السودان: انتشار تفشي الحصبة في دارفور

السودان: انتشار تفشي الحصبة في دارفور

منذ عام، تشهد فرق أطباء بلا حدود في دارفور تفشٍ للحصبة في ولايات دارفور الأربع التي نعمل فيها حالياً. وبينما انطلقت أخيراً حملات تطعيم مكثفة في العديد من المواقع في أنحاء المنطقة، تصر منظمة أطباء بلا حدود على ضرورة زيادة الجهود لاستدراك ما فات من تطعيم الأطفال الذين لم يحصلوا على التطعيم أبداً.

كانت أول موجة من حالات الحصبة التي لاحظتها وعالجتها أطباء بلا حدود في يونيو/حزيران 2024 في روكيرو، وهي مدينة تقع شمال جبل مرة في وسط دارفور، حيث تدير فرق أطباء بلا حدود مستشفى وزارة الصحة المحلي دون انقطاع منذ عام 2020. في بداية عام 2025، تم الإبلاغ كذلك عن حالات في شرق جبل مرة، جنوب دارفور وفي فوربرينجا، غرب دارفور. وفي الآونة الأخيرة، لوحظت موجات جديدة في زالنجي وسورتوني وتيني في شرق تشاد – وجميع هذه الأماكن تدير أطباء بلا حدود أنشطة فيها.

من يونيو/حزيران 2024 حتى نهاية مايو/أيار 2025، تم علاج أكثر من 9,950 مريضاً بالحصبة في المرافق الصحية التي تديرها أو تدعمها المنظمة في المنطقة. حوالي 2700 حالة كانت معقدة تتطلب دخول المستشفى، وتم تسجيل 35 حالة وفاة، ولإدارة تدفق المرضى، كان علينا توسيع الطاقة الاستيعابية لأسرّة الأطفال في ثلاثة مستشفيات.

أحد الأسباب الأساسية لهذا الوضع هو تغطية التحصين المنخفضة في المنطقة.

في فوربرينجا، 30 في المئة من مرضى الحصبة الذين نستقبلهم هم فوق سن الخامسة، و5 في المئة منهم فقط حصلوا على التطعيم. هذا يدل على أن نقص التطعيم لم يبدأ مع النزاع الأخير.
سو بوكنيل، نائبة رئيس بعثة أطباء بلا حدود في غرب دارفور

وتضيف الدكتورة سيسيليا غريكو، المنسقة الطبية لأطباء بلا حدود لوسط دارفور: “يساهم النزاع المستمر أيضاً في هذا التفشي، إذ يحد من قدرات الجهات الطبية الفاعلة على منع تفشي الأمراض المعدية والاستجابة لها. أدى النزوح الجماعي للسكان إلى انتشار المرض بشكل أسرع في أنحاء المنطقة، مما زاد من تعقيد الوضع”

منذ اندلاع الحرب، تسببت العوائق الإدارية المستمرة والإغلاق المتكرر لطرق الإمداد الرئيسية في نقص اللقاحات في جميع أنحاء دارفور، وقد أدى ذلك إلى عرقلة برامج التحصين الروتينية في عدة مواقع، وأحياناً لعدة أشهر. في سورتوني، على سبيل المثال، توقَّف مخيم للنازحين في شمال دارفور يستضيف أكثر من 55000 شخص، عن تقديم التطعيم بشكل كامل من مايو/أيار 2024 إلى فبراير/شباط 2025.

وقد أدت هذه القيود والتعطيل إلى الحد من قدرة الجهات الفاعلة الطبية على إطلاق حملات الاستجابة المناسبة. في العام الماضي، نفذت أطباء بلا حدود العديد من حملات التطعيم، منها في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 في شمال جبل مرة حيث تم تطعيم 9600 طفل، ومع ذلك، وبسبب محدودية إمدادات اللقاحات، اضطرت فرق أطباء بلا حدود إلى تقليل الهدف واستبعاد الأطفال الذين تزيد أعمارهم عن خمس سنوات، على الرغم من الاحتياجات الواضحة، وقد نجم عن ذلك انخفاض تأثير هذه الحملات على المدى الطويل. في شمال جبل مرة، في حين أدت حملة التطعيم في البداية إلى إبطاء تفشي المرض، بدأت الحالات في الارتفاع بشكل حاد مرة أخرى اعتباراً من فبراير/شباط.

على الرغم من أن حملات التطعيم الجماعية تجري الآن في أجزاء مختلفة من دارفور، إلا أن المفاوضات والإجراءات أخذت وقتاً طويلاً. بعد أن دقت منظمة أطباء بلا حدود ناقوس الخطر لأول مرة بشأن موجات المرض المتعددة التي كانت تشهدها، استغرق الأمر شهوراً قبل أن تبدأ وزارة الصحة الاتحادية في بورتسودان واليونيسيف بتوزيع اللقاحات اللازمة من مخزوناتها مما مكن أخيراً من إطلاق حملات تطعيم واسعة النطاق في مناطق مختلفة من دارفور. في الأسبوع الماضي، تم تطعيم 55800 طفل تتراوح أعمارهم بين تسعة أشهر و15 عاماً في فوربرينجا كجزء من حملة تقودها وزارة الصحة وتدعمها منظمة أطباء بلا حدود. هذا ومن المقرر أن يتلقى 93 ألف طفل آخر اللقاح في شمال جبل مرة وسورتوني بحلول نهاية هذا الأسبوع، ضمن حملة مماثلة.

كان ينبغي أن تحدث هذه الحملات في وقت أقرب بكثير، حتى لو كانت تمثل إنجازاً معيناً. كان من الممكن منع العديد من حالات الحصبة وعواقبها، وبقدر ما هنالك حاجة إلى مثل هذه الحملات التفاعلية، فإنها ليست سوى ضمادة لجرح مفتوح، إلا إذا بُذلت جهود كبيرة للتحصين والوقاية في جميع أنحاء دارفور، بما في ذلك المناطق النائية.
الدكتورة سيسيليا غريكو، المنسقة الطبية لأطباء بلا حدود لوسط دارفور

وتسلط بوكنيل الضوء على خطر حدوث تفشيات أخرى للمرض، ما لم تبدأ هذه الجهود: “الحصبة ليست المرض المعدي الوحيد الموجود حالياً في دارفور الذي يمكنه أن يتحول إلى تفشٍ. على مدى الأيام العشرة الماضية، استقبلت المرافق الصحية التي تدعمها أطباء بلا حدود، حوالي 200 حالة يشتبه في إصابتها بالكوليرا، في ولايتين من ولايات دارفور، ويأتي ذلك بعد تفشٍ كبير لوباء الكوليرا في ولاية الخرطوم وأجزاء أخرى من السودان”.

وتتابع د. غريكو قائلة: “من الضروري أن تتعاون السلطات الصحية الفيدرالية والمحلية ووكالات الأمم المتحدة وجميع الجهات الطبية الفاعلة على الأرض ليس فقط لاستدراك ما فات من تطعيم جميع الأطفال الذين خلفتهم برامج التحصين على مر السنين، ولكن أيضاً لتعزيز قدرتهم على الاستجابة بسرعة وكفاءة إذا بدأت أي تفشيات أخرى، مثل الكوليرا، بالانتشار في دارفور. وهذا يشمل القدرة على توريد اللقاحات إلى السودان وفي أنحائه، دون مواجهة نفس العوائق مجدداً”.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

سوريا: العودة وسط الألغام

سوريا: العودة وسط الألغام

أمستردام/دير الزور، سوريا، 5 يونيو/حزيران 2025 – يتسبب التعرّض للعبوات غير المنفجرة بإصابات وحتى بقتلى في صفوف العائدين إلى بيوتهم وقراهم التي مزقتها الحرب في دير الزور بشرق سوريا. وفي الفترة ما بين 28 مايو/أيار والأول من يونيو/حزيران، وقعت أربعة حوادث أسفرت عن وقوع ثماني ضحايا، ومنهم أربعة أطفال قتلى، ما يسلط الضوء على الحاجة الملحّة لإخلاء المنطقة من مخلفات الحرب المتفجرة والألغام الأرضية. وبعدما أعادت فرق أطباء بلا حدود افتتاح غرفة الطوارئ في مستشفى دير الزور الوطني استجابةً للعدد الكبير من الإصابات الناجمة عن العبوات الناسفة، ندعو إلى توسيع نطاق إزالة الألغام الأرضية وتعزيز الرعاية الطبية المستجيبة.

منذ السابع من أبريل/نيسان، تستقبل فرقنا العاملة في غرفة الطوارئ في مستشفى دير الزور قرابة مريض واحد يوميًا ممن أصيبوا جراء انفجار الألغام الأرضية والعبوات غير المنفجرة والفخاخ المتفجرة. أصيب معظمهم في الحقول أو على الطريق. من بين الأشخاص الذين وصلوا إلى غرفة طوارئنا، يعاني قرابة ثلثيهم من إصابات مهددة للحياة أو بالغة، وخضع ربعهم تقريبًا لبتر رضحي. والصادم هو وجود طفلين من بين كل خمسة أشخاص رأيناهم
ويل إدموند، رئيس بعثة أطباء بلا حدود في سوريا

تسببت سنوات من النزاع المسلح بتدمير البنية التحتية الحيوية في محافظة دير الزور، بما في ذلك مرافق الرعاية الصحية. أما الشوارع والحقول في جميع أنحاء المحافظة، فهي مزروعة بالألغام والعبوات الناسفة، ما يجعل الحياة اليومية للعائدين خطرة ويعيق جهود إعادة التأهيل. وقد اكتشفت فرق أطباء بلا حدود بالفعل أربع عبوات غير منفجرة في المرافق الصحية التي خططنا لدعمها، ويرجّح وجود المزيد منها مخبأة تحت الأرض.

في سوريا، شهدت محافظة دير الزور أكبر عدد من الحوادث المسجلة بسبب مخلفات الحرب المنفجرة؛ ففي الأشهر الخمسة وحتى السادس من مايو/أيار 2025، وقع في دير الزور ما يزيد قليلًا عن الربع (26 في المئة) من الحوادث الـ471 المسجلة في البلاد*.

أحمد فتى مراهق من الحوايج، والتي تقع على بعد 50 كيلومترًا جنوب شرق مدينة دير الزور، قد خسر ساقه اليمنى وجزءًا من قدمه اليسرى أثناء رعي الأغنام في الصحراء.

يقول أحمد، “أشعر بالحزن الآن لأنني لن أعود قادرًا على الركض بعد الآن. لكنني أحب اللعب بالكرات الزجاجية (القلول) وركوب الدراجة النارية”.

تضيف والدته، أم محمد، ” ليس أحمد الوحيد من الحوايج. فقد حدث نفس الشيء لأحد أصدقائه، ومع أشخاص آخرين في القرية”.

بين الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024 و14 مايو/أيار 2025، قُتل 91 طفلًا وأصيب 289 آخرون في حوادث ناجمة عن عبوات ناسفة في جميع أنحاء البلاد، بحسب المجموعة الفرعية العالمية المعنية بمسؤوليات الأعمال المتعلقة بالألغام. وتشمل الكثير من هذه الحالات المأساوية أطفالًا صادفوا ألغامًا أثناء جمع الكمأ أو رعي الأغنام أو اللعب في المناطق الملوثة بالمتفجرات.

داس علي عبد خلف – مزارع القمح سابقًا – على لغم أرضي بالقرب من الزباري، حول الميادين.

يقول علي، “قبل شهرين، كنت مع أخي على دراجتنا النارية. قررنا أن نتوقف على الطريق، فنزلت عن الدراجة النارية، وخطوت بضع خطوات فقط، وحدث الانفجار: دست على لغم أرضي”.

تلقى علي الرعاية الأولية في عيادة خاصة ونُقل بعدها إلى مستشفى دير الزور الوطني، حيث خضع لعمليتين جراحيتين وبُترت ساقه اليسرى من فوق الكاحل.

يبلغ المرضى عن تحديات شديدة في الحصول على الرعاية الصحية. إذ يضطر معظمهم إلى الاعتماد على وسائل النقل الخاصة المكلفة، لأن شبكة سيارات الإسعاف تعمل فوق طاقتها. ونتيجة لذلك، لا يعود الكثير من المرضى من البلدات النائية لمتابعة الرعاية. ويخبرنا آخرون عن ارتفاع تكلفة الرعاية الخاصة.

أخبرنا أحد أقارب علي عبد خلف، “أخذنا علي سريعًا إلى عيادة خاصة في الميادين، حيث طُلب منا دفع مبلغ 80 دولارًا أمريكيًا مقدّمًا لبدء علاجه. كان مبلغًا كبيرًا لكننا دفعناه. بعد ذلك، نقلناه سريعًا إلى المستشفى في دير الزور، حيث تلقى رعاية طبية شاملة مجانًا”.

تبرز الحاجة إلى تمويل عاجل لدعم المنظمات المعنية بالألغام، وتوسيع نطاق إزالة العبوات الناسفة والألغام الأرضية، وتحسين رسم خرائط المناطق الملوثة بها. وهذا أمر ضروري لعودة الناس بأمان كي يعيدوا بناء حياتهم ويتعافوا من النزاع.

كذلك نحث الحكومة السورية والجهات المانحة والمنظمات الطبية على تعزيز قدرات الرعاية الطارئة وأنظمة الإحالة وبنوك الدم. يمثل دعم خدمات إعادة التأهيل البدني والصحة النفسية والخدمات النفسية والاجتماعية أمرًا بالغ الأهمية لمساعدة الناجين على التعافي على أكمل وجه ممكن.

* بحسب المنظمة الدولية لسلامة المنظمات غير الحكومية.

منذ سقوط الحكومة السورية السابقة في ديسمبر/كانون الأول 2024، تمكنت أطباء بلا حدود من الوصول إلى مناطق جديدة، بما في ذلك محافظة دير الزور، حيث ندعم المرافق الصحية العامة. في مدينة دير الزور، تدعم أطباء بلا حدود قسم الطوارئ في مستشفى دير الزور الوطني. وفي البوكمال، افتتحت أطباء بلا حدود غرفة طوارئ بالتعاون مع وزارة الصحة، وتخطط لتقديم خدمات رعاية التوليد وحديثي الولادة، فيما تُعيد تأهيل مستشفى متوسط الحجم سيقدم خدمات إضافية.

تمكنت أطباء بلا حدود من إعادة افتتاح غرفة الطوارئ في مستشفى دير الزور الوطني في السابع من أبريل/نيسان بعد اكتمال عمليات إعادة التأهيل اللازمة، إلى جانب غرفة الطوارئ في البوكمال في 28 مايو/أيار.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

السودان: تقرير أطباء بلا حدود يكشف عن نقص حاد في الحماية والإغاثة في جنوب دارفور

السودان: تقرير أطباء بلا حدود يكشف عن نقص حاد في الحماية والإغاثة في جنوب دارفور

أمستردام، 4 يونيو/ حزيران – أفاد تقرير جديد صدر عن أطباء بلا حدود اليوم أن العنف وانعدام الأمن والجوع تتسبب بتدمير حياة الناس في جنوب دارفور بالسودان.

وتحت عنوان “أصوات من جنوب دارفور”، يوضّح التقرير وضمن شهادات حية كيف أن تبعات العنف المتفشي، وانهيار نظام الرعاية الصحية، والنقص في الاستجابة الدولية، كلها قد اجتمعت لتستنفد استراتيجيات التكيّف لدى الناس.

تعكس أصوات الناس وقصصهم كمّ المعاناة والانتهاكات والقسوة التي يشعرون بها في مجتمعات جنوب دارفور، ولكنها تُظهر أيضًا صمودهم وتعاطفهم. ومع انهيار سبل حماية المدنيين وعدم كفاية المساعدات الإنسانية، فالناس في جنوب دارفور يطالبون بأن تُسمع أصواتهم، ويطالبون بالاهتمام، ويطالبون بالتحرك.
أوزان أغباس، مدير الطوارئ لدى أطباء بلا حدود في السودان

شهد جنوب دارفور حرب مدن ضارية في عام 2023، ما أدى إلى تدمير المستشفيات والبنى التحتية الحيوية. ومع احتدام القتال، انهار حضور المنظمات الإنسانية، والذي كان كبيرًا قبل اندلاع الحرب الأهلية في أبريل/نيسان من ذلك العام. وعلى الرغم من توقف القتال البري في جنوب دارفور في الوقت الحالي، إلا أن انعدام الأمن لا يزال قائمًا، حيث يتعرض الناس لعنف مروّع على الطرقات وفي المزارع والأسواق وفي بيوتهم. كذلك تشيع تقارير حول وقوع اعتقالات تعسفية وسرقات ونهب، فيما تتواصل الغارات الجوية والضربات بالطائرات المسيرة على جنوب دارفور

هذا وينتشر العنف الجنسي على نطاق واسع، حيث قدمت أطباء بلا حدود الرعاية لـ659 ناجية وناجيًا من يناير/كانون الثاني 2024 وحتى مارس/آذار 2025. وتعرّض 56 في المئة من الناجين للاعتداء على يد شخص غير مدني.

أخبرتنا امرأة تبلغ من العمر 25 عامًا من جنوب دارفور، وتعيش في مخيم للنازحين، “خلال محاولتنا، نحن النساء، الخروج من المخيم للعمل في الزراعة… أتعرّض للضرب والتعذيب… لا توجد طريقة للخروج… تعرّضت ابنة عمتي للاغتصاب على يد ستة رجال، قبل ستة أيام فقط… أشعر بعدم الأمان، لأنه إذا خرجت، سأتعرض للاغتصاب”.

يصف الناس خوف الأطفال وقلقهم، كما ويصفون شعورهم بالعجز والإهانة وبأنهم عالقون.

تقول امرأة تبلغ من العمر 21 عامًا، التقيناها في محلية بليل، “مزارعنا دُمّرت بالكامل، لا نملك شيئًا. قُتل زوجي قبل أربعة أشهر. والآن، لا نملك شيئًا. لم آكل شيئًا منذ ثلاثة أيام… لا أعرف ماذا سيحدث لي في طريق عودتي إلى البيت. أنا خائفة، لأن الذين قتلوا زوجي ربما يفعلون بي الشيء نفسه”.

دَمّر العنف نظام الرعاية الصحية، وببساطة لم تعد الرعاية المناسبة متاحة للناس بفعل مجموعة من المشاكل المتفاقمة: فقد دُمِّرت المرافق الصحية أو تضررت أو هُجرت؛ وفرَّ العاملون في مجال الرعاية الصحية أو لم يعودوا يتلقون رواتبهم؛ والإمدادات مفقودة أو منقطعة، والناس يعانون من أجل تحمل تكاليف النقل للوصول إلى ما تبقى من نظام الرعاية الصحية.

يجتمع انعدام الأمن بالجوع، حيث أدى التهديد بالعنف إلى قطع السبل إلى الأراضي الزراعية والحصول على دخل. ففي الفترة ما بين يناير/كانون الثاني 2024 ومارس/آذار 2025، دعمت أطباء بلا حدود برامج في جنوب دارفور عالجت أكثر من عشرة آلاف طفل دون سنّ الخامسة يعانون من سوء التغذية الحادّ، وقدمت العلاج التغذوي لآلاف الفتيات والنساء الحوامل والمرضعات اللواتي يعانين من سوء التغذية.  ومن المتوقع أن تتفاقم أزمة سوء التغذية أكثر مع القدوم الوشيك لموسم الأمطار والموسم الأعجف.

وفي ظل ارتفاع تكاليف الطعام، تضطر الأسر إلى الاكتفاء بوجبة واحدة في اليوم، وأحيانًا بأقل من ذلك. ففي مخيم السلام للنازحين، أخبرتنا نازحة تبلغ من العمر 24 عامًا، “أعتمد فقط على ما أجده، كل يوم بيوم. إن حصلتُ على شيء، سنأكل. وإن لم أحصل، فلن نأكل. هذه هي حياتي”.

منذ بدء الحرب، كانت استجابة المنظمات الدولية ووكالات الأمم المتحدة محدودة وغير منتظمة وبطيئة في الوصول إلى جنوب دارفور، مثلما أخبرتنا امرأة تبلغ من العمر 23 عامًا في نيالا في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، “سمعنا أنّ المنظمات الدولية تساعد الناس، ولكنها لا تقدّم لنا أي شيء على الإطلاق”.

ظهرت بعض علامات التحسن في الآونة الأخيرة، حيث وجدت وكالات الأمم المتحدة سبلًا متزايدة لجلب الإمدادات الإنسانية إلى جنوب دارفور. وتوسع المنظمات غير الحكومية نطاق وجودها وأنشطتها بشكل تدريجي. لكن، ونظراً للمعقوات الشديدة التي تمنع تأمين الخدمات والرعاية، لا تزال وكالات الأمم المتحدة غير موجودة على الأرض في جنوب دارفور لتقود الاستجابة وتنسقها، حتى بعد مرور أكثر من عامين على النزاع، فيما تتحرك المنظمات غير الحكومية ببطء وحذر.

تعمل المجتمعات المحلية متضامنة للتغلب على آثار العنف. يدعم الجيران بعضهم بعضًا، ويتقاسمون طعامهم. تزيل مجموعات من الشباب الأنقاض والذخائر غير المنفجرة، ويشترون الأدوية للنازحين الذين يعيشون في حيهم. يعمل المعلمون مجانًا في المباني المنهوبة. وقد دعمت أطباء بلا حدود المبادرات المحلية للمساعدة في إدارة المطابخ المجتمعية، وتوفير وجبات الطعام لأطفال المدارس ودعم النقاط الصحية التي يديرها متطوعون. كما أُعيد تأهيل المرافق الصحية وشبكات المياه، وأدارت أطباء بلا حدود برنامجًا وفّر الغذاء لستة آلاف عائلة في مواقع متعددة في جميع أنحاء الولاية.

تُظهر هذه البرامج إمكانية دعم المبادرات المحلية وتحسين الخدمات عندما تجتمع العزيمة والإبداع والرغبة في المخاطرة، بحسب أوزان أغباس.

ويضيف، “تمتلك المنظمات المحلية في دارفور المعرفة والخبرة اللازمة لتوفير الخدمات الأساسية. لذلك، فإن تزويد هؤلاء المستجيبين بالقرب من مناطق القتال بالإمدادات والتمويل وسلطة اتخاذ القرار سيساهم بشكل كبير في إنقاذ الأرواح”.

جُمعت الشهادات والبيانات الطبية الواردة في “أصوات من جنوب دارفور” عن طريق أنشطتنا التي نفذتها فرقنا بين يناير/كانون الثاني 2024 ومارس/آذار 2025.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

غزة: مستشفى ناصر على خط المواجهة

غزة: مستشفى ناصر على خط المواجهة

القدس، 5 يونيو/حزيران 2025 – تحذّر منظمة أطباء بلا حدود من أن أوامر الإخلاء وقيود الحركة التي تفرضها السلطات الإسرائيلية على مستشفى ناصر في جنوب غزة تدفع بهذا المرفق الطبي الحيوي نحو حافة التوقف الكامل عن العمل. فقد بات إصدار الأوامر للمستشفيات بعدم استقبال مرضى جدد وتصعيب وصول الناس إلى مرافق الرعاية نمطًا متبعًا من القوات الإسرائيلية خلال هذه الحرب للإطاحة بعمل المرافق الطبية. ويُعد مستشفى ناصر آخر شريان حياة حيوي متبقٍ للسكان الذين يحتاجون إلى الرعاية، ويجب استئناف عمله الكامل فورًا وضمان استمراريته.

في الثالث من يونيو/حزيران، أُبلغت فرقنا بأن أي حركة تنقّل باتجاه مستشفى ناصر باتت تتطلب تصريحًا يُقدَّم الطلب للحصول عليه قبل 24 ساعة على الأقل. وقد حال هذا الإجراء دون تمكّن الفريق الطبي المقرر لدوام النهار من الوصول إلى المستشفى، ما اضطر فريق الليلة السابقة إلى مواصلة العمل. وانتهى بهم الأمر إلى البقاء في نوبة عمل متواصلة استمرت 48 ساعة.

ظلّ قسم العيادات الخارجية مغلقًا طوال اليوم. أما سيارات الإسعاف التي تمكنت من نقل المرضى إلى المستشفى، فقد فعلت ذلك رغم مخاطر جسيمة، إذ واجهت خطر التعرض لإطلاق النار بسبب افتقارها للتصاريح اللازمة. ويشكّل موقع مستشفى ناصر على خطوط المواجهة عائقًا يعرقل وصول كل من الكوادر والمرضى إلى هذا المرفق الحيوي المتبقي.

يحدث كل ذلك وقد أنهك الناس التعب، وتدمّرت حياتهم بفعل 20 شهرٍ من حرب عنيفة وحصار خانق تُرتكب خلاله مجازر مروّعة حتى عند توزيع كميات ضئيلة من المساعدات. وفي هذا السياق، يكتسب أي مرفق طبي يستمر في العمل أهمية بالغة ويستوجب الحماية.

لا تُشنّ الهجمات على الرعاية الصحية من خلال العمليات العسكرية فحسب، بل أيضًا عبر القيود المفروضة على استيراد المستلزمات الطبية، ما يُجبر الأطباء على تقنين أدوية تخفيف الألم. وتتم أيضًا من خلال أوامر الإخلاء التي تُغلق مستشفيات بأكملها في وقت قصير، ومن خلال المضايقات والتعليمات المربكة التي تصدرها السلطات الإسرائيلية، والتي تجعل من تقديم الرعاية المنقذة للحياة مهمة بالغة الصعوبة.

لقد شهدنا هذا النمط من قبل. حدث ذلك في مرافق مثل مستشفى العودة والمستشفى الإندونيسي في شمال غزة، إذ طُلب منها أولًا التوقف عن استقبال مزيد من المرضى، وبعد أيام قليلة تعرضت للهجوم وتم إغلاقها فعليًا. يُعادل إخراج مستشفى ناصر عن الخدمة حكمًا بالإعدام على المرضى الذين يعانون من إصابات خطيرة من البالغين والأطفال، وعلى المرضى في حالة حرجة، والنساء اللواتي يحتجن إلى رعاية توليد طارئة.
خوسيه ماس، رئيس برامج الطوارئ في أطباء بلا حدود

يُعد مستشفى ناصر مرفق إحالة كبير يضم العديد من الأقسام التخصصية التي لا تتوفر في أي مكان آخر في جنوب غزة، بما في ذلك غرف عمليات ومحطة توليد أكسجين وأجهزة تنفس صناعي وبنك دم وحاضنات للأطفال. لذا، فإن الحد من القدرة على الوصول إلى هذا المستشفى وعرقلة إحالة المرضى الذين يحتاجون إلى رعاية تخصصية وطارئة، يعني منعهم من الحصول على العلاج الذي قد ينقذ حياتهم.

خلال الأشهر القليلة الماضية، قدمت فرق أطباء بلا حدود في مستشفى ناصر الرعاية لأكثر من 500 مريض في قسم الأمومة، بما في ذلك نساء يحتجن إلى الرعاية الجراحية، وإلى أكثر من 400 طفل ورضيع حديث الولادة. هذا ويكتظّ المستشفى بالمرضى المصابين بالحروق والإصابات الشديدة.

الرعاية الصحية تتعرض للهجوم في جميع أنحاء غزة. ففي صباح يوم الرابع من يونيو/حزيران، قصفت القوات الإسرائيلية مستشفى الأقصى الذي تدعمه أطباء بلا حدود ثلاث مرات، وهو المرفق الرئيسي في دير البلح وسط غزة. وعلى الرغم من عدم الإبلاغ عن أي إصابات، يذكّرنا هذا الهجوم بشكل صارخ بالمخاطر الجسيمة التي تواجه المرضى والكوادر الطبية والمرافق الصحية بشكل مستمر في غزة.

استقبلت فرقنا مرضى أُصيبوا بجروح خطيرة أثناء محاولتهم الحصول على الطعام نتيجة لإطلاق النار الذي وقع حول مراكز توزيع الطعام التابعة لمؤسسة غزة الإنسانية، وهذا بالإضافة إلى الأشخاص الذين جُرحوا جراء القصف المستمر على قطاع غزة. فالمستشفيات ممتلئة عن آخرها بالمرضى.

من الضروري أن تقوم السلطات الإسرائيلية بحماية مستشفى ناصر وضمان وصول كامل وغير مقيَّد لكل من المرضى والكوادر الطبية إليه لتفادي وقوع مزيد من الوفيات.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

غزة: عشرات الفلسطينيين يُقتلون في مواقع توزيع المساعدات التي تدعمها الولايات المتحدة وإسرائيل

غزة: عشرات الفلسطينيين يُقتلون في مواقع توزيع المساعدات التي تدعمها الولايات المتحدة وإسرائيل

القدس – قُتل عشرات الفلسطينيين وأُصيب المئات بجروح اليوم، في الأول من يونيو/حزيران، فيما كانوا ينتظرون الحصول على الطعام من مراكز التوزيع التابعة لمؤسسة غزة الإنسانية المنشأة حديثًا في رفح بالقرب من ممر نتساريم، وذلك بحسب وزارة الصحة. وقد انضمّت فرق أطباء بلا حدود إلى جهود الاستجابة لحالات الإصابات الجماعية في مستشفى ناصر بخان يونس. وأفاد المرضى لفرقنا بأنهم تعرّضوا لإطلاق نار من جميع الجهات بواسطة طائرات مسيّرة ومروحيات وزوارق ودبابات، بالإضافة إلى جنود إسرائيليين على الأرض.

عادت أحداث اليوم لتُظهِر خطورة النظام الجديد لتوزيع المساعدات وافتقاره للإنسانية والفعالية إلى حد بعيد. فقد أسفر عن سقوط قتلى وجرحى من المدنيين بما كان من الممكن تفاديه. لا بدّ من أن تُقدَّم المساعدات الإنسانية حصريًا عبر منظمات إنسانية تمتلك الكفاءة والإرادة لتقديمها بشكل آمن وفعّال.
كلير مانيرا، منسقة شؤون الطوارئ في أطباء بلا حدود

عالجت فرق أطباء بلا حدود في مستشفى ناصر اليوم مرضى أُصيبوا بجروح خطيرة. ولا يزال بعضهم في حالة حرجة ويخضع لعمليات جراحية. ومع اقتراب بنوك الدم من النفاد، اضطر الفريق الطبي نفسه إلى التبرع بالدم.

كانت ممرات المستشفى مكتظة بالمرضى، لكن على عكس ما اعتدت رؤيته من قبل — حيث كانت الغالبية من النساء والأطفال — كان معظم المرضى اليوم من الرجال. وقد تمدّدوا على أسرّة في الممرات لأن الغرف امتلأت بالمصابين. وكانت الإصابات بالطلقات النارية ظاهرة على أطرافهم، وثيابهم ملطّخة بالدماء.
نور السقا، وبحسب المسؤولة الإعلامية في أطباء بلا حدود

وتتابع، “كانوا مكسورين ومفجوعين، فبعد أن خرجوا لتأمين الطعام لأطفالهم، عادوا جرحى وخاليي الوفاض. في الخارج، علا الصراخ وصوت صفّارات الإنذار، فيما استمرّ تدفّق الجرحى إلى قسم الطوارئ. ووسط هذه الفوضى، وردنا خبر يفيد بمقتل شقيق أحد زملائنا وهو يحاول الحصول على المساعدات من مركز التوزيع”.

منصور سامي عبدي هو أب لأربعة أطفال، ويصف هذه الفوضى قائلًا، “تشاجر الناس على خمس منصات للتوزيع. قالوا لنا خذوا الطعام—ثم أطلقوا النار في كل الاتجاهات. ركضت لنحو 200 متر قبل أن أدرك أنني أصبت برصاصة. هذه ليست مساعدات، إنها كذبة. هل يُفترض بنا أن نخرج لنبحث عن طعام لأطفالنا وأن نلقى حتفنا بعدها؟”.

أما محمد دغمة الذي يبلغ من العمر 24 عامًا، وهو نازح في القرارة بخان يونس، فيقول، “تعرّضت لإطلاق النار في تمام الساعة 3:10 فجرًا. وبينما كنا عالقين، استمر النزيف حتى الساعة الخامسة صباحًا. كان هناك العديد من الرجال معي. حاول أحدهم إخراجي، لكنه أصيب برصاصة في الرأس ومات على صدري. ذهبنا من أجل شيء واحد فقط وهو الحصول على الطعام، لننجو فقط مثل جميع الأشخاص”.

هذه هي المرة الثانية التي تُراق فيها الدماء نتيجة النظام المستحدَث لتوزيع المساعدات. ففي 27 مايو/أيار، وفي بعد ظهر أول يوم للتوزيع في رفح، أطلقت القوات الإسرائيلية النار على العشرات، فيما وُزّعت كميات غير كافية بتاتًا من الإمدادات الأساسية المنقذة للحياة وسط حالة من الفوضى العارمة”.

ووفقًا للأمم المتحدة، وبسبب الحصار الكامل الذي فرضته السلطات الإسرائيلية في 2 مارس/آذار، بات جميع السكان في قطاع غزة معرّضين لخطر المجاعة. ومنذ 19 مايو/أيار، دخلت بضع مئات فقط من شاحنات الغذاء إلى القطاع — وهو رقم ضئيل جدًا مقارنة بالحاجة الفعلية — ما أثار اليأس بين أكثر من مليوني شخص حُرموا إلى حد كبير من الغذاء والماء والأدوية على مدار ثلاثة أشهر متواصلة. إنّ الحظر الكلي أو الجزئي لدخول المساعدات الإنسانية يفاقم من الوضع الذي يعيشه كافة سكان القطاع.

تؤكد منظمة أطباء بلا حدود على أنه وفي ظل أوامر التهجير وحملات القصف التي تزهق أرواح المدنيين، يمكن لاستخدام المساعدات الإنسانية كسلاح بهذه الطريقة  أن يُشكّل جريمة ضد الإنسانية. ولا يمكن تخفيف هذه الكارثة البشرية إلا بوقف دائم لإطلاق نار والفتح الفوري للحدود لدخول المساعدات الإنسانية إلى غزة، بما في ذلك الغذاء والإمدادات الطبية والوقود والمعدات اللازمة.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

السودان: انتشار العنف الجنسي على نطاق واسع في دارفور

السودان: انتشار العنف الجنسي على نطاق واسع في دارفور

بروكسل/أمستردام – حذّرت المنظمة الطبية أطباء بلا حدود اليوم من أن النساء والفتيات بإقليم دارفور في السودان معرضات لخطر العنف الجنسي بشكل شبه مستمر. ولا يزال من الصعب تحديد الحجم الحقيقي لهذه الأزمة، فالخدمات لا تزال محدودة ويواجه الناس عوائق في طلب العلاج أو التحدث عن محنتهم. إلا أن جميع الناجيات اللواتي تحدثن مع فرق أطباء بلا حدود في دارفور وعبر الحدود في تشاد روين قصصًا مرعبة قائمة على العنف الوحشي والاغتصاب. وفيما يتعرض الرجال والفتيان كذلك للخطر، فإن حجم المعاناة يفوق الوصف.

لا تشعر النساء والفتيات بالأمان في أي مكان. فهن يتعرضن للاعتداء في منازلهن، أو خلال الفرار من العنف، أو عند الحصول على الطعام، أو جمع الحطب، أو العمل في الحقول. يخبرننا أنهن يشعرن بأنهن محاصرات. هذه الهجمات شنيعة ووحشية، وغالبًا ما يتورط فيها جناة عدة. يجب وضع حد لهذا. فالعنف الجنسي ليس نتيجة طبيعية أو حتمية للحرب، بل يمكن أن يشكل جريمة حرب وشكلًا من أشكال التعذيب وجريمة ضد الإنسانية. وعلى الأطراف المتحاربة محاسبة مقاتليها وحماية الناس من هذا العنف المقزز. ويجب توسيع نطاق الخدمات المقدمة للناجيات على الفور، حتى يتسنى لهن الحصول على العلاج الطبي والرعاية النفسية التي تشتد حاجتهن إليها.
كلير سان فيليبو، منسقة الطوارئ في أطباء بلا حدود

أصبح العنف الجنسي منتشرًا على نطاق واسع في دارفور إلى درجة مرعبة جعلت الكثير من الناس يعتبرونه قدرًا لا مفر منه. قالت امرأة تبلغ من العمر 27 عامًا لفريق أطباء بلا حدود في غرب دارفور، “يأتي بعض الأشخاص ليلًا لاغتصاب النساء وأخذ كل شيء، بما في ذلك الحيوانات. سمعتُ بعض النساء وهن يُغتصبن ليلًا. أما الرجال، فكانوا يختبئون في المراحيض أو في بعض الغرف التي يمكنهم إغلاقها، مثل زوجي وإخوتي، وإلا لقُتلوا. فالنساء لم يختبئن لأن مصيرنا اقتصر على الضرب والاغتصاب، أما الرجال فكانوا يُقتلون”.

يتعرض الناس للاغتصاب والضرب ضمن سياقات تتجاوز الهجمات على القرى والبلدات أو رحلات الهروب إلى بر الأمان. فالمساعدات الإنسانية المحدودة تجبر الناس على المخاطرة للبقاء على قيد الحياة: يقطع الناس مسافات طويلة سيرًا على الأقدام لتلبية احتياجاتهم الأساسية ويعملون في أماكن خطرة. ويقرر آخرون عدم المخاطرة، لكنهم ينقطعون عن مصادر دخلهم، ما يحدّ من إمكانية حصولهم على الماء والغذاء والرعاية الصحية. وهذا ليس بضمانة للسلامة، فالناس يُهاجمون حتى في بيوتهم.

قدمت أطباء بلا حدود الرعاية إلى 659 ناجيةً وناجيًا من العنف الجنسي في جنوب دارفور بين يناير/كانون الثاني 2024 ومارس/آذار 2025

  • أفاد 86 في المئة أنهم تعرضوا للاغتصاب
  • تمثل النساء والفتيات 94 في المئة من الناجين
  • أفاد 56 في المئة أن المعتدي شخص غير مدني (أي أحد أفراد الجيش أو الشرطة أو قوات الأمن الأخرى أو الجماعات المسلحة غير الحكومية)
  • أفاد 55 في المئة بأنهم واجهوا عنفًا جسديًا إضافيًا أثناء الاعتداء
  • تعرّض 34 في المئة للعنف الجنسي أثناء العمل في الحقول أو التوجه إليها
  • 31 في المئة أصغر من 18 عامًا، و29 في المئة في سن المراهقة (بين عشرة و19 عامًا)، وسبعة في المئة أصغر من عشرة أعوام، و2.6 في المئة أصغر من خمسة أعوام

ويُرجّح أن هذه الإحصائيات المؤرّقة لا تعكس الحجم الحقيقي للعنف الجنسي في جنوب دارفور.

والوضع مماثل في أماكن أخرى تقدم فيها أطباء بلا حدود الرعاية للناجيات والناجين، مثل شرق تشاد التي تستضيف حاليًا أكثر من 800 ألف لاجئ سوداني. وفي أدري، عالجت أطباء بلا حدود 44 ناجية وناجيًا منذ يناير/كانون الثاني 2025، ونصفهم تقريبًا من الأطفال. وفي إقليم وادي فيرا، تلقى العلاج 94 ناجيًا وناجيةً بين يناير/كانون الثاني ومارس/آذار 2025، وكان 81 منهم أصغر من 18 عامًا. وتؤكد على ذلك شهادات المريضات والمرضى ومقدمي الرعاية في كل من شرق تشاد ودارفور في السودان. قال رجل لفريق أطباء بلا حدود في مورني بغرب دارفور، “قبل ثلاثة أشهر كانت هناك فتاة صغيرة تبلغ من العمر 13 عامًا اغتصبها ثلاثة رجال… أمسكوا بها واغتصبوها ثم تركوها في الوادي… نادوا على بعض الأشخاص لأخذ الفتاة إلى المستشفى. كنت أحدهم. كانت فتاة صغيرة”.

أفادت عدة ناجيات بتعرضهن للاغتصاب من قبل عدة أشخاص. في ميتشي بشرق تشاد، تلقت 24 ناجية العلاج بين يناير/كانون الثاني ومارس/آذار 2025، وقد تعرضت 11 منهن لاعتداءات من عدة معتدين. وتؤكد على ذلك التجارب التي شاركتها المريضات في مختلف المواقع. قالت ناجية من الاغتصاب تبلغ من العمر 17 عامًا لفريق أطباء بلا حدود، “عندما وصلنا إلى كلبس، رأينا مجموعة من ثلاث نساء يحرسهن بعض رجال قوات الدعم السريع. أمرتنا قوات الدعم السريع بالبقاء معهن. قالوا لنا، “أنتن زوجات الجيش السوداني أو بناته… ثم ضربونا، واغتصبونا هناك على الطريق في العلن. كان هناك تسعة رجال من قوات الدعم السريع. اغتصبني سبعة منهم. أردت أن أفقد ذاكرتي بعد ذلك”.

وفي بعض الحالات، اتهم المعتدون الناجيات بشكل مباشر بدعم الطرف الآخر. شاركتنا إحدى النساء قصتها، “أحمل شهادة في تمريض الإسعافات الأولية. [عندما أوقفتنا] قوات الدعم السريع، طلبوا أن أعطيهم حقيبتي. عندما رأوا الشهادة بداخلها، قالوا لي، “أنتِ تريدين إسعاف الجيش السوداني، تريدين علاج العدو!” ثم أحرقوا شهادتي، وخطفوني لاغتصابي. وطلبوا من الجميع البقاء على الأرض. كنت مع بعض النساء الأخريات، ومنهن أختي. اغتصبوني فقط بسبب شهادتي”.

من الضروري أن تحصل الناجيات على الخدمات بعد الاعتداء، فالعنف الجنسي يمثل حالة طبية طارئة. ويمكن للعواقب الجسدية والنفسية الفورية والطويلة الأمد أن تهدد الحياة.  ومع ذلك، تعاني الناجيات من أجل الحصول على الرعاية الطبية والحماية بسبب نقص الخدمات ومحدودية الوعي بالخدمات القليلة الموجودة، وارتفاع تكلفة النقل للوصول إلى المرافق، والتردد في الحديث عن الاعتداء بسبب العار أو الخوف من الوصمة أو الانتقام.

قالت إحدى الناجيات البالغة من العمر 27 عامًا لفريق أطباء بلا حدود في شرق تشاد، “لا أستطيع أن أقول أي شيء للمجتمع لأن ذلك سيجلب العار لعائلتي. لذا لم أقل أي شيء عما حدث لي قبل اليوم. والآن أطلب المساعدة الطبية فقط. كنت خائفة جدًا من الذهاب إلى المستشفى. قال لي أهلي ألّا أخبر أحدًا”.

وحيثما توجد الخدمات، تحتاج الناجيات إلى مسارات إحالة واضحة وسهلة للحصول على المساعدة التي يحتجنها. وفي ولاية جنوب دارفور التي تضم أكبر عدد من النازحين في السودان، أضافت أطباء بلا حدود في أواخر عام 2024 مكوّنًا مجتمعيًا لرعاية الناجيات من العنف الجنسي. تلقت القابلات والعاملات في الرعاية الصحية المجتمعية التدريب والإعداد لرفد الناجيات بوسائل منع الحمل الطارئة والإسعافات النفسية الأولية. كما دعمن إحالة الناجيات إلى عيادات الرعاية الصحية الأولية والمستشفيات المتخصصة التي تدعمها منظمة أطباء بلا حدود كي يحصلن على الرعاية الشاملة. ومنذ إضافة هذا المكوّن المجتمعي، شهدت أطباء بلا حدود زيادة كبيرة في عدد النساء والمراهقات اللاتي يطلبن الرعاية.

تستمر فرق أطباء بلا حدود باستقبال ناجيات جديدات من العنف الجنسي. ففي طويلة، حيث يستمر توافد الناس بعد الهجمات على مخيم زمزم، وفي الفاشر بشمال دارفور، استقبل المستشفى 48 ناجية من العنف الجنسي بين يناير/كانون الثاني وبداية مايو/أيار، وصلت معظمهن مع بداية القتال في مخيم زمزم في أبريل/نيسان.

هنالك نقص في الوصول إلى الخدمات المخصصة للناجيات من العنف الجنسي، ويجب توسيع نطاقها بشكل عاجل، شأنها شأن معظم الخدمات الإنسانية وخدمات الرعاية الصحية في السودان. فالأشخاص الذين يعانون من العنف الجنسي – ومعظمهم من النساء والفتيات – بحاجة ماسة إلى الرعاية الطبية، بما في ذلك الدعم النفسي وخدمات الحماية. يجب أن تكون الرعاية مصممة منذ البداية لتخفف من العوائق الكثيرة التي تواجهها الناجيات عند طلب الرعاية الطبية في أعقاب العنف الجنسي.
روث كوفمان، مديرة الطوارئ الطبية في أطباء بلا حدود

يجب أن تتوقف الاعتداءات الوحشية والاغتصابات، ويجب أن تضمن الأطراف المتحاربة حماية المدنيين، وأن تحترم التزاماتها بموجب القانون الدولي الإنساني لحماية المدنيين، ويجب فورًا توسيع نطاق الخدمات الطبية والإنسانية للناجيات والناجين من العنف الجنسي في دارفور وشرق تشاد.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

غزة: تطهير عرقي تحت وطأة الحصار واستغلال الإغاثة

غزة: تطهير عرقي تحت وطأة الحصار واستغلال الإغاثة

القدس، 20 مايو/أيار 2025 سُمح بإدخال كمية غير كافية من المساعدات إلى القطاع، وهي مجرد خدعة للتظاهر بأن الحصار قد انتهى. في هذه الأثناء، تضرر ما لا يقل عن 20 مرفقًا طبيًا في غزة أو أُجبرت على التوقف عن العمل جزئيًا أو كليًا خلال الأسبوع الماضي بسبب العمليات البرية الإسرائيلية المتقدمة والغارات الجوية المكثفة وأوامر الإخلاء واسعة النطاق. وفيما لا يزال الناس بحاجة ماسّة للرعاية الطبية والإغاثة، يجب على السلطات الإسرائيلية أن تتوقف عن خنق غزة عامدة متعمدة وإبادة نظام رعايتها الصحي، وذلك هو عماد حملة التطهير العرقي التي تشنها، بحسب منظمة أطباء بلا حدود.

سمحت السلطات الإسرائيلية بإدخال كمية تافهة من المساعدات إلى غزة بعد أشهر من الحصار المطبق، وهذا قرار يدل على نيتها تجنب اتهامها بتجويع الناس في غزة، فيما هي بالكاد تبقيهم على قيد الحياة. تمثل هذه الخطة وسيلة لاستغلال المساعدات وجعلها أداة لتعزيز الأهداف العسكرية للقوات الإسرائيلية.
باسكال كويسار، منسقة الطوارئ مع أطباء بلا حدود في خان يونس

وقبل أكتوبر/تشرين الأول 2023، دخلت يوميًا 500 شاحنة مساعدات إلى غزة، بحسب الأمم المتحدة. أما التصريح الحالي لدخول مئة شاحنة يوميًا في ظل الوضع المتأزم، فهو غير كاف على الإطلاق

وفي الوقت نفسه، تستمر أوامر الإخلاء في اقتلاع السكان، بينما لا تزال القوات الإسرائيلية تُخضع المرافق الصحية لهجمات مكثفة.

في 19 مايو/أيار، بين السادسة والسادسة والنصف صباحًا، أبلغت فرق أطباء بلا حدود عن سماع غارة واحدة تقريبًا كل دقيقة في خان يونس. وأصابت إحدى هذه الغارات مجمع مستشفى ناصر الذي يبعد مئة متر عن وحدة العناية المركزة وقسم المرضى المقيمين اللذَين تديرهما أطباء بلا حدود. هذا هو الاستهداف الثالث خلال شهرين لمجمع مستشفى ناصر، ما يحرم الناس مرة أخرى من العلاج والرعاية. اضطرت فرقنا – تجنبًا للقصف – إلى إغلاق قسم العيادات الخارجية وغرفة التخدير للمرضى الذين ينتظرون أو يتعافون من الجراحة، بالإضافة إلى تعليق أنشطة العلاج الطبيعي والصحة النفسية، والتي تعتبر ضرورية لمرضى الحروق، ومعظمهم من الأطفال.

تسبب قصف الأمس بأضرار بالغة لمخزن صيدلية وزارة الصحة في مستشفى ناصر. ويشكل ذلك ضغطًا إضافيًا على الإمدادات في وقت يتضاءل خلاله المخزون الطبي بسبب الحصار.

وفيما توسع القوات الإسرائيلية نطاق عملياتها البرية، فقد أصدرت أوامر إخلاء شاملة، ما يضائل حصول الناس على الرعاية الطبية وقدرة أطباء بلا حدود على توفيرها. ففي 19 مايو/أيار، على سبيل المثال، صدر أمر إخلاء شمل كامل الجزء الشرقي من خان يونس تقريبًا، عند أطراف مستشفى ناصر، ما أجبر الناس على الانتقال فورًا إلى منطقة المواصي.

وتشير تقديرات مجموعة إدارة الموقع إلى أن أكثر من 138,900 شخص نزحوا قسرًا بين 15 و20 مايو/أيار. وقد أدى القصف الإسرائيلي المكثف وأوامر الإخلاء الإسرائيلية في جميع أنحاء خان يونس إلى إجبار أطباء بلا حدود على استبقاء الأنشطة المنقذة للحياة فقط في غرف الطوارئ في عيادتي العطار والمواصي. ومنذ يوم أمس، أُغلقت كذلك عيادة الحكر في دير البلح. وقبل ذلك، كانت فرق أطباء بلا حدود توفّر أكثر من 350 استشارة يوميًا في مجال طب الأطفال ورعاية ما قبل الولادة وما بعدها والإسعافات النفسية الأولية والعلاج الغذائي وغيرها.

وقبل بضعة أيام، في 15 مايو/أيار، أصدرت السلطات الإسرائيلية أمرًا بإخلاء مركز الشيخ رضوان للرعاية الصحية الأولية في مدينة غزة، ما أدى إلى إغلاق المرفق. قبل ذلك، وبدعم من أطباء بلا حدود، كانت فرق وزارة الصحة تقدم قرابة ثلاثة آلاف استشارة طبية يوميًا في منطقة تضم 250 ألف شخص. وكانت هذه آخر عيادة للرعاية الصحية الأولية تعمل بكامل طاقتها في المنطقة.

ووفقًا لوزارة الصحة، خرجت إثر حصار المستشفى الإندونيسي جميع المستشفيات العامة في شمال غزة عن الخدمة. وقد شهد المستشفى الميداني التابع لأطباء بلا حدود في دير البلح ارتفاعًا في سعة الأسرّة إلى 150 في المئة خلال الأيام القليلة الماضية، ما اضطرهم إلى إضافة كوادر إضافية وزيادة سعة الأسرّة الأساسية بعشرين سريرًا. وبحسب الأمم المتحدة، يوجد حاليًا قرابة ألف سرير عامل في المستشفيات في جميع أنحاء القطاع، بينما كانت سعة الأسرة قبل الحرب 3500 سرير.

يجب أن تتوقف فورًا الهجمات على المدنيين وعلى مرافق الرعاية الصحية، ويجب أن تدخل المساعدات إلى غزة بكميات كافية وبطريقة تسمح بوصولها إلى من يحتاجونها. ويجب على حلفاء إسرائيل أن يمارسوا كل ضغوطهم لتحقيق ذلك على وجه السرعة القصوى. فكل يوم يضيع يعزز من تواطؤهم في إبادة شعب غزة.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

غزة: أطباء بلا حدود تستنكر الكارثة الإنسانية المتعمّدة

غزة: أطباء بلا حدود تستنكر الكارثة الإنسانية المتعمّدة

14 مايو/أيار – تحذر المنظمة الطبية الدولية أطباء بلا حدود من أن المقترح الأمريكي الإسرائيلي للتحكم في توزيع الإمدادات تحت ستار المساعدات الإنسانية ينطوي على مخاوف إنسانية وأخلاقية وأمنية وقانونية خطيرة. فجعل المساعدات مشروطة بالتهجير القسري وفرز السكان يمثل أداة أخرى في حملة التطهير العرقي المستمرة بحق السكان الفلسطينيين. ترفض أطباء بلا حدود وتشدد إدانتها لأي خطة تحد من المساعدات وتخضعها لأهداف الاحتلال العسكري الإسرائيلي.

نحن في أطباء بلا حدود نشهد وبشكل مباشر كيف تخلق الظروف للقضاء على حياة الفلسطينيين في غزة.

يشكل منع المساعدات الإنسانية انتهاكًا مباشرًا لقرار مجلس الأمن التابع للأم المتحدة رقم 2720، والذي يدعو إلى إيصال المساعدات الإنسانية للمدنيين بلا عوائق. ولا تزال الادعاءات بأن حماس تحرف مسار المساعدات غير مؤكدة ولا تبرر بأي حال من الأحوال مثل هذه الإجراءات. وعلى إسرائيل، بصفتها السلطة المحتلة، أن تيسر وصول المساعدات الإنسانية غير المتحيزة للسكان المحتاجين.

يجب على الأمم المتحدة والدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي وجميع من لهم تأثير على إسرائيل أن يستخدموا نفوذهم السياسي والاقتصادي على وجه السرعة لوقف استغلال الإغاثة. على الإمدادات الإنسانية والغذاء والوقود والأدوية أن تصل إلى سكان غزة الآن.

منذ استئناف إسرائيل لهجماتها ومنعها التام للمساعدات في الثاني من مارس/آذار، انقلبت غزة جحيمًا للفلسطينيين. ونجاة الفلسطينيين تقع تحت رحمة السلطات الإسرائيلية التي تمنع جميع السكان من الحصول على الغذاء والماء والرعاية الطبية والمأوى. تواصل إسرائيل حملتها للتطهير العرقي مدمرةً – مع سبق الإصرار والترصد – الظروف الضرورية للحياة.

هذا وقد أعلنت منظمات من بينها المطبخ المركزي العالمي وبرنامج الأغذية العالمي عن نفاد مخزونها الغذائي في غزة: فقد أغلقت معظم المطابخ المجتمعية والمخابز. وقد شهدت الفرق الطبية التابعة لأطباء بلا حدود في مدينة غزة زيادة بلغت 32 في المئة في عدد المرضى الذين يعانون من سوء التغذية خلال الأسبوعين الماضيين.

يحدّ تضاؤل مخزون الوقود من القدرة على تحلية المياه وتوزيعها. أما المرافق الصحية التي لا تزال تعمل – وهي تعاني أساسًا من تدنٍ حاد في عددها وسعتها مقارنة بعدد السكان – فتُهاجم وتقاسي التناقص السريع في مخزون الأدوية والإمدادات الأساسية الأخرى. لم تتلقَ فرق أطباء بلا حدود في غزة أي إمدادات منذ 11 أسبوعاً وتواجه نقصًا حادًا في المواد الطبية الأساسية، مثل الضمادات المعقمة والقفازات المعقمة.

والآن، تغطي أوامر الإخلاء الإسرائيلية والمناطق العسكرية المحظورة التي فرضتها 70 في المئة من غزة. هُجّر السكان قسرًا من مكان إلى آخر، بينما لم تَسلَم منطقة واحدة في غزة من الهجمات. اشتد اليأس لدرجة أن فرق أطباء بلا حدود تعالج المرضى وتخرجهم لتراهم يعودون بإصابات جديدة.

تمثل خطة إسرائيل لاستغلال المساعدات ردًا ازدرائيًا على الأزمة الإنسانية التي تسببت بها. ولو أرادت إسرائيل وحلفاؤها، لرفعوا الحصار اليوم وسمحوا بوصول المساعدات الإنسانية إلى جميع من يحتاجونها في غزة للبقاء على قيد الحياة.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

السودان: معاناة آلاف النازحين بعد ثلاثة أسابيع من الهجوم الدامي على مخيم زمزم

السودان: معاناة آلاف النازحين بعد ثلاثة أسابيع من الهجوم الدامي على مخيم زمزم

بعد مرور ثلاثة أسابيع على الهجوم البري الواسع الذي شنّته قوات الدعم السريع على مخيم زمزم في أوائل أبريل/نيسان 2025، لا تزال التقارير تشير إلى تصاعد حدة القتال في الفاشر، مع استمرار تدفّق النازحين إلى منطقة طويلة في شمال دارفور[1]. ونظرًا إلى تصنيف مخيم زمزم كموقع يعاني من مجاعة منذ أغسطس/آب 2024 وإصابة عدد كبير من الأشخاص بجروح بالغة خلال الهجوم، يصل الوافدون إلى طويلة في أوضاع بالغة الصعوبة، مما يثقل العبء على خدمات الطوارئ والتغذية في المستشفى الذي تدعمه أطباء بلا حدود في المدينة.

[1] https://reliefweb.int/report/sudan/sudan-displacement-zamzam-camp-north-darfur-state-flash-update-no-3-2-may-2025

وفي هذا الصدد، تقول مريم* البالغة من العمر 40 عامًا، والتي وصلت إلى طويلة بعد ثلاثة أيام من الهجوم على مخيم زمزم، “جاؤوا بأسلحتهم الرشاشة. هاجموا الناس وقتلوهم، وكان بينهم أطفال. أحرقوا منزلنا بكل ما فيه من ممتلكاتنا. اغتصبوا النساء. قتلوا ونهبوا… وحتى قبل الهجوم، كان الناس يموتون عطشًا وجوعًا بسبب الحصار الذي فُرض على زمزم منذ عام. كل شيء كان باهظ الثمن ولم يعد بمقدور الناس تحمّل كلفته في النهاية”.

وصلت مريم مع والدتها وشقيقاتها وأطفالهن. كانوا أسرة مكونة من 20 فردًا. جميعهم يقضون أيامهم متلاصقين تحت مأوى مؤقت صنعوه من بضع أغصان وقطعة قماش، يتقاسمون الظل القليل الذي يوفره.

وتوضح، “لا يتوفّر الطعام هنا. أعطانا السكان في طويلة بعض دقيق الدخن وصنعنا منه عصيدة. هذا التسوّل هو ما يبقينا على قيد الحياة حتى الآن. نحصل على الماء من الخزان، لكن لا يُسمح لنا بملء أكثر من وعاء واحد لكل عائلة، ونحن 20 فردًا. لدينا بطانية واحدة فقط نتقاسمها جميعا”.

منذ 12 أبريل/نيسان، حين بدأ الناس بالتوافد من زمزم إلى طويلة، تغيرت معالم المناطق المحيطة بالبلدة بشكل كامل. فاليوم، تُقدّر أعداد المقيمين في ملاجئ مؤقتة في حقول كانت خالية تمامًا قبل أسابيع قليلة بعشرات الآلاف.

ويقول إبراهيم* البالغ من العمر 42 عامًا الذي فرّ من زمزم سيرًا على الأقدام مع 11 فردًا من عائلته، “نحن هنا منذ أربعة أيام كما ترون، بلا شيء، من دون جدران أو سقف”.

حمل إبراهيم أحد أطفاله على كتفيه والآخر على ظهره طوال خمسة أيام. إنها المرة الرابعة التي يُجبر فيها على النزوح في ظروف مشابهة خلال عشر سنوات. ويصف كيف دخل الجنود إلى منازل الناس، وأخرجوهم منها ثم أطلقوا النار عليهم. قُتل ثلاثة من إخوته بهذه الطريقة. وخلال رحلته إلى طويلة، تعرّض للنهب، وشاهد أشخاصًا يُضربون بوحشية إلى درجة لم يعودوا فيها قادرين على الحركة.

ويضيف، ” تحت هذه الشجرة، الظروف شديدة الازدحام، ونفتقر إلى المياه والمأوى… ليس لدينا ما نأكله، والجميع جائع. نحصل على بعض الطعام من المطابخ المجتمعية. وأحيانًا نتمكّن من الحصول على قليل من الأرز عندما يوزّعون الوجبات، وإلا فنضطر للانتظار حتى اليوم التالي لنجد ما نأكله. أما المياه، فنذهب إلى بئر يشرب منه كثيرون، فننتظر ساعات طويلة حتى نتمكّن من الشرب”.

لا يعمل إلا قلة من المنظمات في منطقة طويلة، وأعداد الأشخاص الذين يحتاجون إلى المساعدة تفوق قدرتها على الاستجابة بكثير. أنشأت فرق أطباء بلا حدود نقطتين صحيتين في مواقع الوصول الرئيسية لتقديم المياه والدعم الغذائي والطبي الفوري للواصلين الجدد، كما تُحيل فرقنا الحالات الحرجة إلى مستشفى طويلة الذي تدعمه أطباء بلا حدود منذ أكتوبر/تشرين الأول 2024.

كانت غرفة الطوارئ مكتظة بالكامل. خلال الأيام الأولى، تضاعف عدد المرضى في المستشفى تقريبًا. وفي لحظة ما، كان لدينا أربعة مرضى في سرير واحد نظرًا لضيق المساحة. أُصيب الكثيرون بطلقات نارية وجروح ناجمة عن الانفجارات، فعالجنا 779 شخصًا خلال الأسابيع الثلاثة الماضية، بينهم 138 طفلًا و187 حالة حرجة. كان أصغر طفل عاينته يبلغ من العمر سبعة أشهر، إذ أُصيب بطلق ناري اخترق ذقنه واستقر في كتفه. كما استقبلنا رُضّع لا يتجاوز عمر بعضهم اليوم الواحد إثر معاناتهم من الجفاف. وصل أطفال كثر من دون ذويهم، فيما كان عدد كبير من الأهل يبحثون بيأس عن أطفالهم .
تيفان سالمون، رئيسة الممرضين في أطباء بلا حدود

شهدت فرقنا في المستشفى ارتفاعًا هائلًا في حالات الإدخال إلى مركز التغذية العلاجية المركّزة، علمًا أنه يعالج الأطفال دون سن الخامسة الذين يعانون من سوء التغذية الحاد الشديد بالإضافة إلى أمراض مصاحِبة أخرى. وفي الأسبوع الذي أعقب هذا التدفق، ازداد معدّل الإدخال إلى المركز بعشرة أضعاف تقريبًا، فانتقل من استقبال 6 إلى 7 حالات إلى أكثر من 60 حالة في الأسبوع. وكان معظم المرضى أطفالًا أتوا من زمزم، ما يشكل تذكيرًا واضحًا بالوضع الغذائي الصعب في ذاك المخيم المنكوب بالمجاعة.

ومما يزيد الوضع سوءًا هو بدء ما يُشتبه أنه تفشي للحصبة في طويلة منذ شهر مارس/آذار. فقد عالجت فرق أطباء بلا حدود أكثر من 900 شخص يُشتبه بإصابتهم بالحصبة منذ مطلع فبراير/شباط، احتاج أكثر من 300 منهم إلى دخول المستشفى بسبب حالتهم الحرجة. دفعتنا خطورة الوضع إلى إطلاق حملة تطعيم واسعة النطاق في المنطقة خلال الأسبوع الأول من أبريل/نيسان، شملت تطعيم نحو 18,000 طفل دون سن الخامسة. لكن بعد أسبوع واحد فقط من بدء تدفق الوافدين من زمزم، عاينت فرقنا عدة حالات يُشتبه بإصابتها بالحصبة بين الأطفال الوافدين حديثًا من المخيم، ما يشير إلى أن المرض قد بدأ بالانتشار داخل مواقع النزوح.

قد تُشكّل الإصابة بسوء التغذية والحصبة في الوقت نفسه خطرًا فتاكًا في مواقع النزوح المكتظة التي تفتقر إلى مقوّمات النظافة، مع عواقب كارثية على الأطفال الصغار.

تواصل منظمة أطباء بلا حدود توسيع استجابتها في طويلة. فإلى جانب توفير مئات الاستشارات الطبية يوميًا، تبرّعت المنظمة بمواد غذائية جافة للمطابخ المجتمعية، ما مكّنها من تحضير وتوزيع أكثر من 16,000 وجبة يوميًا. هذا وتوفّر فرقنا 100,000 لتر من المياه النظيفة يوميًا، مع خطط لبناء 300 مرحاض إضافي.

لكنّ الاحتياجات ما تزال هائلة وتتجاوز بكثير قدرتنا على الاستجابة. ورغم بدء بعض الجهات الإنسانية بالتحرّك وتنفيذ أول توزيع جماعي للغذاء، إلا أن الاستجابة الإنسانية لا تزال بحاجة ماسّة وعاجلة إلى توسيع كبير. نحثّ وكالات الأمم المتحدة على تعزيز وجودها الميداني بشكل ملموس، بما يتيح تنسيق استجابة تتناسب مع حجم الأزمة والاحتياجات المتزايدة على الأرض.

* تم تغيير الاسم
Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

ميانمار: شهر على الزلزال المدمر

ميانمار: شهر على الزلزال المدمر

في 28 مارس/آذار، ضرب زلزال بقوة 7.7 درجة ميانمار، ما أسفر عن مقتل وإصابة الآلاف من الناس. ومنذ ذلك الحين، تعمل فرق أطباء بلا حدود في منطقة ماندلاي، التي تقع على بعد 20 كيلومتراً من مركز الزلزال، لتوفير الرعاية الطبية والمساعدات النفسية والمواد الأساسية للناس.

حتى الآن، قمنا بترميم 140 مصدراً للمياه لـ 475 عائلة، ووزعنا أطقماً تحتوي على الصابون وفراشي الأسنان ولوازم نسائية وناموسيات لأكثر من 2000 عائلة، ودربنا أكثر من 200 متطوع على الإسعافات الأولية النفسية. ومن خلال عيادتنا المتنقلة في 8 مواقع في أنحاء منطقة ماندلاي، التقى فريقنا وقدم الرعاية للأشخاص الذين تضرروا بشكل مباشر، ومنهم ما وين وين، وثين زاو، وخين ميو خينغ الذين قدموا شهاداتهم لنا حول ذلك اليوم.

ما وين وين

كنت أنا وزوجي نتناول الغداء عندما بدأ [الزلزال]. ركض زوجي باتجاه ابننا وسقط بين المطبخ والمنزل الرئيسي. عندما سقط، وقع عليه الطوب واحدة تلو الأخرى. وعندما انهار كل شيء، لم أعد أعرف ماذا أفعل. 

شعرت برأسي وكأنه يحترق. وارتطم حجر كبير برأسي. عندما انتهت الهزة، سقط حجر كبير آخر من المنزل وضرب رأسي. 

عندما ضرب الزلزال، علِق اثنان من أطفالي وأختي وزوجها وأخي الصغير وموظف داخل المنزل. كنت أول من خرج. ثم خرج زوج أختي. وبعد أن خرج ووصل والدي إلى المنزل، أنقذوا ابني – استغرق الأمر خمس ساعات لإخراجه من تحت الأنقاض. وجدوا ابني محتضَناً بين ذراعي أختي. ولم تنجُ هي. وفقدتُ زوجي أيضاً. اعتقدت أنه نجا، لأنه كان أول من بدأ في الركض. أشعر بالأسف أن طفلي فقد والده وهو في هذه السن الصغيرة.

نحن الذين بقينا على قيد الحياة أصبنا بجروح. قُطِعت الأوردة التي في معصمي. ذهبت إلى مستشفى في ماندلاي على الفور. ما زلت لا أستطيع ثني يدي أو مدها. جئت إلى العيادة اليوم لأرى كيف حال يدي.

منذ ذلك الحين وطفلي خائف جداً. أخشى أن يحدث ذلك مرة أخرى. أريد فقط أن يعود زوجي.

ثين زاو

في 28 مارس/آذار، كنت أنا وزوجتي وابنتي جميعاً في المقهى الذي أعمل فيه، في الطابق الرابع، نصنع الكعك والسموسة لليوم التالي. كنت على وشك فتح المقهى، وكنت أرتب المكونات وفي تلك اللحظة، سمعت دويّاً عالياً. 

في الحقيقة، اعتقدنا في البداية أنه انفجار لغم أو قنبلة، فقد جئنا إلى هنا من منطقة النزاع؛ لذلك بدا الأمر مألوفاً جداً. 

ثم سقط تمثال بوذا، وعندما سقط، قالت زوجتي: “زلزال، زلزال، زلزال، اجلسوا”. لدي ساق واحدة فقط – تعرضنا لحادث دراجة نارية قبل عامين ونصف – واعتقدت أننا لا نستطيع الهرب لأننا كنا في الطابق الرابع. كنت أحمي ابنتي وزوجتي تحميني. كان المنزل يهتز. اضطررنا إلى إزالة أشياء للخروج من المنزل.

عندما وقعت الهزة الارتدادية، كنا على الطريق في عربة ريكشو – نريد العودة إلى البيت. عدنا جميعاً إلى المنزل، فقد بقي صامداً. 

انهارت العديد من المباني في حيّنا. لم يكن هناك ما يكفي من سيارات الإسعاف. تمكنا من المساعدة في حمل المصابين والموتى بدراجتنا ثلاثية العجلات. فعلنا ما بوسعنا. عندما رأينا تلك المباني المنهارة، انتابتنا مشاعر مزعجة. كان في قلبي شعور سيء. 

أصيبت يد ابنتي بجروح طفيفة. لم تكن إصابة شديدة. ولكنها عندما تسمع صوتاً مرتفعاً الآن، تشعر بأنها تريد أن تهرب. تتسارع دقات قلبها، وتشعر بالفزع. كانت ترغب في العيش في مبنى كبير مكون من 3 أو 4 طوابق، لكنها الآن تشعر بالخوف الشديد بعد هذا الزلزال.

خين ميو خينغ

ابنتي الصغرى لديها سعال، لذلك جئت إلى العيادة لفحصها. جئنا أنا وأختي إلى العيادة معاً، فهي حامل. بعد الزلزال أرادت الاطمئنان أن كل شيء على ما يرام، فجاءت لإجراء فحص طبي.

يوم 28 مارس/آذار، كان لدينا زوار في منزلنا. كنا في المطبخ نطبخ لهم الأرز ونقلي لهم الكعك. عندما بدأ الزلزال، اعتقدت في البداية أنها كانت تمطر. من المطبخ ناديت على والدتي: “أمي، المطر قادم، إنها تمطر، إنها تمطر، إنها تمطر، إنها تمطر”. ثم أدركت أنه لم يكن مطراً، بل زلزالاً. 

كنت قلقة جداً على طفلي ذي الأربعة أشهر في الغرفة الأخرى. قالت والدتي: “لا تركضي، سأهتم أنا بالصغير”. ثم صرخت زوجة أخي: “لا تركضي، اجلسي”.

جلست في المطبخ مع ابنتي ذات الستة أعوام، وكدنا نسقط على الأرض. الكرسي الخشبي الذي كنا نجلس عليه انقلب وضرب رأسي، لكنني كنت محظوظة. 

لم يسبق لي أن تعرضت لمثل هذا الزلزال العنيف.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print