولت أمي الدفاع عني. فأمر سائقه بدهسها، فقتلها على الفور أمام عيني. بعد ذلك، أخذني إلى مكان واغتصبني مرة بعد مرة"

وتتابع الفتاة حديثها إلى آنا: “عندما بدأ يلاحق أشخاصاً آخرين، أعادني سائقه إلى أمّي الميتة والأشخاص الآخرين الذين هربوا معنا. وضعنا جثة أمي على ظهر حمار وواصلنا مسيرنا نحو طويلة”.

منذ اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023، يجري استهداف مجموعات إثنية غير عربية بشكل خاص، بما في ذلك المساليت والزغاوة والفور، علماً أن الكثير من أفراد هذه المجموعات كانوا قد نجوا من العنف في دارفور قبل عقدين من الزمن. تسيطر قوات الدعم السريع، التي تحاصر الفاشر وتتحكم في الجزء الأكبر من منطقة دارفور، على معظم مخارج المدينة، وتهاجم من يحاول الفرار. ويشمل هذا أقليات تتعرض للاغتصاب والتعذيب وحتى القتل على طول الطريق، علماً أن هذه الأوضاع ترد بالتفصيل في تقرير منظمة أطباء بلا حدود بعنوان “محاصَرون وجوعى تحت وطأة الهجمات: فظائع جماعية في الفاشر وزمزم بالسودان“، الذي نُشر في أوائل يوليو/تموز 2025.

توسيع نطاق الرعاية لضحايا العنف الجنسي والناجين منه في ظل الأزمة

قامت منظمة أطباء بلا حدود، بحلول نهاية يونيو/حزيران، بتعزيز سبل الإحالة معتمدةً على أربعة مراكز مجتمعية في مخيمات النازحين، الأمر الذي سمح برفع مستوى التفاعل مع المجتمعات المحلية. ففي مستشفى طويلة، لم يتلقّ الرعاية سوى تسعة ضحايا/ناجين بين يناير/كانون الثاني ومارس/آذار 2025، غير أن هذا العدد ارتفع بشكل حاد إلى 121 بين أبريل/نيسان ويونيو/حزيران، ثم وصل إلى 339 في شهري يوليو/تموز وأغسطس/آب. وإذ يعزى جزءٌ من هذا الارتفاع إلى تدعيم أنظمة الإحالة، تشير الأرقام إلى تحسّن فرص الحصول على الرعاية، ولكنها تدلّ في الآن ذاته على مدى انتشار العنف الجنسي. فقد أبلغت العديد من الضحايا والناجيات عن تعرضهن لاعتداءات وحشية على يد عدّة مسلحين أثناء محاولتهن الفرار. ولم تتوقف الاعتداءات عند الهجوم على زمزم، بل يشهد كل أسبوع حوادث عنف جديدة في الفاشر وما حولها، إذ ازدادت عمليات القصف والهجمات على مخيم أبو شوك للنازحين، وتصل ضحايا وناجيات جدد إلى طويلة.

هذا وقد لاحظت آنا تغيراً في أنماط العنف الجنسي، حيث تقول: “في شهري أبريل/نيسان ومايو/أيار، كانت معظم الناجيات من النساء والفتيات اللواتي وصلن في غضون 72 ساعة من وقوع الاعتداءات. أما في شهر أغسطس/آب، فقد حضرن بعد مدة أطول بدعمٍ من مراكزنا المجتمعية”.

وتضيف: “لا يزال العنف الجنسي بحق الرجال خفياً إلى حد كبير. فوصمة العار الاجتماعية والخوف يجعلان الكثيرين يصمتون، غير أن ثمة إشارات تتكشف أثناء المحادثات والاستشارات التي تتلقاها النساء اللواتي يلتمسن الرعاية بشأن مسائل أخرى، وتدلّ على أن هذا أمرٌ مستمر”.

احتياجات ملحة: حماية ورعاية ومساءلة

على الرغم من العوائق الهائلة التي تحول دون الحصول على الرعاية الطبية، بيد أن أكثر من 600 من ضحايا العنف الجنسي والناجين منه التمسوا الرعاية في المرافق الصحية التي تدعمها منظمة أطباء بلا حدود بين أبريل/نيسان وأغسطس/آب 2025 في منطقة شمال دارفور التي مزقها النزاع.

لا يمكن تجاهل الوحشية في دارفور، بل يجب توثيقها واتخاذ إجراءات عاجلة بشأنها. يجب على المانحين والمنظمات وجميع الأطراف المعنية العمل بشكل عاجل لاستعادة وتوسيع نطاق الخدمات المقدمة للضحايا والناجين وتعزيز تدابير الحماية والمساءلة. إذ يجب حماية المدنيين ومحاسبة مرتكبي العنف الجنسي.

"يحتاج الناجون بشكل عاجل إلى دعم شامل مجاني في الوقت المناسب، بما في ذلك الرعاية الطبية والدعم النفسي والاجتماعي، حيث يواجه الناجون في دارفور فظائع لا هوادة فيها، ولا يعقل أن يغض العالم الطرف عن ذلك".
آنا - قابلة تتمتع بخبرة 18 عاماً مع منظمة أطباء بلا حدود

* تم تغيير الاسم لأسباب أمنية

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

لبنان بعد عام: احتياجات متزايدة وسط انعدام اليقين

MSF donations in the war-ravaged Tibnine girls’ orphanage

لبنان بعد عام: احتياجات متزايدة وسط انعدام اليقين

Rubble scattered with a teddy bear
تبنين، النبطية 23 يناير\كانون الثاني 2025
عدت لإصلاح الأضرار التي لحقت بمنزلي، ولكن كيف للمرء أن يبدأ حياته من جديد في غياب الأمان والقدرة على تحمل تكاليف الأساسيات، مثل الأدوية
عبد الكريم
مر عام منذ أن صعّدت إسرائيل حربها في لبنان، لكن الأزمة الإنسانية لم تنتهِ بعد. وعلى الرغم من اتفاق وقف إطلاق النار المُبرم في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، صارت الهجمات الإسرائيلية واقعًا شبه يومي، ما يعيق قدرة الناس على التعافي، ويحدّ من حصولهم على الرعاية الصحية. لا تزال القوات الإسرائيلية تحتل عدة نقاط على طول الحدود الجنوبية، مانعةً عودة السكان ومتسببةً بنزوح أكثر من 82,000 شخص .

رفع الأنقاض

عاد عبد الكريم إلى بلدته في قضاء بنت جبيل بمحافظة النبطية، وهي من أشدّ المناطق تضررًا، حيث يتلقى الآن أدويةً لأمراضه المزمنة من عيادة أطباء بلا حدود الميدانية. تعاني آلاف العائلات في جميع أنحاء لبنان كي تحصل على الرعاية الصحية، فيما تحاول إعادة بناء حياتها في ظل كوابيس النزوح والفَقد وانعدام اليقين.

في جنوب لبنان، دمرت الحرب البنية التحتية، بما في ذلك الرعاية الصحية. وفي ذروة التصعيد، أُخلي ثمانية مستشفيات، معظمها في المناطق الجنوبية، بينما تضرر 21 مستشفى، أي نحو 13 في المئة من إجمالي مستشفيات البلاد، أو أُجبرت على الإغلاق أو خفضت خدماتها بشكل جذري.[1] كذلك أُغلقت أبواب 133 من مرافق الرعاية الصحية الأولية، وفقدت النبطية وحدها 40 في المئة من طاقة مستشفياتها الاستيعابية. واليوم، يستمر إغلاق الكثير من المرافق المتضررة، وعدّة منها تحتاج لإعادة تأهيل.

بعد التصعيد، أطلقت أطباء بلا حدود أنشطة جديدة في المحافظات الأشد تضررًا، في النبطية والجنوب وبعلبك-الهرمل، بينما أبقت على وجودها وتقديم خدماتها في بيروت والبقاع والشمال. وفي المحافظات الجنوبية، حيث لا تزال الخدمات المتوفرة غير متاحة مادّيًا لكثير من العائدين، أنشأت أطباء بلا حدود عيادات ميدانية لضمان حصول السكان على الخدمات الطبية والنفسية الأساسية. كذلك تعمل أطباء بلا حدود على إعادة تأهيل ودعم ثلاثة مراكز للرعاية الصحية الأولية كي تعيد تقديم الخدمات في مناطق العودة.

[1]  بحسب منظمة الصحة العالمية.

العبء ثقيل

تترك الحروب آثارًا هائلة على السكان المتضررين بشكل مباشر. فلا يمر يوم واحد هنا من دون أن يعايش الناس الدمار مجددًا، وأصوات المسيّرات، واحتلال الأراضي المستمر، والغارات الجوية التي لا تتوقف، كلها تعمّق من معاناة الناس
ثروت سرائب، المرشدة النفسية العاملة في عيادة أطباء بلا حدود الميدانية في محافظة النبطية

لا تزال فرق أطباء بلا حدود في الميدان تشهد على التكلفة البشرية للتصعيد وعلى الآثار طويلة الأمد لحرب لم تضع أوزارها بعد. يعيش مرضانا في خوف وانعدام يقين، وكثر منهم غير قادرين على البدء بالتعافي. كذلك تتزايد الاحتياجات المرتبطة بالصحة النفسية، حيث يعاني الأطفال والبالغون على حد سواء من الصدمة والقلق والخوف المستمر.

"ابنتي يُغمى عليها إذا سمعت غارة، حتى لو كانت بعيدة، هي وابنتها، ونحن نرجف. كلنا نتأثر بشدّة
سميرة، إحدى مريضات عيادة أطباء بلا حدود الميدانية

أزمة مشتركة

دمرت الحرب العائلات اللبنانية واللاجئين والمهاجرين على حد سواء. فلبنان يضم أكثر من مليون لاجئ سوري ومئات آلاف الفلسطينيين وكثيرًا من المهاجرين الذين يعيشون أساسًا في ظروف غير مستقرة. استثنت مبادرات إغاثية كثيرة هؤلاء السكان أثناء التصعيد، على الرغم من أنهم يواجهون نفس الاحتياجات الملحّة في الغذاء والمأوى والرعاية الصحية. وبعد مرور عام، لا تزال احتياجات اللاجئين والمهاجرين مهملة، وحصولهم على الرعاية الصحية المتخصصة من خلال المنظمات الإنسانية بات في خطر.

وبحلول نهاية عام 2025، ستتوقف المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والمنظمة الدولية للهجرة عن تغطية تكاليف الرعاية الصحية المتخصصة، بينما تواجه الأونروا واليونيسف انخفاضًا غير مسبوق في التمويل. ستؤدي هذه التخفيضات الحادة في التمويل العالمي للبرامج الإنسانية إلى عدم تلبية آلاف الاحتياجات، ما سيخلق احتياجات جديدة ويزيد من حدّة الاحتياجات القائمة.

شاقة هي المعركة التي يخوضها السكان لإعادة بناء حياتهم، كعبد الكريم وسميرة. لا تزال فرق أطباء بلا حدود ملتزمة بتقديم الخدمات حيثما دعت الحاجة، وضمان حصول السكان على الرعاية الصحية الحيوية. ومع ذلك، لن يتحقق التعافي الحقيقي إلا عندما يتمكن الناس من العيش أحرارًا من الخوف، وعندما يحصلون على الخدمات الطبية والنفسية والأساسية التي يحتاجون إليها فورًا لبدء حياتهم من جديد.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

الأمين العام لأطباء بلا حدود حكومات العالم متواطئة في الإبادة

Chris Lockyear MSF secratery general at UN briefing

الأمين العام لأطباء بلا حدود حكومات العالم متواطئة في الإبادة

لا يستطيع الأطباء إيقاف الإبادة. قادة العالم يستطيعون.
كريستوفر لوكيير، الأمين العام لأطباء بلا حدود

يواجه أكثر من مليون شخص في غزة رعبًا متجددًا بعد تلقيهم أمرًا عاجلًا بإخلاء مدينة غزة، قبيل الهجوم البري الموسّع الذي يشنه الجيش الإسرائيلي. الهروب مستحيل لكثر، من كبار السن، والمرضى بحالات حرجة، والحوامل أو الجرحى. والباقون خلفهم حُكم عليهم بالإعدام.

أما من يحاولون الفرار، فسيرافقهم القصف العنيف. والناجون من هذه الرحلة سيصلون إلى مناطق مكتظة في وسط وجنوب غزة، حيث لا أمان ولا أساسيات يحتاجونها للبقاء. تقف الكارثة في وجه السكان الذين دُفعوا إلى حافة الهاوية خلال قرابة عامين من الوحشية المستفحلة.

ما يحدث في غزة ليس مجرد كارثة إنسانية، بل إبادة جماعية ممنهجة لشعب بأكمله. ومنظمة أطباء بلا حدود تقولها بوضوح: إسرائيل ترتكب إبادة جماعية بحق الفلسطينيين في غزة وبإفلات كلّي من العقاب.

Attack on MSF vehicle in North Gaza

مستوى الخسائر البشرية هائل. فبحسب آخر أرقام وزارة الصحة، قُتل أكثر من 64,000 شخص، من بينهم 20,000 طفل. يرجح أن يكون العدد الحقيقي للقتلى أعلى من ذلك، فالكثير الكثير من الأشخاص عالقون تحت أنقاض المستشفيات والمدارس والمنازل.

ما من مأمن في غزة. أبيدت عائلات بأكملها وهي تحتمي في بيوتها. قُتل عاملون في المجال الصحي خلال رعايتهم للمرضى. استُهدف صحافيون لأنهم أدلوا بشهادتهم. هاجم الجيش الإسرائيلي الحجر والبشر في غزة.

تستخدم إسرائيل أسلحة فائقة القوة ومصممة لساحات القتال المفتوحة، اشترت بعضها من الحكومات الأمريكية والأوروبية، مستهدفةً مناطق حضرية مكتظة بالسكان، حيث يحتمي الناس في الخيام. وينتج عن ذلك إصابات قاتلة تُعالجها فرقنا.

استهدفت السلطات الإسرائيلية وبشكل ممنهج نظام الرعاية الصحية في غزة، من قصف للمستشفيات، وغارات على المرافق الطبية، وتهديد حياة الكوادر والمرضى. من شأن هذه الأعمال أن ترقى إلى مستوى جرائم الحرب. أما المستشفيات القليلة المتبقية فهي مكتظة وتعاني من شح في الإمدادات. المرضى يعانون ويسقطون ضحايا لموت يمكن تجنّبه.

قُتل اثنا عشر من زملائنا، ولا يزال جراح العظام في أطباء بلا حدود، د. محمد عبيد، معتقلًا لدى إسرائيل منذ أكتوبر/تشرين الأول 2024. قُتل في المحصلة أكثر من 1,500 عامل في القطاع الصحي. كل واحد منهم يشكل خسارة فادحة لعائلاتهم ولنظام الرعاية الصحية المحاصر في غزة.

يمتد تأثير هذه الحرب الإبادية لما هو أبعد من الهجمات المباشرة. أطبقت السلطات الإسرائيلية الخناق على غزة عامدة متعمدة، وفرضت حصارًا شاملًا وقيودًا صارمة على الوقود والمياه والغذاء والإمدادات الطبية.

حققت سياسة العقاب الجماعي هدفها الوحشي، فأدى التجويع المتعمد إلى إعلان المجاعة. أظهر مسح أجري مؤخرًا في عياداتنا في غزة أن 25 في المئة من النساء الحوامل أو المرضعات يعانين من سوء التغذية، ما قد يزيد من خطر وفيات الأجنّة والإجهاض والولادات المبكرة.

أما القلة المتاحة من المساعدات الغذائية، فقد حُوّلت بإذلال إلى سلاح. فالمخطط الذي تديره إسرائيل وتموله الولايات المتحدة الأمريكية مسؤول عن مقتل 1,400 شخص وإصابة 4,000 آخرين. عالجنا أطفالًا أصيبوا بأعيرة نارية في صدورهم بينما كانوا يمدون أيديهم للحصول على الطعام، وأشخاصًا دُهسوا أو اختنقوا خلال التدافع. هذا المستوى من الوحشية لا يصدقه عقل.

يؤدي النقص المتعمد في المياه إلى تفشي الأمراض. في الشهر الماضي، عالجت أطباء بلا حدود 4,000 شخص من الإسهال المائي والذي قد يكون قاتلًا للأطفال الذين يعانون أصلًا من سوء التغذية. تستطيع أطباء بلا حدود أن تزيد من إمدادات مياه الشرب النظيفة، ولكنها تُمنع من ذلك مرارًا.

وفي الوقت نفسه، تتسارع وتيرة عنف المستوطنين وعنف الدولة في الضفة الغربية المحتلة. تتصاعد وتيرة سرقة الأراضي، والتهجير القسري، والاعتداءات على السكان، بصفتها جزءًا من السياسات الرامية إلى تغيير التركيبة الديموغرافية للضفة الغربية.

تتواطأ حكومات العالم في هذه الإبادة الجماعية من خلال دعمها لإسرائيل بشكل سياسي أو عسكري أو مادي. وعليها التزام أخلاقي وقانوني بالرّد: عبر الضغط السياسي الحقيقي، لا الكلمات الجوفاء، وبكل الأدوات السياسية والدبلوماسية والاقتصادية لوقف هذه الفظائع.

على الدول ضمان الوقف الفوري لإطلاق النار، ورفع الحصار وضمان سماح السلطات الإسرائيلية بإيصال المساعدات الإنسانية المستقلة على نطاق واسع وبلا عوائق. يجب حماية المرافق الطبية والعاملين في المجال الصحي. ويجب وضع حد لأوامر الإخلاء والتهجير القسري والجماعي للسكان.

كما يجب فتح الحدود للسماح بإجلاء الأشخاص الذين يرغبون بالمغادرة، والمرضى المحتاجين لرعاية متخصصة طارئة. على الحكومات أن تعمل بشكل مباشر على تسهيل هذه المسارات المنقذة للحياة وتضمن حق العودة عندما تكون ظروفها آمنة بالفعل.

يمكن للبلدان التي أعربت عن غضبها وتضامنها مع الفلسطينيين أن تفعل المزيد لزيادة الضغط السياسي على غيرها من الدول كي تتحرك، وعليها أن تفعل المزيد. يشمل الضغط ضمان وقف جميع الدول لنقل الأسلحة التي تقتل وتصيب السكان وتدمر البنية التحتية المدنية في غزة.

يبلغ عدد زملائنا في غزة 1,399 زميلًا، وهم يواجهون كل يوم الحقيقة المرة: فهم لا يستطيعون إيقاف الإبادة الجماعية. ولكن قادة العالم يستطيعون، إذا اختاروا أن يتحركوا. ومع اقتراب السنوية الثانية لهذا العنف الشديد الذي لا يرحهم، فإن الخيارات السياسية المطلوبة لوضع حد لهذا العنف قد طال انتظارها.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

الهجوم على مدينة غزة: كارثة إنسانية وحكمًا بالإعدام

بيك أب مزدحمة محملة بالأشخاص والأمتعة تسير في شارع مدمر في غزة

الهجوم على مدينة غزة: كارثة إنسانية وحكمًا بالإعدام

كارثة إنسانية في غزة

تواجه مدينة غزة كارثة إنسانية مع التصعيد الأخير في الهجوم العسكري الإسرائيلي، ما يدفع السكان إلى حافة الهاوية ويهدد بقاء ما ظل من النظام الصحي. تحذر فرق أطباء بلا حدود من استحالة إجبار مليون شخص – ومنهم مئات المرضى بحالة حرجة والأطفال حديثو الولادة – على الخروج من مدينة غزة إلى مناطق مكتظة ومفتقرة للموارد في وسط وجنوب القطاع. سيمثل هذا حكمًا بالإعدام على مليون فلسطيني.

صورة واسعة لمخيم مترامي الأطراف ومزدحم بخيام النازحين على ساحل رملي في غزة

تهجيرٌ وتدهور الظروف المعيشية

يتسبب القصف المتواصل من قبل القوات الإسرائيلية وتقدم الهجوم البري بمقتل مئات الفلسطينيين وطردهم من منازلهم وملاجئهم، ولعدة مرات أحيانًا، تبعًا لنمط من الدمار الكامل الذي سبق أن شهدته فرق أطباء بلا حدود في رفح. يقول منسق الطوارئ مع أطباء بلا حدود في غزة، جاكوب غرانجيه، “نزح بعض زملائنا أكثر من إحدى عشرة مرة منذ عام 2023”. لا توفر الملاجئ المؤقتة سوى القليل من الأمان مع استمرار القصف، والذي غالبًا ما يستهدف المناطق التي فرّ إليها الناجون. ويشغل الآن نحو مليون نازح 15 في المئة فقط من أراضي غزة، وقد تدهورت الظروف بفعل تدمير نحو 90 في المئة من أنظمة المياه والصرف الصحي. ويضيف غرانجيه، “تواصل أطباء بلا حدود توزيع المياه في المدينة، ولكن مع نفاد أي مخزون مائي، وإذا منعت القوات الإسرائيلية إنتاج المياه الصالحة للشرب وتوزيعها، فسيموت الناس في غضون أيام”. تتفشى الأمراض، مثل الإسهال الحاد، في ظل الاكتظاظ والظروف غير الصحية.

النظام الصحي على المحك

يتسبب الهجوم الإسرائيلي بالتدمير المتعمد لجهود الرعاية الصحية في غزة. أوقف أكثر من نصف المستشفيات عن العمل؛ أما المستشفيات المتبقية فهي موشكة على الانهيار تحت وطأة الهجمات الموجّهة. بلغت معدلات إشغال الأسرة 300 في المئة في المستشفى الأهلي و240 في المئة في مستشفى الشفاء و210 في المئة في مستشفى الرنتيسي. يهدد التصعيد المستمر في مدينة غزة بإغلاق 11 مستشفى من أصل 18 مستشفى يعمل بشكل جزئي في قطاع غزة، بالإضافة إلى مرافق الرعاية الصحية الأخرى، فيما تفيد السلطات الصحية أن أكثر من نصف الأدوية الأساسية قد نفدت بالكامل.

عانى الطاقم الطبي من الغارات المتكررة، كما تعرض العاملون في المجال الصحي للقتل أو الاحتجاز أو التهديد، بما في ذلك أحد أطباء منظمتنا الذي لا يزال معتقلًا دون أي تهم رسمية. وفي المرافق الطبية التي ندعمها في مدينة غزة، نشهد زيادة في عدد الجرحى الذين يعانون من إصابات تشتد خطورة. أما المرضى الذين يحتاجون إلى عناية مركزة، فهم يواجهون خطر الموت إذا أُجبروا على الإخلاء بسبب إغلاق المستشفيات، ولن يتمكن من الإخلاء الأشخاص ذوو الاحتياجات الخاصة والمرضى والجرحى.

التجويع سياسةً

تسبب الحصار بمجاعة؛ فالقيود المفروضة على الغذاء والمياه النظيفة والأدوية وإيصال المساعدات، كلها تتسبب بارتفاع صارخ في معدلات سوء التغذية الحاد. وتُسلط قوة دموية على المدنيين منتظري المساعدات عند نقاط التوزيع – فعلى مدى أشهر، استجابت عيادات أطباء بلا حدود لإصابات جماعية ناجمة عن النيران الإسرائيلية في مواقع توزيع الأغذية التي تديرها مؤسسة غزة الإنسانية المزعومة.

شاحنة تنقل العائلات وممتلكاتهم عبر شارع مزقته الحرب في غزة

يجب وقف العمليات البرية فورًا

تهدف القوات الإسرائيلية إلى طرد الفلسطينيين من مدينة غزة، من خلال الإبادة الجماعية والتطهير العرقي والظروف التي تجعل الحياة مستحيلة. ما من مأمن، وفتات المساعدات يصل عبر طرق شديدة الخطورة على المدنيين. أما التدمير المتعمد للبنية التحتية الحيوية، فلا يزال مستمرًا.

تدعو أطباء بلا حدود إلى الإنهاء الفوري لأوامر الإخلاء بصفتها وسيلةً للتهجير القسري، وتدعو إلى وقف دائم لإطلاق النار، وإلى إدخال المساعدات الإنسانية على نطاق واسع. نطالب بحماية المرافق الطبية وتنسيق تنقلات الجهات الإنسانية الفاعلة. يجب وضع حد للدمار الممنهج والإبادة الجماعية. نطالب حلفاء إسرائيل بالوقف الفوري لنقل الأسلحة إلى إسرائيل وبتكثيف الضغط لإيقاف الهجوم. ففي غياب التدخل العاجل والجذري، فإن غزة مقبلة على إبادة كلية.

شارع في غزة على جانبيه مبانٍ متعددة الطوابق متضررة بشدة ومنهارة، مع خيام منصوبة
Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

في حرب السودان: كيف أدامت أطباء بلا حدود تشغيل مستشفى النو

Al Nao hospital is supported by MSF in Omdurman, Khartoum state

في حرب السودان: كيف أدامت أطباء بلا حدود تشغيل مستشفى النو

مستشفى النو في قلب النزاع في السودان

منذ أن اندلعت الحرب في السودان في أبريل/نيسان 2023 ووصلت ولاية الخرطوم، صار مستشفى النو الواقع في مدينة أمدرمان ملاذاً إنسانياً يلتجئ إليه آلاف المرضى. كان المستشفى يقدم خدمات محدودة جداً في بداية الحرب، يدعمه طاقم من عمال الرعاية الصحية والمتطوعين من أهل البلد. ثم في يوليو/تموز 2023، نجح فريق متفانٍ من الأطباء والممرضين والعاملين اللوجستيين ومعهم مجموعةٌ من المتطوعين بإعادة تشغيله بكامل طاقته من جديد. فقد ظلّوا يعملون تحت وطأة ضغوطٍ هائلة، مخاطرين بحياتهم يومياً لإبقاء أبوابه مشرعةً أمام المرضى.

Infront of Al Nao hospital, which is supported by MSF in Omdurman, Khartoum state
من أمام مستشفى النو الذي تدعمه أطباء بلا حدود في أم درمان بولاية الخرطوم

أطباء بلا حدود والكفاح لإيصال الإمدادات

يقول أحد العاملين اللوجستيين في منظمة أطباء بلا حدود كان يعمل في مستشفى النو في بداية الحرب: “كان علينا إدخال الإمدادات أولاً كي يتسنّى للمستشفى تقديم العلاج، لكنّ كل شحنةٍ كانت تنطوي على مغامرة. فقد كان المستودع يقع في الخرطوم على بعد نحو 30 كيلومتراً من مستشفى النو، وكان علينا أن نستطلع كل طريق قبل أن نسلكه حرصاً على سلامة الإمدادات والطاقم. كان ينطلق متطوعٌ من مستشفى النو باتجاهنا كي يتأكد من خلوّ الطرقات من أية اشتباكات، متجنباً في الآن ذاته القصف والضربات الجوية. كان يقودنا عبر طرقات فرعية مخاطراً بحياته من أجل إيصال الأدوية إلى المستشفى. لولاه ولولا تلك الإمدادات لما كانت لدينا أدنى فرصة للنجاح”.

مستشفى النو في قلب ساحة الحرب

مرّت سنتان على اندلاع الحرب حتى استعادت القوات المسلّحة السودانية السيطرة على الخرطوم في مايو/أيار 2025، حيث اندلع قتال عنيف في الخرطوم وأمدرمان. كان هذا العنف ولا يزال فصلاً من فصول حربٍ أهلية واسعة اندلعت بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع وألحقت الدمار بأجزاء واسعة من منطقة العاصمة السودانية. حطّت المعارك أوزارها الآن في الخرطوم، لكن حين اندلع القتال في منطقة العاصمة شبّت معارك عنيفة في مدنها الثلاث الواقعة على نهر النيل، ألا وهي الخرطوم وبحري وأمدرمان. وقد اضطرت أطباء بلا حدود إلى إجلاء فرقها إلى خارج المدينة، لكنها بدأت على الفور استعداداتها للعودة وتأمين الرعاية الصحية في ظلّ حرب خلفت ألماً كبيراً ومعاناة هائلة بحق الناس.

إجلاء أطباء بلا حدود قسرًا وانهيار البنية التحتية الصحية

اضطرت أطباء بلا حدود إلى إجلاء فرقها من ولاية الخرطوم في بداية الحرب، لكن قلة من زملائنا السودانيين في المنظمة ظلوا هناك لمواصلة تأمين وتنسيق جهود الرعاية فيما كنّا نخطط للعودة بكامل طاقمنا عندما تتوفر ظروف مناسبة.

وكلما كانت خطوط القتال تقترب كانت الأحياء تفرغ من ساكنيها وكانت البنى التحتية المعنية بالرعاية الصحية تتداعى. كانت المستشفيات تتعرض للنهب والقصف والهجران من عامليها. وسط كل ذاك الدمار، كانت طواقم الرعاية الصحية السودانية والمتطوعون من أبناء البلد يحرصون على أن يواصل مستشفى النو تقديم الرعاية في غرفة الطوارئ.

أضحى مستشفى النو ركناً أساسياً في نظام صحيّ يتداعى. كما أن قربه من خطوط القتال جعله مركزاً محورياً وهدفاً للنيران في الآن ذاته. فقد عمل طاقمنا السوداني الذي ظلّ هناك لم يرحل ووضع يده بيد موظفي وزارة الصحة، حيث نجح الجميع خلال الفترة الممتدة من مايو/أيار حتى يوليو/تموز 2023 في استئناف خدمات المستشفى.

Emergency room at Al Nao hospital, supported by MSF in Omdurman, Khartoum state
غرفة الطوارئ في مستشفى النو الذي تدعمه أطباء بلا حدود في أم درمان بولاية الخرطوم

من الدمار إلى الإعمار: إعادة بناء مستشفى النو

يقول صديق عمر، أحد العاملين اللوجستيين مع أطباء بلا حدود وهو من السودان: “كان المستشفى يعجّ بالنفايات حينما وصلت إليه أول مرة. وكان علينا تنظيفه قبل أن نفكّر حتى في علاج المرضى”. فقد همّ الفريق بالعمل، حيث عملوا على إصلاح بعض أجزائه التي كانت مهملة، إذ قاموا بتنظيف أرضياته وجدرانه وإصلاح نوافذه المكسرة وإعادة الطاقة الكهربائية إليه.

نقطة التحول: إعادة افتتاح مستشفى النو على مدار الساعة

لم يكن النو آنذاك يعمل سوى أربع ساعات يومياً فيما كانت أعمال إعادة تأهيله جارية. لكن بجهود طاقم وزارة الصحة والمتطوعين وزملائنا السودانيين في أطباء بلا حدود، وبدعمٍ مادي من المنظمة، عاد المستشفى للعمل على مدار الساعة في غضون ثلاثة أشهر.

وقد شكل ذلك تحولاً في غاية الأهمية بالنسبة للناس الذي تضرروا جراء الحرب، حين كانت معظم المرافق الصحية في السودان مقفلة أو بالكاد تعمل نظراً لغياب الأمن أو جراء تعرضها للنهب أو نتيجةً لنقص الإمدادات. كان عمال الرعاية الصحية يعرضون حياتهم للخطر وبالكاد يؤمنون لقمة عيشهم. وكان المستشفى يعمل تحت ضغوط هائلة حفاظاً على خدماته في ظل اقتصادٍ مزقته الحرب، حيث كانت الأساسيات من الوقود وحتى الإمدادات الطبية البسيطة محدودة بل وباهظة الثمن.

The trauma section of the emergency room at the Al Nao hospital, supported by MSF in Omdurman, Khartoum state
قسم الإصابات البالغة في غرفة الطوارئ في مستشفى النو الذي تدعمه أطباء بلا حدود في أم درمان بولاية الخرطوم

يوم في النزاع: النو يعالج مئات المرضى

يقول د. خالد عبد الرحمن عبد السلام، منسق مشروع أطباء بلا حدود في أمدرمان آنذاك: “في 27 يوليو/تموز 2023، عالج فريق غرفة الطوارئ أكثر من 150 جريح. وقف مستشفى النو يومئذٍ صامداً دون أن يرفّ له جفن. كان أفراد الطاقم يعملون كخلية نحل، بدءاً بغرفة الطوارئ وانتهاء ببنك الدم، وكانوا يتحركون بتناغم تامّ. كان فريق الطوارئ متماسكاً ويعمل بحرفية عالية، حتى نجح في امتصاص الصدمة التي نتجت عن تدفق أعداد كبيرة من المرضى، وكأنهم كانوا قد تدبروا على تفاصيل تلك اللحظة بالذات”.

كان ذلك يوماً كغيره من أيام السودان زمن الحرب. لم تكن أعمال القصف والانفجارات تقع في مواعيد يمكن التنبؤ بها لكنها كانت متواصلة حتى صار الناس يفرقون بين هذا المقذوف وذاك من أصوات هديرها. كانت جبهة أمدرمان الواقعة في ولاية الخرطوم تشهد قتالاً عنيفاً أضحى واقعاً يومياً، ولم تكن تبعد سوى كيلومترين عن أعتاب مستشفى النو. كانت الفوضى عنوان المدينة آنذاك، بيد أن المستشفى كان يعمل بعزيمة.

دعم أطباء بلا حدود لمستشفى النو: من الطوارئ إلى الشراكة

تغير دعم أطباء بلا حدود لمستشفى النو على مرّ الأيام من 2023 حتى 2025، بدءاً بإعادة تأهيل خدمات الطوارئ حتى غدا شراكةً شاملة انطوت على عودة تدريجية لكامل فريق المشروع. قدمت المنظمة التدريبات السريرية وأمنت الإمدادات الطبية الأساسية وخدمات المياه والصرف الصحي كما وفرت الطعام للمرضى. كما درّبنا طاقم وزارة الصحة على التعامل مع حالات الإصابات الجماعية وتقلوا حوافز مالية تساندهم وهم يؤدون واجباتهم التي من شأنها إنقاذ حياة الناس.

تغير دور المستشفى بتغير الظروف المحيطة به، فقد بدأ بخدمة أمدرمان، إلا أن نطاقه توسع ليشمل أجزاء من بحري ومناطق أخرى في ولاية الخرطوم في ظل تبدّل وتنقل خطوط القتال. أضحى النو مركز الطوارئ الوحيد الذي يعمل في المنطقة لا سيما وأن باقي المستشفيات كانت قد تعرضت للأضرار أو الدمار أو لم تكن قد استأنفت خدماتها بعد. فمنذ يوليو/تموز 2023، تلقى أكثر منن 48,000 مريض يعاني من إصابات بليغة العلاج في غرفة الطوارئ في مستشفى النو.

مستشفى في الخطوط الأمامية لحرب السودان

في الأول من فبراير/شباط 2025، تعرض سوقٌ في أمدرمان لتفجير، وفي غضون دقائق بلغت غرفة طوارئ النو أقصى طاقاتها، كما قال أمين عام أطباء بلا حدود كريستوفر لوكيير الذي حدث وأن كان في المستشفى يومئذٍ: “بوسعي أن أرى كيف انهارت حياة الرجال والنساء والأطفال. ثمة العشرات والعشرات من الناس الذين يعانون من إصابات مروّعة. المشرحة ممتلئة بالجثث وما تراه عيني ليس سوى مشهداً من مجزرة شنيعة”.

استطاع المستشفى علاج 158 جريحاً في ذلك اليوم. لكن لم تمرّ سوى ثلاثة أيام حتى وقعت عملية قصف على بعد 100 مترٍ من المستشفى وأودت بحياة ستة أشخاص بينهم أحد المتطوعين العاملين على تأمين وجبات الطعام في إطار إحدى المبادرات في مستشفى النو. يشار إلى أن مستشفى النو أصيب بشكل مباشر ثلاث مرات منذ بدء الحرب: أولها في أغسطس/آب 2023 وثانيها في أكتوبر/تشرين الأول 2023 وثالثها في يونيو/حزيران 2024. غير أن طاقمه واصل العمل رغم كل المصاعب.

Wofak Abdulmullah with her children Abdul Kareem and Lahamda in a trauma section of the emergency room at Al Nao hospital, supported by M
أصيبت السيدة وفاق عبد الملا مع طفليها عبد الكريم ولحامدة في حادث توك توك، وهم في قسم الإصابات البالغة في غرقة الطوارئ بمستشفى النو الذي تدعمه أطباء بلا حدود في أم درمان بولاية الخرطوم

أبطال سودانيون يحافظون على استمرار عمل مستشفى النو

يستمد مستشفى النو قوته من تفاني طاقمه السوداني الذي لا يترنّح. فقد كان هذا الطاقم، بمختلف اختصاصاته الطبية واللوجستية والتمريضية والتقنية، سواء من العاملين في وزارة الصحة أو منظمة أطباء بلا حدود، بمثابة الهواء الذي يتنفسه مستشفى النو وسط القصف وانقطاع التيار الكهربائي والضغوط التي لا تُحتمل.

وكانت المبادرات المحلية لا تقل أهميةً في دورها المحوري الذي حافظ على المستشفى، فقد كان المتطوعون في كل مكان ينفذون مختلف المهام. أنشأ بعضهم صيدلية تقدم الأدوية بالمجان لمن لا يقدر على تحمّل تكاليفها، فيما كان آخرون يساعدون في غرفة الطوارئ أثناء الإصابات الجماعية. كان المتطوعون يحضّرون أيضاً الطعام للمرضى ومرافقيهم معتمدين على المطابخ الجماعية.

وقد كان كل عامل ومتطوع يتمتع بحسّ مسؤولية لا يتزحزح أسهم في إبقاء أبواب مستشفى النو مشرعةً في وقتٍ أقفلت فيه العديد من المرافق الصحية. شجاعة الطاقم كانت عاملاً حاسماً في ذلك.

تعود الذاكرة بمحمد نديم، أحد أفراد فريق مشروع أطباء بلا حدود، فيقول: “في أكتوبر/تشرين الأول 2024 عبرت شاحنة على متنها أكثر من 30 مريضاً مصاباً بالكوليرا خطوط القتال ووصلت إلى مستشفى النو في منتصف الليل، لكن لم ينجُ سوى نحو 20 من المرضى. لم يكن مركز علاج الكوليرا مستعداً لما حدث، وكانت تنقصنا إمدادات. لكنّنا شكلنا فريقاً رغم إجراءات حظر التجول نظراً لتأخر الوقت، ونجح الفريق في إحضار ما يلزمنا من المستودع الواقع في المستشفى. أسهم ذلك التحرك الفوري في إنقاذ حياة الناس”.

ثبات أطباء بلا حدود ومستشفى النو رغم كل الصعاب

كانت أفواجٌ من النازحين تصل إلى أمدرمان في خضمّ تبدل وتحرك جبهات القتال، علماً أن كثراً منهم كانوا من العائدين إلى أحيائهم التي رحلوا عنها لذا كان لا بد من إدخال مزيدٍ من الإمدادات في مواجهة توافد الأعداد الكبيرة من الناس.

وقد عمل فريق أطباء بلا حدود اللوجستي بلا كللٍ ولا ملل حفاظاً على مخزونات المستشفى ومواصلة مهامه. وهنا يصف مدير سلسلة التوريد في المنظمة عمر محمد النور المصاعب التي كانت تعترضهم، فيقول: “كنّا مضطرين إلى نقل الإمدادات بالحافلات بدلاً من الشاحنات كي لا تتعرض للاستهداف. وكان على تلك الحافلات أن تسلك طرقاً أطول تجنباً لمواقع القتال النشطة. حتى أننا نجحنا في إرسال أربع ثلاجات محملة بالإنسولين داخل حافلات من أجل مواجهة النقص الذي تشهده المدينة والإسهام في إنقاذ حياة مرضى السكري”.

حافظ مستشفى النو على عملياته رغم تلك التحديات. وقد سمح دعم أطباء بلا حدود لوزارة الصحة بإعادة توجيه مواردها المحدودة إلى مرافق أخرى، ممّا عزز نظام الرعاية الصحية في أمدرمان. ويقول مدير عام مستشفى النو د. جمال محمد: “حافظ النو على الرعاية الصحية حيّة في غربي الخرطوم رغم المصاعب الجمة والظروف القاسية”.

وهكذا أصبحت قدرة المستشفى على تدبير حوادث الإصابات الجماعية دون الإضرار بالخدمات الأخرى مثالاً يُحتذى به في المرونة والصمود وسط الأزمات.

نموذج جدير بالتكرار

تعتمد مقاربة أطباء بلا حدود تجاه مستشفى النو على دعمٍ إستراتيجي موجّه يسهم في تعزيز جهود عمال الرعاية الصحية السودانيين وموظفي وزارة الصحة. إذ لا تسعى أطباء بلا حدود إلى إدارة الأنشطة بل تركز على مساندتها معتمدةً على تأمين الإمدادات الأساسية والدعم المالي والإرشاد الفنّي بفضل الطواقم المحلية والدولية.

سمح هذا النموذج لمستشفى النو بالمحافظة على عملياته والاستجابة للاحتياجات وسط ضغوطٍ هائلة وفي ظل غياب الأمن. فقد كان الطاقم السوداني القلب النابض لهذا النجاح، حيث كانوا يقدمون الرعاية يومياً ويتولون إدارة حالات الطوارئ ويتأقلمون مع التحديات المتواصلة.

وقد بيّنت هذه الشراكة كيف أن دعم أطباء بلا حدود جاء في محلّه وكيف أن بمقدور نظام الرعاية الصحية المحلي مواصلة مهامه حتى حين يكون النزاع على أشدّه.

وهذا ما يؤكده رئيس بعثة أطباء بلا حدود في السودان تونا تركمان بقوله: “أن نقف متضامنين مع طواقم الرعاية الصحية العاملة على الخطوط الأمامية وأن ندعم جهوده أفرادها الشجعان وهم ينقذون حياة الناس كان أقل ما يمكننا فعله، حتى حين لم تكن فرقنا قادرة على الوصول إلى المنطقة. إذ يقدم مستشفى النو مثالاً رائعاً يكشف كيف أن بالثقة والتعاضد يمكن المحافظة على الرعاية الصحية، حتى في أحلك الأوقات”.

خطوة إلى الأمام، لكن الرحلة لم تنتهِ بعد

صار مستشفى النو مثالاً عن النجاح الذي يمكن أن نحققه إذا ما تعاونت الطواقم الإنسانية المتفانية من أطباء بلا حدود ووزارة الصحة والمجتمع المحلي.

حكاية مستشفى النو لم تشارف على نهايتها، إذ تتواصل الحرب وتتفاقم معها الاحتياجات. وصحيحٌ أن المستشفى يتمتع بالقوة والمرونة إلا أنه لن يستجيب للاحتياجات الصحية وحيداً. فلا بد من مواصلة الدعم لمساندة مستشفى النو ومرافق الرعاية الصحية في ولاية الخرطوم وباقي ولايات السودان.

وهنا يمكن للمانحين وصنّاع السياسات والجهات الفاعلة في مجال العمل الإنساني أن ترى في مستشفى النو مثالاً عن كيفية إعادة بناء النظام الصحي واستعادة قدراته في السودان. ويجب أن يبذل الجميع جهوداً لا تقل عن جهود وتفاني عمال الرعاية الصحية والمتطوعين السودانيين.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

فرق أطباء بلا حدود تشهد خطر التطهير العرقي في الضفة الغربية

MSF Advocacy Manager on a field visit to Kisan village, where the Ubayat family’s 250 m² home was demolished by Israeli forces.

فرق أطباء بلا حدود تشهد خطر التطهير العرقي في الضفة الغربية

مديرة أنشطة الدفاع والتغيير في أطبّاء بلا حدود ومترجمتنا في زيارة ميدانية إلى قرية كيسان، حيث أجبر عنف المستوطنين 23 عائلة على الفرار من منازلهم.
مديرة أنشطة الدفاع والتغيير في أطبّاء بلا حدود ومترجمتنا في زيارة ميدانية إلى قرية كيسان، حيث أجبر عنف المستوطنين 23 عائلة على الفرار من منازلهم.

فرق أطباء بلا حدود شاهدة على طرد الفلسطينيين من الضفة الغربية

  • تشهد فرقنا في الضفة الغربية سياسات وممارسات صُممت لطرد الفلسطينيين من أرضهم.
  • تشمل هذه السياسات والممارسات التهجير القسري وهدم المنازل والإفلات من العقاب على عنف المستوطنين وقيود الحركة وأكثر من ذلك.
  • نحث الدول الأخرى، لا سيما تلك التي تربطها علاقات سياسية أو اقتصادية أو عسكرية وثيقة مع إسرائيل، على ممارسة ضغوط جدية لوقف الممارسات التي تُهجّر الفلسطينيين من أرضهم.

القدس – تحذر منظمة أطباء بلا حدود من أن الفلسطينيين يواجهون تهجيرًا جماعيًا قسريًا في جميع أنحاء الضفة الغربية على يد القوات الإسرائيلية والمستوطنين، ما يزيد بشكل كبير من خطر التطهير العرقي في الأراضي المحتلة.

تشهد أطباء بلا حدود كيف أصبحت المعاناة التي يتسبب بها الاحتلال الإسرائيلي واقعًا طبيعيًا أكثر من أي وقت مضى في تاريخ المنظمة الممتد على مدى 36 عامًا من تقديم الرعاية الطبية والنفسية في فلسطين.

في عام 2025، شهدت فرق أطباء بلا حدود سياسات وممارسات صُممت بوقاحة لترحيل السكان من أرضهم ومنع أي إمكانية للعودة. تحث المنظمة الدول الأخرى، لا سيما التي تربطها علاقات سياسية أو عسكرية أو اقتصادية وثيقة مع إسرائيل – بما في ذلك الولايات المتحدة والدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي – على ممارسة ضغوطات جادة لوقف الممارسات التي تضر بالفلسطينيين وتُهجّرهم، وضمان إنهاء الاحتلال غير القانوني بموجب القانون الدولي.

على مدى السنوات القليلة الماضية، شهدنا تأثير القوة المفرطة والسيطرة التي تمارسها القوات الإسرائيلية والمستوطنون في وجه الشعب الفلسطيني، والتي بلغت ذروتها في الإبادة الجماعية في غزة، وتصاعد القمع العسكري وعنف المستوطنين في جميع أنحاء الضفة الغربية.
سيمونا أونيدي، منسقة مشاريع أطباء بلا حدود في جنين وطولكرم

تكتيكات التهجير تتوسع وتشتد

من شأن مخطط “إي 1” الاستيطاني الذي أُقرّ مؤخرًا أن يقسّم الضفة الغربية بالكامل، ويعزل شمالها عن جنوبها، ويفصل القدس الشرقية عن بقية الضفة الغربية1. تمثل هذه إحدى أوضح محاولات السلطات الإسرائيلية مؤخرًا لقتل أي أفق لمستقبل فلسطيني.

عمليات عسكرية تتسبب بنزوح عشرات آلاف الأشخاص

منذ بداية العام، تسببت العملية العسكرية الإسرائيلية المستمرة باسم “الجدار الحديدي” بتهجير 40,000 شخص في شمال الضفة الغربية، بحسب الأونروا. اقتُحمت ثلاثة مخيمات للاجئين وأُخليت بشكل عنيف. دُمّرت المنازل والبنية التحتية المدنية، بما في ذلك المدارس ومراكز الرعاية الصحية، ما يزيد من احتمال أن يصبح النزوح دائمًا.

واستجابةً لذلك، نشرت أطباء بلا حدود فرقًا طبية متنقلة في 42 موقعًا في طولكرم وجنين، بما في ذلك عيادات وزارة الصحة، كما أوصلت مواد الإغاثة الأساسية إلى الفلسطينيين النازحين.

القوات الإسرائيلية تدمر البيوت الفلسطينية

منذ يناير/كانون الثاني 2023، نزح 6,450 فلسطينيًا جرّاء هدم المنازل. وفي شهري أبريل/نيسان ومايو/أيار 2025، قدمت أطباء بلا حدود الدعم المادي والنفسي للسكان الذين هُدمت منازلهم في 12 موقعًا في محافظة الخليل. وقد هُجّر قسرًا 246 شخصًا، من بينهم 97 طفلًا على الأقل.

لا يمثل هذا سوى جزء بسيط من إجمالي عمليات الهدم التي جرت في الضفة الغربية في نفس الفترة. تقول وردة*، إحدى سكان الخليل، “ليست هذه أول عملية هدم أو توغل للجيش في القرية، لكنها كانت الأشرس هذه المرة. طلبنا منهم أن نجمع ممتلكاتنا ونخرج بعض الأشياء من البيوت قبل أن يهدموها، لكنهم رفضوا. أخرجوا أغراضنا من بيوتنا ودهسوها بالجرافة ودمروها”.

طلبنا منهم أن نجمع ممتلكاتنا ونخرج بعض الأشياء من البيوت قبل أن يهدموها، لكنهم رفضوا. أخرجوا أغراضنا من بيوتنا ودهسوها بالجرافة ودمروها.
إحدى سكان الخليل

استمرار عنف المستوطنين بإفلات من العقاب

تتسبب هجمات المستوطنين بزيادة مستويات التهجير، وهي غالبًا ما تُنفَّذ بإفلات تام من العقاب وتحت حماية الجيش. فمنذ بداية عام 2023، هُجِّر نحو 2,900 فلسطيني بسبب عنف المستوطنين وقيود الحركة2 التي تمنع الفلسطينيين من الحصول على الخدمات الأساسية. ومنذ يونيو/حزيران 2025، تواجه معظم قرى مسافر يطا وبشكل يومي هجمات المستوطنين وعمليات التفتيش العسكرية.

وفي تقييم أجرته أطباء بلا حدود ضمن 197 أسرة في محافظة الخليل، وجدت المنظمة أن الأسر التي واجه العنف واحد من أفرادها على الأقل، كانت أكثر عرضة بمقدار 2.3 مرة لأن تظهر عليها أعراض الضائقة النفسية الشديدة، حيث أفادت 28.1 في المئة من الأسر أن فردًا واحدًا على الأقل من أفرادها تعرض للعنف خلال الأشهر الثلاثة الماضية. 

زيادة القيود المفروضة على الحركة تمنع الوصول إلى مرافق الرعاية الصحية والمدارس والأشغال

تُفرض على الفلسطينيين في الضفة الغربية حواجز مادية متعبة قد صُممت لجعل حياتهم غير قابلة للعيش ولإبعادهم عن أراضيهم. ويشمل ذلك القيود المفروضة على التنقل مثل الحواجز التي زاد عددها، بما في ذلك 36 حاجزًا جديدًا من ديسمبر/كانون الأول 2024 إلى فبراير/شباط 2025 فقط. كما ازدادت نقاط التفتيش المؤقتة، التي يمكن أن تظهر بشكل مباغت، إذ كانت 116 نقطة تفتيش بين أكتوبر/تشرين الأول وديسمبر/كانون الأول 2023، حتى وصلت إلى 370 نقطة تفتيش بين يناير/كانون الثاني وأبريل/نيسان 2025. تؤثر هذه القيود بشكل مباشر على وصول الناس إلى مرافق الرعاية الصحية والمدارس والأشغال والخدمات الأساسية الأخرى. ونتيجة لذلك، يتجه كثير من المرضى إلى عيادات أطباء بلا حدود المتنقلة عوضًا عن محاولة الوصول إلى المستشفيات، حتى عند الحاجة إلى رعاية متخصصة.

الهجمات على مصادر المياه تعرض مجتمعات بأكملها للخطر  

يواجه الفلسطينيون في الضفة الغربية قيودًا شديدة على الخدمات الأساسية، بما فيها المياه التي تتحكم السلطات الإسرائيلية في الوصول إليها. فمنذ مايو/أيار 2025، حدث انخفاض كبير في إمدادات المياه من شركة مياه إسرائيلية إلى محافظة الخليل عبر نقطتين رئيسيتين إسرائيليتين لربط خطوط الأنابيب، ما أدى إلى انخفاض تجاوز نسبة 50 في المئة لإمدادات المياه العامة في الخليل وأثر على نحو 800,000 شخص. استجابت أطباء بلا حدود لتقارير عن قطع مستوطنين لأنابيب المياه، بما في ذلك حوادث مؤكدة في أغسطس/آب 2025، كما حصل في إحدى قرى جنوب جبل الخليل، حيث تأثر 50 في المئة من السكان بنقص المياه. أصبحت الحاجة الآن في هذه المناطق مرتفعة وشاملة لدرجة أن الأنشطة الطارئة التي تنفذها أطباء بلا حدود في مجال المياه والصرف الصحي لم تعد كافية. سلمت فرقنا 30 خزان مياه للعائلات في جنوب جبل الخليل، للمساعدة في تخزين المياه القليلة التي يعتمدون عليها والمنقولة بالشاحنات.

خسارة الأرض وتصاريح العمل وحرية التنقل تدمر سبل العيش الفلسطينية

تعاني سبل العيش الفلسطينية من التهديد المتزايد بسبب إلغاء تصاريح العمل، والقيود المفروضة على الحركة التي تمنعهم من الوصول إلى أعمالهم، والاعتداءات على الأراضي الزراعية ورعيان المواشي، ما يقوض قدرتهم على إعالة أنفسهم.

أخبرنا أحد سكان مسافر يطا، “المسألة لا تقتصر على هدم منازلنا. فهم يستولون على أرضنا أيضًا، ويحاولون سرقة دخلنا ويجعلون عيشنا هنا مستحيلًا. كل الناس هنا يعيشون من الزراعة ورعي المواشي. لكن المستوطنين يمنعوننا من رعي أغنامنا كي لا نكسب رزقنا إذا بقينا هنا”.

تمثل سياسات إسرائيل في الضفة الغربية المحتلة – والقائمة على ضم الأراضي – انتهاكات خطيرة للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان. ويبقى إنهاء الاحتلال هو السبيل الوحيد لتخفيف المعاناة الشديدة التي يواجهها الفلسطينيون. 

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

اليمن: أطباء بلا حدود تسلّم مستشفى الأم والطفل في تعز

main door of MSF’s Mother and Child hospital in Houban

اليمن: أطباء بلا حدود تسلّم مستشفى الأم والطفل في تعز

منذ عام 2015، تدير منظمة أطباء بلا حدود مستشفى الأم والطفل في الحوبان بمحافظة تعز — وهو أحد المرافق القليلة التي تقدم رعاية صحية مجانية وعالية الجودة في منطقة متأثرة بشدة بالنزاع المستمر منذ أكثر من عقد من الزمان. في نهاية يوليو/تموز 2025، بعد 10 سنوات من الخدمة، سلمت منظمة أطباء بلا حدود المستشفى رسمياً إلى وزارة الصحة، وقبل التسليم مباشرة، تم نقل المرضى ومعدات المستشفى إلى المبنى الجديد، الذي تم بناؤه بشكل مشترك من قبل أطباء بلا حدود ووزارة الصحة.

نظرة في تسليم المشروع

وقال تيلا محمد، المدير القُطري لمنظمة أطباء بلا حدود، ومقرها صنعاء: “بعد تقديم خدمات طبية مختلفة لأكثر من مليون مريض في مستشفى الأم والطفل في تعز الحوبان على مدى السنوات العشر الماضية، نقوم بتسليم هذا المرفق إلى وزارة الصحة، ويعمل فيه بالكامل مهنيون مدربون تدريباً جيداً ومجهز. في الوقت نفسه، بعد قضاء ثلاث سنوات في هذا البلد الجميل والصعب مع شعبه المذهل، أشعر بالتأثر لمغادرته”.

Aida Mohamed, counsellor

سبب تسليم المشروع

على الرغم من أن قرار التسليم يأتي وسط مشهد إنساني مليء بالتحديات، بما في ذلك التخفيضات الأخيرة في المساعدات العالمية، وتعليق تمويل الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية والتوترات الإقليمية – التي أدت جميعها إلى زيادة الضغط على الأنظمة الصحية في اليمن – فقد كان التسليم منظوراً منذ سنوات، وبالتحديد، بدأت إجراءات النقل عندما قررت أطباء بلا حدود العمل في إدارة مشتركة مع وزارة الصحة.

بداية الاستجابة الطبية عام 2015

عندما بدأت أطباء بلا حدود التدخل في تعز الحوبان، في عام 2015، تم تحديد المنطقة باعتبارها واحدة من أكثر المناطق التي تعاني من نقص الخدمات في تعز.

وقال ألان سيلفر إيمونا، مدير مستشفى أطباء بلا حدود: “منذ الافتتاح، كنا نقدم الرعاية الصحية الأساسية وخدمات الطوارئ للأطفال دون سن الخامسة ورعاية الأمومة الشاملة بما في ذلك الأقسام القيصرية وعلاج سوء التغذية وغير ذلك. واستجبنا أيضاً لتفشي الأمراض، ودعمنا حالات الحمل المعقدة وقدمنا الإحالات المنقذة للحياة، بالإضافة إلى رعاية الإصابات بسبب النزاع. على مر السنين، تطور المستشفى الذي يضم 168 سريراً إلى مستشفى عام كامل الخدمات يقدم الرعاية الحرجة للسكان المحليين”.

Mental health counselor Amin Al-Badri

تأثير عمل أطباء بلا حدود

لقد كان الأثر الذي حققه تدخّل منظمة أطباء بلا حدود في تعز الحوبان على مدى العقد الماضي كبيراً: عالجت أطباء بلا حدود حوالي 185,000 طفل دون سن الخامسة في سيارات الإسعاف لدينا، في حين تم قبول أكثر من 200,000 في غرفة الطوارئ. كما ساعد موظفو أطباء بلا حدود 67,000 ولادة وقدموا رعاية ما بعد الولادة لـ 133,000 مريض، وعالجنا 13,846 طفلاً ورضيعاً من سوء التغذية، وأجرينا أكثر من 10,000 تدخل جراحي، بينما أدخلنا 32,165 طفلاً إلى أجنحة الأطفال وحديثي الولادة. في المجموع، تلقى أكثر من مليون مريض العلاج في مستشفى تعز الحوبان على مدى السنوات العشر الماضية.

الوصول إلى المرضى في كافة أنحاء تعز

مع عدد سكان يبلغ حوالي 940,000 نسمة في مدينة تعز والمناطق المحيطة بها، غالباً ما يسافر المرضى لمسافات طويلة للوصول إلى المستشفى، بالنسبة للكثيرين منهم، كان هذا هو المكان الوحيد الذي يمكنهم فيه الوصول إلى الرعاية الصحية.

روابط وتحديات المجتمع المحلي

عملت أبرار محمد مشرفة التثقيف الصحي في أطباء بلا حدود، في المستشفى منذ البداية. وتشرح الصلة التي نشأت بين المجتمع ومنظمة أطباء بلا حدود على مر السنين: “بشكل عام، يُكِنّ المجتمع احتراماً وتقديراً كبيرين تجاه المستشفى، لأنه المرفق الوحيد الذي يقدم خدمات مجانية تتعلق بالرعاية الصحية للأم والطفل، على الرغم من أنه في بعض الأحيان يكون هناك أيضاً إحباط داخل المجتمع، لأنه لا يغطي جميع الاحتياجات الصحية للمجتمع المحلي. إذ أنه يمكن أن تكلف عملية قيصرية عادية في المستشفيات الخاصة في تعز الحوبان ما يصل إلى 1000 دولار أمريكي، أي عشرة أضعاف متوسط الراتب الشهري، إذا كان لديك وظيفة”.

ضمان مرحلة انتقالية سلسة

بالإضافة إلى المشاركة في بناء المستشفى الجديد، ستدعم أطباء بلا حدود السلطات بالحوافز لموظفي المستشفى، وبالأدوية وغيرها من المواد والإمدادات ذات الصلة اللازمة للتشغيل العادي لمستشفى تعز الحوبان خلال الأشهر الستة المقبلة. سيضمن ذلك التسليم بشكل صحيح واستمرار الخدمات للمجتمع المحلي.

Triage area at MSF’s Mother and Child hospital in Houban

تواصل التزام أطباء بلا حدود في اليمن

منظمة أطباء بلا حدود لن تترك اليمن أو شعب اليمن. لا تزال منظمة أطباء بلا حدود موجودة في البلاد وتقدم خدمات الرعاية الصحية للسكان في عشر محافظات من أصل 22 محافظة.

تواجد طويل الأمد

تعمل أطباء بلا حدود في اليمن منذ عام 1986 وحافظت على وجود مستمر في البلاد منذ عام 2007. حيث أدت سنوات من النزاع إلى تدمير البنية التحتية العامة في اليمن، في حين يفتقر الملايين من الناس إلى المياه النظيفة والغذاء والرعاية الطبية. يسترشد عمل أطباء بلا حدود في اليمن وحول العالم بالاحتياجات الطبية فقط ويتم تنفيذه دون تأثير من الأجندات السياسية أو الدينية أو الاقتصادية. وقد أصبح ذلك ممكناً من خلال تمويلنا المستقل — الذي يأتي أكثر من 95 في المئة منه من جهات مانحة خاصة، ما يسمح لنا بتقييم الاحتياجات بحرية والوصول إلى المجتمعات وتقديم المساعدة التي نقدمها مباشرة.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

التقرير الدولي عن أنشطة أطباء بلا حدود لعام 2024

Gazan Patients in MSF Amman hospital

التقرير الدولي عن أنشطة أطباء بلا حدود لعام 2024

كتابة د. كريستوس كريستو، الرئيس الدولي لأطباء بلا حدود وكريستوفر لوكيير، الأمين العام للمنظمة
MSF response to IDPs in Barkin Ladi and Bokkos LGAs of Plateau state, Nigeria

في 75 بلدًا قدّمت فيها منظمة أطباء بلا حدود المساعدة الطبية خلال عام 2024، شهدنا أشخاصًا يتحرّكون بروح من التضامن نصرةً لمبادئ الكرامة والإنسانية. من غرفة عمليات في جمهورية الكونغو الديمقراطية، إلى جلسة توعية غذائية مجتمعية في نيجيريا، وصولًا إلى مظاهرة في جنوب إفريقيا تطالب بخفض أسعار الأدوية — لم تكن هذه الجهود لتتحقّق لولا تضافر الناس حولها. نحن ممتنون لكل من اجتمعوا وتكاتفوا في عام 2024، مما أتاح لنا مواصلة خدمة المجتمعات في مختلف أنحاء العالم.

في يوليو/تموز، أنهينا أوسع عملية تشاور داخلي في تاريخ المنظمة، بهدف رسم مسار تطوّرنا كحركة. استند هذا التشاور إلى خبرات شبكتنا من العاملين في المجال الإنساني، وأسفر عن تحديد أولوياتنا للسنوات المقبلة، وفي مقدّمتها تعزيز نهجنا المرتكز على المريض، وتحسين آليات التعاون داخل المنظمة. وقد بدأنا بالفعل بتحويل هذا الحوار الشامل إلى خطوات عملية، لنبني منظمة أطباء بلا حدود التي نصبو إليها، والتي نحتاج إليها، من أجل المجتمعات التي نخدمها. وخلال عام 2024، انتقلنا من حملة “الوصول  إلى الأدوية الأساسية” التي ركّزت على الدعوة لتوفير الأدوية ووسائل التشخيص، إلى نموذج تنظيمي جديد يعزّز جهود المنظمة في تحسين الوصول إلى المنتجات الطبية. وسيكون هذا الكيان الجديد، “MSF Access”، أقرب إلى عملياتنا الميدانية، ما يعزّز طموحاتنا المتنامية في تحسين الوصول إلى الأدوية ومنتجات الرعاية الصحية.

في مواقع تفصلها آلاف الكيلومترات، شهدت فرقنا العاملة وسط النزاعات في السودان وفلسطين انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني. ففي كلا السياقين، واجه السكان ويلات لا ترحم؛ إذ جُوّع الأطفال من خلال الحصارات، وقُصفت مناطق مأهولة بالمدنيين، وأُطلق الرصاص داخل المستشفيات. وبدلًا من استخدام القانون الدولي الإنساني كإطار للحد من فظائع الحرب، رأينا تجاهلًا صارخًا ولا مبالاة من قِبل أطراف النزاعات وداعميهم تجاه هذه المعاهدات، كما هو الحال في العديد من النزاعات الأخرى حول العالم.

ففي كلا السياقين، واجه السكان ويلات لا ترحم؛ إذ جُوّع الأطفال من خلال الحصارات، وقُصفت مناطق مأهولة بالمدنيين، وأُطلق الرصاص داخل المستشفيات.
د. كريستوس كريستو، الرئيس الدولي لأطباء بلا حدود وكريستوفر لوكيير، الأمين العام للمنظمة
Al Aqsa Hospital

تدفعنا مبادئنا إلى مواجهة تحديات استثنائية، ومن أبرزها التهديد المتصاعد لمقاومة مضادات الميكروبات. إذ تواصل الكائنات الدقيقة التكيّف للبقاء، ونواجه اليوم ارتفاعًا مقلقًا في حالات العدوى المقاوِمة للعلاج. ومع إدراكنا لخطورة هذا التهديد — الذي قد يحوّل الجروح البسيطة والأمراض القابلة للعلاج سابقًا إلى أمراض قاتلة — وسّعنا خلال عام 2024 برامجنا المعنية بإدارة استخدام المضادات الحيوية. ففي تشاد وإسواتيني وإيران وسوريا، بدأنا بتدريب الطواقم الطبية على الاستخدام الرشيد للمضادات الحيوية، وعلى تدابير الوقاية من العدوى ومكافحتها. وبنهاية العام، أصبحت برامجنا لمكافحة مقاومة مضادات الميكروبات نشطة في 42 بلدًا.

تعمل منظمة أطباء بلا حدود ضمن منظومة إنسانية تتقاسم هدفًا مشتركًا: تقديم المساعدة لمن هم في أمسّ الحاجة إليها. وقد شجّعنا الموقف الإنساني الموحد الرافض لمحاولات إسرائيل تقويض عمل وكالة الأونروا، التي تُعدّ أكبر موزّع للمساعدات ومقدّم للرعاية الصحية في غزة. ومع تزايد القيود المفروضة على العمل الإنساني، التي تعرقل تقديم المساعدات بشكل محايد ومتوافق مع المبادئ الإنسانية الأساسية، تبرز الحاجة إلى مواصلة الضغط على الحكومات للوفاء بالتزاماتها بموجب القانون الدولي الإنساني، ودعم الجهود الرامية إلى إيصال المساعدات التي تشتدّ الحاجة إليها إلى سكان غزة.

بفضل تفاني طواقمنا وثقة مرضانا ودعم مانحينا من القطاع الخاص، تستطيع منظمة أطباء بلا حدود تقديم الإغاثة لمن هم بأمسّ الحاجة إليها.
د. كريستوس كريستو، الرئيس الدولي لأطباء بلا حدود وكريستوفر لوكيير، الأمين العام للمنظمة
Collective Shelter for IDPs in Saida, South Lebanon

بفضل تفاني طواقمنا وثقة مرضانا ودعم مانحينا من القطاع الخاص، تستطيع منظمة أطباء بلا حدود تقديم الإغاثة لمن هم بأمسّ الحاجة إليها. نشارك في حملة تطعيم شلل الأطفال في غزة التي تصدّرت العناوين الدولية، وفي الوقت نفسه نُطعّم الأطفال ضد الحصبة في الصومال وأفغانستان بهدوءٍ أكبر. وباتت هذه الجهود المتزامنة ممكنة بفضل ملايين المتبرعين الذين يدعمون عملنا. فنحن معًا نؤمن بأن الأطفال يستحقّون الحماية من الأمراض التي يمكن الوقاية منها — ونعمل معًا على ترجمة هذا الإيمان إلى فعلٍ ملموس.

وفي هذه اللحظة الحرجة التي تواجه فيها الإنسانية تراجعًا في التضامن العالمي، كما يتجلّى في التخفيضات الكبيرة للتمويل الموجه للمنظمات الأخرى، نودّ أن نعرب عن خالص تقديرنا لالتزامكم المستمر بالعمل الإنساني إلى جانبنا. فخلف كل قسطرة وريدية تُوضع في جناح الكوليرا وكل ناموسية تُوزَّع على الأسر النازحة وكل قرص يُصرف لعلاج السل، تقف حركة من الأشخاص، يدعمها الملايين، تتحرك معًا بروح التضامن دفاعًا عن مبادئنا المشتركة.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print