بين القيود والتعنيف: قصة مصورة عن العاملات والعمال المهاجرين في لبنان

بين القيود والتعنيف: قصة مصورة عن العاملات والعمال المهاجرين في لبنان

في لبنان، استُخدم مصطلح “السريلانكية” للإشارة إلى عاملات المنازل المهاجرات – بغض النظر عن جنسياتهن – والذي يعكس أصل معظم العاملات الوافدات في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. ومع تغير أنماط الهجرة، أصبح مصطلح “الإثيوبية” أكثر شيوعًا.

لا تختزل هذه التسميات الأفراد في جنسياتهن فحسب، بل تعزز الصورة النمطية بأن الأشخاص من هذه الخلفيات هن بطبيعتهن عاملات منازل. والمقلق أكثر هو الإيحاء بأن هذا العمل مهين بشكل أو آخر، ما يزيد من تهميش أولئك اللواتي يقمن بهذه الأدوار الأساسية.

عندما يشارك العمال المهاجرون والعاملات المهاجرات في لبنان قصصهم مع طاقم أطباء بلا حدود، فالعنصرية والتمييز هي السائدة ضمن الخطوط العريضة. ترسّخ سوء معاملتهم واستغلالهم لدرجة تكررت فيها القصص الأشد إثارة للصدمة.

تقاطعت دروب خمسة نساء مع فرق أطباء بلا حدود في بيروت، وهن أهمِت* وبياتريس ومارتا* ومَقدِس* وتيغيست*، وسيشاركننا قصصهن ههنا.

*غُيّرت الأسماء حمايةً للهوية

أهمِت*

تذكر أهمِت يوم وصولها إلى لبنان من بنغلاديش قبل ثماني سنوات. اهتم مكتب ببلدها بمعاملات سفرها، واصطحبها شخصان من المطار في بيروت. ادعيا أنهما سيقدمان طلبًا لحصولها على الإقامة، ولكنهما هربا بكل أموالها.

أدركت عندها الحقيقة. فهي لن تحصل على تأشيرة للعيش أو العمل في لبنان، وعليها أن تجد كفيلًا ستضطر على الأرجح للعيش معه. لن تكون لها حرية اختيار نوع العمل الذي يناسبها وستضطر إلى العمل في المنازل. وُعدت بحياة أفضل في لبنان لكن ذلك سرعان ما تلاشى هذا الحلم.

بدأت أهمِت بالقيام بأعمال مؤقتة حيثما وجدت، مثل كي الملابس وغسل الصحون. تحسنت أمورها عندما قام زوجها بالرحلة نفسها إلى لبنان بعدها بعام ونصف.

تقول أهمِت، "كسب زوجي مبلغًا جيدًا من عمله في أحد الفنادق، وتمكنّا من تغطية تكاليف ولادتي في مستشفى خاص. منذ قرابة عام، اعتُقل لعدم حمله تصريح عمل ساري المفعول. وأمضى أربعة أشهر في السجن في لبنان قبل أن يُرحّل إلى بنغلاديش".

تعاني أهمِت من مشاكل مزمنة في القلب تفاقمت بعد ولادتها لطفلها الذي يبلغ عمره اليوم عامان. زارت عدة أطباء قبل أن يتمكنوا من تشخيص حالتها. وأدويتها باهظة الثمن وغير متوفرة في أي مركز صحي. وهي تعاني كي تشتريها من الصيدلية، لذلك يرسلها زوجها أحيانًا من بنغلاديش.

تضيف أهمِت، "غدا طلب الرعاية الصحية تحديًا وأنا عاطلة عن العمل. أنا أستنفد حاليًا مدخراتنا وأقبل المساعدة من الآخرين للبقاء على قيد الحياة. أحتاج إلى نفقات الرعاية الصحية والإيجار والفواتير والحليب والحفاضات لطفلي. كان العام الماضي شديد الصعوبة عليّ، في ظل غياب زوجي وبعد أن عشت حربًا".

تعيش أهمِت وابنها في شقة صغيرة على السطح مع سبعة أشخاص آخرين. يقع منزلها في الطابق السابع، ولذك يصعب عليها صعود السلالم ونزولها.

"أنا حرّة، لكنني أشعر بأنني في سجن. لا أعرف شيئًا عن العالم الخارجي. عقلي يدور باستمرار. يقلقني كل شيء. إذا توقف قلبي، ماذا سيحدث لابني؟"

بياتريس

في ضاحية بيروت الجنوبية، تستصعب بياتريس صعود الدرج المؤدي إلى منزلها. في السادس من أكتوبر/تشرين الأول 2024، خلال القصف الإسرائيلي العنيف في لبنان والذي استمر شهرين، كانت بياتريس في عملها تنظف أحد المنازل. حبسها صاحب عملها في الداخل. رأت قنبلة سقطت على مبنى قريب، فاتبعت غريزتها وقفزت هاربة من الشرفة. كسرت كاحليها واحتاجت إلى عناية طبية طارئة.

روت بياتريس قصتها في المنزل على وقع مسيّرات الاستطلاع الإسرائيلية، ما ذكّرها باليوم الذي أصيبت فيه.

تقول بياتريس، "أخبروني في المستشفى الأول أنهم لن يعالجوني إذا لم أحمل مالًا. اتصلت صديقاتي بإحدى المنظمات لمعرفة ما إذا كان بإمكانهم دعم علاجي. في النهاية، غطّت تلك المنظمة إلى جانب أطباء بلا حدود [تكلفة] الجراحة والأدوية وفترة التعافي التي استغرقت شهرين في المستشفى".

تبلغ بياتريس من العمر 29 عامًا، وهي من سيراليون، وجاءت إلى لبنان عام 2022. يعيش طفلاها مع والدتها في بلدها. وهي معيلة عائلتها الوحيدة، لكنها كغيرها من العمال المهاجرين في البلاد، تعمل فوق طاقتها وتتقاضى أجرًا زهيدًا. وهي بالكاد تستطيع تدبير مصاريفها الخاصة للأساسيات مثل الطعام والإيجار. وبالكاد تكفي الخمسون دولارًا المتبقية من راتبها لتبقي أسرتها على قيد الحياة.

عاشت بياتريس الأشهر الثلاثة الأولى في لبنان مع صاحب العمل وعائلته. كان عليها أن تعتني بثلاثة أطفال بالإضافة إلى تنظيف ثلاثة منازل بانتظام.

لم تتمكن بياتريس للأسف من العمل منذ إصابتها، وتراكمت عليها الديون لدفع إيجار المنزل الذي تتشاركه مع ثلاث نساء مهاجرات. وعلى الرغم من المواقف الصعبة التي تعرضت لها، تحب بياتريس وجودها في لبنان. وتحلم أن توفّر ما يكفي من المال لبناء ميتم في سيراليون لمساعدة الأطفال في الحصول على المأوى والتعليم الذي يستحقونه.

وتختم قائلة، "أخشى الخروج من المنزل. فلا أذهب إلى أي مكان إلا للعمل. وإذا واجهتني مشكلة، فهذا ليس بلدي ولا يمكن لعائلتي أن تساعدني".

قالت، "كانت صاحبة العمل تصرخ في وجهي. وعندما كان يسيء أحد الأطفال التصرف وأضطر إلى رفض طلباته، كانت تهدد بقتلي. كانت تقول ’ليس الأطفال الأفارقة مثل الأطفال اللبنانيين‘، ولكن ألسنا جميعًا بشرًا بألوان بشرة مختلفة؟"

مارتا*

انتقلت مارتا من مسقط رأسها في منطقة تيغراي بإثيوبيا إلى العاصمة أديس أبابا آملة بإعالة أسرتها. كانت تعمل في أحد الفنادق نهارًا وتدرس الإدارة ليلًا. فقدت وظيفتها ذات يوم، فقررت السفر إلى لبنان.

قبل عام ونصف، ومباشرةً بعد وصولها إلى لبنان، أرسلتها صاحبة العمل للعيش مع والديها المسنَين ومرافقهما. على مدار الأشهر الثلاثة التي عاشتها مارتا في ذلك المنزل، عانت من التحرش الجنسي من المرافق، لكن لم يصدقها أحد.

وحتى بعد تسجيلها مقطع فيديو للتحرش لم يُحاسب الجاني، وغُضّ النظر عن تجربتها. ثم أُرسلت للعيش في منزل صاحبة العمل مع غيرها من العمال المهاجرين.

تقول مارتا، "كانت صاحبة العمل تصرخ في وجهي إذا طلبت منها أي شيء أو طرحت عليها سؤالًا. أساءت معاملتي، وكثيرًا ما أخّرت دفع راتبي. لم تصدق أنني تعرضت للتحرش الجنسي. حتى أنها لم تصدقني عندما أخبرتها أنني مريضة".

أصيبت مارتا بألم شديد في الكلى، ومرة أخرى غُضّ النظر عن ألمها. رفضت صاحبة العمل في البداية أخذها إلى الطبيب. وعندما حاول أحد الوسطاء إقناعها بأن مارتا مريضة بالفعل، كان ردها، "هي مسجّلة باسمي [قانونيًا]، فهي ملكي، وسآخذها إلى أي مكان أريده". وعندما لم تعد مارتا قادرة على المشي، أُخذت أخيرًا إلى الطبيب. كان عليها أن تعود إلى عيادة الطبيب لمتابعة حالتها، لكن صاحبة العمل حرمتها من هذا الحق، فمرضت مجددًا.

تضيف مارتا، "كان المنزل تحت الحراسة على الدوام، ولم أستطع الهرب. أخبرت صاحبة العمل أنني بحاجة إلى تجديد جواز سفري، فأخذتني إلى السفارة، ولم أعد من بعدها. أنا في هذا الملجأ منذ شهر وأريد العودة إلى وطني".

على الرغم من المصاعب التي واجهت مارتا البالغة من العمر 25 عامًا، فهي لا تحمل أي ضغينة. تقول، "لقد عانيت، نعم، لكنني أقول إنني تعلمت من تجاربي. لا أملك قرشًا واحدًا، لكنني على الأقل أنقذت عائلتي من الجوع. وبغض النظر عما سيحدث، سيظل الحب في قلبي دومًا، وهذا أكثر ما أحبه في نفسي".

مَقدِس*

تجلس مَقدِس البالغة من العمر 22 عامًا في غرفة طعام الملجأ الذي قضت فيه الأشهر الأربعة الماضية. هنالك باب مكسور يرتطم باستمرار بفعل الرياح، ومع كل ارتطام تجفل مَقدِس قافزةً في مقعدها.

عندما ادخرت مَقدِس وعائلتها مالًا لبدء مشروعهم الخاص في إثيوبيا، لم يكن المبلغ بين أيديهم كافيًا. كانت تعرف أشخاصًا يعملون في لبنان، فقررت القيام بالرحلة نفسها على أمل أن تكسب ما يكفي من المال لإعالة أسرتها.

أجبرتها العائلة الأولى التي عاشت معها في لبنان على العمل في ظروف مستحيلة. تقول مَقدِس، "في ثقافتنا، يجب أن يُقدَّم لك الطعام لتأكلي. لكنهم لم يهتموا أبدًا أو حتى يسألوني إن كنت قد أكلت". كانوا عائلة كبيرة يأكلون جميعًا معًا، وكان على مَقدِس أن تنظّف قبل كل وجبة وبعدها على معدة فارغة. تضيف، "طوال الأيام الخمسة عشر التي قضيتها في ذلك المنزل، كنت أنتظر حتى ينام الجميع لأختلس بعض الخبز أو برتقالة. كنت أعيش على الفتات".

خلال آخر ثلاثة أيام من عملها هناك، أبقاها الإرهاق طريحة الفراش. فحبستها صاحبة العمل في غرفتها لأنها لم "ترد" أن تعمل. أخذوها بعد ذلك إلى المكتب الذي أحضرها إلى البلاد، وانتقلت للعمل عند عائلة أخرى.

ولكن للأسف، كانت تجربتها مع العائلة الثانية أصعب عليها. كانت صاحبة العمل تصرخ في وجهها دائمًا، وتصفعها على يدها "لتعلمها" العمل، وتخيفها من باب التسلية.

تقول مَقدِس، "كانت صاحبة العمل الثانية تخيفني على الدوام. كانت تقول لي، ’انظري كيف تخلصوا من عاملتهم المهاجرة، سأفعل معك ذات الشيء‘. أثناء الحرب، كانت تجبرني على مشاهدة أخبار الغارات الجوية على التلفاز وتهددني برميي في المناطق المستهدفة. كانت تشتمني وتهينني باستمرار".

رفضت صاحبة العمل السماح لمَقدِس بالاتصال بأهلها، لأنها "مجرد خادمة ولا يجب أن تُدلّل". منعت صاحبة العمل مَقدِس من ارتداء الملابس التي أحضرتها من بلدها. حتى أنها أجبرتها على الذهاب إلى الحمام وقص جزء كبير من شعرها دون موافقتها.

توضح مَقدِس، "كان شعري طويلًا. قصّته صاحبة العمل عدة مرات دون إذني. أنا خائفة من ردة فعل عائلتي في إثيوبيا. ففي ثقافتنا، قص الشعر يعني أنني أقمت علاقة أو فعلت شيئًا أسوأ من ذلك. ستكون سمعتي سيئة للغاية".

وبعد كل المصاعب التي مرّت بها مَقدِس، فهي لا تريد سوى العودة إلى وطنها. طلبت مساعدة سفارتها وهي في الملجأ بانتظار سفرها. تقول، "في إثيوبيا، لم أخفْ من شيء. أمّا بعد الفترة التي قضيتها في لبنان، أجفل لأبسط شيء.  وعندما أشعر بالخوف أو التوتر، تتسارع دقّات قلبي إلى أن أغيب عن الوعي".

تيغيست*

تيغيست عاملة مهاجرة منذ أكثر من عقد من الزمان. عندما كان عمرها 14 عامًا فقط، هاجرت من إثيوبيا إلى السودان أملًا في إعالة أسرتها. وبعد أن أمضت خمس سنوات هناك عاملةً في أحد المطاعم، لم تعد تجني مالًا، فتوجهت إلى لبنان.

وفي سن التاسعة عشرة، عاشت تيغيست لأربعة أشهر مع عائلة رب عملها. سُمح لها بكمية قليلة من الطعام والماء لا تأخذها إلا بعد ساعات طويلة من العمل وهي جائعة وعطشى. كانت تعطى ساندويشات تجبرها ربة العمل على تناولها بسرعة حتى تواصل العمل. حُرمت من أي فترات راحة أو أيام إجازة، فهربت.

بعد ذلك، تابعت تيغيست العمل بشكل مستقل كعاملة نظافة، ما يعني أنها لم تكن مرتبطة بأي عقد. ومع عدم وجود كفيل، كانت معرضة لخطر الاعتقال والترحيل.

تيغيست اليوم في الثلاثين من عمرها، وقد أمضت 11 عامًا في لبنان. منذ قرابة خمس سنوات، وقعت في حب رجل سوداني وتزوجته. لم ترغب إلا برفيق وسند لها. ولكن بعد أن أنجبت طفلهما البالغ من العمر عامين الآن، أصبح زوجها يسيء معاملتها، خاصةً عندما يسكر. كان يضربها ويسيء معاملتها باستمرار، إلى أن جاء يوم طردها وابنهما من المنزل، فأصبحا بلا مأوى.

كانت تيغيست تطمح لأيام أفضل إذا استقرت، والآن تأمل أن يرى ابنها أيامًا أفضل تُلبى فيها احتياجاته ولا تشعرها بالعجز. أمضت تيغيست الأشهر الستة الماضية في ملجأ السفارة، ولا تريد سوى العودة إلى وطنها.

تقول تيغيست، "أريد أن أفتتح مطعمي الخاص في إثيوبيا إذا تمكنت من جمع ما يكفي من المال. لم أرَ والدي منذ فترة طويلة جدًا، وأنا أفتقده بشدّة. أتمنى أن أوفر أفضل حياة لابني. أنا أعمل بجدّ ولا أستسلم أبدًا أو أضعف أمام المصاعب".

 

تقول تيغيست، "فقدت القدرة على إعالة نفسي وابني. فنحن نعتمد على العون من الآخرين، من السفارة أو المنظمات. ولا أحد يعطيني أي عمل لأنني لا أستطيع اصطحاب ابني معي. أشعر بالخوف والخذلان، وكأن إنجاب الطفل كان خطأً. تخلى الجميع عني بعد أن أنجبت طفلي. لا يرانا هذا العالم [نحن العاملات المهاجرات] كبشر".

التقطت الصور المصورة ميريم بولس.

وُلدت ميريم بولس عام 1992 في لبنان. وعلى عمر السادسة عشرة، بدأت باستعمال كاميرتها لتقترب خطوةً من الحقيقة. تخرّجت ميريم من الأكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة بدرجة ماجستير في التصوير الفوتوغرافي عام 2015. وشاركت أعمالها في معارض داخل لبنان وخارجه، من بينها معرض Close Enough (قريب بما فيه الكفاية) في مركز التصوير الدولي بنيويورك، ومعرض Infinite Identities (هويات لا متناهية) في متحف هاوس مارسيليا في أمستردام، والبينالي الثالث للمصورين الفوتوغرافيين من العالم العربي في معهد العالم العربي في باريس.

نُشرت صورها في مجلات ومواقع مثل “أبرتشر” و”فوم” والتايم و”فوغ” العربية و”جي كيو” الشرق الأوسط و”فانيتي فير” الفرنسية وغيرها. وفي عام 2020، شاركت في تأسيس مجلة “الحيّة” الصادرة بالعربية والإنجليزية والتي تركز على المحتوى الأدبي والبصري الذي يعكس اهتمامات النساء وتجاربهن ونضالهن في المنطقة، حيث عملت محررة الصور. في عام 2021، انضمت ميريم إلى وكالة “ماغنوم” كعضو مرشح.

صدر كتابها الأول بعنوان “ما لنا” عن دار “أبرتشر” في عام 2023، وفي العام نفسه حصلت على زمالة ويليام يوجين سميث المرموقة في التصوير الإنساني.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

بين القيود والتعنيف: تجربة العاملات والعمال المهاجرين في لبنان

بين القيود والتعنيف: تجربة العاملات والعمال المهاجرين في لبنان

أُجبِرت ماهي* على النوم في شرفة المنزل حتى في فصل الشتاء. تعرّضت مارتا* للتحرّش الجنسي، لكن أحدًا لم يصدقها. بياتريس تُنادى باسم فُرض عليها. أما مَقدِس*، فقد عانت من الإساءة اللفظية والجسدية والنفسية. هذه ليست سوى لمحات من التجارب التي تعيشها عاملات وعاملون مهاجرون كثر، كما رووها لفرق أطباء بلا حدود الطبية والنفسية في بيروت.

في لبنان، يُقدَّر عدد المهاجرين والمهاجرات بقرابة 176,500 شخص[1]، 70 في المئة منهم من النساء. هاجر معظمهم من دول آسيوية وإفريقية، أبرزها إثيوبيا وبنغلاديش والسودان. تمثل عاملات المنازل قرابة نصف المهاجرين في لبنان، ما يعني أنهن يعشن في بيوت أصحاب العمل وغالبًا في ظروف قاسية.

تدير أطباء بلا حدود عيادة في برج حمود شمال بيروت، وهي منطقة تحتضن عددًا من المجتمعات الأكثر حاجة في لبنان من بينها المهاجرون والمهاجرات، فتكاليف السكن فيها معقولة وتتميّز بقربها من محطات النقل العام الرئيسية، ومساحاتها المجتمعية تنبض بالحياة، وتضم الأسواق ومختَلف دور العبادة. وفيما تتوفر خدمات العيادة للجميع، تأتي أغلبية مرضانا من مجتمعات المهاجرين.

[1] المنظمة الدولية للهجرة

المهاجرتان من بنغلادش، جويغوم وسوجون، ينتظران تلقي استشارة طبية في عيادة برج حمود. ميريم بولس / وكالة ماغنوم

غالبًا ما يختار الناس ترك وطنهم أملًا بحياة أفضل، لكنهم يجدون أنفسهم عالقين في نظام يستثنيهم من القوانين التي تحمي حقوق غيرهم من العمال، ما قد يسلبهم خياراتهم وحقوقهم وحتى أصواتهم.

تأتي العاملات والعمال المهاجرون إلى لبنان عبر نظام الكفالة الذي يصفه نشطاء ومنظمات حقوق الإنسان بأنه قد يرقى إلى مستوى ”العبودية الجديدة“[1]. فبموجب هذا النظام، يعمل العمال المهاجرون في المنازل – ومعظمهم من النساء – فوق طاقتهم ويتقاضون أجورًا زهيدة أو لا يتقاضون أجرًا على الإطلاق، وغالبًا ما يُحرمون من أي استراحات أو أيام إجازة. وقد لمست فرقنا التداعيات الخطيرة لهذه الظروف على صحة العاملات والعمال المهاجرين.

تتشابه القصص التي نسمعها في العيادة في أوجهٍ كثيرة. ففي كثير من الحالات، يسلب الكفيل إرادة العاملة أو العامل ووثائقهم القانونية. وعبر العيش في منازل أصحاب العمل، تُعزل العاملات المهاجرات عن العالم الخارجي، وقد يُحرمن من حقهن بالتواصل مع أي شخص خارج المنزل، بما في ذلك عائلاتهن في بلدانهن. وإن أرادت إحداهن المغادرة، فلا تستطيع الانتقال للعمل لدى عائلة أخرى أو يُسمح لها بالعودة إلى بلدها إلا بإذن الكفيل.

تقرر نساء كثر أن يغادرن المنازل التي تحتجزهن، لكن هذه المهمة ليست ممكنة دائمًا. تجد بعضهن الدعم من مجتمعات المهاجرين والمهاجرات، ولكن الكثيرات يُتركن بلا مأوى أو وثائق قانونية وفي حاجة إلى المساعدة الطارئة. وحتى في حال قرّرن العودة إلى بلدانهن، قد يفتقرن إلى الموارد اللازمة لإتمام المعاملات الرسمية أو شراء تذكرة السفر، كما تختار بعضهن البقاء في لبنان رغم قسوة الظروف، إما لغياب وجهة أخرى أو لأن عليهن تأمين قُوت أسرهن.

أمينة التسجيل ندى باسم تتحدث مع كوماري، وهي مهاجرة من سريلانكا، لتسجيل معلوماتها في ملفها الطبي. ميريم بولس / وكالة ماغنوم

ضئيلة هي فرص حصول المهاجرين والمهاجرات على الرعاية الصحية في لبنان. ففي ظل نظام الكفالة، يمكن لأصحاب العمل أن يحرموا النساء من حقهن في طلب الرعاية الصحية. أما المهاجرون والمهاجرات الذين لا يخضعون لهذا النظام، فكثيرًا ما يُرفض استقبالهم في المستشفيات أو مراكز الرعاية الصحية الأولية، إما بسبب افتقارهم إلى الوثائق القانونية، أو ببساطة لأنهم ليسوا لبنانيين. وقد دفع هذا الواقع بالكثيرين إلى تجنّب طلب الخدمات الاستشفائية في الأساس خوفًا من الرفض أو الترحيل أو مطالبتهم بالمال، ما يزيد من تعقيد ظروفهم الصحية.

في عيادة أطباء بلا حدود في برج حمود، تستجيب فرقنا للاحتياجات الطبية للمهاجرين والمهاجرات من خلال تقديم استشارات الرعاية الصحية الأولية وخدمات الصحة الجنسية والإنجابية والدعم النفسي، بما في ذلك استشارات الطب النفسي. كذلك نغطي تكاليف الإحالات إلى المستشفى للحالات التي تهدّد حياة المرضى، بما في ذلك الحالات النفسية الطارئة.

[1] هيومن رايتس ووتش

في عام 2024، ازداد عدد الاستشارات النفسية المقدَّمة في عيادة برج حمود إلى الضعف مقارنة بالعام الذي سبقه. وهذا يدلّ على ضخامة الاحتياجات النفسية المهولة في مجتمعات المهاجرين. غالبًا ما تُجرَّد العاملات والعمال المهاجرون من إنسانيتهم ويعانون من العنصرية والتمييز، إلى جانب الإساءة الجسدية والجنسية، ما يترك آثارًا عميقة على سلامتهم النفسية.
إلسا صيقلي، مشرفة الصحة النفسية في أطباء بلا حدود

يتمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه المهاجرين والمهاجرات في لبنان في حاجز اللغة الذي يحدّ من قدرتهم على الوصول إلى الرعاية الصحية. فهم ملزمون بالتوقيع على وثائق مكتوبة باللغة العربية والتحدث بنفس اللغة للبقاء على قيد الحياة. ولذلك تجري الأمور بطريقة مختلفة في عيادة أطباء بلا حدود.

وتشرح صيقلي، “نحن من المنظمات النادرة في لبنان التي تقدّم خدمات الترجمة للمهاجرين خلال جلسات الصحة النفسية. تتميّز عيادتنا بوجود عاملين مجتمعيين في مجال التثقيف الصحي، وهم من كوادر أطباء بلا حدود وينتمون إلى مجتمعات المهاجرين. يسهّل زملاؤنا الترابط مع المرضى ويعززون ثقتهم بنا، كما يحرصون على إطلاع المرضى على وضعهم الصحي بالشكل المناسب”.

تتجاوز احتياجات المجتمعات المهاجرة في لبنان نطاق الرعاية الطبية البحتة. إذ يصعب أن نطلب من المرضى الاهتمام بصحتهم النفسية في وقت لا يجدون فيه مأوى أو وسيلة لإطعام أنفسهم. وهنا يبرز دور الاختصاصيين الاجتماعيين في أطباء بلا حدود.

تقول الاختصاصية الاجتماعية مع أطباء بلا حدود في عيادة برج حمود، حنان حمادي، ” تتمثل مهمتي في إحالة المرضى إلى الخدمات التي لا تندرج ضمن نطاق استجابة أطباء بلا حدود. تبرز لدى المرضى الذين أقابلهم احتياجات أساسية كالمأوى والغذاء والمساعدات النقدية، فأعمل على إحالتهم إلى منظمات أخرى تقدّم هذا النوع من الخدمات”.

القابلة القانونية ميشال سعد والممرضة زينب نصر الله تعملان في مكتبيهما في عيادة برج حمود. ميريم بولس / وكالة ماغنوم

تفاقمت التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي تواجه المهاجرين والمهاجرات خلال الحرب الإسرائيلية الأخيرة في لبنان. وقد أفادنا الكثير منهم بأن عائلات نازحة تخلّت عنهم وتركتهم في الشوارع أو حبستهم داخل المنازل في المناطق المتضررة من القصف.

وفي تلك المرحلة، دعم ناشطو المجتمعات المهاجرة فرق أطباء بلا حدود على الوصول إلى الأشخاص الأكثر حاجة في الملاجئ أو الشقق المكتظة، حيث وزّعنا مواد الإغاثة الأساسية وقدّمنا الرعاية الطبية من خلال عيادتنا المتنقلة.

على مر السنين، تقلصت البرامج الأخرى التي تستهدف المهاجرات والمهاجرين في لبنان والتي تديرها منظمات محلية ودولية، وأمسى بعضها يعمل لفترة محدودة فقط، فيترك إغلاقها فجوة في الموارد المتاحة لهم.

تزداد صعوبة إحالة مرضانا إلى المنظمات الأخرى التي تقدم الدعم للمهاجرين والمهاجرات في لبنان. يعود ذلك إلى ندرة التمويل المخصص للبرامج التي تدعمهم وإلى توقف تمويل بعض هذه البرامج أو إغلاقها. هذه المشكلة ليست جديدة، بل مستمرة منذ فترة.
حنان حمادي، الاختصاصية الاجتماعية مع أطباء بلا حدود في عيادة برج حمود

في لبنان، تتمثل إحدى أكبر التحديات التي تواجه فرق أطباء بلا حدود في إحالة المرضى إلى المستشفيات، لا سيما للمرضى الذين يعانون من حالات نفسية طارئة. وقد تضطر المنظمات التي تعمل في هذا المجال وتعاني من ندرة التمويل إلى التوقف عن تغطية تكاليف الاستشفاء للمهاجرين والمهاجرات. وإذا قلصت هذه المنظمات دعمها الاستشفائي، لن تتمكّن أطباء بلا حدود من سد هذه الفجوة بمفردها، ما يعني أن احتياجات الكثيرين لن تُلبّى.

* غُيِّرت الأسماء

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

اليمن: منظمة أطباء بلا حدود تنهي تدخلاً جراحياً استمر مدة 12 عاماً في عدن

اليمن: منظمة أطباء بلا حدود تنهي تدخلاً جراحياً استمر مدة 12 عاماً في عدن

نظراً لانخفاض حدة النزاع في عدن، باليمن، وما تلا ذلك من تناقص عدد الأشخاص الذين يتعرضون لإصابات مرتبطة بالعنف، اختتمت منظمة أطباء بلا حدود مشروعنا الذي استمر 12 عاماً في مركز عدن لعلاج الإصابات. وسنعيد الآن تركيز أنشطتنا في عدن لتوفير الرعاية الطبية لأكثر احتياجات الناس إلحاحاً.

توفير رعاية متقدمة للإصابات في خضم الحرب

على مدى السنوات الاثنتي عشرة الماضية، عالجت فرق أطباء بلا حدود في عدن وأعادت تأهيل آلاف الأشخاص الذين أصيبوا بجروح خطيرة بسبب الحرب، وقدمت أكثر من 65,000 استشارة طارئة وما يقرب من 68,000 إجراء جراحي. وكان معظم المرضى يعانون من كسور مفتوحة أو حروق أو إصابات ناجمة عن أعيرة نارية ومتفجرات.

مع تعمق النزاع في اليمن خلال معركة عدن في عام 2015، تكثفت الأنشطة في مركز عدن لعلاج الإصابات. وخلال ذلك الوقت، في حين عالج المركز تدفقاً جماعياً لمصابين يعانون من جروح شديدة ناجمة عن الحرب، أدارت فرقنا أيضاً عيادات متنقلة متطورة للجراحة وما بعد الجراحة في المدينة لتحقيق الاستقرار لجرحى الحرب وتحسين فرص بقائهم على قيد الحياة.

كان مركز عدن لعلاج الإصابات هو المستشفى الوحيد المتخصص في علاج الإصابات الحادة في المنطقة وكان بمثابة نقطة مركزية لعلاج المصابين. وقد جاء بعض مرضانا من أماكن بعيدة جداً، وأحياناً يسافرون لأيام في ظروف صعبة للحصول على رعاية طبية مجانية
أوليفييه مارتو، نائب رئيس بعثة أطباء بلا حدود في اليمن

في عام 2018، بعد هجوم الحديدة، زادت فرق أطباء بلا حدود من قدرة المستشفى من 86 سريراً إلى 104 أسرّة للاستجابة لتدفق آخر من جرحى الحرب.

في عام 2020، تصاعد النزاع في جنوب الحديدة، في حين كان المستشفى في عدن يتلقى عدداً كبيراً من حالات الإصابات المتعددة الحادة التي تتطلب رعاية متخصصة ومكثفة ومتعددة التخصصات.

كان رياض محمد أحمد صالح، 24 عاماً، من بين المرضى الذين تم إدخالهم إلى مركز عدن لعلاج الإصابات في هذا الوقت. وهو في الأصل من أبين، وهي محافظة مجاورة لعدن، وتمت إحالته إلى عدن لإصابته بطلق ناري خطير. وفي مركز عدن لعلاج الإصابات، خضع لجراحة فغر القولون، والتي أنقذت حياته.

ويقول رياض: “كان جرح العيار الناري شديداً؛ لم أكن أعتقد أبداً أنني سأكون على قيد الحياة اليوم. عندما وصلت إلى المستشفى، كنت أعاني من ألم شديد. طمأنني الأطباء أنني سأكون على ما يرام. وعلى الرغم من بعض المضاعفات مع فغر القولون، أنا ممتن أنني أعيش اليوم وللدعم الطبي الذي تلقيته”.

وللحد من الضغط المستمر والعالي على الفرق الطبية واللوجستية والعملياتية في مركز عدن لعلاج الإصابات، افتتحت أطباء بلا حدود في عام 2018 مستشفى ميداني للإصابات في المخا، وهي مدينة تقع بين الحديدة وعدن، مع تصاعد النزاع في الساحل الغربي لليمن.

من أبريل إلى أغسطس 2020، استقبل مركز عدن لعلاج الإصابات 493 مصاباً من الخطوط الأمامية على الساحل الغربي، معظمهم أصيبوا بطلقات نارية أو ألغام أرضية أو قصف. هناك حوالي 20 سيارة إسعاف تنقل المرضى يومياً من الحديدة والمنطقة المحيطة بها إلى عدن، على بعد ست ساعات بالسيارة للوصول إلى الرعاية الصحية المنقذة للحياة.
أوليفييه مارتو، نائب رئيس بعثة أطباء بلا حدود في اليمن

أدى افتتاح مستشفى المخا إلى تخفيف الضغط الشديد على مركز عدن وأتاح علاج المرضى بسرعة أكبر. ومن ناحية أخرى، مكّن أيضاً مركزَ عدن من التركيز على الحالات الأكثر تعقيداً، وتوسيع معايير القبول الخاصة به، بما في ذلك حوادث المرور على الطرق، والجروح الأخرى المرتبطة بالإصابات البليغة، بالإضافة إلى حالات كوفيد-19.

تشغيل مركز كوفيد-19 الوحيد لجنوب اليمن

في عام 2020، بعد تأكيد أول حالة إصابة بكوفيد-19، افتتحت أطباء بلا حدود مركز العلاج الأول والوحيد المخصص لجنوب اليمن بأكمله. ولعدة أشهر، واجهت فرقنا تحديات هائلة في تسهيل دخول الإمدادات والمعدات الطبية، بينما انتشر المرض بسرعة كبيرة.

“في الأسابيع الأولى، استقبلنا مئات المرضى. ووصل الكثيرون إلى المركز وكانوا يعانون بالفعل من متلازمة الضائقة التنفسية الحادة”، كما يقول الدكتور يوسف نجوان، الذي يعمل مع أطباء بلا حدود في عدن منذ عام 2015. “وكانت فرقنا تعمل على مدار الساعة لتقديم أفضل علاج ممكن، وكنا نعمل فوق طاقتنا”.

في عام 2021، شهدت فرقنا تدفقاً كبيراً لمرضى كوفيد-19 شديدي الاعتلال وكانوا بحاجة إلى الرقود في المستشفى في عدن. وبعد ست سنوات من الحرب، أصيب نظام الرعاية الصحية في اليمن بالشلل وكانت القدرة على علاج الأشخاص في العناية المركزة محدودة. وبدأت أطباء بلا حدود في تقديم الدعم لمركز علاج كوفيد-19 في مستشفى الصداقة، بدعم من وزارة الصحة العامة والسكان.

إعادة تركيز الأنشطة لتلبية الاحتياجات الطبية الجديدة

في عام 2023، كان هناك انخفاض آخر في العنف السياسي في اليمن، والذي انخفض إلى أدنى مستوى منذ بداية النزاع الحالي في عام 2015، مع محافظة أنصار الله والحكومة المعترف بها دولياً على هدنة غير رسمية منذ نهاية الهدنة التي توسطت فيها الأمم المتحدة في أكتوبر 2022.

ونتيجة لذلك، شهدت فرقنا في عدن انخفاضاً في حالات الإصابات المرتبطة بالنزاع، في حين كانت تعالج عدداً متزايداً من مصابي الحوادث المنزلية وحوادث الطرق.

تقوم أطباء بلا حدود الآن بتقييم الفجوات الطبية والاحتياجات ذات الأولوية في عدن بالتنسيق مع وزارة الصحة. وفي عام 2025، تهدف المنظمة إلى إعادة تركيز أنشطتها في عدن لتوفير خدمات طبية جديدة للناس الأكثر احتياجاً.

***

النشاط الطبي الجديد قيد التقييم وسيتم تقديمه إلى وزارة الصحة في النصف الثاني من عام 2025. تسمح هذه الفترة الانتقالية بتجديدات ستجريها أطباء بلا حدود في المستشفى. وفي غضون ذلك، تظل أطباء بلا حدود، بصفتها منظمة إنسانية ذات خبرة في حالات الطوارئ والأزمات، على استعداد تام للتدخل والاستجابة لأي طوارئ طبية قد تنشأ.

لا تزال الاحتياجات الطبية والإنسانية في عدن وفي أنحاء اليمن مرتفعة. أطباء بلا حدود ملتزمة تجاه احتياجات الناس في اليمن، حيث نعمل منذ عام 1986. واليوم، تعمل فرق أطباء بلا حدود في 13 مستشفى في 13 محافظة، وتقدم الدعم لأكثر من 12 مرفقاً صحياً في أنحاء البلاد.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

سوريا: أطباء بلا حدود تفتتح غرفة طوارئ في داريا

سوريا: أطباء بلا حدود تفتتح غرفة طوارئ في داريا

بعد 14 عامًا من الحرب، خلّفت الحرب في سوريا دمارًا واسعًا ونزوحًا هائلًا، إلى جانب صعوبات اقتصادية حادة ونقص في الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية. واستجابةً لذلك، بدأت منظمة أطباء بلا حدود بحثها عن أفضل السبل لتلبية احتياجات الناس في المناطق التي لم تستطع أن تعمل فيها سابقًا. ومن بين هذه المناطق المدن الكبرى والمناطق الريفية التي تعاني من نقص حاد في الخدمات، حيث تكثر الاحتياجات الإنسانية وغالبًا ما تُهمل. ومن تلك المناطق مدينة داريا الواقعة جنوب غرب دمشق، حيث أنشأت أطباء بلا حدود غرفة طوارئ ودعمت مركزًا للرعاية الصحية الأساسية.

كانت ندوب الحرب جليّة في معظم الأماكن التي زارتها فرقنا – دُمّرت أحياء بأكملها، ولم تُبذل سوى جهود محدودة لإعادة الإعمار مع استثمار ضئيل في استعادة الخدمات الأساسية. برزت داريا على وجه الخصوص، وهي مدينة تقع في ريف دمشق. شهدنا دمارًا واسع النطاق، ومناطق كاملة سويت بالأرض. ومع ذلك، يعود الناس إليها مصممين على إعادة بناء حياتهم.
مصطفى خطّاب، منسق مشروع أطباء بلا حدود في دمشق

بعد سقوط حكومة بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، عاد الآلاف إلى منازلهم ليواجهوا تحديات هائلة، بحسب خطّاب، كتلوث الأراضي من بقايا الأسلحة والمتفجرات ونقص فرص العمل والصعوبات الاقتصادية وصعوبة الوصول إلى المياه النظيفة وخدمات الرعاية الصحية.

تعرّض مستشفى داريا، على سبيل المثال، لأضرار بالغة، ويتطلّب ترميمه استثمارًا كبيرًا – وهو أمرٌ مستبعَد في المستقبل القريب. يعني ذلك أن الخيار الفعلي الوحيد لتلقي الرعاية الطبية الطارئة والمتخصصة يبقى في وسط مدينة دمشق، حيث ترزح الخدمات أساسًا تحت ضغطٍ هائل. أما المركز الصحي الوحيد في داريا، فيعمل بقدرة استيعابية محدودة للغاية وتقتصر خدماته على التطعيم وعلاج سوء التغذية وتوفير الأدوية الأساسية للأمراض المزمنة
مصطفى خطّاب، منسق مشروع أطباء بلا حدود في دمشق

استجابة لذلك، بدأت أطباء بلا حدود بتنفيذ الأنشطة في داريا منذ مارس/آذار بالتعاون مع مديرية الصحة. ومنذ ترميم المركز الصحي، بدأ الفريق بتقديم الرعاية الصحية الأساسية، بما في ذلك الاستشارات الخارجية والرعاية النفسية ورعاية الصحة الجنسية والإنجابية بقيادة طبيب وقابلة قانونية. هذا وافتتحت أطباء بلا حدود ومديرية الصحة غرفة طوارئ تعمل على مدار الساعة لتوفير الرعاية الأساسية والعاجلة للمرضى الذين يعانون من إصابات بليغة، كما أُنشئ نظام إحالة إلى المستشفيات في دمشق للمرضى الذين يحتاجون إلى رعاية متخصصة. يُذكر أن جميع خدمات أطباء بلا حدود تُقدَّم بشكل مجاني.

يستمر ارتفاع أعداد الاستشارات في المركز الصحي، حيث عولج أكثر من ألف مريض في العيادات الخارجية منذ أن بدأت أطباء بلا حدود بتقديم الدعم في مارس/آذار. وتتزايد كذلك أعداد المرضى الذين يطلبون رعاية الصحة الجنسية والإنجابية، خصوصًا أن هذه الخدمات كانت في الماضي محدودة للغاية في داريا.

وفي غرفة الطوارئ، قدّم الفريق الطبي 308 استشارات وأحال 24 مريضًا لتلقي الرعاية المتخصصة خلال أسبوعين فقط.

 ويوضح المرجع الطبي في أطباء بلا حدود، جيثرو غيرينا، “يعد افتتاح غرفة الطوارئ في داريا نقطة تحول مفصلية في فرص الوصول إلى الرعاية الصحية لسكان المدينة. لقد رأيت أبًا يبكي ارتياحًا، إذ أخبره الفريق الطبي أن ليس عليه الدفع مقابل علاج ابنه البالغ من العمر 10 سنوات بعدما تلقى ست غرز في رأسه إثر حادثة في المنزل. قال لي الرجل إنه لا يذكر أي حادثة لم يضطر فيها لدفع المال مقابل العلاج”.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

أطباء بلا حدود في لبنان لعام 2024: عام الاستجابة الطارئة والبصمة الإنسانية

أطباء بلا حدود في لبنان لعام 2024: عام الاستجابة الطارئة والبصمة الإنسانية

كثّفت أطباء بلا حدود أنشطتها في لبنان في أعقاب اشتداد القصف الإسرائيلي والتوغّل البري في سبتمبر/أيلول 2024. نشارككم فيما يلي حصاد هذا العام. اندلعت الحرب في لبنان في سبتمبر/أيلول 2024 في خضم أزمة اقتصادية مستمرة تسببت للسكّان بمعاناة للحصول على الرعاية الطبية. وفي عام 2024، نزح قرابة المليون شخص من منازلهم واحتاج مليونا شخص إلى المساعدات الإنسانية العاجلة.

تعمل أطباء بلا حدود في مختلف أنحاء لبنان منذ عام 1976 وتدير عدة عيادات لعلاج الأمراض غير السارية وخدمات طب الأطفال ورعاية الصحة الإنجابية والصحة النفسية. ومنذ سبتمبر/أيلول 2024، كثّفنا عملياتنا استجابةً لاحتياجات الناس الذين تضرًروا من الحرب.

الاستجابة للطوارئ وتوفير الرعاية الطبية المنقذة للحياة في لبنان

في طرابلس شمال لبنان، دعمنا تقديم العلاج للمصابين بأمراض غير سارية ووفّرنا التدريبات للعاملين في المجال الطبي وتبرّعنا بالأدوية. وبحلول منتصف عام 2024، دمجنا خدمات الصحة الإنجابية والرعاية النفسية مع خدمات مركز المقاصد الطبي في وادي خالد بمحافظة عكار.

وفي ضواحي بيروت الجنوبية، وفرت عياداتنا في برج البراجنة وبرج حمود رعاية الصحة الإنجابية والدعم النفسي والاستشارات العامة للسكان ومن ضمنهم اللاجئون الفلسطينيون والسوريون، وكذلك للعاملات والعمال المهاجرون من إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وجنوب شرق آسيا.

وفي بعلبك-الهرمل، وفرنا الرعاية الأساسية وخدمات الصحة الإنجابية وعلاج الأمراض المزمنة والدعم النفسي عبر عيادات في عرسال والهرمل. كما نظّمنا إحالات طارئة لتأمين الرعاية المتخصصة للمرضى. وفي أغسطس/آب، تعاونا مع وزارة الصحة اللبنانية لإطلاق حملة تطعيم ضد الكوليرا في عرسال، مع التركيز على تجمعات اللاجئين المكتظّة.

وفي أعقاب تصعيد القصف الإسرائيلي والتّوغلات البرية، أرسلت منظمة أطباء بلا حدود 22 فريقًا طبيًا متنقلًا إلى المناطق المتضررة بشدّة، بما في ذلك بيروت وجبل لبنان وبعلبك-الهرمل وعكار لتقديم رعاية الإصابات البليغة وخدمات الصحة النفسية ودعم مراكز الرعاية الصحية. كما عملنا أيضًا على تعزيز قدرات المستشفيات من خلال تنظيم تدريبات للتعامل مع الإصابات الجماعية وتوفير أطنان من المواد الطبية والإغاثية.

وفي صيدا جنوب لبنان، دعمنا المستشفى التركي من خلال التبرع بالمستلزمات الطبية ومساعدة الفريق الجراحي. وأطلقنا خطًا هاتفيًا لتقديم الدعم عن بُعد في مجال الصحة النفسية. وكانت هذه الجهود مفصلية إذ لم تكن المرافق الصحية قادرة على التعامل مع العدد المتزايد من الضحايا والدمار الذي لحق ببنيتها التحتية.

وبالإضافة إلى هذه الأنشطة الطبية، وزّعنا مستلزمات النظافة الصحية والبطانيات والفرش والمياه على ملاجئ النازحين، وقدمنا وجبات ساخنة لمئات العائلات خلال أشهر الحرب.

أما بعد وقف إطلاق النار في نوفمبر/تشرين الثاني، فعاد عدد كبير من النازحين إلى منازلهم المدمرة، بينما خشي آخرون من اتخاذ هذه الخطوة. يُشار إلى أن الوصول إلى الرعاية الصحية لا يزال محدودًا للغاية بسبب الأضرار الواسعة في البنية التحتية والتكاليف التي لا يمكن تحمّلها. وكان لهذه الحرب أثر كارثي خاصًة على مرافق الرعاية الصحية والطواقم الصحية. فقد أفادت منظمة الصحة العالمية بمقتل 226 من العاملين في المجال الصحي والمرضى وإصابة 199 آخرين بين السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 و18 نوفمبر/تشرين الثاني 2024[1].

وفي نهاية عام 2024، واصلت أطباء بلا حدود تقديم الرعاية الطبية الحيوية والدعم للمجتمعات التي لا زالت تواجه انعدام الأمان والمعاناة الاقتصادية.

[1] لبنان: صراع مدمّر للرعاية الصحية بوجه خاص

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

العنف والكوليرا يعصفان بشمال شرق جنوب السودان ويؤثران على غرب إثيوبيا

العنف والكوليرا يعصفان بشمال شرق جنوب السودان ويؤثران على غرب إثيوبيا

تحذّر منظمة أطباء بلا حدود من أزمة إنسانية تتكشّف بوتيرة سريعة على جانبي الحدود بين جنوب السودان وإثيوبيا، حيث دفع تصاعد العنف والنزوح وتفشي الكوليرا بالناس إلى شفير الهاوية.

هذا وتتّجه الاشتباكات التي بدأت بين القوات الحكومية والمجموعات المسلّحة في ولاية أعالي النيل إلى خطر التّوسّع في أنحاء أخرى من البلاد، ممّا ينعكس على منطقة غامبيلا في أثيوبيا التي تتأثر بتداعيات أعمال العنف هذه. وبحسب تقديرات الأمم المتحدة، عبَر نحو عشرة آلاف شخص إلى أثيوبيا منذ مطلع شهر مارس/آذار.

ويشرح رئيس بعثة أطباء بلا حدود في جنوب السودان، زكريا مواتيا، “سبق أن شهدنا كيف أجج هذا العنف من تفشي الكوليرا في عدة مناطق، لكن تصاعد النزاع على نطاق أوسع قد يدفع بكامل المنطقة إلى كارثة إنسانية غير مسبوقة”.

"سبق أن شهدنا كيف أجج هذا العنف من تفشي الكوليرا في عدة مناطق، لكن تصاعد النزاع على نطاق أوسع قد يدفع بكامل المنطقة إلى كارثة إنسانية غير مسبوقة".
زكريا مواتيا، رئيس بعثة أطباء بلا حدود في جنوب السودان

ويضيف مواتيا، “نوجّه دعوة عاجلة إلى جميع أطراف النزاع لتأمين حماية المدنيين والعاملين في المجال الإنساني والمرافق الطبية وضمان الوصول إلى المساعدات الطبية والإنسانية من دون عوائق بما يتماشى مع القانون الدولي الإنساني”.

يعاني جنوب السودان من تفشي وباء الكوليرا في مناطق مختلفة من أراضيه منذ العام الماضي. وقد بدأت الموجة الأخيرة من ولاية أعالي النيل، لتمتد في ما بعد إلى ولاية جونغلي المجاورة ومنطقة بيبور الإدارية الكبرى وعبر الحدود إلى منطقة غامبيلا الإثيوبية، علمًا أن فرق أطباء بلا حدود تعمل على علاج المرضى وسط الزيادة الكبيرة في الحالات.

فريق طبي من أطباء بلا حدود يراقب حالة مريض الكوليرا في وحدة العناية المركزة التابعة للمنظمة.

 

في ولاية أعالي النيل، تعالج فرقنا المصابين من جراء أعمال العنف، كما تدعم مرافق علاج الكوليرا في مقاطعات أولانغ وملكال والرنك. أما في ولاية جونغلي، فنستجيب للوضع في منطقة لانكيان وكذلك في أكوبو، حيث عولج أكثر من 300 مريض خلال أسبوعين فقط في وحدة علاج كوليرا التي أنشأتها أطباء بلا حدود بسعة 100 سرير في مستشفى مقاطعة أكوبو. تعمل أطباء بلا حدود أيضًا في بلدة بيبور في منطقة بيبور الإدارية الكبرى. ومنذ بداية شهر مارس/آذار، عالجت فرقنا أكثر من ألف مصاب بالكوليرا في جميع أنحاء جنوب السودان واستقبلت أكثر من 30 مصابًا من جراء أعمال العنف.

نُقل رواك رياك تشول إلى مستشفى أطباء بلا حدود في أولانغ متأثرًا بجروحه الناجمة عن أعمال العنف،  ويقول، “احترقت جميع بضاعتي وممتلكاتي الخاصة بالعمل داخل المنزل. دُمر كل شيء في الحريق، بما في ذلك المنزل الذي كنت فيه”.

وفي منطقة غامبيلا بأثيوبيا، عالجت أطباء بلا حدود بالتعاون مع وزارة الصحة أكثر من 560 مصابًا بالكوليرا منذ بداية الاستجابة في مطلع مارس/آذار ضمن مركز ووحدات علاج الكوليرا في متار وموان وبوربيي مع قدرة استيعابية تصل إلى 100 سرير. هذا وتدير أطباء بلا حدود نقاط إماهة فموية وتنفذ أنشطة في مجال المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية، فضلًا عن الأنشطة المجتمعية التي تشمل التوعية حول الكوليرا عبر الزيارات المنزلية وجهود تنقية المياه، ما أتاح الوصول إلى أكثر من خمسة آلاف شخص في عدة مواقع. وبالإضافة إلى علاج الكوليرا، قدمت فرقنا الرعاية الطبية إلى 160 جريحًا أصيبوا خلال الاشتباكات في جنوب السودان.

تزور فرق التوعية الصحية التابعة للمنظمة المجتمع المحلي لرفع مستوى الوعي وتبادل المعرفة حول الكوليرا والنظافة والوقاية منها في أولانغ، أعالي النيل، جنوب السودان.

 

وتقول أمٌّ من جنوب السودان وصلت مؤخرًا إلى بوربيي في إثيوبيا، “جئت إلى هنا لأن الناس في بلدتي الناصر يتعرضون للقتل. لم يبقَ لنا طعام نأكله، وعندما وصلنا إلى المناطق حيث أخذنا قسطًا من الراحة، أصيب أطفالي بالمرض، ولم تتوفر أي مرافق صحية لنتوجّه إليها”.

يشهد الوضع تدهورًا سريعًا إذ يعبر آلاف الأشخاص من جنوب السودان هربًا من العنف وبحثًا عن الأمان. وفي وانتُوا وريدا، أُنشئ مخيم جديد في بوربيي بين عشية وضحاها تقريبًا، إذ أبلغ المسؤولون المحليون عن وصول أكثر من 6,500 وافد جديد بعد أيام من السفر، بما في ذلك الكثير من النساء والأطفال وكبار السن.

ويشرح رئيس بعثة أطباء بلا حدود في إثيوبيا، جوشوا إيكلي، “يصل النازحون إلى غامبيلا مع مقتنيات قليلة قدروا على حملها. وفي هذا السياق، تستجيب فرقنا لتفشي الكوليرا وتوفر الرعاية للأشخاص الذين يصلون منهكين وفي حالة سيئة. هناك احتياجات كبيرة، وقد يتفاقم الوضع بدون أي دعم إضافي”.

تأتي هذه الأزمة في حين يواجه كل من جنوب السودان وإثيوبيا تخفيضات كبيرة في تمويل المانحين، بما في ذلك التخفيضات الأخيرة من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية. وفي حين لا تقبل منظمة أطباء بلا حدود التمويل من الحكومة الأمريكية، إلا أن هذه التخفيضات في المساعدات الإنسانية والصحية ستقلل بشدة من قدرة المنظمات الأخرى على الاستجابة لهذه الأزمات.

يقول مواتيا، “في أماكن مثل أكوبو في ولاية جونغلي، تأثرت الاستجابة للكوليرا بشكل كبير بسبب تخفيضات التمويل، بما في ذلك الإغلاقات في الخدمات الصحية الحيوية. فقد توقف عدد من العيادات المتنقلة عن العمل بعد خفض التمويل الأمريكي، وعلّقت بعض المنظمات الأخرى التي كانت تدعم المرافق الصحية جميع عملياتها، بما في ذلك الأنشطة في وحدات علاج الكوليرا. يشار إلى أنّ هذا يعدّ جزءًا من ظاهرة أوسع تلمّ بجميع أنحاء البلد”.

يعاني نظام الرعاية الصحية في جنوب السودان من نقص مزمن في التمويل، فضلًا عن نقص العاملين الصحيين المتمرسين والأدوية والإمدادات، فيما تبقى قدرته على الاستجابة لحالات الطوارئ محدودة. يواجه جنوب السودان الذي يكافح في الأساس لتلبية احتياجاته الطبية والإنسانية عبئًا إضافيًا بعد وصول أكثر من مليون شخص هربًا من الحرب في السودان. وفي هذا السياق، تبرز حاجة ملحة إلى الدعم العاجل، لا سيما لتوفير المياه الصالحة للشرب وإطلاق حملات تطعيم موسّعة ضد الكوليرا وتعزيز القدرة على علاج حالات الكوليرا والإصابات البليغة على حد سواء.

ويختم مواتيا قائلًا، “يزداد خطر انتشار المرض في ظل تعطل خدمات علاج الكوليرا وانخفاض قدرة الجهات الفاعلة على دعم حملات التطعيم الفموي. لذا فنحث الجهات المانحة على تخصيص أموال طارئة استجابةً للوضع في جنوب السودان وإثيوبيا وسط هذه الأزمة المتصاعدة”.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

غزة: نفاد الإمدادات الطبية الأساسية بعد مرور شهر على الحصار القاتل الذي تفرضه السلطات الإسرائيلية

غزة: نفاد الإمدادات الطبية الأساسية بعد مرور شهر على الحصار القاتل الذي تفرضه السلطات الإسرائيلية

يتسبب نقص الأدوية بإجبار فرق أطباء بلا حدود على تضميد الجروح بلا مسكنات وتقنين استخدام الأدوية الأساسية. على السلطات الإسرائيلية إنهاء العقاب الجماعي لسكان غزة.

القدس – تحذّر أطباء بلا حدود من أن الحصار الذي تفرضه السلطات الإسرائيلية على غزة في فلسطين منذ شهر أدى إلى نقص بعض الأدوية الضرورية واقترابها من النفاد، ما يجعل الفلسطينيين عرضة لخطر فقدان الرعاية الصحية الحيوية. ومع استمرار القوات الإسرائيلية في قصف قطاع غزة، فإن حرمان الناس من الاحتياجات الأساسية، بما في ذلك الغذاء والماء والأدوية، قد يؤدي إلى ارتفاع عدد المضاعفات الصحية والوفيات. تدعو أطباء بلا حدود السلطات الإسرائيلية إلى الوقف الفوري للعقاب الجماعي بحق الفلسطينيين، وإنهاء حصارها اللاإنساني لغزة، والالتزام بمسؤولياتها كقوة محتلّة لتسهيل وصول المساعدات الإنسانية على نطاق واسع.

منذ أكثر من شهر، لم تدخل أي شاحنات مساعدات أو شاحنات تجارية إلى غزة، وهي أطول فترة منذ بدء الحرب بلا دخول أي شاحنات إلى القطاع، وفي الثاني من مارس/آذار، فرضت السلطات الإسرائيلية حصارًا كاملًا على غزة. وفي التاسع من مارس/آذار، قطعت الكهرباء، وهي ضرورية لتشغيل محطات تحلية المياه. أدى هذا القطع الكامل للمساعدات والكهرباء إلى حرمان الناس من معظم الخدمات الأساسية، وهو ما يرقى إلى مستوى العقاب الجماعي.

حكمت السلطات الإسرائيلية على سكان غزة بمعاناة لا تطاق عبر حصارها المميت. هذا الإيذاء المتعمد للناس أشبه بالموت البطيء، ويجب أن ينتهي فورًا.
ميريام العروسي، منسقة الطوارئ مع أطباء بلا حدود في غزة

وقد أجبر الحصار فرق أطباء بلا حدود على البدء فعليًا بتقنين الأدوية، مثل مسكنات الألم، وتقديم علاج أقل فعالية أو عدم مداواة المرضى.  كذلك تعاني الفرق من نفاد الإمدادات الجراحية مثل أدوية التخدير والمضادات الحيوية للأطفال وأدوية الحالات المزمنة مثل الصرع وارتفاع ضغط الدم والسكري. ونتيجة للتقنين، تضمد فرقنا في بعض عيادات الرعاية الصحية الأولية جروح المصابين بلا أي مسكنات للألم.

وبالإضافة إلى ذلك، لم تعد فرق أطباء بلا حدود قادرة على التبرع بأكياس الدم لمستشفى ناصر بسبب نقص المخزون، في ظل استمرار وصول الأعداد الهائلة من جرحى الحرب جرّاء الهجمات الإسرائيلية المتواصلة.

أدّى نقص الصابون والمياه النظيفة إلى زيادة الأشخاص الذين يعانون من الأمراض الجلدية والذين تعاينهم فرقنا في عيادات الرعاية الصحية الأولية في جميع أنحاء القطاع. ففي فبراير/شباط، عالجت فرق أطباء بلا حدود 565 حالة من الأمراض الجلدية في عيادة الحكر في دير البلح و1,198 حالة في عيادة العطار في خان يونس. وفي غضون أسبوعين فقط من شهر مارس/آذار، وصل عدد الحالات في عيادة الحكر إلى 437 حالة، أي قرابة 80 في المئة من إجمالي الحالات في فبراير/شباط، فيما عالجت عيادة العطار 711 حالة، أي قرابة 60 في المئة من إجمالي الحالات في فبراير/شباط.

أدى الحصار إلى عجز فرق أطباء بلا حدود عن توفير الأدوية لعلاج الأمراض الجلدية، وإبدالها بكميات قليلة من المراهم لتخفيف الألم. تتطلب الأمراض الجلدية مثل الجرب علاجًا لجميع أفراد العائلة لمنع انتشار العدوى وتكرار الإصابة بها، ولكن في ظل غياب الأدوية والمياه النظيفة، يغدو هذا الهدف مستحيلًا.

أمّا الأشخاص الذين يعانون من أعراض غير سارية، مثل ارتفاع ضغط الدم والسكري، فقد تؤدي عواقب عدم العلاج إلى مضاعفات خطيرة، مثل الإعاقات الدائمة والوفاة في بعض الحالات. ومنذ فرض الحصار، تمكّنا من إعطاء المرضى أدوية تغطي احتياجاتهم لمدة تقتصر على سبعة إلى عشرة أيام فقط.

تقول صبحية البشيتي، إحدى المريضات في عيادة أطباء بلا حدود في العطار بخان يونس، “لم يتبق لدي أي دواء لضغط الدم. بحث ابني طوال يومين ولم يعثر على أي شيء. ماذا عساي أن أفعل؟ هل أبقى بلا علاج؟ إذا لم أتناول مميعات الدم، يبدأ أنفي بالنزيف وأسعل دمًا”.

خلال شهر رمضان وعيد الفطر، أبلغ المرضى في عيادات أطباء بلا حدود عن نقص أوزانهم وعدم حصولهم على طعام مناسب.

تخبرنا إحدى الأمهات الحوامل في عيادة أطباء بلا حدود في المواصي بخان يونس، “في الوقت الحالي، مستويات دمي منخفضة ووزني منخفض كذلك. لا توجد إمدادات غذائية كافية لمساعدتي على زيادة وزني أو رفع مستويات دمي. يمثل ارتفاع الأسعار مشكلة كبيرة في المدينة، فالناس ببساطة لا يمكنهم شراء الضروريات بسبب ارتفاع أسعار كل شيء”.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

غزة: وسط انهيار وقف إطلاق النار تغدو المياه سلاحًا آخر للحرب

غزة: وسط انهيار وقف إطلاق النار تغدو المياه سلاحًا آخر للحرب

القدس – تحذّر أطباء بلا حدود من أن تكتيكًا آخر من تكتيكات الحرب في غزة بفلسطين يتكشّف في ظل انهيار وقف إطلاق النار وسقوط المزيد من القتلى، إذ تقطع السلطات الإسرائيلية المياه عبر قطع الكهرباء ومنع دخول الوقود إلى غزة. ومع استمرار القوات الإسرائيلية في إمطار القطاع بالقنابل، تدعو أطباء بلا حدود إلى العودة الفورية لوقف إطلاق النار وأن تسمح السلطات الإسرائيلية بتدفق الكهرباء وإدخال المساعدات، بما في ذلك الوقود والمياه ومستلزمات الصرف الصحي لتجنب المزيد من الخسائر في الأرواح.

وفي هذا الصدد، تقول منسقة أنشطة المياه والصرف الصحي مع أطباء بلا حدود في غزة، باولا نافارّو، “مع تجدد موجات القصف التي قتلت مئات الأشخاص في غضون أيام قليلة فقط، تواصل القوات الإسرائيلية حرمان الناس في غزة من المياه عبر قطع الكهرباء ومنع دخول الوقود – وتلك موارد ضرورية لبنية المياه التحتية، بما في ذلك تشغيل مضخات المياه. فمن عانوا من قصف بلا رحمة تشتدّ وطأة معاناتهم بسبب أزمة المياه، إذ يضطر الكثيرون إلى شرب مياه لا تصلح للشرب، بينما لا يملك آخرون ما يكفيهم من المياه”.

طفل فلسطيني يجمع المياه في مدينة بيت لاهيا شمال قطاع غزة، فلسطين.

 

وفي حال نفاد الوقود في خضمّ العنف، سينهار ما تبقّى من نظام المياه بالكامل، وسيؤدي ذلك إلى انقطاع المياه بشكل شبه كامل عن الناس، ما سيؤدي إلى عواقب لاإنسانية على ملايين الأشخاص الذين لا يزالون داخل غزة. وبالإضافة إلى الإصابات والوفيات الناجمة عن القتال والقصف، يحمل الوصول إلى المياه الصالحة للشرب عواقب على ظروف معيشة الناس وصحتهم.  ففي مركزي المواصي وخان يونس للرعاية الصحية الأولية، كانت الحالات الثلاث الأكثر شيوعًا التي تعالجها فرق أطباء بلا حدود هي اليرقان والإسهال والجرب، وهي ناجمة بشكل مباشر عن عدم كفاية المياه الصالحة للشرب.

تقول منسقة الفريق الطبي مع أطباء بلا حدود في غزة، كيارا لودي، “يمثل العدد الهائل من الأطفال المصابين بأمراض جلدية نتيجةً مباشرةً لدمار غزة وحصارها. فبالإضافة إلى علاج البالغين والأطفال الذين يعانون من إصابات الحرب الشديدة، يعالج طاقمنا عددًا متزايدًا من الأطفال المصابين بأمراض جلدية يمكن تجنبها مثل الجرب، والجرب ليس مزعجًا فحسب، بل يؤدي في الحالات الشديدة لحكّ الجلد حتى ينزف، ما قد يؤدي إلى الإصابة بالعدوى. وهذه نتيجة عدم قدرة الأطفال على الاستحمام، ما يؤدي إلى انتشار الجرب وغيره من العدوى، مخلّفًا ندوبًا دائمة”.

وحتى قبل القصف الذي شنته القوات الإسرائيلية في وقت سابق من هذا الأسبوع، والذي دمّرت من خلاله وقف إطلاق النار الذي دام شهرين، منعت إسرائيل دخول المساعدات إلى غزة. ونتيجة لذلك، لا تزال الجهود الإنسانية الرامية إلى استعادة نظام المياه في غزة معرقلةً بشدة ومتأخرةً بسبب نظام “الاستخدام المزدوج” الذي تتبعه السلطات الإسرائيلية قبل منح التصاريح. فمعظم مستلزمات المياه والصرف الصحي تتطلب موافقة مسبقة، بما في ذلك الكلور وقطع الغيار الأساسية لوحدات تحلية المياه والمولدات ومضخات الآبار وخزانات المياه.

مهندسو المياه والصرف الصحي في منظمة أطباء بلا حدود يقومون بتقييم أنابيب المياه في مدينة بيت لاهيا، شمال قطاع غزة، فلسطين.

 

وتضيف نافارّو، “حالت القيود التي تفرضها السلطات الإسرائيلية دون استعادة نظام مياه فعّال. فإنتاج المياه يعتمد على الطاقة، ولا يُسمح بدخول مولدات جديدة تزيد قدرتها عن 30 كيلوواط. نحن مضطرون إلى ‘ترقيع‘ المولدات باستبدال أجزاء من أحدها لإصلاح الآخر”.

تواصل أطباء بلا حدود دعوة السلطات الإسرائيلية إلى رفع حصارها اللاإنساني عن قطاع غزة، والالتزام بالقانون الدولي الإنساني ومسؤولياتها كقوة محتلّة، وضمان وصول المساعدات إلى القطاع بشكل فوري وبلا عوائق.

لمحة على أزمة المياه في غزة

  • حتى قبل الهجمات الأخيرة، كانت أزمة المياه في غزة حادّة أساسًا بسبب قطع إسرائيل للكهرباء والمياه وتدمير البنية التحتية، وقد تفاقمت بعد أن قطعت السلطات الإسرائيلية المساعدات عن غزة في الثاني من مارس/آذار وقطعت الكهرباء في التاسع من مارس/آذار. وخفضت محطة تحلية المياه الرئيسية في خان يونس إنتاجها من 17 مليون لتر إلى 2.5 مليون لتر يوميًا.
  • في الفترة من يناير/كانون الثاني إلى فبراير/شباط 2025، أجرت فرق أطباء بلا حدود أكثر من 82 ألف استشارة طبية أولية، خُمسها تقريبًا يتعلق بحالات مرتبطة بنقص المياه والنظافة الصحية، بما في ذلك التهابات فروة الرأس والأمراض الجلدية مثل الجرب.
  • بين يناير/كانون الثاني ومنتصف مارس/آذار 2025، أنتجت أطباء بلا حدود أكثر من مليوني لتر من المياه النظيفة ووزعت أكثر من 36 مليون لتر. ومنذ وقف إطلاق النار، بدأت أطباء بلا حدود بالتوزيع في شمال غزة، بما في ذلك مخيم جباليا، حيث كانت المساعدات ممنوعة منذ أشهر.
  • منذ يناير/كانون الثاني 2024 وحتى أوائل مارس/آذار 2025، ومن أصل 1,700 منتج من مواد المياه والصرف الصحي التي طلبتها أطباء بلا حدود بموجب نظام الاستخدام المزدوج، وافقت السلطات الإسرائيلية على 28 في المئة فقط منها. ولا يزال الكثير من المنتجات في طي النسيان والضياع البيروقراطي، حيث تتسبب ردود السلطات بتأخير قرابة 60 يومًا وأحيانًا 200 يوم. وحتى الإمدادات التي نالت الموافقة يمكن رفضها عند المعابر الحدودية. وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2024، وافقت السلطات الإسرائيلية على وحدة تحلية مياه تابعة لأطباء بلا حدود بعد انتظار دام 85 يومًا. وعلى الرغم من المحاولات الأسبوعية منذ الخامس من فبراير/شباط، لم تدخل الوحدة إلى غزة حتى الآن، حيث لا تزال الشاحنات التي تحملها تُبعد عن الحدود.

الإجهاض التلقائي أو مضاعفات الولادة: مصير النساء الحوامل في دارفور

الإجهاض التلقائي أو مضاعفات الولادة: مصير النساء الحوامل في دارفور

مع وجود عدد قليل فقط من المرافق الصحية التي لا تزال تعمل في دارفور، تخوض النساء الحوامل رحلات مروعة لطلب الرعاية. فانعدام الأمن ونقاط التفتيش وعدم توفّر وسائل النقل أو ارتفاع تكلفتها، كل ذلك يضطرهن إلى القيام برحلات تستغرق يوماً سيراً على الأقدام أو على ظهر الحمار، مما يؤدي في كثير من الأحيان إلى مضاعفات في الولادة أو الإجهاض التلقائي أو الوفاة.

توى كثير علي (٢٢ عامًا) تحمل توأميها حديثي الولادة في جناح حديثي الولادة بمستشفى مورني. بعد الولادة، اضطُر الطفلان للبقاء تحت المراقبة لبضعة أيام. غرب دارفور، السودان. يناير ٢٠٢٥

 

تعمل منظمة أطباء بلا حدود في عشر ولايات من أصل 18 ولاية سودانية وتشهد الأثر الفادح الذي خلفته الحرب على النساء وصحتهن في دارفور وفي أنحاء البلاد.

في غرب ووسط دارفور، العديد من النساء اللواتي يعشن في مناطق نائية عن المراكز الحضرية يلدن في بيوتهن، معتمدات على الأساليب التقليدية. وغالباً ما تؤدي ندرة مرافق الرعاية الصحية، والمسافة التي يتعين عليهن قطعها، وانعدام الأمن على الطريق، وأسعار النقل، إلى سعي النساء للحصول على الرعاية الصحية فقط بعد أن يواجهن مضاعفات، مما يعرض حياتهن وحياة مواليدهن لخطر كبير.

 ووفقاً لمنظمة الصحة العالمية، فإن أكثر من 70 في المئة من المرافق الصحية في المناطق المتضررة من النزاع مثل دارفور بالكاد تعمل أو مغلقة بالكامل، مما يترك الملايين دون الوصول إلى الرعاية الأساسية وسط واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في التاريخ الحديث.

ويتذكر وينديماجين تيفيرا بينتي، المرجع الطبي للمشروع في مستشفى زالنجي في وسط دارفور: “إحدى الأمهات التي أنجبت في المنزل، ولم تتمكن من إزالة المشيمة، ثم كانت تنزف، فهرعوا بها إلى المستشفى. كان على الأسرة حملها وبعد يوم من المشي، عندما وصلوا، كانت قد توفيت بالفعل بسبب النزيف”.

للحرب الدائرة في السودان تأثير عميق على صحة النساء الحوامل وأطفالهن، لا سيما من حيث الولادات المبكرة. كما تركت الناس عاطلين عن العمل وعطّلت الوصول إلى الغذاء والمياه النظيفة. ونتيجة لذلك، يكون لدى العديد من النساء الحوامل اللاتي يأتين إلى المستشفيات سوء تغذية، مما يؤثر بشكل مباشر على صحة أطفالهن، ويؤدي في كثير من الأحيان إلى الولادة المبكرة وسوء التغذية. بعد ولادة هؤلاء الأطفال، يتم إدخالهم في أغلب الأوقات إلى وحدات المراقبة لضمان بقائهم على قيد الحياة وعافيتهم.

وتقول مريضة في جناح الأمومة تبلغ من العمر 35 عاماً في مستشفى مورني، في غرب دارفور: “أكبر صعوبة هي كيفية تأمين الطعام لأطفالي. كنت أعمل كثيراً عندما كنت حاملاً وربما هذا هو السبب في أن طفلي ولد ضعيفاً. كان الحصول على الرعاية الصحية صعباً أيضاً، لكن منظمة أطباء بلا حدود قدمت المساعدة”.

أوسانتو سينتو بانجورا، مديرة أنشطة القابلات في منظمة أطباء بلا حدود، تفحص مولودًا جديدًا بعد دقائق من ولادته في غرفة الولادة. مستشفى مورني، غرب دارفور، السودان. يناير/كانون الثاني ٢٠٢٥.

 

مستشفى زالنجي الذي تدعمه أطباء بلا حدود هو مستشفى الإحالة الوحيد المتاح لأنشطة الرعاية الصحية الثانوية لما يقدر بنحو 500,000 شخص. ولا يوجد مرفق صحي آخر يدير عمليات الولادة في المنطقة. وفي غرفة العمليات في زالنجي، تجري فرق أطباء بلا حدود أكثر من 40 عملية قيصرية طارئة شهرياً.

عانت عفاف عمر يحيى البالغة من العمر خمسة وثلاثين عاماً من آلام شديدة في البطن في منزلها حيث كانت مدة حملها على وشك الاكتمال. وبسبب نقص وسائل النقل في دارفور، لم يكن أمامها خيار سوى السفر لساعات على ظهر حمار للوصول إلى مستشفى زالنجي. عند وصولها، أبلغها الطبيب أنها قد أسقطت الجنين، وأنها بحاجة إلى الخضوع لعملية قيصرية طارئة. وقالت عفاف وهي تتعافى في جناح الولادة: “إن فقدان الطفل كان أكبر أسىً بالنسبة لي”.

لدى النساء في أنحاء دارفور تجارب مماثلة، لكن لا يبدو أن الوضع يتحسن.

وقالت فيرجيني موكاميزا، مديرة نشاط القابلات في مستشفى زالنجي: “معظم حالات المضاعفات التي نتلقاها ناتجة عن ما بعد الولادة في المنزل وفقر الدم أثناء الحمل”.

تسعى النساء الحوامل للحصول على الرعاية الطبية عندما يعانين من نزيف ما بعد الولادة أو تعفن الدم. وقالت أوساناتو سنتو بانغورا، مديرة نشاط القابلات في مستشفى مورني المدعوم من أطباء بلا حدود في غرب دارفور: “أصبحت معظم المرافق الصحية في دارفور الآن مجرد مبانٍ فارغة. لا يوجد طواقم، ولا أدوية، ولا شيء على الإطلاق. قبل الحرب، كان بإمكان الناس الذهاب على الأقل إلى مراكز الرعاية الصحية الأولية بالقرب من منازلهم. الآن عليهم الاعتماد على المستشفيات الكبيرة البعيدة”. ويمكن الحيلولة دون حدوث العديد من هذه الحالات من خلال استشارات ما قبل الولادة ووجود أنظمة إحالة ملائمة من مرافق الرعاية الأولية، ولكن معظمها إما خارج الخدمة منذ بداية الحرب أو يعتمد على المساعدات الإنسانية، وهي غير متوفرة على نطاق واسع، لتقديم الخدمات.

فحص أطباء منظمة أطباء بلا حدود سميرة أبكر، ٢٥ عامًا، في عيادة روماليا المتنقلة بغرب دارفور. أصيبت بالتهاب في ذراعها بسبب حقنة خاطئة بعد ولادة منزلية. يناير ٢٠٢٥.

 

بعد 12 يوماً من ولادتها في البيت، زارت سميرة عيادة روماليا المتنقلة، في منطقة نائية من غرب دارفور، لإجراء فحص لطفلها ولها. عند وصولها، كانت تعاني من ارتفاع في درجة الحرارة ولديها جروح ملتهبة في ذراعها. بعد الولادة في البيت، عانت من آلام رهيبة في البطن. أعطاها شقيقها حقنة لخفض درجة حرارتها لكن ذراعها جُرحت. كانت تتألم ولا تستطع حمل طفلها بشكل صحيح. بعد إجراء العديد من الاختبارات، اكتشفت فرق أطباء بلا حدود في العيادة العدوى في ذراعها، فقاموا على الفور بتطهير وتضميد الجرح ووصفوا علاجاً له.

من شأن الآثار البعيدة المدى للحرب أن تحبس النساء والفتيات في حلقة لا تنتهي من سوء التغذية وتدهور الصحة ووفيات الأمهات.

تكرر منظمة أطباء بلا حدود دعوتنا إلى تعزيز كبير في توفير المساعدات الإنسانية المنقذة للحياة والوصول إلى الرعاية الصحية في دارفور. ويجب على الأطراف المتحاربة السماح بوصول المساعدات دون عوائق وتخفيف العقبات التي تحول دون وصول السكان المدنيين إلى الرعاية الصحية. ويجب ضمان الانخراط الكامل للجهات المانحة لزيادة التمويل بشكل مستدام لتعزيز الاستجابة الإنسانية.

موجة جديدة من العنف في إيتوري – جمهورية الكونغو الديمقراطية تعرّض المدنيين لمزيد من المخاطر

موجة جديدة من العنف في إيتوري – جمهورية الكونغو الديمقراطية تعرّض المدنيين لمزيد من المخاطر

كينشاسا – شهدت منظمة أطباء بلا حدود ارتفاعاً متجدداً في الأعمال الوحشية في مقاطعة إيتوري بشرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، حيث تقدم فرقها الطبية الرعاية لمدنيين أصيبوا بجروح مروعة. وفي تقرير جديد صدر اليوم بعنوان “يخاطرون بحياتهم من أجل سُبُل العيش”، تسلط منظمة أطباء بلا حدود الضوء على الاحتياجات الشديدة للعديد من المجتمعات المعرضة للخطر بسبب الهجمات الأخيرة وزيادة النزوح وانخفاض المساعدات الإنسانية.

على مدى عقود، كان الناس في إيتوري – في شمال شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية – أهدافاً مباشرة في نزاع معقد يتسم بالعنف والانقسامات العرقية ومشاركة مختلف الجماعات المسلحة، ويُعامَلون كأضرار جانبية. كما أعاق هذا النزاع إلى حد كبير الوصول إلى الرعاية الصحية وسُبُل عيش الأسر، في حين أن تقييد تقديم المساعدات الإنسانية تسبب في مزيد من المعاناة للسكان الذين لا يحظون باهتمام دولي يذكر.

تعرض تشارلز باراكا تشانونغ إيو، البالغ من العمر 18 عامًا، لهجوم من قبل مهاجمين أثناء نومه في منزله. أصيب بطلقات نارية في ذراعه وجروح بالساطور في معصمه. 

 

وتدعو منظمة أطباء بلا حدود جميع الجماعات المسلحة الحكومية وغير الحكومية في إيتوري إلى تجنيب المدنيين وكذلك مرافق الرعاية الصحية، التي تُعتبر ملاذات ضرورية لاستمرار حياة المجتمعات المحلية.

أدى العنف في إيتوري إلى نزوح حوالي 100,000 شخص منذ بداية العام، وفقاً للأمم المتحدة. وفي يناير/كانون الثاني وفبراير/شباط وحدهما، أبلغت أيضاً عن تكثيف العنف ضد المدنيين، حيث خلّفت الهجمات أكثر من 200 قتيل وعشرات الجرحى. وفي فبراير/شباط، عالجت الفرق الطبية التابعة لأطباء بلا حدود أطفالاً لا تتجاوز أعمارهم 4 سنوات ونساء حوامل من جروح ناجمة عن ضربات سواطير وأعيرة نارية إثر هجمات الميليشيات في إقليم دجوغو.

 وقالت أليرا هاليدو، رئيسة بعثة أطباء بلا حدود في جمهورية الكونغو الديمقراطية: “تأتي هذه الهجمات الأخيرة بعد عقود من العنف وعواقبه المدمرة على المدنيين، بمن فيهم النساء والأطفال في إيتوري. وكان النزوح المتكرر السمة الأبرز للأزمة هنا، حيث يجبر العنف المدنيين على التنقل وبدء حياتهم من جديد مراراً وتكراراً. والأسوأ من ذلك، هو أن القصص التي يرويها لنا المرضى والمجتمعات ليست سوى غيض من فيض”.

إعاقة الوصول إلى الرعاية الصحية

لا تستطيع سوى نسبة صغيرة من الناس الحصول على الرعاية الصحية في إيتوري، حيث تقع المرافق الصحية أيضاً فريسة للهجمات. وفي إقليم دجوغو، اضطر مستشفى فاتاكي العام إلى تعليق أنشطته وإجلاء المرضى في منتصف مارس بعد تهديدات الجماعات المسلحة. ويؤثر هذا الإغلاق على الآلاف من الأشخاص الذين تُركوا دون الحصول على رعاية طبية. وفي منطقة درودرو الصحية، وهي في دجوغو أيضاً، دُمِّر ما يقرب من 50 في المئة من مراكز الرعاية الصحية جزئياً أو كلياً وتعيَّن نقلها. وعندما تصاعد العنف في هذا الوقت من العام الماضي، قُتلت مريضة في سريرها في هجوم مسلح على مستشفى درودرو العام.

سيارة جيب تابعة لمنظمة أطباء بلا حدود تغادر مستشفى HGR العام في أنغومو، مقاطعة إيتوري

 

ولا تجعل هذه الهجمات المرضى يترددون في الذهاب إلى المرافق الطبية فحسب، بل تعرّض الطاقم الطبي للخطر أيضاً. وروى أحد الأطباء الذين تمت مقابلتهم من أجل التقرير كيف أنه عندما أُجبر مركز صحي على الإغلاق لمدة شهرين، استمر هو في الذهاب لإجراء عمليات قيصرية.

وقال الطبيب: “كان الأمر خطيراً وكنت أخاطر بحياتي، لكن لم يكن لدينا خيار. كان علينا أن نتسلل إلى هناك مع النساء، وإلا لَكُنَّ قد فارقن الحياة”.

استهداف الفئات الأكثر ضعفاً

كان أكثر من نصف ضحايا العنف الـ 39 الذين عالجتهم أطباء بلا حدود في عيادة سلامة، في بونيا، حتى منتصف مارس/آذار 2025 من النساء والأطفال. فقدت إحدى الأمهات طفلها البالغ من العمر 6 أشهر وزوجها خلال هجوم بالسواطير، وأصيب طفلها البالغ من العمر 4 سنوات. وتلقت شقيقتان تبلغان من العمر 4 أعوام و 16 عاماً ضربات بالسواطير على الرأس والذراعين، كما أصيبت والدتهما (وهي حامل في شهرها الثامن) إصابة خطيرة بعدة جروح بالسواطير. عالجنا صبياً يبلغ من العمر 9 سنوات مصاباً بطلق ناري في البطن كان قد شهد هجوم المهاجمين ومقتل والدته واثنين من أشقائه، بالسواطير.

عندما يلجأ المدنيون إلى مخيمات النازحين، مع ذلك لا يكونون آمنين. في إحدى الحالات في سبتمبر/أيلول 2024، عالجت أطباء بلا حدود خمسة مدنيين مصابين بجروح ناجمة عن طلقات نارية في أعقاب هجوم على مخيم بلين سافو، في منطقة فاتاكي الصحية.

تضاعف عدد سكان موقع رو، وهو أكبر مخيم مسجل في منطقة درودرو الصحية، والذي تم إنشاؤه في عام 2018، منذ بداية عام 2023، حيث ارتفع من 35 ألفًا إلى ما يقرب من 70 ألف شخص.

 

عندما يكون هناك تصاعد في الهجمات ضد المدنيين، يزداد أيضاً عدد ضحايا العنف الجنسي القادمين إلى مرافق أطباء بلا حدود. وتواجه النساء على وجه الخصوص هجمات أثناء خروجهن بحثاً عن ما يطعمن به أنفسهن وأسرهن. وفي درودرو، في عامي 2023 و 2024، كان حوالي 84 في المئة من ضحايا العنف الجنسي الذين عالجتهم أطباء بلا حدود تعرَّضن للهجوم أثناء العمل في الحقول أو جمع الحطب أو التنقل على الطريق.

تفاقم الاحتياجات غير الملباة

على الرغم من الجهود التي تبذلها وزارة الصحة ومنظمة أطباء بلا حدود والمنظمات الإنسانية الأخرى، فإن احتياجات الناس تتجاوز بكثير الموارد المتاحة. وقد تفاقم انعدام الأمن الغذائي بشكل حاد في إيتوري في عام 2024 وأصبح الآن مزمناً بالنسبة لـ 43 في المئة من السكان. وتعني ظروف النظافة السيئة وأماكن الإيواء المتهالكة في مخيمات النزوح أن أمراض الإسهال والجهاز التنفسي تنتشر بسهولة، وهي تؤثر على الأطفال دون سن الخامسة أكثر من غيرهم.

يجب ضمان حصول الناس في إيتوري على الرعاية الصحية بأمان ويجب ألا يضطروا إلى المخاطرة بحياتهم بحثاً عن الطعام والاحتياجات الأخرى.