مقابلة مع زميلنا ماريو فواز منسق التواصل الإعلامي لأنشطة منظمة أطباء بلا حدود في أوكرانيا

مقابلة مع زميلنا ماريو فواز منسق التواصل الإعلامي لأنشطة منظمة أطباء بلا حدود في أوكرانيا

شاهدوا جلسة أسئلة وأجوبة مع زميلنا ماريو فواز منسق التواصل الإعلامي لأنشطة منظمة أطباء بلا حدود في أوكرانيا ليخبرنا عن تجربته من الميدان!

Published on تموز 20, 2022

ما هو التواصل الميداني؟

ما هو التواصل الميداني؟

لا يعرف الكثيرون أنّ العمل الإعلامي جزء مهم وأساسي من عمل أطباء بلا حدود إذ يسلّط الضوء على أنشطتنا وعلى معاناة الناس وقصصهم. تعرّفوا إلى دور العاملين في التواصل الميداني مع زميلنا ماريو فواز.

Published on تموز 8, 2022

جولة داخل قطار أطباء بلا حدود الطبي

جولة داخل قطار أطباء بلا حدود الطبي

جهَّزت منظمة أطباء بلا حدود بالتعاون مع السكك الحديدية الأوكرانية ووزارة الصحة، قطاراً لنقل المرضى من المستشفيات القريبة من جبهات القتال في شرق أوكرانيا إلى المستشفيات في غرب البلاد. منذ 31 مارس 2022 قمنا بنقل أكثر من 600 مريض.

Published on حزيران 24, 2022

كيف ترتبط أزمة المناخ بأزمة الحصول على الأدوية؟

عائلات تتجه إلى أرض جافة في بنتيو. تضرر 835000 شخص بشكل مباشر من الفيضانات.

كيف ترتبط أزمة المناخ بأزمة الحصول على الأدوية؟

عائلات تتجه إلى أرض جافة في بنتيو. تضرر 835000 شخص بشكل مباشر من الفيضانات.

وتؤدي الطوارئ المناخية، لا سيما إذا ما اقترنت بتعذر الحصول على الأدوية، إلى تفاقم مواطن الضعف القائمة وتدهور الأوضاع الإنسانية. وخير برهان على ذلك هو تداعيات تغير أنماط هطول الأمطار في النيجر وتأثير ذلك على إنتاج الغذاء وانتشار الأمراض المعدية في البلد على غرار الملاريا. فقد جاءت هذه التداعيات لتزيد من المشاكل التي يعاني منها البلد أساسًا كانتشار الأوبئة المتكرر وانعدام الأمن الغذائي لأسباب مرتبطة بالضغط الديموغرافي وباستخدام الأراضي ومشاكل العنف والنزوح. والجدير ذكره أن اجتماع الملاريا ومشكلة سوء التغذية يتسبب بآثار سلبية مهلكة على الأطفال دون سن الخامسة.

وفي إطار عمل أطباء بلا حدود مع المجتمعات المحلية التي تواجه أزمات إنسانية، اتخذت المنظمة موضوعي “الإنصاف في تلقي اللقاح” و”حقوق الملكية الفكرية” كمحورين أساسيين لتبحث من خلالهما في أوجه التداخل بين أزمة تغير المناخ والقدرة على الحصول على الأدوية.

لقد ظهر جليًا للعالم في خضم تفشي جائحة كوفيد-19 وأزمة تغير المناخ ما يتطلبه مواجهة تهديد وجودي مباشر. ورأينا التدابير التي يتعين علينا اتخاذها للتصدي لكوفيد-19 وتوفير الوصول العادل إلى اللقاحات للجميع، كما لمسنا حجم الموارد التي نحتاج إلى حشدها لمواجهة هكذا أزمة.

وبناء عليه، تمكنت البلدان التي ترتفع فيها معدلات التحصين على غرار المملكة المتحدة من التصدي للجائحة في مراحل مبكرة وإعادة فتح اقتصادها في حين بقي الكثير من البلدان يرزح تحت وطأة الأزمة. وظل السكان الأكثر حاجة والعاملون في المجال الصحي فيها معرضين للخطر، علمًا أن البلدان الغنية اختارت تخزين اللقاحات وإعطاء الأولوية لسكانها بينما وقف السكان في باقي الدول متفرجين بانتظار الحصول على تبرعات من هذه اللقاحات بحسب الوعود التي قُدمت إليهم. 

أما في ما يتعلق بالمحور الثاني، فنبحث في دور قوانين حقوق الملكية الفكرية والدور الذي تؤديه في تقويض القدرة على الوصول إلى التكنولوجيا الطبية على وجه التحديد. وهنا، يجدر ذكر أن القوانين التي تفاقم أزمة الوصول إلى الأدوية، أي القوانين المرتبطة بإنفاذ براءات اختراع الأدوية والتقنيات الطبية بواسطة منظمة التجارة العالمية، تنطبق هي أيضًا على التقنيات المبتكرة الصديقة للبيئة.

وتتركز هذه التقنيات في البلدان الغنية مع أن الحاجة تشتد إليها في جميع البلدان، إذ تعتبر بالغة الأهمية لمواءمة الدول لاقتصاداتها وللتقليل انبعاثات الكربون. وتشمل التقنيات الخضراء أو التقنيات الصديقة للبيئة مصادر الطاقة المتجددة، والتكنولوجيا الانتقالية التي تحد من التأثير البيئي للمصادر الحالية للانبعاثات والأجهزة التي تستعمل خلايا الهيدروجين كوقود، والأدوية المعالجة للأمراض الجديدة الناجمة عن أسباب مناخية وأنواع المحاصيل الضرورية للتكيف مع تغير أنماط الطقس.

وهنا، يظهر بوضوح أن حاجتنا الماسة إلى مشاركة التقنيات المستحدثة الصديقة للبيئة تتطلب منا التطرق إلى تداعيات قوانين الملكية الفكرية التي تؤثر على نظام البحث والتطوير والبحث في الدور الذي تؤديه هذه القوانين في تقويض القدرة على الوصول إلى التكنولوجيا البالغة الأهمية، كما هو الحال مع أزمة الحصول على الأدوية.

وفي هذا السياق، لا يزال أمامنا الكثير لنكتشفه عن أوجه التقاء أزمة المناخ مع أزمة الحصول على الأدوية، وما يمكن أن نتعلمه من الاستجابة الحالية لكلتا الأزمتين، وكيف تعود أوجه عديدة من الظلم إلى أسباب شائعة متجذرة في طريقة بناء النظم العالمية وهياكل السلطة.

إن المنظمات الإنسانية تستجيب للأزمات بصرف النظر عن الأسباب التي أشعلتها. لكن جهود هذا الأخيرة في الاستجابة لا تعوض عن تقاعس السلطات المعنية في اتخاذ الإجراءات اللازمة لمعالجة أسباب بعض هذه الأزمات. وعليه، فلا بد من اتخاذ إجراءات سياسية ملموسة لتطبيق حلول تحد من ظاهرة الاحتباس الحراري وتزيل الحواجز التي تحول دون الحصول على الأدوية، وذلك في سبيل تجنب العواقب الإنسانية الكارثية وإنهاء أوجه الظلم المرتبطة بالوصول إلى الأدوية والتقنيات الصديقة للبيئة حتى يتمكن الناس من العيش في صحة ورفاهية.

470 شخصًا يحتاجون إلى مكان آمن إثر تنفيذ سبع عمليات إنقاذ في وسط البحر الأبيض المتوسط

470 شخصًا يحتاجون إلى مكان آمن إثر تنفيذ سبع عمليات إنقاذ في وسط البحر الأبيض المتوسط

منذ صباح يوم 9 مايو/أيار وطوال الساعات الـ 72 التالية، أنقذت فرق أطباء بلا حدود 470 شخصًا كانوا على متن 7 قوارب تواجه خطر الغرق في منطقتي البحث والإنقاذ الليبية والمالطية. وقد أُحضر هؤلاء الأشخاص على متن سفينة أطباء بلا حدود للبحث والإنقاذ، جيو بارنتس، التي تعمل في وسط البحر الأبيض المتوسط.

وعلى مدار الأيام الثلاثة التي عملت خلالها فرقنا بشكل مكثف، رُصدت القوارب التي كانت على وشك الغرق من على متن جيو بارنتس إثر تلقّي إنذارات من قبل منظمة هاتف الإنذار (ألارم فون) المعنية بالرصد في البحر الأبيض المتوسط، بدعم من المنظمة غير الربحية بيلوت فولونتير التي توفر المراقبة الجوية في وسط البحر الأبيض المتوسط والتي اتخذت من فرنسا مقرًا لها. وتجدر الإشارة إلى أن المراكز المعنية بتنسيق الإنقاذ البحري لم تحدد أيًا من هذه القوارب.

ففي وقت مبكر من صباح يوم 9 مايو/أيار، رصد فريقنا قاربين مطاطيين على وشك الغرق يحملان على متنهما ما مجموعه 204 أشخاص، من بينهم طفل صغير يدعى محمد يبلغ من العمر تسعة أشهر، تمكنت فرق أطباء بلا حدود من إخراجه من بين الحشود بعناية برفقة والدته وأُحضر إلى بر الأمان على ظهر السفينة. ثم نقل جميع الناجين من القوارب المطاطية على متن سفينة جيو بارنتس.

وبعد مرور أكثر من 24 ساعة، تلقّت أطباء بلا حدود إنذارًا بوجود قارب مطاطي مكتظ آخر ينقل على متنه 59 شخصًا، فانطلقت السفينة باتجاه موقعه بتوجيه من الطائرة التابعة لبيلوت فولونتير ونفذت عملية الإنقاذ.

وفي وقت متأخر من يوم 10 مايو/أيار، تلقت أطباء بلا حدود إنذارين جديدين من قبل ألارم فون عبر البريد الإلكتروني يفيدان بوجود قاربين آخرين يوشكان على الغرق في موقع قريب. فأُطلق اثنان من زوارق الإنقاذ السريعة من سفينة جيو بارنتس في حوالي الساعة التاسعة مساء. وبعد مرور خمس ساعات من البحث المكثف في الظلام، تمكن الفريق من العثور على القاربين اللذين كانا ينجرفان بالقرب من منصة نفط. وأُنقذ الناجون على متن هذين القاربين الذين يبلغ عددهم 111 شخصًا ثم نُقلوا على متن سفينة جيو بارنتس في حوالي الساعة الثانية صباحًا في نهاية أطول عملية إنقاذ منذ انطلاق عمليات البحث والإنقاذ على متن السفينة.

وفي 11 مايو/أيار، تلقّت فرقنا إنذارات إضافية من قبل ألارم فون تفيد بوجود المزيد من القوارب التي تواجه خطر الغرق في المياه الدولية التابعة لمنطقة البحث والإنقاذ المالطية. وبمساعدة منظمة بيلوت فولتير، تمكنت سفينة جيو بارنتس من العثور على الموقع الدقيق للقارب الأول حيث عثرت فرقنا على 67 شخصًا ينجرفون على متن قارب خشبي ويبدو عليهم جميعًا الخوف والتعب والارتباك. وبعد مرور بضع ساعات، أُحضر جميع الناجين على متن سفينة البحث والإنقاذ.

وتقول امرأة تبلغ 26 عامًا من سوريا، “كنت أشارف على فقدان الوعي عند وصول فريق الإنقاذ. لم أتمكن من فهم ما يحدث. فبحلول ذلك الوقت، كنا قد قضينا 48 ساعة على الأقل في البحر. كنت متأكدة من أنني سألقى حتفي”.

ومازال يوم عمليات الإنقاذ الطويل مستمرًا إذ أنقذ فريقنا 29 شخصًا كانوا على متن قارب آخر ينجرف في منطقة البحث والإنقاذ المالطية. ومرة أخرى، لم تكن السلطات المالطية قد اتخذت أي إجراءات. 

وفي هذا الصدد، يقول رئيس بعثة عمليات البحث والإنقاذ، خوان ماتياس غيل، “من غير المفهوم أن تتحمل المنظمات الخاصة مثلنا العبء الأكبر لإنقاذ حياة الناس بعد مرور كل هذه السنوات التي شهدت رحلات هجرة مميتة في البحر الابيض المتوسط. فوفقًا للبيانات الرسمية، غرق أو فُقد ما لا يقل عن 24,000 شخص منذ عام 2014. وعلى الرغم من ذلك، مازالت أوروبا تغض الطرف عما يحدث على حدودها الجنوبية”.

ويضيف، “لقد شعرنا بالفزع مرة أخرى جراء تقاعس السلطات المالطية والإيطالية بينما كان نحو 100 شخص يواجهون خطر الغرق. فقد أُبلغت القوات المسلحة المالطية في الوقت نفسه الذي تلقينا فيه البلاغ لكنها التزمت الصمت ولم تتحرك متجاهلة التزامها القانوني بتقديم المساعدة أو التنسيق، علمًا أنها الجهة الرئيسية المسؤولة عن عمليات البحث والإنقاذ في منطقة البحث والإنقاذ المالطية. كما أنها قد تجاهلت طلبنا بتوفير ميناء آمن”.

تعرّض معظم الناجين على متن سفينة جيو بارنتس لأشكال مختلفة من الانتهاكات الجسدية ويشمل ذلك العنف الجنسي والعمل القسري. وقد أقدم أربعة منهم على عبور البحر الأبيض المتوسط بينما كانوا يعانون من كسور في العظام ناجمة عن الإصابات التي لحقت بهم أثناء فترة تواجدهم في ليبيا.

ويعاني أحد الناجين المتواجدين حاليًا على متن سفينة جيو بارنتس من مرض السكري ويعتمد على الإنسولين، لكنه لم يتلقّ أدويته المنقذة للحياة لعدة أسابيع على الأرجح. كما تعرّض ناجيان آخران إلى نوبات ذهان على متن السفينة. ويعاني جميع الناجين الـ 470 على متن سفينة جيو بارنتس من مواطن ضعف جسدية أو نفسية ويحتاجون إلى مكان آمن للنزول في أقرب وقت ممكن.

وعلى الرغم من طلباتنا الستة، لم تمنحنا السلطات الإيطالية المسؤولة أيضًا عن أنشطة البحث والإنقاذ في البحر الأبيض المتوسط الإذن بإنزال الناجين في مكان آمن.

في جمهورية الكونغو الديمقراطية مشاهدُ لن أنساها طيلة حياتي

في جمهورية الكونغو الديمقراطية مشاهدُ لن أنساها طيلة حياتي

مؤثرة وجميلة” كلمتان أختصر فيهما تجربتي الأولى مع منظمة أطباء بلا حدود. اسمي سامي جرجس أبلغ من العمر 26 عامًا، حائز على إجازة في الدعاية والإعلان. قبل الانضمام إلى المنظمة عملتُ كمسؤول سلسلة التوريد في شركة بتروكيماويات. وطيلة تلك المدَّة كنت أبحثُ عن فرصة تمكنني من وضع خبراتي في مكان أفضل من ذاك الذي كنت أتواجد فيه. “لا تملك خبرة العمل في الميدان” كانت إجابة المنظمات المحلية التي سعيت إلى الانضمام إليها. لكنْ خلال بحثي عبر مواقع التوظيف الإلكترونية وجدت إعلان عمل مع منظمة أطباء بلا حدود. كنت قد سمعتُ عن المنظمة الكثير وبعدها بدأت بالقراءة عنها، دورها، أهدافها ومشاريعها. فوجدت نفسي أقرب إليها من غيرها من المنظمات الدولية، فهي طبية إنسانية وبعيدة من الأجندات السياسية والاصطفافات.

أرسلتُ سيرتي الذاتية عبر الموقع الالكتروني الخاص بالتوظيف، رغبةً مني في الانضمام إلى فريق عملها. وبعد أشهر، وصلتني رسالة القبول. للوهلة الأولى تفاجأت، ثمَّ أخبرت والدتي- وهي التي كانت تدرك جيداً رغبتي بعدم الاستمرار في العمل في القطاع الخاص في لبنان- ثمَّ اتصلت بأصدقائي وأعلمتهم بحماس عن انضمامي إلى المنظمة.

من لبنان إلى كينشاسا

كانت الوظيفة تتطلب أن أكون مسؤولاً عن التوريد واللوجستيات في مشروع منظمة أطباء بلا حدود في جمهورية #الكونغو الديمقراطية. يوم علمتُ أني سأسافر إلى الكونغو فرحتُ كثيراً إذ لطالما رغبت في زيارة هذا البلد. قبل انتقالي إلى هناك، قرأت أكثر عن الوضعين السياسي والصحي، ورغم كل ما علمته كنت متحمساً جداً.

 توجهت من مطار بيروت إلى العاصمة الكونغولية كينشاسا، تخللها انتظار في اسطنبول. قادتنا السيارة على طرق وعرة من المطار وصولاً إلى مكان إقامتي، رأيتُ ما سبق أن شاهدته ضمن وثائقيات عن البلد في الإعلام وعبر مواقع التواصل الاجتماعي من معاناة اقتصادية، وفروقات اجتماعية. أناسٌ لا يعيشون في منازل، سوء التغذية منتشر كما الأوبئة، إضافةً إلى الوضع السياسي المتغير الذي نسمع الكثير عنه في النشرات الإخبارية. ما رأيته بعيناي كان له وقعٌ مختلف. ولكنَّ كرم السكان في هذا البلد ومحبة الموظفين المحليين، جعلتني أشعر بأني أعيش ضمن عائلة كبرى، يرحب بكَ الجميع من اليوم الأول ما يتيح الاندماج بشكل أسرع!

تتوافر في كينشاسا مستلزمات الحياة كافة، ولكن الفروقات الاجتماعية بين الناس القاطنين فيها وبين سكان الضواحي والأرياف شاسعة. في هذه المناطق، الناس عُرضة للضرب والاعتداء والموت أكثر على يد مجموعات مسلحة تقتحم القرى جراء صراعات عرقية – سياسية أو لأهدافٍ مادية.

تعمل المنظمة في جمهورية الكونغو الديمقراطية منذ 35 عاماً حيث توفر الرعاية الصحية لضحايا النزاع والعنف وللنازحين، ولمَن يعانون من الأوبئة والأمراض المتوطنة كمرضى فيروس نقص المناعة البشرية/متلازمة نقص المناعة المكتسب. كما يستقبل مركز طوارئ الكونغو، وهو فريق طوارئ من منظمة أطباء بلا حدود، حالات طارئة من سوءِ التغذية والحصبة والكوليرا، الناجمة من ضعف البنى التحتية والخدمات الصحية غير الملائمة، التي لا تستطيع الوقاية من تفشّي الأمراض أو الاستجابة لها.

أذكرُ تماماً يوم وصلَت فتاة تبلغ من العمر خمس سنوات إلى مستشفى أطباء بلا حدود وقد تعرضت لضرب بآلةٍ حادة على رأسها، أُجريَت لها الإسعافات اللازمة غير أنها لم تنجو. فكنتُ أنا الشخص المسؤول عن تحضير الأوراق الرسمية لإجراءات الدفن، كما تواجدت يوم وريت في الثرى، إنها تجربة مؤلمة بالنسبة إلي لا أرغب في التفكير فيها.
سامي جرجس - مسؤول التوريد واللوجستيات

لحظات مؤثرة ترسخ في ذاكرتي

بعد وصولي، استلمتُ مهامي كمدير الخدمات اللوجستية وسلسلة التوريد في مركز منظمة أطباء بلا حدود وارتكز دوري على متابعة سير العمل في قسم سلسلة التوريد، وإدارة الخدمات اللوجستية والمخزون الطبي، كما العناية بجميع الشحنات الواردة أو الصادرة، والتنسيق بين المشاريع الأخرى مع احترام قواعد منظمة أطباء بلا حدود. إلى ذلك، كنت مسؤولاً عن تطوير قدرات الفريق وضمان قيام طاقم العمل بدورهم، إضافة إلى الإشراف على جميع أنشطة التوريد في القاعدة والمستشفى والمستودعات.

كنت أزور مستشفى أطباء بلا حدود في كانانغا (كانت تعرف مسبقا بلولوابورغ وهي عاصمة مقاطعة لولوا في جمهورية الكونغو الديمقراطية) مرة واحدة في الأسبوع للتأكد من عدم وجود أي نقص في التجهيزات التي يحتاجها الفريق الطبي العامل هناك. كانت تلك المرة الأولى التي أرى فيها أطفالاً يعانون من سوء التغذية أو جرحى اعتداءات عنف.

أذكرُ تماماً يوم وصلَت فتاة تبلغ من العمر خمس سنوات إلى مستشفى أطباء بلا حدود وقد تعرضت لضرب بآلةٍ حادة على رأسها، أُجريَت لها الإسعافات اللازمة غير أنها لم تنجو. فكنتُ أنا الشخص المسؤول عن تحضير الأوراق الرسمية لإجراءات الدفن، كما تواجدت يوم وريت في الثرى، إنها تجربة مؤلمة بالنسبة إلي لا أرغب في التفكير فيها.

ومن اللحظات الأخرى المؤلمة، تلك التي كنت أقوم خلالها في جولة داخل المستشفى، عندما دخلت إلى إحدى الغرف ورأيت طفلاً يرقد على السرير، طوله 50 سنتمتراً ووزنه 16 كيلوغراماً، نحيل جداً حيث تشعر عند رؤيته أنَّ الجلد ملتصقٌ تماماً بالجسم، سألتُ الممرضة عن عمره، “سنتان؟” فأجابت أكثر، فقلت لها كم عمره إذاً؟ فقالت 10 سنوات. سبقَ أن شاهدت حالات سوء تغذية من خلال فيديوهات ووثائقيات، ولكنها المرة الأولى التي أراها أمام عينايَ وقد آلمني ذلك حقاً! كان الطفل يتيماً بلا أهل، مرمياً إلى جانب أحد الطرق، وقد نقله أحد الاشخاص إلى مستشفى المنظمة ليحصل على الرعاية اللازمة. وبمرور الأسابيع باتت صحته تتحسن، وبدأ يتناول الطعام بشكل سليم، وصار أكثر ابتساماً وتفاعلاً معي بعدما صرتُ اذهب لرؤيته أسبوعياً.

مفهوم الفقر تغيَّر في ذهني

سوء التغذية موجود بكثرة في جمهورية الكونغو الديمقراطية نظراً للوضع الاقتصادي الصعب، كما الكوليرا، والملاريا وإيبولا. ورغم كل ذلك، أشعر أنَّ عملي له دورٌ وهدف، أقوم بأشياء لها ضرورة وذات أهمية، وأساهم في مساعدة أناس هم في أمسِّ الحاجة إلى المساعدة. إلى جانب ذلك، طوّرت هذه التجربة شخصيتي، كما بدَّلت مفهوم الفقر في ذهني، صحيح أننا نرى في لبنان عائلات فقيرة، ولكن الحالات لا يمكن مقارنتها بتاتاً بما نراه في الكونغو. لم أعُد أولي أهمية للأمور المادية، وهي لم تكن تعنيني سابقاً، غير أني الآن بتُ أكثر إدراكاً لمعاني الحرمان والحاجة الذي اختلف كلياً بالنسبة إليَّ.

عائلةٌ واحدة

منذ لحظة لقائي بفريق العمل في مشروع منظمة أطباء بلا حدود شعرتُ بأنني فردٌ منهم، إذ إنَّ ترحيبهم بالأشخاص الجدد يُسهل اندماجنا معهم ويخفف عنا البُعد عن الأهل. أشهر أمضيتها مع عائلتي الجديدة، نتحدث سوياً طيلة أيام وساعات العمل كما في أيام إجازاتنا الأسبوعية. لكنَّ أكثر ما تأخرت في التأقلم معه كان عبارة “بابا” و”ماما”، في عاداتنا ترتبط هذه التسمية بالأهل، أما في جمهورية الكونغو الديمقراطية فمتداولة للتوجه إلى الشخص الأكبر سناً وتعتمد من باب الاحترام والتقرب منه. بضعة أشهر لا يُمكنها اختصار تجربة كاملة، وأنا متأكد من أنَّ الأيام المقبلة تخبئ لي الكثير من القصص.

علا بركات واجهت مجتمعها الأردني من أجل طموحاتها

علا بركات واجهت مجتمعها الأردني من أجل طموحاتها

واجهت الأردنية علا بركات تحديات كثيرة لتكون كما أرادت أن تكون في مجتمع محافظ. تقول: “أنا امرأة قبل أي شيء، وأم لطفلين، أيهم (أربع سنوات)، وآدم (ثمانية أشهر)”. تعمل كمشرفة على إحدى صيدليات منظمة “أطباء بلا حدود” في العاصمة الأردنية عمان، وقد أمضت تسع سنوات في العمل الإنساني وما زالت، وشهدت معاناة وأوجاع الكثير من الناس.

شعاري الوحيد الذي كان يرافقني أنه إن لم أطور نفسي سأصبح امرأة تعيسة وأماً حزينة. لا شيء سيقف بوجهي كامرأة، وسأحارب أي شيء سيعيق مسيرتي المهنية. سأضع عملي وعائلتي بين كفّي.
علا بركات، مشرفة صيدلية

تجربتها جعلتها أكثر قوة وحناناً، لتكمل مسيرتها المهنية بشغف، وتحقّق طموحاتها من دون أن تكترث للعادات والتقاليد التي تحدّ من طموحات المرأة. تقول إن عملها في المجال الإنساني ساعدها في خوض معارك تصفها بالناجحة من دون تردد أو خوف. وقبل أن تتسلّم عملها كمشرفة على الصيدلية، عملت في مخيمي الزعتري والأزرق للاجئين السوريين، واللذين يبعدان نحو 85 كلم شمال شرق عمّان. “هذه الرحلة اليومية كانت بمثابة التحدي الأول لي كامرأة عاملة في مجتمع تقليدي. كنتُ حديث المحيطين بي من نساءٍ ورجال وكانت تحاصرني الأسئلة: كيف تتنقلين وحدك مسافة طويلة كهذه؟ كيف تبتعدين عن أطفالك من أجل العمل؟ كيف تتجولين كامرأة بين اللاجئين؟ ألا تتعرضين للمضايقات أو حتى للتحرش؟”. تقول إن هذه الأسئلة لم تكن تزعجها لأنها كانت واثقة بما تقوم به.

ومع تفشّي كورونا، كان الصيادلة في الصفوف الأمامية لمواجهة كورونا. وهي من اللواتي وقفن إلى جانب الناس، وخصوصاً الأكثر تهميشاً. تقول: “لدى تفشي كورونا، كنت حاملاً في الشهر السابع، وعشت ثلاثة أشهر صعبة ما بين العمل والمنزل. لا أنكر أنني كنت خائفة، لأننا كحوامل معرضات أكثر من غيرنا لالتقاط عدوى الفيروس. لكنّني اتخذت إجراءات الوقاية كافة خوفاً على نفسي وعلى طفليّ”. 

لم تكن يومياتها عادية بين العمل والعائلة والدراسة، إلا أنها استطاعت تنظيم وقتها، هي الحريصة على إكمال دراستها العليا. تعمل في الصيدلية من الثامنة صباحاً وحتى الخامسة عصراً. ثم تجلس مع أطفالها ثلاث ساعات وتدرس ثلاث ساعات أونلاين في ظل كورونا.

وكانت قد حصلت على منحة من “أطباء بلا حدود” لدراسة الماجستير في تخصص التدريب على الشؤون الإنسانية. واليوم، هي عاملة وأم وطالبة في أصعب مرحلة يمر بها العالم. هذه المهمات كانت بمثابة صدمة اجتماعية بالنسبة إلى محيطها. تقول: “كان الجميع يعتبرني ضعيفة لأنني امرأة، وكانوا يقولون لي: لا يمكنك كامرأة أن تعملي، وتربي، وتدرسي. نحن رجال ولا نستطيع القيام بكل ما تقومين به”. اعتادت على تعليقات الناس. مثلاً، يقولون لها إنها ترهق نفسها، أو يسألونها: ماذا تريدين من هذه الدنيا؟ وينصحونها بالاهتمام ببيتها وطفليها بدلاً من أخذ دورها ودور غيرها، “لكنني كنت أزداد قوة وعزيمة كلما سمعت هذه التعليقات السلبية”.

كل المهام تجعلني امرأة ناجحة مفعمة بالحياة ولا حدود لطموحاتي

تؤكد أن عملها في المنظمة فيه الكثير من التحديات، ومن بينها السفر. أتاح لها العمل في المنظمة السفر في مهمة إلى لبنان، بعدما تم اختيارها لخوض هذه التجربة. “الفرحة لم تسعني عندما قُبل طلبي للسفر. مهمتي كانت في صيدلية في أحد مستشفيات المنظمة في مدينة زحلة في محافظة البقاع. هذه الرحلة أو المهمة كانت محط أنظار كثيرين في مجتمعي، وشكلت صدمة بالنسبة لهم لأنني سأسافر مدة ستة أشهر وأترك عائلتي من أجل العمل. اعتبروني أماً غير صالحة ولم ينظروا يوماً إلى نجاحاتي. لكن بعد عودتي من مهمة لبنان، أصبحت مصدر إلهام للكثير من الأردنيات اللواتي يعملن معنا في المنظمة. زميلاتي تشجّعن للتقدم بمهمات سفر وهذا كان بمثابة إنجاز كبير لي”. 

تقول إن الشراكة بين الزوجين هي أكثر ما يميز أي علاقة ناجحة، مشيرة إلى أن زوجها كان السند الأكبر لها، وكان يشجعها على المغامرة “خلافاً لأكثرية الرجال في مجتمعنا”. وكان قد أكد لها أنه سيكون إلى جانبها في السرّاء والضراء. تضيف أن زوجها صحافي وحاصل على دكتوراه في الأدب العربي، ومنفتح، ويقدّر عملها ويحرص على أن تحقق طموحاتها، علماً أنّ معظم من حوله من رجال يرفضون تمكين زوجاتهم بالعلم والدراسة.

وتقول علا: “لا أنكر أن الضغوط والمسؤوليات كبيرة وكثيرة، بين العمل والدراسة والواجبات العائلية. لكن كل هذه المهام تجعلني امرأة ناجحة مفعمة بالحياة ولا حدود لطموحاتي. شعاري الوحيد الذي كان يرافقني أنه إن لم أطور نفسي سأصبح امرأة تعيسة وأماً حزينة”. تضيف أن “لا شيء سيقف بوجهي كامرأة، وسأحارب أي شيء سيعيق مسيرتي المهنية. سأضع عملي وعائلتي بين كفّي”.