غزة: نفاد الإمدادات الطبية الأساسية بعد مرور شهر على الحصار القاتل الذي تفرضه السلطات الإسرائيلية

غزة: نفاد الإمدادات الطبية الأساسية بعد مرور شهر على الحصار القاتل الذي تفرضه السلطات الإسرائيلية

يتسبب نقص الأدوية بإجبار فرق أطباء بلا حدود على تضميد الجروح بلا مسكنات وتقنين استخدام الأدوية الأساسية. على السلطات الإسرائيلية إنهاء العقاب الجماعي لسكان غزة.

القدس – تحذّر أطباء بلا حدود من أن الحصار الذي تفرضه السلطات الإسرائيلية على غزة في فلسطين منذ شهر أدى إلى نقص بعض الأدوية الضرورية واقترابها من النفاد، ما يجعل الفلسطينيين عرضة لخطر فقدان الرعاية الصحية الحيوية. ومع استمرار القوات الإسرائيلية في قصف قطاع غزة، فإن حرمان الناس من الاحتياجات الأساسية، بما في ذلك الغذاء والماء والأدوية، قد يؤدي إلى ارتفاع عدد المضاعفات الصحية والوفيات. تدعو أطباء بلا حدود السلطات الإسرائيلية إلى الوقف الفوري للعقاب الجماعي بحق الفلسطينيين، وإنهاء حصارها اللاإنساني لغزة، والالتزام بمسؤولياتها كقوة محتلّة لتسهيل وصول المساعدات الإنسانية على نطاق واسع.

منذ أكثر من شهر، لم تدخل أي شاحنات مساعدات أو شاحنات تجارية إلى غزة، وهي أطول فترة منذ بدء الحرب بلا دخول أي شاحنات إلى القطاع، وفي الثاني من مارس/آذار، فرضت السلطات الإسرائيلية حصارًا كاملًا على غزة. وفي التاسع من مارس/آذار، قطعت الكهرباء، وهي ضرورية لتشغيل محطات تحلية المياه. أدى هذا القطع الكامل للمساعدات والكهرباء إلى حرمان الناس من معظم الخدمات الأساسية، وهو ما يرقى إلى مستوى العقاب الجماعي.

حكمت السلطات الإسرائيلية على سكان غزة بمعاناة لا تطاق عبر حصارها المميت. هذا الإيذاء المتعمد للناس أشبه بالموت البطيء، ويجب أن ينتهي فورًا.
ميريام العروسي، منسقة الطوارئ مع أطباء بلا حدود في غزة

وقد أجبر الحصار فرق أطباء بلا حدود على البدء فعليًا بتقنين الأدوية، مثل مسكنات الألم، وتقديم علاج أقل فعالية أو عدم مداواة المرضى.  كذلك تعاني الفرق من نفاد الإمدادات الجراحية مثل أدوية التخدير والمضادات الحيوية للأطفال وأدوية الحالات المزمنة مثل الصرع وارتفاع ضغط الدم والسكري. ونتيجة للتقنين، تضمد فرقنا في بعض عيادات الرعاية الصحية الأولية جروح المصابين بلا أي مسكنات للألم.

وبالإضافة إلى ذلك، لم تعد فرق أطباء بلا حدود قادرة على التبرع بأكياس الدم لمستشفى ناصر بسبب نقص المخزون، في ظل استمرار وصول الأعداد الهائلة من جرحى الحرب جرّاء الهجمات الإسرائيلية المتواصلة.

أدّى نقص الصابون والمياه النظيفة إلى زيادة الأشخاص الذين يعانون من الأمراض الجلدية والذين تعاينهم فرقنا في عيادات الرعاية الصحية الأولية في جميع أنحاء القطاع. ففي فبراير/شباط، عالجت فرق أطباء بلا حدود 565 حالة من الأمراض الجلدية في عيادة الحكر في دير البلح و1,198 حالة في عيادة العطار في خان يونس. وفي غضون أسبوعين فقط من شهر مارس/آذار، وصل عدد الحالات في عيادة الحكر إلى 437 حالة، أي قرابة 80 في المئة من إجمالي الحالات في فبراير/شباط، فيما عالجت عيادة العطار 711 حالة، أي قرابة 60 في المئة من إجمالي الحالات في فبراير/شباط.

أدى الحصار إلى عجز فرق أطباء بلا حدود عن توفير الأدوية لعلاج الأمراض الجلدية، وإبدالها بكميات قليلة من المراهم لتخفيف الألم. تتطلب الأمراض الجلدية مثل الجرب علاجًا لجميع أفراد العائلة لمنع انتشار العدوى وتكرار الإصابة بها، ولكن في ظل غياب الأدوية والمياه النظيفة، يغدو هذا الهدف مستحيلًا.

أمّا الأشخاص الذين يعانون من أعراض غير سارية، مثل ارتفاع ضغط الدم والسكري، فقد تؤدي عواقب عدم العلاج إلى مضاعفات خطيرة، مثل الإعاقات الدائمة والوفاة في بعض الحالات. ومنذ فرض الحصار، تمكّنا من إعطاء المرضى أدوية تغطي احتياجاتهم لمدة تقتصر على سبعة إلى عشرة أيام فقط.

تقول صبحية البشيتي، إحدى المريضات في عيادة أطباء بلا حدود في العطار بخان يونس، “لم يتبق لدي أي دواء لضغط الدم. بحث ابني طوال يومين ولم يعثر على أي شيء. ماذا عساي أن أفعل؟ هل أبقى بلا علاج؟ إذا لم أتناول مميعات الدم، يبدأ أنفي بالنزيف وأسعل دمًا”.

خلال شهر رمضان وعيد الفطر، أبلغ المرضى في عيادات أطباء بلا حدود عن نقص أوزانهم وعدم حصولهم على طعام مناسب.

تخبرنا إحدى الأمهات الحوامل في عيادة أطباء بلا حدود في المواصي بخان يونس، “في الوقت الحالي، مستويات دمي منخفضة ووزني منخفض كذلك. لا توجد إمدادات غذائية كافية لمساعدتي على زيادة وزني أو رفع مستويات دمي. يمثل ارتفاع الأسعار مشكلة كبيرة في المدينة، فالناس ببساطة لا يمكنهم شراء الضروريات بسبب ارتفاع أسعار كل شيء”.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

غزة: وسط انهيار وقف إطلاق النار تغدو المياه سلاحًا آخر للحرب

غزة: وسط انهيار وقف إطلاق النار تغدو المياه سلاحًا آخر للحرب

القدس – تحذّر أطباء بلا حدود من أن تكتيكًا آخر من تكتيكات الحرب في غزة بفلسطين يتكشّف في ظل انهيار وقف إطلاق النار وسقوط المزيد من القتلى، إذ تقطع السلطات الإسرائيلية المياه عبر قطع الكهرباء ومنع دخول الوقود إلى غزة. ومع استمرار القوات الإسرائيلية في إمطار القطاع بالقنابل، تدعو أطباء بلا حدود إلى العودة الفورية لوقف إطلاق النار وأن تسمح السلطات الإسرائيلية بتدفق الكهرباء وإدخال المساعدات، بما في ذلك الوقود والمياه ومستلزمات الصرف الصحي لتجنب المزيد من الخسائر في الأرواح.

وفي هذا الصدد، تقول منسقة أنشطة المياه والصرف الصحي مع أطباء بلا حدود في غزة، باولا نافارّو، “مع تجدد موجات القصف التي قتلت مئات الأشخاص في غضون أيام قليلة فقط، تواصل القوات الإسرائيلية حرمان الناس في غزة من المياه عبر قطع الكهرباء ومنع دخول الوقود – وتلك موارد ضرورية لبنية المياه التحتية، بما في ذلك تشغيل مضخات المياه. فمن عانوا من قصف بلا رحمة تشتدّ وطأة معاناتهم بسبب أزمة المياه، إذ يضطر الكثيرون إلى شرب مياه لا تصلح للشرب، بينما لا يملك آخرون ما يكفيهم من المياه”.

طفل فلسطيني يجمع المياه في مدينة بيت لاهيا شمال قطاع غزة، فلسطين.

 

وفي حال نفاد الوقود في خضمّ العنف، سينهار ما تبقّى من نظام المياه بالكامل، وسيؤدي ذلك إلى انقطاع المياه بشكل شبه كامل عن الناس، ما سيؤدي إلى عواقب لاإنسانية على ملايين الأشخاص الذين لا يزالون داخل غزة. وبالإضافة إلى الإصابات والوفيات الناجمة عن القتال والقصف، يحمل الوصول إلى المياه الصالحة للشرب عواقب على ظروف معيشة الناس وصحتهم.  ففي مركزي المواصي وخان يونس للرعاية الصحية الأولية، كانت الحالات الثلاث الأكثر شيوعًا التي تعالجها فرق أطباء بلا حدود هي اليرقان والإسهال والجرب، وهي ناجمة بشكل مباشر عن عدم كفاية المياه الصالحة للشرب.

تقول منسقة الفريق الطبي مع أطباء بلا حدود في غزة، كيارا لودي، “يمثل العدد الهائل من الأطفال المصابين بأمراض جلدية نتيجةً مباشرةً لدمار غزة وحصارها. فبالإضافة إلى علاج البالغين والأطفال الذين يعانون من إصابات الحرب الشديدة، يعالج طاقمنا عددًا متزايدًا من الأطفال المصابين بأمراض جلدية يمكن تجنبها مثل الجرب، والجرب ليس مزعجًا فحسب، بل يؤدي في الحالات الشديدة لحكّ الجلد حتى ينزف، ما قد يؤدي إلى الإصابة بالعدوى. وهذه نتيجة عدم قدرة الأطفال على الاستحمام، ما يؤدي إلى انتشار الجرب وغيره من العدوى، مخلّفًا ندوبًا دائمة”.

وحتى قبل القصف الذي شنته القوات الإسرائيلية في وقت سابق من هذا الأسبوع، والذي دمّرت من خلاله وقف إطلاق النار الذي دام شهرين، منعت إسرائيل دخول المساعدات إلى غزة. ونتيجة لذلك، لا تزال الجهود الإنسانية الرامية إلى استعادة نظام المياه في غزة معرقلةً بشدة ومتأخرةً بسبب نظام “الاستخدام المزدوج” الذي تتبعه السلطات الإسرائيلية قبل منح التصاريح. فمعظم مستلزمات المياه والصرف الصحي تتطلب موافقة مسبقة، بما في ذلك الكلور وقطع الغيار الأساسية لوحدات تحلية المياه والمولدات ومضخات الآبار وخزانات المياه.

مهندسو المياه والصرف الصحي في منظمة أطباء بلا حدود يقومون بتقييم أنابيب المياه في مدينة بيت لاهيا، شمال قطاع غزة، فلسطين.

 

وتضيف نافارّو، “حالت القيود التي تفرضها السلطات الإسرائيلية دون استعادة نظام مياه فعّال. فإنتاج المياه يعتمد على الطاقة، ولا يُسمح بدخول مولدات جديدة تزيد قدرتها عن 30 كيلوواط. نحن مضطرون إلى ‘ترقيع‘ المولدات باستبدال أجزاء من أحدها لإصلاح الآخر”.

تواصل أطباء بلا حدود دعوة السلطات الإسرائيلية إلى رفع حصارها اللاإنساني عن قطاع غزة، والالتزام بالقانون الدولي الإنساني ومسؤولياتها كقوة محتلّة، وضمان وصول المساعدات إلى القطاع بشكل فوري وبلا عوائق.

لمحة على أزمة المياه في غزة

  • حتى قبل الهجمات الأخيرة، كانت أزمة المياه في غزة حادّة أساسًا بسبب قطع إسرائيل للكهرباء والمياه وتدمير البنية التحتية، وقد تفاقمت بعد أن قطعت السلطات الإسرائيلية المساعدات عن غزة في الثاني من مارس/آذار وقطعت الكهرباء في التاسع من مارس/آذار. وخفضت محطة تحلية المياه الرئيسية في خان يونس إنتاجها من 17 مليون لتر إلى 2.5 مليون لتر يوميًا.
  • في الفترة من يناير/كانون الثاني إلى فبراير/شباط 2025، أجرت فرق أطباء بلا حدود أكثر من 82 ألف استشارة طبية أولية، خُمسها تقريبًا يتعلق بحالات مرتبطة بنقص المياه والنظافة الصحية، بما في ذلك التهابات فروة الرأس والأمراض الجلدية مثل الجرب.
  • بين يناير/كانون الثاني ومنتصف مارس/آذار 2025، أنتجت أطباء بلا حدود أكثر من مليوني لتر من المياه النظيفة ووزعت أكثر من 36 مليون لتر. ومنذ وقف إطلاق النار، بدأت أطباء بلا حدود بالتوزيع في شمال غزة، بما في ذلك مخيم جباليا، حيث كانت المساعدات ممنوعة منذ أشهر.
  • منذ يناير/كانون الثاني 2024 وحتى أوائل مارس/آذار 2025، ومن أصل 1,700 منتج من مواد المياه والصرف الصحي التي طلبتها أطباء بلا حدود بموجب نظام الاستخدام المزدوج، وافقت السلطات الإسرائيلية على 28 في المئة فقط منها. ولا يزال الكثير من المنتجات في طي النسيان والضياع البيروقراطي، حيث تتسبب ردود السلطات بتأخير قرابة 60 يومًا وأحيانًا 200 يوم. وحتى الإمدادات التي نالت الموافقة يمكن رفضها عند المعابر الحدودية. وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2024، وافقت السلطات الإسرائيلية على وحدة تحلية مياه تابعة لأطباء بلا حدود بعد انتظار دام 85 يومًا. وعلى الرغم من المحاولات الأسبوعية منذ الخامس من فبراير/شباط، لم تدخل الوحدة إلى غزة حتى الآن، حيث لا تزال الشاحنات التي تحملها تُبعد عن الحدود.

الإجهاض التلقائي أو مضاعفات الولادة: مصير النساء الحوامل في دارفور

الإجهاض التلقائي أو مضاعفات الولادة: مصير النساء الحوامل في دارفور

مع وجود عدد قليل فقط من المرافق الصحية التي لا تزال تعمل في دارفور، تخوض النساء الحوامل رحلات مروعة لطلب الرعاية. فانعدام الأمن ونقاط التفتيش وعدم توفّر وسائل النقل أو ارتفاع تكلفتها، كل ذلك يضطرهن إلى القيام برحلات تستغرق يوماً سيراً على الأقدام أو على ظهر الحمار، مما يؤدي في كثير من الأحيان إلى مضاعفات في الولادة أو الإجهاض التلقائي أو الوفاة.

توى كثير علي (٢٢ عامًا) تحمل توأميها حديثي الولادة في جناح حديثي الولادة بمستشفى مورني. بعد الولادة، اضطُر الطفلان للبقاء تحت المراقبة لبضعة أيام. غرب دارفور، السودان. يناير ٢٠٢٥

 

تعمل منظمة أطباء بلا حدود في عشر ولايات من أصل 18 ولاية سودانية وتشهد الأثر الفادح الذي خلفته الحرب على النساء وصحتهن في دارفور وفي أنحاء البلاد.

في غرب ووسط دارفور، العديد من النساء اللواتي يعشن في مناطق نائية عن المراكز الحضرية يلدن في بيوتهن، معتمدات على الأساليب التقليدية. وغالباً ما تؤدي ندرة مرافق الرعاية الصحية، والمسافة التي يتعين عليهن قطعها، وانعدام الأمن على الطريق، وأسعار النقل، إلى سعي النساء للحصول على الرعاية الصحية فقط بعد أن يواجهن مضاعفات، مما يعرض حياتهن وحياة مواليدهن لخطر كبير.

 ووفقاً لمنظمة الصحة العالمية، فإن أكثر من 70 في المئة من المرافق الصحية في المناطق المتضررة من النزاع مثل دارفور بالكاد تعمل أو مغلقة بالكامل، مما يترك الملايين دون الوصول إلى الرعاية الأساسية وسط واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في التاريخ الحديث.

ويتذكر وينديماجين تيفيرا بينتي، المرجع الطبي للمشروع في مستشفى زالنجي في وسط دارفور: “إحدى الأمهات التي أنجبت في المنزل، ولم تتمكن من إزالة المشيمة، ثم كانت تنزف، فهرعوا بها إلى المستشفى. كان على الأسرة حملها وبعد يوم من المشي، عندما وصلوا، كانت قد توفيت بالفعل بسبب النزيف”.

للحرب الدائرة في السودان تأثير عميق على صحة النساء الحوامل وأطفالهن، لا سيما من حيث الولادات المبكرة. كما تركت الناس عاطلين عن العمل وعطّلت الوصول إلى الغذاء والمياه النظيفة. ونتيجة لذلك، يكون لدى العديد من النساء الحوامل اللاتي يأتين إلى المستشفيات سوء تغذية، مما يؤثر بشكل مباشر على صحة أطفالهن، ويؤدي في كثير من الأحيان إلى الولادة المبكرة وسوء التغذية. بعد ولادة هؤلاء الأطفال، يتم إدخالهم في أغلب الأوقات إلى وحدات المراقبة لضمان بقائهم على قيد الحياة وعافيتهم.

وتقول مريضة في جناح الأمومة تبلغ من العمر 35 عاماً في مستشفى مورني، في غرب دارفور: “أكبر صعوبة هي كيفية تأمين الطعام لأطفالي. كنت أعمل كثيراً عندما كنت حاملاً وربما هذا هو السبب في أن طفلي ولد ضعيفاً. كان الحصول على الرعاية الصحية صعباً أيضاً، لكن منظمة أطباء بلا حدود قدمت المساعدة”.

أوسانتو سينتو بانجورا، مديرة أنشطة القابلات في منظمة أطباء بلا حدود، تفحص مولودًا جديدًا بعد دقائق من ولادته في غرفة الولادة. مستشفى مورني، غرب دارفور، السودان. يناير/كانون الثاني ٢٠٢٥.

 

مستشفى زالنجي الذي تدعمه أطباء بلا حدود هو مستشفى الإحالة الوحيد المتاح لأنشطة الرعاية الصحية الثانوية لما يقدر بنحو 500,000 شخص. ولا يوجد مرفق صحي آخر يدير عمليات الولادة في المنطقة. وفي غرفة العمليات في زالنجي، تجري فرق أطباء بلا حدود أكثر من 40 عملية قيصرية طارئة شهرياً.

عانت عفاف عمر يحيى البالغة من العمر خمسة وثلاثين عاماً من آلام شديدة في البطن في منزلها حيث كانت مدة حملها على وشك الاكتمال. وبسبب نقص وسائل النقل في دارفور، لم يكن أمامها خيار سوى السفر لساعات على ظهر حمار للوصول إلى مستشفى زالنجي. عند وصولها، أبلغها الطبيب أنها قد أسقطت الجنين، وأنها بحاجة إلى الخضوع لعملية قيصرية طارئة. وقالت عفاف وهي تتعافى في جناح الولادة: “إن فقدان الطفل كان أكبر أسىً بالنسبة لي”.

لدى النساء في أنحاء دارفور تجارب مماثلة، لكن لا يبدو أن الوضع يتحسن.

وقالت فيرجيني موكاميزا، مديرة نشاط القابلات في مستشفى زالنجي: “معظم حالات المضاعفات التي نتلقاها ناتجة عن ما بعد الولادة في المنزل وفقر الدم أثناء الحمل”.

تسعى النساء الحوامل للحصول على الرعاية الطبية عندما يعانين من نزيف ما بعد الولادة أو تعفن الدم. وقالت أوساناتو سنتو بانغورا، مديرة نشاط القابلات في مستشفى مورني المدعوم من أطباء بلا حدود في غرب دارفور: “أصبحت معظم المرافق الصحية في دارفور الآن مجرد مبانٍ فارغة. لا يوجد طواقم، ولا أدوية، ولا شيء على الإطلاق. قبل الحرب، كان بإمكان الناس الذهاب على الأقل إلى مراكز الرعاية الصحية الأولية بالقرب من منازلهم. الآن عليهم الاعتماد على المستشفيات الكبيرة البعيدة”. ويمكن الحيلولة دون حدوث العديد من هذه الحالات من خلال استشارات ما قبل الولادة ووجود أنظمة إحالة ملائمة من مرافق الرعاية الأولية، ولكن معظمها إما خارج الخدمة منذ بداية الحرب أو يعتمد على المساعدات الإنسانية، وهي غير متوفرة على نطاق واسع، لتقديم الخدمات.

فحص أطباء منظمة أطباء بلا حدود سميرة أبكر، ٢٥ عامًا، في عيادة روماليا المتنقلة بغرب دارفور. أصيبت بالتهاب في ذراعها بسبب حقنة خاطئة بعد ولادة منزلية. يناير ٢٠٢٥.

 

بعد 12 يوماً من ولادتها في البيت، زارت سميرة عيادة روماليا المتنقلة، في منطقة نائية من غرب دارفور، لإجراء فحص لطفلها ولها. عند وصولها، كانت تعاني من ارتفاع في درجة الحرارة ولديها جروح ملتهبة في ذراعها. بعد الولادة في البيت، عانت من آلام رهيبة في البطن. أعطاها شقيقها حقنة لخفض درجة حرارتها لكن ذراعها جُرحت. كانت تتألم ولا تستطع حمل طفلها بشكل صحيح. بعد إجراء العديد من الاختبارات، اكتشفت فرق أطباء بلا حدود في العيادة العدوى في ذراعها، فقاموا على الفور بتطهير وتضميد الجرح ووصفوا علاجاً له.

من شأن الآثار البعيدة المدى للحرب أن تحبس النساء والفتيات في حلقة لا تنتهي من سوء التغذية وتدهور الصحة ووفيات الأمهات.

تكرر منظمة أطباء بلا حدود دعوتنا إلى تعزيز كبير في توفير المساعدات الإنسانية المنقذة للحياة والوصول إلى الرعاية الصحية في دارفور. ويجب على الأطراف المتحاربة السماح بوصول المساعدات دون عوائق وتخفيف العقبات التي تحول دون وصول السكان المدنيين إلى الرعاية الصحية. ويجب ضمان الانخراط الكامل للجهات المانحة لزيادة التمويل بشكل مستدام لتعزيز الاستجابة الإنسانية.

موجة جديدة من العنف في إيتوري – جمهورية الكونغو الديمقراطية تعرّض المدنيين لمزيد من المخاطر

موجة جديدة من العنف في إيتوري – جمهورية الكونغو الديمقراطية تعرّض المدنيين لمزيد من المخاطر

كينشاسا – شهدت منظمة أطباء بلا حدود ارتفاعاً متجدداً في الأعمال الوحشية في مقاطعة إيتوري بشرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، حيث تقدم فرقها الطبية الرعاية لمدنيين أصيبوا بجروح مروعة. وفي تقرير جديد صدر اليوم بعنوان “يخاطرون بحياتهم من أجل سُبُل العيش”، تسلط منظمة أطباء بلا حدود الضوء على الاحتياجات الشديدة للعديد من المجتمعات المعرضة للخطر بسبب الهجمات الأخيرة وزيادة النزوح وانخفاض المساعدات الإنسانية.

على مدى عقود، كان الناس في إيتوري – في شمال شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية – أهدافاً مباشرة في نزاع معقد يتسم بالعنف والانقسامات العرقية ومشاركة مختلف الجماعات المسلحة، ويُعامَلون كأضرار جانبية. كما أعاق هذا النزاع إلى حد كبير الوصول إلى الرعاية الصحية وسُبُل عيش الأسر، في حين أن تقييد تقديم المساعدات الإنسانية تسبب في مزيد من المعاناة للسكان الذين لا يحظون باهتمام دولي يذكر.

تعرض تشارلز باراكا تشانونغ إيو، البالغ من العمر 18 عامًا، لهجوم من قبل مهاجمين أثناء نومه في منزله. أصيب بطلقات نارية في ذراعه وجروح بالساطور في معصمه. 

 

وتدعو منظمة أطباء بلا حدود جميع الجماعات المسلحة الحكومية وغير الحكومية في إيتوري إلى تجنيب المدنيين وكذلك مرافق الرعاية الصحية، التي تُعتبر ملاذات ضرورية لاستمرار حياة المجتمعات المحلية.

أدى العنف في إيتوري إلى نزوح حوالي 100,000 شخص منذ بداية العام، وفقاً للأمم المتحدة. وفي يناير/كانون الثاني وفبراير/شباط وحدهما، أبلغت أيضاً عن تكثيف العنف ضد المدنيين، حيث خلّفت الهجمات أكثر من 200 قتيل وعشرات الجرحى. وفي فبراير/شباط، عالجت الفرق الطبية التابعة لأطباء بلا حدود أطفالاً لا تتجاوز أعمارهم 4 سنوات ونساء حوامل من جروح ناجمة عن ضربات سواطير وأعيرة نارية إثر هجمات الميليشيات في إقليم دجوغو.

 وقالت أليرا هاليدو، رئيسة بعثة أطباء بلا حدود في جمهورية الكونغو الديمقراطية: “تأتي هذه الهجمات الأخيرة بعد عقود من العنف وعواقبه المدمرة على المدنيين، بمن فيهم النساء والأطفال في إيتوري. وكان النزوح المتكرر السمة الأبرز للأزمة هنا، حيث يجبر العنف المدنيين على التنقل وبدء حياتهم من جديد مراراً وتكراراً. والأسوأ من ذلك، هو أن القصص التي يرويها لنا المرضى والمجتمعات ليست سوى غيض من فيض”.

إعاقة الوصول إلى الرعاية الصحية

لا تستطيع سوى نسبة صغيرة من الناس الحصول على الرعاية الصحية في إيتوري، حيث تقع المرافق الصحية أيضاً فريسة للهجمات. وفي إقليم دجوغو، اضطر مستشفى فاتاكي العام إلى تعليق أنشطته وإجلاء المرضى في منتصف مارس بعد تهديدات الجماعات المسلحة. ويؤثر هذا الإغلاق على الآلاف من الأشخاص الذين تُركوا دون الحصول على رعاية طبية. وفي منطقة درودرو الصحية، وهي في دجوغو أيضاً، دُمِّر ما يقرب من 50 في المئة من مراكز الرعاية الصحية جزئياً أو كلياً وتعيَّن نقلها. وعندما تصاعد العنف في هذا الوقت من العام الماضي، قُتلت مريضة في سريرها في هجوم مسلح على مستشفى درودرو العام.

سيارة جيب تابعة لمنظمة أطباء بلا حدود تغادر مستشفى HGR العام في أنغومو، مقاطعة إيتوري

 

ولا تجعل هذه الهجمات المرضى يترددون في الذهاب إلى المرافق الطبية فحسب، بل تعرّض الطاقم الطبي للخطر أيضاً. وروى أحد الأطباء الذين تمت مقابلتهم من أجل التقرير كيف أنه عندما أُجبر مركز صحي على الإغلاق لمدة شهرين، استمر هو في الذهاب لإجراء عمليات قيصرية.

وقال الطبيب: “كان الأمر خطيراً وكنت أخاطر بحياتي، لكن لم يكن لدينا خيار. كان علينا أن نتسلل إلى هناك مع النساء، وإلا لَكُنَّ قد فارقن الحياة”.

استهداف الفئات الأكثر ضعفاً

كان أكثر من نصف ضحايا العنف الـ 39 الذين عالجتهم أطباء بلا حدود في عيادة سلامة، في بونيا، حتى منتصف مارس/آذار 2025 من النساء والأطفال. فقدت إحدى الأمهات طفلها البالغ من العمر 6 أشهر وزوجها خلال هجوم بالسواطير، وأصيب طفلها البالغ من العمر 4 سنوات. وتلقت شقيقتان تبلغان من العمر 4 أعوام و 16 عاماً ضربات بالسواطير على الرأس والذراعين، كما أصيبت والدتهما (وهي حامل في شهرها الثامن) إصابة خطيرة بعدة جروح بالسواطير. عالجنا صبياً يبلغ من العمر 9 سنوات مصاباً بطلق ناري في البطن كان قد شهد هجوم المهاجمين ومقتل والدته واثنين من أشقائه، بالسواطير.

عندما يلجأ المدنيون إلى مخيمات النازحين، مع ذلك لا يكونون آمنين. في إحدى الحالات في سبتمبر/أيلول 2024، عالجت أطباء بلا حدود خمسة مدنيين مصابين بجروح ناجمة عن طلقات نارية في أعقاب هجوم على مخيم بلين سافو، في منطقة فاتاكي الصحية.

تضاعف عدد سكان موقع رو، وهو أكبر مخيم مسجل في منطقة درودرو الصحية، والذي تم إنشاؤه في عام 2018، منذ بداية عام 2023، حيث ارتفع من 35 ألفًا إلى ما يقرب من 70 ألف شخص.

 

عندما يكون هناك تصاعد في الهجمات ضد المدنيين، يزداد أيضاً عدد ضحايا العنف الجنسي القادمين إلى مرافق أطباء بلا حدود. وتواجه النساء على وجه الخصوص هجمات أثناء خروجهن بحثاً عن ما يطعمن به أنفسهن وأسرهن. وفي درودرو، في عامي 2023 و 2024، كان حوالي 84 في المئة من ضحايا العنف الجنسي الذين عالجتهم أطباء بلا حدود تعرَّضن للهجوم أثناء العمل في الحقول أو جمع الحطب أو التنقل على الطريق.

تفاقم الاحتياجات غير الملباة

على الرغم من الجهود التي تبذلها وزارة الصحة ومنظمة أطباء بلا حدود والمنظمات الإنسانية الأخرى، فإن احتياجات الناس تتجاوز بكثير الموارد المتاحة. وقد تفاقم انعدام الأمن الغذائي بشكل حاد في إيتوري في عام 2024 وأصبح الآن مزمناً بالنسبة لـ 43 في المئة من السكان. وتعني ظروف النظافة السيئة وأماكن الإيواء المتهالكة في مخيمات النزوح أن أمراض الإسهال والجهاز التنفسي تنتشر بسهولة، وهي تؤثر على الأطفال دون سن الخامسة أكثر من غيرهم.

يجب ضمان حصول الناس في إيتوري على الرعاية الصحية بأمان ويجب ألا يضطروا إلى المخاطرة بحياتهم بحثاً عن الطعام والاحتياجات الأخرى.

أطباء بلا حدود تدين الغارة الإسرائيلية على مستشفى ناصر في غزة وتدعو إلى حماية المرافق الصحية

أطباء بلا حدود تدين الغارة الإسرائيلية على مستشفى ناصر في غزة وتدعو إلى حماية المرافق الصحية

القدس، 24 مارس/آذار 2025 – تدين أطباء بلا حدود بأشد العبارات الغارة الإسرائيلية على مستشفى ناصر في خان يونس جنوب غزة، وهو أكبر مستشفى متبقٍ لا يزال يقدم خدماته في القطاع وتعمل فيه فرق أطباء بلا حدود. في 23 مارس/آذار، استهدفت القوات الإسرائيلية قسم الجراحة للمرضى المقيمين في المستشفى، ما أسفر عن مقتل شخصين، وفقًا لوزارة الصحة.  وأكّدت طواقم أطباء بلا حدود وجود عدّة جرحى، وقد أُدخل أحدهم إلى وحدتنا للإصابات البالغة، كما لحقت أضرار جسيمة بالمبنى. يُظهر هذا الهجوم استهتارًا تامًا بحماية المرافق الطبية ومخاطرة بالمرضى والطاقم الطبي والرعاية الصحية بحد ذاتها. ومع تصعيد القوات الإسرائيلية لعملياتها في غزة مرة أخرى، تدعو أطباء بلا حدود إلى احترام وحماية المرافق الصحية والمرضى والطواقم الطبية في غزة، حيث دُمّر النظام الصحي بشكل شبه كامل.

تقول رئيسة قسم الطوارئ لدى أطباء بلا حدود في غزة، كلير نيكوليه، “تتسبب الغارات كهذه بترويع الكوادر والمرضى. لا يمكننا العودة إلى الهجمات المتكررة على مرافق الرعاية الصحية فيما يقف النظام الصحي في غزة على حافة الانهيار ولم تدخل أي إمدادات منذ أسابيع”.

“كانت المسافة بيننا وبين الانفجار قريبة جدًا لدرجة أنه كان من الممكن أن نصاب نحن أيضًا. انشر الرعب بين زملائنا والطاقم الطبي والمرضى والقائمين على رعايتهم”.

 

وفي ظل انهيار نظام الرعاية الصحية في غزة، مع استمرار الارتفاع الصارخ في الاحتياجات الطبية لدى السكّان، يضطر العاملون في المجال الطبي مرة أخرى إلى المخاطرة بحياتهم أثناء تقديم الرعاية. وفي مستشفى ناصر، وصف زميلان من أطباء بلا حدود حالة الذعر التي أصابت المرضى وقت الهجوم، فيما كانا يعملان في أقسام مختلفة في المستشفى.

يخبرنا أحد أعضاء فريق التمريض في أطباء بلا حدود ضمن جناح آخر في المستشفى، ممن كانوا بالقرب خلال القصف، “كانت المسافة بيننا وبين الانفجار قريبة جدًا لدرجة أنه كان من الممكن أن نصاب نحن أيضًا. انشر الرعب بين زملائنا والطاقم الطبي والمرضى والقائمين على رعايتهم”.

شهدت أطباء بلا حدود خلال الحرب الإسرائيلية على غزة هجمات لا هوادة فيها على المرافق الصحية وتجاهلًا تامًا للمرضى وللعاملين في المجال الطبي وللقانون الدولي الإنساني، ما أدى إلى تفكيك منهجي للنظام الصحي في غزة.  لا يوجد حاليًا أي مستشفى في قطاع غزة يعمل بكامل طاقته، ولا يعمل سوى 21 مستشفى فقط من أصل 36 مستشفى في القطاع تعمل بشكل جزئي، وفقًا لمنظمة الصحة العالمية.

وباعتبار مستشفى ناصر أحد آخر المستشفيات الرئيسية في جنوب غزة، فهو يقدم الرعاية للمصابين بالحروق الشديدة والإصابات البالغة ولحديثي الولادة والحوامل.

تدعم فرق أطباء بلا حدود منذ عودتها في منتصف مايو/أيار 2024 أقسام الطوارئ وطب الأطفال والأمومة في مستشفى ناصر، بالإضافة إلى إدارة وحدة الحروق والإصابات البالغة. وفي فبراير/شباط 2024، أُجبرت فرق أطباء بلا حدود على الفرار بعد أن قصفت القوات الإسرائيلية المستشفى.

وعلاوة على ذلك، يواجه مستشفى ناصر كغيره من المرافق الصحية في غزة الكثير من التحديات في توفير المستلزمات الطبية، بما في ذلك مواد النظافة الشخصية والأدوية والمواد الجراحية، في الوقت الذي تواصل فيه السلطات الإسرائيلية حصارها للقطاع منذ أكثر من 20 يومًا. وبسبب شدة تدفقات المرضى جراء القصف الأخير، يتناقص مخزون أطباء بلا حدود بشكل أسرع من المتوقع، ويحول الحصار دون تمكّن فرقنا من إعادة تخزين المواد الحيوية مثل المضادات الحيوية ومسكنات الألم وأدوية التخدير.

وفي حادثة منفصلة وقعت في 24 مايو/أيار، اضطرت فرق أطباء بلا حدود في عيادة المواصي للرعاية الصحية الأولية إلى إغلاق غرفة الطوارئ وإخلاء المرفق وتعليق الأنشطة يومها بسبب إطلاق النار والقصف بالقرب من العيادة. يجب حماية مرافق الرعاية الصحية والمرضى والطاقم الطبي.

تدعو أطباء بلا حدود مرة أخرى إلى العودة الفورية لوقف إطلاق النار واستئناف إدخال المساعدات الضرورية والإمدادات الأساسية التي تشتد حاجة سكان غزة إليها.

أطباء بلا حدود تحذر من أن عمليات التهجير الجماعي في شمال الضفة الغربية ستتسبب للفلسطينيين بأضرار بالغة

أطباء بلا حدود تحذر من أن عمليات التهجير الجماعي في شمال الضفة الغربية ستتسبب للفلسطينيين بأضرار بالغة

القدس – تحذر أطباء بلا حدود من أن عشرات آلاف النازحين في شمال الضفة الغربية بفلسطين بلا مأوى مناسب أو خدمات أساسية أو وصول للرعاية الصحية. ففي أعقاب وقف إطلاق النار في غزة في يناير/كانون الثاني 2025، أطلقت إسرائيل عملية “الجدار الحديدي” العسكرية في الضفة الغربية المحتلة، ما تسبب بتهجير الآلاف قسرًا وتركهم في وضع شديد الخطورة. على إسرائيل أن توقف فورًا التهجير القسري لفلسطينيي الضفة الغربية، ويجب توسيع نطاق الاستجابة الإنسانية والوصول إلى المحتاجين.

تقوم فرق منظمة أطباء بلا حدود في طوباس بجمع التبرعات لحقيبة نظافة للنازحين الفلسطينيين في مخيم الفارعة بالضفة الغربية، فلسطين.

وفي هذا الصدد، يوضح مدير عمليات أطباء بلا حدود، بريس دو لا فين، “هذا الحجم من التهجير القسري وتدمير المخيمات لم يسبق له مثيل منذ عقود. فالناس غير قادرون على العودة إلى بيوتهم إذ منعت القوات الإسرائيلية الوصول إلى المخيمات ودمرت البيوت والبنية التحتية. أحيلت المخيمات إلى أنقاض وغبار. على إسرائيل أن توقف ذلك، ويجب توسيع نطاق الاستجابة الإنسانية”.

ومنذ اندلاع الحرب في غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، زادت القوات الإسرائيلية من استخدام العنف الجسدي المفرط ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة، كما أوضحت أطباء بلا حدود في تقريرها “إلحاق الأذى والحرمان من الرعاية الصحية”. وقد قُتل 930 فلسطينيًا من بينهم 187 طفلًا وفقًا لمنظمة الصحة العالمية. أُعيق الوصول إلى الرعاية الصحية بشكل كبير حسبما أكدت فرق أطباء بلا حدود على الأرض، والتي شهدت على النمط المنهجي للقمع الذي تمارسه إسرائيل على العاملين في القطاع الصحي وعلى المرضى. ازداد الوضع تدهورًا منذ وقف إطلاق النار في غزة وعملية “الجدار الحديدي” الإسرائيلية التي أفرغت فعليًا ثلاث مخيمات لاجئين رئيسية هي جنين وطولكرم ونور شمس في شمال الضفة الغربية، ما هجّر أكثر من 40 ألف فلسطيني قسرًا وفقًا لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية.

منظمة أطباء بلا حدود تقدم استشارة لمريض في عيادة أطباء بلا حدود في جنين، شمال الضفة الغربية، فلسطين.

يقول عصام (55 عامًا)، أحد مرضى أطباء بلا حدود النازحين من مخيم نور شمس، “داهم الجيش [الإسرائيلي] بيتنا وأمرنا بإخلائه. لم يُسمح لنا بأخذ أي شيء معنا، ولا حتى وثائقنا. كل ما تلقيناه هو التحذير: ‘اخرجوا’. النزوح معاناة وعذاب صامت، وألم عميق في قلوب للجميع. ترى الدموع في عيون الناس، لكننا لا ندعها تسيل”.

أما الوضع النفسي فينذر بالخطر، حيث يعاني الكثير من المرضى من التوتر والقلق والاكتئاب بسبب العنف والمباغتة في الاجتياحات والتهجير. يقول محمد (30 عامًا)، وهو مرشد صحي مجتمعي في أطباء بلا حدود، “لا يعرف الناس ما حصل لمنازلهم وقد عانوا من خسائر فادحة، بما في ذلك شعورهم بغاية لوجودهم”.

يخبرنا عبد، أحد سكان مخيم جنين، “كانت المسيّرات تحلق فوق البيوت وتأمر السكان بالخروج. التدمير عادتهم، لكننا لم نشهد شيئًا كهذا من قبل”.

كانت أطباء بلا حدود تقدم الدعم في المخيمات الثلاثة في السابق، لكنها اضطرت إلى تكييف أنشطتها نظرًا للمخاطر الأمنية ونزوح السكان. تشغّل فرق أطباء بلا حدود حاليًا عيادات متنقلة يومية في طولكرم وجنين لتقديم الرعاية الطبية للنازحين. تعالج فرقنا الحالات المزمنة مثل السكري وارتفاع ضغط الدم، والتي تفاقمت حدّتها بسبب نقص الأدوية، إلى جانب التهابات الجهاز التنفسي والاضطرابات العظمية والعضلية وغيرها. كما توزع فرق أطباء بلا حدود مستلزمات النظافة الصحية والطرود الغذائية لدعم من أُجبروا على مغادرة بيوتهم بلا موارد أو ممتلكات. توفر أطباء بلا حدود المياه لمستشفى خليل سليمان، وهو المستشفى الرئيسي في جنين، لتخفف من النقص المتكرر في الإمدادات بسبب الأضرار الناجمة عن العمليات العسكرية.

تواصل أطباء بلا حدود الاستجابة للاحتياجات الطارئة، إلا أن حجم النزوح والتصعيد في الأزمة الإنسانية في ظل ضعف الاستجابة الدولية تمثل تحديًا هائلًا، فيما الاحتياجات في الضفة الغربية تزداد سوءًا.

اليمن يواجه الخطر المتزايد لسوء التغذية: علاج أكثر من 35 ألف طفل في المرافق التي تدعمها أطباء بلا حدود في الفترة من 2022 إلى 2024

اليمن يواجه الخطر المتزايد لسوء التغذية: علاج أكثر من 35 ألف طفل في المرافق التي تدعمها أطباء بلا حدود في الفترة من 2022 إلى 2024

تجلس عائشة بجانب سرير في مستشفى السلام بمنطقة خمر في محافظة عمران باليمن. جاءت طلبًا للرعاية المنقذة لحياة ابنتها زهراء البالغة من العمر خمسة أشهر. وفي المرفق الصحي الذي تدعمه أطباء بلا حدود، يراقب الكادر هناك درجة حرارة الطفلة ويجرون لها الفحوصات ويزودونها بالأكسجين والحليب.

تقول عائشة، “سافرنا لأكثر من ساعتين وأنفقنا 15 ألف ريال يمني [قرابة 61 دولارًا أمريكيًا] للوصول إلى هنا. نحن نعيش ظروفًا قاهرة، ولا نملك المال الكافي لتلبية احتياجاتنا اليومية، وأقرب المراكز الصحية لا يوجد بها أقسام متخصصة لعلاج سوء التغذية. وفي النهاية، أحالنا طبيب قريب من مكان سكني إلى هنا”.

رسائل توعية صحية تخص سوء التغذية على حائط خارج مركز التغذية العلاجية في للمرضى المقيمين الضحي بمحافظة الحديدة. اليمن، مارس/آذار 2025. © ليا كوان/أطباء بلا حدود

 

قبل الوصول، كانت ابنتها تعاني من الحمى وتبكي كثيرًا بسبب ألم في أذنيها. تقول عائشة، “جربت الرضاعة الطبيعية والحليب المجفف، لكن لم يساعدها شيء. لعائلتنا المكونة من 12 فردًا معيل واحد ولا يمكنه تغطية كل النفقات. لا تزال ابنتي متعبة ولم يتغيّر وزنها إلى الآن. أخشى أن أفقدها، فهي البنت الوحيدة في العائلة. آمل أن تتعافى قريبًا وآمل أن تأتي منظمات أخرى إلى هنا لتدعم الناس، خاصة من لا يملكون كفايتهم من الطعام أو الدخل”.

صعود صارخ لحالات سوء التغذية في جميع أنحاء اليمن

لسوء الحظ، فحالة عائشة أبعد من أن تكون فردية في اليمن. فهذه أزمة تتفاقم بسرعة، حيث تفوق الاحتياجات بكثير قدرة العلاج الحالية. ففي شهر سبتمبر/أيلول الماضي خلال موسم الذروة السنوي لسوء التغذية، بلغت معدلات إشغال الأسرّة في المرافق التي تدعمها أطباء بلا حدود مستويات عالية للغاية في معظم المرافق. ففي مستشفى السلام الذي صُمم لما بين 23 إلى 51 سريرًا، بلغ معدل إشغال الأسرّة 254 في المئة في الشهر نفسه، ما يشير إلى درجات قصوى من الاكتظاظ. وغالبًا ما يضطر كوادر الرعاية الصحية إلى تقديم الرعاية للمرضى في الممرات المزدحمة والأماكن البديلة غير المجهزة. يتوافق هذا الارتفاع المقلق في سوء التغذية مع ما شهدته فرقنا على مدى السنوات الثلاث الماضية. ففي فترة بين يناير/كانون الثاني 2022 وديسمبر/كانون الأول 2024، عالجت المرافق التي تدعمها أطباء بلا حدود في خمس محافظات – عمران وصعدة وحجة وتعز والحديدة – 35,442 طفلًا دون الخامسة يعانون من سوء التغذية. وفي حين أن هذه الأرقام لا تشمل كل اليمن، إلا أنها تُظهر المعاناة اليومية التي تواجهها الأسر عندما يكون الوصول إلى الرعاية الصحية والطعام المناسب محدودًا جدًا.

مركز التغذية العلاجية للمرضى المقيمين الذي تدعمه أطباء بلا حدود في مستشفى الضحي في الحديدة. اليمن، مارس/آذار 2025. © ليا كوان/أطباء بلا حدود

 

غرق اليمن في النزاع وعدم الاستقرار والقتال المطول منذ قرابة 10 سنوات، ما دفع نظام الرعاية الصحية إلى حافة الانهيار. ووفقًا لمنظمة الصحة العالمية، وحتى أبريل/نيسان 2024، كانت قرابة 46 في المئة من المرافق الصحية في اليمن تعمل بشكل جزئي أو خرجت عن الخدمة كليًا. كما أن تأخر الإحالات وعدم الوصول إلى الرعاية الصحية العامة لا يترك للعائلات أي خيار سوى طلب المساعدة بعد أن يشارف الوقت على النفاد.

تعاني العائلات في متابعة الرعاية لأنها تفتقر إلى المساعدة الغذائية أو تواجه صعوبات مفرطة في الحصول على الرعاية الصحية الروتينية والتحصينات. ونتيجة لذلك، ينتكس الكثير من المرضى حتى بعد مغادرتهم مرفق الرعاية الصحية. وهذا يزيد من المخاطر الصحية التي يتعرضون لها ويضعف صحتهم. كما أن انخفاض معدلات التطعيم يزيد من قابلية الإصابة بالأمراض التي يمكن الوقاية منها، مثل الحصبة والكوليرا والإسهال المائي الحاد، ما يجعل الأطفال أكثر عرضة لسوء التغذية.

أم وطفلها في مركز التغذية العلاجية للمرضى المقيمين الذي تدعمه أطباء بلا حدود في مستشفى الضحي في الحديدة. اليمن، فبراير/شباط 2025. © كوستانتينوس بسيكاكوس/أطباء بلا حدود

 

تواجه الكثير من الأسر نفقات الرعاية الصحية الباهظة إلى جانب معاناتها لتوفير الوجبات المناسبة. تقول امرأة أُدخل ابنها البالغ من العمر سنة واحدة إلى المرفق الصحي الذي تدعمه أطباء بلا حدود في مستشفى الضحي في محافظة الحديدة، ” لا يستطيع زوجي أن يعمل بسبب إعاقته البدنية. أحاول كسب المال لكنه لا يكفي أبدًا. نعاني لتوفير وجبات طعام لائقة، ولا نتناول اللحم إلا مرتين في السنة – خلال العيدين، عندما يشاركنا الآخرون في تناولها. هذه هي فرصتنا الوحيدة لنتذوق اللحم طوال العام”. في عامي 2023 و2024، تلقى أكثر من 10 آلاف طفل العلاج في هذا المرفق الصحي.

توسيع نطاق الرعاية الصحية في كل اليمن ضرورة للحد من سوء التغذية

في عام 2024، سجّل مستشفى عبس في محافظة حجة معدلات إشغال الأسرّة لحالات سوء التغذية بلغت 200 في المئة في سبتمبر/أيلول و176 في المئة في أكتوبر/تشرين الأول، وهي أعلى معدلاتها منذ ست سنوات، علمًا بأن قدرة المستشفى الاستيعابية تصل إلى 120 سريرًا خلال موسم ذروة سوء التغذية. في مركز التغذية العلاجية للمرضى المقيمين في المستشفى، تسعى آسيا إلى الحصول على الرعاية الطبية لسوء التغذية لطفلتها أيانا علي البالغة من العمر سنة وثلاثة أشهر. أُدخلت أيانا وهي تعاني من سوء تغذية متوسط ومضاعفات تفاقم من حالتها.

أيانا البالغة من العمر سنة وثلاثة أشهر برفقة والدتها آسيا، وقد أُدخلت إلى مركز التغذية العلاجية للمرضى المقيمين الذي تدعمه أطباء بلا حدود لعلاج سوء التغذية الحاد المتوسط مع مضاعفات طبية في مستشفى عبس العام في محافظة حجة. مارس/آذار 2025. © مجدي العدني/أطباء بلا حدود

 

تقول إحدى ممرضات أطباء بلا حدود في مستشفى عبس العام، “وصلت أيانا قبل بضعة أيام وكانت تعاني من إسهال مائي حاد وارتفاع في درجة الحرارة.  أُدخلت إلى المستشفى وهي تخضع للعلاج، وها هي تتعافى وتتحسن يومًا بعد يوم”.

أيانا هي ابنة أسيا الوحيدة وأمها متعلقة بها بشدة وتخشى أن تفقدها. ومن أجل تحمل تكاليف رحلة علاج أيانا، باعت آسيا بعض أغراضها المنزلية. وقد أوصى بالعلاج جيرانها الذين عالجوا طفلهم في نفس المرفق الصحي.

تستجيب أطباء بلا حدود بفعالية لسوء التغذية في اليمن منذ عام 2010 من خلال تشغيل مراكز التغذية العلاجية للمرضى المقيمين بالتعاون مع السلطات الصحية في خمس محافظات هي عمران وصعدة وحجة وتعز والحديدة. توفر هذه المراكز علاجًا متخصصًا للأطفال دون الخامسة ممن يعانون من سوء التغذية الحاد والمتوسط ومضاعفاته. تتعاون فرقنا مع السلطات الصحية المحلية لتدريب الكوادر وتعزيز مسارات الإحالة ودعم الكشف المبكر عن سوء التغذية على مستوى المجتمع المحلي.

تُظهر سجلات الإدخال لدى أطباء بلا حدود أن معظم حالات سوء التغذية هي من الأطفال دون الخامسة، والرضع دون الستة أشهر معرضون للخطر على وجه الخصوص. كما تشكل النساء الحوامل والمرضعات نسبة كبيرة من الحالات، حيث تصل الكثيرات منهن مصابات بسوء التغذية متوسط الدرجة أو الحاد. ونتيجة لذلك، يعانين أيضًا في إطعام أطفالهن.

تقول إحدى ممرضات أطباء بلا حدود في مركز التغذية العلاجية للمرضى المقيمين في مستشفى الضحي في الحديدة، “لا تستطيع أمهات كثر أن ينتجن الحليب لإرضاع أطفالهن لأنهن يعانين من سوء التغذية. فعندما تعجز الأم عن إنتاج حليبها تستبدله بحليب البقر وتخففه. وهذا يساهم في إصابة أطفالهنّ بسوء التغذية”.

أحد ممرضي أطباء بلا حدود يقدم الرعاية لمريض في المرفق الصحي الذي تدعمه أطباء بلا حدود في مستشفى الضحي في الحديدة. اليمن، فبراير/شباط 2025. © كوستانتينوس بسيكاكوس/أطباء بلا حدود

 

وفي ضوء التخفيضات المفاجئة والجذرية في التمويل الإنساني لليمن، فإن المشاركة المستمرة للمانحين والتمويل المرن من المانحين الرئيسيين أمران في غاية الأهمية لمعالجة الأزمة الإنسانية المتفاقمة في اليمن.  وسيساعد التمويل الكافي والمتسق، إلى جانب تعزيز الشراكات بين وزارة الصحة والجهات المانحة والشركاء المنفّذين، في إنعاش مراكز الرعاية الصحية وضمان خدمتها الفعالة للمجتمعات المحلية والمناطق الأكثر تضررًا. تحث أطباء بلا حدود هذه الجهات المعنية على توسيع حملات التطعيم المجتمعية، للحد من الأمراض التي يمكن الوقاية منها، مثل الحصبة والكوليرا والإسهال المائي الحاد.

هناك حاجة ماسة إلى المزيد من عمليات توزيع الأغذية الموجّهة. فستضمن هذه الجهود حصول النساء الحوامل والمرضعات، وكذلك الأطفال دون الخامسة، على التغذية التي يحتاجونها قبل أن تهدد صحتهم. وإذا لم تُتخذ تدابير عاجلة وموحّدة، سيستمر سكان اليمن الأشد حاجة في مواجهة المزيد من المصاعب، في ظل نظام رعاية صحية منهك ومعدلات سوء تغذية متصاعدة.

كلير ماغون: ندعو للعودة الفورية لوقف إطلاق النار ووقف الحصار عن غزة

كلير ماغون: ندعو للعودة الفورية لوقف إطلاق النار ووقف الحصار عن غزة

“نشعر بالفزع من الهجمات التي شنتها إسرائيل اليوم على سكان غزة، مما أدى إلى كسر وقف إطلاق النار الذي دام شهرين تقريباً. ومن بين مئات القتلى، وفقاً لوزارة الصحة، تلقت أطباء بلا حدود 75 قتيلاً وصلوا وقد فارقوا الحياة وعشرات الجرحى في ثلاثة فقط من المرافق التي ندعمها.

فوجئ موظفونا بالوضع ووجدوا أنفسهم مرة أخرى مضطرين للتعامل مع تدفقات الإصابات الجماعية، وكثير منهم من الأطفال.

فوجئ موظفونا بالوضع ووجدوا أنفسهم مرة أخرى مضطرين للتعامل مع تدفقات الإصابات الجماعية، وكثير منهم من الأطفال.

 

وقد اختارت السلطات الإسرائيلية مرة أخرى معاقبة شعب غزة بشكل جماعي، حيث تتبع هذه الطريقة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 – بموافقة صريحة من أقرب حليف لها، الولايات المتحدة – بقصف مكثف لم يسبق له مثيل منذ المراحل الأولى من الحرب. وطيلة أكثر من 15 شهراً، قبل وقف إطلاق النار، تعرّض الناس في غزة للقتل والتشويه والإصابة والتشريد بشكل عشوائي.

إن القوات الإسرائيلية التي تنفذ هذه الهجمات الوحشية الأخيرة وأوامر الإخلاء تجعلنا نخشى أن مرحلة جديدة من العمليات العسكرية في غزة على وشك أن تبدأ. ولن يتمكن الفلسطينيون في غزة ببساطة من تحمل ذلك، لا جسدياً ولا نفسياً. وآمالهم في استعادة جزء على الأقل من حياتهم السابقة تتحطم.

منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 19 يناير/كانون الثاني، يكافح الناسُ من أجل ترميم أساسيات حياتهم اليومية بعد حملة عسكرية مدمرة طال أمدها، والتي قضت على نسيج المجتمع في غزة. وقطعت إسرائيل مرة أخرى وصول المساعدات الإنسانية والسلع الأساسية.

تدعو منظمة أطباء بلا حدود إلى استعادة وقف إطلاق النار على الفور وعدم استئناف إسرائيل لحملة التدمير والقصف المروع الكثيف على سكان غزة. كما تدعو أطباء بلا حدود إلى رفع الحصار، وإلى استعادة الناس إمكانية الوصول غير المقيد إلى الإمدادات والمساعدات الأساسية. وينبغي السماح للمصابين والمرضى الذين يحتاجون إلى رعاية طبية عاجلة بالتماس الرعاية خارج غزة، شريطة منحهم حقهم في العودة الآمنة والكريمة”.

كلير ماغون، المديرة العامة لمنظمة أطباء بلا حدود فرنسا

أطباء بلا حدود: زيادة مقلقة في حالات الحصبة ضمن مرافق تدعمها في بلخ وهرات وهلمند

أطباء بلا حدود: زيادة مقلقة في حالات الحصبة ضمن مرافق تدعمها في بلخ وهرات وهلمند

كابول، 12 مارس/آذار 2025 – أفادت فرق أطباء بلا حدود في أفغانستان بزيادة ملحوظة في عدد حالات الحصبة منذ بداية يناير/كانون الثاني، وذلك في ثلاث مستشفيات تدعمها المنظمة. وعلى الرغم من أن الحصبة تُعتبر مرضًا مستوطنًا في أفغانستان، إلا أن هذا الارتفاع في الحالات منذ مطلع العام يشكل علامة تحذيرية يجب أن تدق ناقوس الخطر.

فريدة، ممرضة في منظمة أطباء بلا حدود، تسحب محتويات قارورة لإعطاء حقنة لمريض في جناح عزل الحصبة في مستشفى مزار شريف الإقليمي.

منذ بداية عام 2025، يموت ما لا يقل عن طفل واحد كل يوم في أفغانستان من جراء إصابته بالحصبة وفقًا للبيانات التي جمعتها أطباء بلا حدود من مستشفى مزار شريف الإقليمي ومستشفى هرات ومستشفى بوست في هلمند. وتعكس هذه الأرقام زيادة بثلاث أضعاف في معدّل الوفيات مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.

وفي هذا السياق، يوضح الممثل القطري لمنظمة أطباء بلا حدود، ميكاييل لو بيه، “هذه وفيات يمكن الوقاية منها. ففي حين يمكن أن تكون الحصبة مرضًا مميتًا، لا سيما بالنسبة للأطفال الذين يعانون من حالات صحية كامنة كسوء التغذية أو عيوب القلب الخلقية، تبقى الوقاية باللقاحات ممكنة رغم أنّ التغطية تبقى محدودة في أفغانستان”.

هذا ويمكن للتطعيم السريع والموجّه على مستوى المجتمع المحلي في المقاطعات الأكثر تضررًا من تفشي المرض أن يسهم في تقليل معدّلات الإصابة بالحصبة، وبالتالي ترك أسرّة المستشفيات للأطفال الذين يعانون من حالات يصعب الوقاية منها بالمستوى نفسه.

وفي المستشفيات الثلاثة حيث تدعم فرقنا خدمات تشخيص الحصبة وعلاجها في أفغانستان، فحصنا 4,799 طفلًا تُشتبه إصابتهم بالحصبة خلال الأسابيع الثمانية الأولى من 2025. ونجد من بين هذه الفحوصات حالات معقّدة تصل نسبتها إلى 25 في المئة وتتطلب دخول المستشفى وحالات أقل حدة تتطلب علاجًا خارجيًا وتصل نسبتها إلى 75 في المئة.

في مستشفى هرات الإقليمي، أطلقت منظمة أطباء بلا حدود استجابةً طارئة لعدد كبير من حالات الحصبة المعقدة التي تجري معالجتها، إذ وسّعت جناح العزل الخاص بالحصبة من 11 إلى 60 سريرًا ووظّفت كوادر إضافية، كما لجأت إلى استخدام أدوية الطوارئ استجابةً للوضع. وفي الأسابيع الثمانية الأولى من عام 2025، استقبلت الفرق 664 مريضًا، أي ما يعادل زيادة بنسبة 180 في المئة مقارنة بعام 2024.

وفي مستشفى بوست الإقليمي في هلمند، عاين فريقنا 1,866 شخصًا تُشتبه إصابتهم بالحصبة في الأسابيع الثمانية الأولى من العام، وهو ما يعكس زيادة بنسبة 369 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024.

أما في مستشفى مزار الشريف الإقليمي، فقد تعاونت أطباء بلا حدود مع وزارة الصحة العامة لعلاج 1,499 مريضًا تُشتبه إصابتهم بالحصبة حتى الآن، أي بزيادة تصل إلى 35.6 في المئة في عدد الحالات مقارنة بعام 2024.

ويضيف لو بيه، “نعمل على تخصيص موارد إضافية للتعامل مع الموضوع، ولكننا بدأنا نستنفذ المساحة المخصصة للمرضى الذين يعانون من الحصبة وغيرها من الأمراض الموسمية أيضًا”.

يؤثر تفشي مرض الحصبة على الأطفال والآباء والأمهات. ويتطلب الأمر جهودًا جماعية حاسمة لتنفيذ حملات تطعيم موجّهة وإتاحة الوصول إلى مستلزمات علاج الحصبة على نطاق واسع.

تُدير منظمة أطباء بلا حدود سبعة مشاريع في باميان وهلمند وهرات ومزار الشريف وقندهار وخوست وقندوز، مع التركيز على تقديم خدمات الرعاية الصحية المتخصصة. وفي عام 2024، قدمت فرق أطباء بلا حدود أكثر من 404,500 استشارة طبية في غرف الطوارئ، و245,557 استشارة في العيادات الخارجية. كما استقبلت المنظمة 119,349 مريضًا، وساعدت في 45,061 حالة ولادة، وأجرت 18,149 عملية جراحية. هذا وقد عولج أكثر من 13,030 مريضًا مصابًا بالحصبة وأُدخل 9,751 طفلًا إلى المراكز الاستشفائية للتغذية العلاجية، بينما سُجّل 4,016 طفلًا في المراكز الخارجية للتغذية العلاجية.

حياة على المحك: الجفاف وفجوات التمويل يعمّقان أزمة سوء التغذية في الصومال

حياة على المحك: الجفاف وفجوات التمويل يعمّقان أزمة سوء التغذية في الصومال

يواجه الصومال أزمة سوء تغذية خطيرة تفاقمت بسبب فترات جفاف طويلة ونزاع مستمر وعدم استقرار اقتصادي ونظام رعاية صحية هش. وتعد منطقتا بيدوا ومدج، حيث تعمل منظمة أطباء بلا حدود، مثالين على الأزمة التي تتكشف في جميع أنحاء البلاد، حيث يتعرض آلاف الأطفال لخطر سوء التغذية الحاد وعواقبه التي تهدد حياتهم.

أدى النقص المزمن في التمويل إلى شل الجهود الإنسانية، مما أجبر برامج التغذية المهمة على تقليل أنشطتها أو الإغلاق. وقد يدفع التهديد الوشيك للجفاف الناجم عن ظاهرة النينيا في عام 2025 بالسكان الضعفاء إلى وضع أكثر تدهوراً. وتدعو منظمة أطباء بلا حدود الجهات المانحة والمنظمات الإنسانية بشكل عاجل إلى اتخاذ إجراءات فورية لمنع انتشار المعاناة على نطاق واسع، لأن العواقب قد تكون كارثية.

مجموعة من الأمهات يقفن في طابور لقياس طول ووزن أطفالهن، لتلقي المكملات الغذائية الجاهزة للاستخدام في مركز التوعية اللامركزي الذي تدعمه منظمة أطباء بلا حدود بالقرب من مخيم النازحين إيلبيت-1 في بيدوا.

 

الأمل الأخير لأب لإنقاذ أولاده

لم يكن أمام كليمو محمد نور من خيار سوى خوض مجازفة يائسة. كان الجوع قد ترك أثره في ولديه التوأمين، فضعف جسداهما الصغيران بسبب نوبات متكررة من القيء والإسهال، فاقترض مبلغاً من المال يكفي لرحلة يوم واحد – وهو مبلغ سيستغرق شهوراً لكسبه – وانطلق في رحلة شاقة إلى بيدوا. كان الطريق طويلاً، والحر شديداً، لكن الرعاية الطبية المجانية التي سمع بها في مستشفى باي الإقليمي كانت أمله الأخير.

طفل يبلغ من العمر 26 شهرًا على الميزان المعلق في مركز التوعية اللامركزي الذي تديره منظمة أطباء بلا حدود بالقرب من مخيم إلبيت-1، بيدوا- الصومال.

ويقول كليمو، الذي تلقى ولداه التوأمان علاجاً لسوء التغذية الحاد الشديد في مستشفى باي الإقليمي الذي تدعمه أطباء بلا حدود: “اضطررت إلى أخذ قرض بقيمة حوالي 130 دولاراً والسفر لمسافة 300 كيلومتر إلى بيدوا للعثور على رعاية طبية مجانية. كانا صغيرين جداً، وبالكاد كنا نستطيع شراء ما يكفي من الطعام. وكانا يمرضان كثيراً”.

تعكس قصة كليمو – وما فيها من فقر وبُعد في المسافات وغياب الخدمات المحلية – الواقع القاسي الذي يمنع عدداً لا يحصى من الأسر من الحصول على الرعاية. في الصومال، أصبح العلاج المنقذ للحياة ميزة لا يحصل عليها إلا القليل.

سوء التغذية يصبح أزمة على مدار العام في أجزاء من الصومال

في بيدوا ومدج، أصبح سوء التغذية أزمة مستمرة على مدار العام، وليس تحدياً موسمياً. وتقول جارميلا كليسيكوفا، المنسقة الطبية لأطباء بلا حدود في الصومال: “نشهد ارتفاع معدلات سوء التغذية، ليس فقط خلال مواسم العجاف المعتادة. هذه أزمة مزمنة تتطلب تدخلاً مستداماً”.

ممرض من منظمة أطباء بلا حدود يقيس محيط منتصف الذراع العلوي لطفل يبلغ من العمر 18 شهرًا في مركز التوعية اللامركزي الذي تدعمه منظمة أطباء بلا حدود بالقرب من مخيم أفمادو للنازحين داخليًا في بايدوا.

في عام 2024، عالجت فرق أطباء بلا حدود 18,066 طفلاً يعانون من سوء التغذية الحاد الشديد في مشاريعها في الصومال، بزيادة كبيرة عن العام السابق. في مدج، ارتفع عدد الحالات التي أُدخلت برامج التغذية للمرضى الخارجيين بنسبة 250 في المئة، نتيجة الحاجة المتزايدة وجهود التوعية الموسعة. كما شهدت بيدوا ارتفاعاً خلال عام 2024 في عدد الحالات، مما يدل على المصاعب المتزايدة لدى العائلات التي تسعى للحصول على الرعاية. ومع ذلك، فإن هذه الجهود بالكاد تعالج جانباً صغيراً من المشكلة. ووفقاً لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، واجه ما يقدر بنحو 1.7 مليون طفل سوء التغذية الحاد في عام 2024، بما في ذلك 430,000 طفل يعانون من سوء التغذية الحاد الشديد. وعلى الرغم من أهمية تدخلات منظمة أطباء بلا حدود، إلا أنها لم تصل إلا إلى حوالي واحد في المئة من إجمالي السكان الذين يعانون من سوء التغذية، مما يسلط الضوء على الحجم الهائل للأزمة والحاجة الملحة إلى دعم أوسع.

أدت النزاعات وتغير المناخ إلى نزوح جماعي، أجبر الناس على الذهاب إلى مناطق ذات موارد شحيحة بالفعل. ودمر الجفاف المتكرر الزراعة، تاركاً العائلات التي كانت تعتمد في السابق على الزراعة والماشية غير قادرة على إعالة نفسها. وفي مواقع النزوح، يرتفع معدل انتشار سوء التغذية الشديد والمتوسط بشكل مثير للقلق، في حين تكافح المراكز الصحية المثقلة للتعامل معه.

فجوات التمويل تجبر برامج ضرورية على تقليص أنشطتها

وجَّه نقص التمويل ضربة مدمرة للاستجابة الإنسانية، ما زاد من حدة الأزمة. ووفقاً لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، لم تتم تلبية سوى 56 في المئة من احتياجات التمويل الإنساني في الصومال في عام 2022 – وهو رقم انخفض إلى 40 في المئة فقط بحلول عام 2024. في بيدوا على سبيل المثال، تم تقليص العديد من برامج التغذية منذ عام 2023، وفي كلتا المنطقتين، يتم تقليل أو إيقاف الخدمات الأساسية مثل مراكز التغذية العلاجية والرعاية الصحية الأولية.

ويقول محمد علي عمر، رئيس برامج أطباء بلا حدود في الصومال: “لقد ترك إغلاق هذه البرامج فجوة مدمرة. فهناك أطفال في أمس الحاجة إلى الغذاء العلاجي المنقذ للحياة، لا يتم علاجهم. ولا يستفيد سوى عدد قليل من المجتمعات من اللقاحات مما يجعلهم عرضة للأمراض التي يمكن الوقاية منها والتي تؤدي إلى حلقة مفرغة من سوء التغذية. هذه ليست مجرد أزمة – إنها كارثة تتكشف أمامنا”.

وبينما يكافح الصومال مع موجات الجفاف المستمرة، يلوح تهديد أكبر في الأفق: الجفاف الناجم عن ظاهرة النينيا المتوقع في عام 2025. ظاهرة النينيا هي ظاهرة مناخية تعمل على تبريد درجات حرارة سطح المحيط وتغير أنماط الطقس العالمية، مما يؤدي غالباً إلى انخفاض هطول الأمطار في شرق إفريقيا. ومع نضوب مصادر المياه، وشلل إنتاج الغذاء بسبب سنوات الجفاف السابقة، فقد يكون الأثر كارثياً ويجبر المزيد من الأسر على النزوح عن ديارها ويؤدي إلى ارتفاع معدلات سوء التغذية. ومع تزايد تواتر الجفاف وشدته، تتقلص نافذة التعافي، في حين أن ارتفاع أسعار المواد الغذائية يجعل من إمكانية تأمين سبل الحياة أبعد عن متناول الفئات الأكثر ضعفاً.

أزمة تلوح في الأفق لا تزال لدى العالم فرصة لمنعها

بدون دعم فوري ومستدام، فإن الآلاف من الأطفال لن يواجهوا المجاعة فحسب، بل أيضاً ضعف المناعة، وزيادة التعرض للأمراض، وأضراراً على النمو لا يمكن عكسها. يواجه نظام الرعاية الصحية، الذي يكافح بالفعل في ظل الطلب المستمر، خطر الانهيار التام مع تفشي الأمراض والمضاعفات. وتدعو منظمة أطباء بلا حدود بشكل عاجل الجهات المانحة والحكومات إلى التحرك الآن – قبل أن يحل الجفاف لعام 2025. هناك حاجة ملحة لتوسيع نطاق العلاج التغذوي، وتوسيع نطاق توزيع الأغذية، وتعزيز خدمات الرعاية الصحية لإنقاذ الحياة بينما لا يزال هناك وقت.

ويقول محمد علي عمر: “إن المساعدات الإنسانية في الصومال منخفضة بالفعل بشكل خطير، والآن، مع تقارير عن مزيد من التخفيضات في التمويل – بما في ذلك التخفيضات في الدعم الأمريكي – فإن الوضع سيزداد سوءاً، مما يعرض المزيد من الأرواح للخطر. تأتي التخفيضات في برامج التغذية في الوقت الأشد حرجاً. فمعدلات سوء التغذية آخذة في الارتفاع، والنزوح آخذ في الارتفاع، والحاجة إلى المساعدات أكبر من أي وقت مضى. إن تقليل الدعم الآن ليس مجرد تصرف غير مسؤول – بل مميت. لا بد من التحرك الآن. بالنسبة لأطفال بيدوا ومدج، كل لحظة مهمة في منحهم فرصة للبقاء على قيد الحياة”.