غزة: أطباء بلا حدود توثّق الحرب المفتوحة على الفلسطينيين

غزة: أطباء بلا حدود توثّق الحرب المفتوحة على الفلسطينيين

في 18 مارس/آذار 2025، أنهت السلطات الإسرائيلية هدنة دامت شهرين باستئناف قصفها المكثف والعشوائي على قطاع غزة وفرض حصار شامل، ما أدى إلى مقتل مئات الأشخاص في غضون أسابيع قليلة. من خلال موقع gazainsidethewar.com، توثق أطباء بلا حدود وبشكل موسّع هذه الحرب الشاملة التي تشنها القوات الإسرائيلية منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، والتي دمرت ظروف الحياة بحد ذاتها في غزة. تجمع هذه المنصة المعلومات والشهادات التي جمعتها فرق أطباء بلا حدود بين السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 والأول من فبراير/شباط 2025، وتوثق على وجه التحديد الهجمات على النظام الصحي والعاملين في المجال الإنساني، والتي شهدتها فرق أطباء بلا حدود وعانت منها.

قتلت الحرب الإسرائيلية على غزة حتى الآن أكثر من 51 ألف فلسطيني، وجرحت أكثر من 116 ألف فلسطيني، وتسببت بنزوح قرابة 90 في المئة من سكان غزة. وقد أدى تفكيك البنية التحتية المدنية الأساسية، بما في ذلك مرافق الرعاية الصحية، بالإضافة إلى الحصار والحرمان المنهجي من المساعدات الإنسانية، إلى تدمير ظروف الحياة في غزة.

وهذه الشهادات المباشرة على الكارثة الطبية والإنسانية التي ألمّت بغزة تتوافق مع أوصاف التطهير العرقي والإبادة الجماعية التي يقدمها عدد متزايد من الخبراء القانونيين والمنظمات القانونية.

يجب إجراء تحقيقات مستقلة لتحديد الحقائق والمسؤوليات وراء الهجمات المتكررة على المدنيين والبعثة الطبية.

على السلطات الإسرائيلية أن تنهي حصارها على غزة وأن تفتح الحدود البرية الحيوية، بما في ذلك معبر رفح، لضمان إيصال المساعدات الإنسانية والطبية على نطاق واسع.

يجب إنهاء النزوح القسري. ويجب السماح لسكان غزة أن يتنقلوا بحرّية، بما في ذلك العودة إلى بيوتهم وأراضيهم، واستعادة سبل عيشهم. وعلى السلطات الإسرائيلية تسهيل إجلاء من يحتاجون إلى رعاية متخصصة وخروج من يبحثون عن مأوى خارج غزة، مع ضمان حقهم في العودة الآمنة والطوعية والكريمة.

تدعو أطباء بلا حدود الدول، ولا سيما أقرب حلفاء إسرائيل، أن تنهي دعمها غير المشروط لإسرائيل وأن توفي بالتزامها بمنع الإبادة الجماعية في غزة. يجب على الدول أن توظّف نفوذها للتخفيف من معاناة السكان وتمكين توسيع نطاق المساعدات الإنسانية في قطاع غزة.

غزة: لا رعاية ولا أمل في الشفاء لمرضى الحروق

غزة: لا رعاية ولا أمل في الشفاء لمرضى الحروق

إن الإصابة بالحروق ليست مجرد جرح، بل هي معاناة طويلة الأمد، وتزداد حدتها في قطاع غزة بفلسطين، حيث يعاني الكثير من الأشخاص من حروق شديدة تغطي أجزاء كبيرة من أجسادهم، بعضها يصل إلى 40 في المئة من إجمالي مساحة أجسامهم، ناهيك عن أن مرضى الحروق الناجمة عن انفجارات القنابل وطرق الطهي البدائية لا يجدون سوى خيارات محدودة للرعاية بسبب تدمير النظام الصحي في غزة نتيجة للهجمات التي تشنها القوات الإسرائيلية منذ أكثر من 19 شهرًا، والتي تواصل أيضًا حصار غزة وتمنع وصول المساعدات الأساسية والإمدادات الطبية المنقذة للحياة، مما يؤدي إلى زيادة معاناة المرضى من الآلام الشديدة من دون حصولهم على أي رعاية طبية لتخفيف آلامهم.

في أغسطس/آب 2024، أُصيب تيسير منصور، البالغ من العمر 17 عامًا، بحروق بالغة في جميع أنحاء جسده جراء غارة إسرائيلية استهدفت منزله، مما أسفر عن مقتل والدته وإصابة والده وإخوته، وهو يتلقى العلاج حاليًا من قبل فرق منظمة أطباء بلا حدود في مستشفى ناصر بخان يونس، جنوب غزة.

وفي هذا الصدد، يقول منصور،”لقد أُصبت بحروق بالغة من الدرجة الثالثة، وأمضيت أكثر من 150 يومًا في قسم المرضى المقيمين، ولم أعد أستطيع تحريك يديَّ. إنه لأمر مؤلم للغاية، كما أنني لا أستطيع تناول الطعام بمفردي أو القيام بأي شيء آخر، لقد كان لهذا تأثير كبير عليّ، أتمنى أن أتعافى”.

ومنذ أن استأنفت القوات الإسرائيلية أعمالها العدائية في 18 مارس/آذار، لاحظت فرق منظمة أطباء بلا حدود زيادة في عدد المرضى المصابين بالحروق، معظمهم من الأطفال، علمًا أنّ فرق منظمة أطباء بلا حدود قد استقبلت خلال شهر أبريل/نيسان فقط ما يزيد عن 100 مريض يعانون من الحروق والإصابات بشكل يومي في عيادة مدينة غزة التي تديرها منظمة أطباء بلا حدود شمال القطاع. تقدم فرق أطباء بلا حدود كذلك الرعاية الطبية لمرضى الحروق في مستشفى ناصر وهو أكبر مستشفى ما زال يعمل في غزة، حيث أجرت فرق منظمة أطباء بلا حدود العاملة في مستشفى ناصر أكثر من 1,000 عملية جراحية لمرضى الحروق منذ مايو/أيار 2024، وقد شكّلت نسبة الأطفال 70 في المئة معظمهم دون سن الخامسة، علمًا بأن العديد من هؤلاء الأطفال أُصيبوا بالحروق جراء انفجارات القنابل بينما أُصيب آخرون بالماء المغلي أو الوقود المستخدم للطهي أو التدفئة في الملاجئ المؤقتة. 

في الواقع، تتطلب الحروق الشديدة رعاية معقدة وطويلة الأمد، بما في ذلك العمليات الجراحية المتعددة وتغيير ضمادات الجروح يوميًا والعلاج الطبيعي وإدارة الألم والدعم النفسي وبيئة معقمة لمنع العدوى، إلا أن فرق منظمة أطباء بلا حدود تعاني من نقص حاد في مسكنات الألم الأساسية بسبب مرور أكثر من 50 يوم على انقطاع الإمدادات عن غزة جراء الحصار الاسرائيلي، مما يترك المرضى من دون مسكنات ألم كافية، علاوة على أنه منذ بداية الحرب، لا يوجد سوى عدد قليل جدًا من الجراحين في غزة الذين لديهم القدرة على إجراء العمليات الجراحية التجميلية المعقدة للعناية بالحروق.

تتعالى صرخات الأطفال عندما نضطر لنزع القماش المحترق عن جلودهم، ويتوسلون إلينا كي نتوقف، ولكننا إن لم نُزل الأنسجة الميتة، فقد تؤدي العدوى وتسمم الدم إلى وفاتهم. نحن لا نستطيع تقديم الرعاية المناسبة بسبب الإمدادات الطبية غير الكافية في ظل وجود عدد كبير جدًا من مرضى الحروق الذين يحتاجون إلى رعاية، ولكننا نؤخر فقط حدوث الالتهابات الحتمية والمضاعفات الخطيرة.
الدكتور أحمد أبو وردة، مدير الأنشطة الطبية في منظمة أطباء بلا حدود والذي يعمل في مستشفى ناصر

يحتاج مرضى الحروق إلى رعاية صحية عالية المستوى، كما أنهم يحتاجون إلى ضعف عدد السعرات الحرارية اليومية للتعافي بشكل سليم، ولكن نظرًا لتوقف دخول الطعام إلى غزة، يعيش المرضى على كميات غير كافية من الطعام، مما يُعرّض تعافيهم للخطر.

يقول منصور، “الأوضاع في غزة صعبة للغاية، فلا يوجد طعام صحي أو لحوم أو تغذية سليمة”.

أجساد مرضانا تستهلك نفسها لإغلاق جروح لا تلتئم أبدًا". ويضيف، "يرقد تيسير في المستشفى منذ ثمانية أشهر على الرغم من أنه كان يُمكن أن يُشفى في غضون ثلاثة أشهر في الظروف العادية، ولكن بسبب عدم توافر الطعام ومسكنات الألم والمياه النظيفة، أصبح مُحاطًا بسلسلة من فشل عمليات الترقيع الجلدي والالتهابات إلى جانب الشعور باليأس.
أحد الجراحين في أطباء بلا حدود

منذ ديسمبر/كانون الأول 2024، قدّمت فرق منظمة أطباء بلا حدود العاملة في عيادة مدينة غزة والمستشفى الميداني التابعين لها في دير البلح، بالإضافة إلى مستشفى ناصر، أكثر من 6,518 ضمادة للحروق، ومع ذلك لم يعد نحو نصف هؤلاء المرضى لتلقي الرعاية اللاحقة، فضلًا عن أنه حتى 24 أبريل/نيسان، أصبحت أكثر من نصف المرافق الصحية العاملة في غزة واقعة في مناطق صدرت أوامر إخلاء بشأنها، وفقًا لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، مما يجعل الرعاية الصحية شبه مستحيلة للمرضى والكوادر الطبية.   

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

السودان: أطباء بلا حدود تحذر من تأثير موسم الأمطار في دارفور

السودان: أطباء بلا حدود تحذر من تأثير موسم الأمطار في دارفور

يشكّل موسم الأمطار في دارفور الذي يتراوح بين يونيو/حزيران وسبتمبر/أيلول فترة حرجة تتناقص خلالها إمدادات الغذاء، وتزداد فيها معدلات سوء التغذية وتفشّي الأمراض. وقد ازداد هذا التحدي السنوي قسوةً منذ اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع. فعلى مدار عامين، خلّف العنف المتواصل أسوأ أزمة إنسانية يشهدها العالم اليوم، متسببًا في نزوح قرابة 13 مليون شخص.

في ولايات غرب ووسط وشمال وجنوب دارفور، حيث تعمل فرق أطباء بلا حدود، يروي النازحون شهادات مروّعة عن هروبهم ولم يكن بحوزتهم سوى ما يرتدونه من ملابس. لا تزال احتياجاتهم الأساسية من مأوى وغذاء ومياه نظيفة ورعاية صحية غير ملباة. هذا وتتداعى الاستجابة الإنسانية مع تفاقم انعدام الأمن وعرقلة أطراف النزاع لوصول المساعدات واقتراب موسم الأمطار الذي يُتوقع أن يجرف الطرق الحيوية. ففي العام الماضي، دمّرت الفيضانات الطرق المحيطة بجسر مورني، شريان المساعدات الرئيسي من تشاد. ومع اقتراب موسم الأمطار مجددًا، ستغدو هذه الطرق غير سالكة من جديد.

تدعو أطباء بلا حدود طرفي النزاع في السودان إلى التّجهّز لموسم الأمطار عبر تدعيم الطرق والبنية التحتية ورفع القيود البيروقراطية. كما تحث الجهات والمؤسسات المانحة على الوفاء بتعهداتها التمويلية لتمكين الجهات الإنسانية من تخزين الإمدادات قبل بدء هطول الأمطار. لم يبقَ لنا وقت لنضيّعه.

سامويل سيليشي، منسق طوارئ أطباء بلا حدود في دارفور

شعب السودان لا يمكنه الانتظار أكثر.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

أسبوع التمنيع العالمي: التطعيم ضد الكوليرا وسبل الحماية

أسبوع التمنيع العالمي: التطعيم ضد الكوليرا وسبل الحماية

الكوليرا هو مرض خطير ومعدٍ سريع الانتشار لا سيّما في المناطق التي تعاني من سوء إمدادات المياه وتردي خدمات الصرف الصحي. يُصاب ملايين الأشخاص بالكوليرا كل عام. ومع ذلك، يمكن أن يقلّل التطعيم من خطر الإصابة بدرجة كبيرة ويوفّر حماية طويلة الأمد.

 

في منظمة أطباء بلا حدود، ننخرط بشكل نشط في الجهود العالمية لمكافحة الكوليرا. فنُطلق حملات تطعيم وننفّذ أنشطة تثقيفية داخل المجتمعات، ونعمل على تحسين فرص الحصول على المياه النظيفة وخدمات الصرف الصحي، مع توزيع مستلزمات النظافة الضرورية. وبطبيعة الحال، نوفر أيضًا العلاج لمرضى الكوليرا في مراكزنا أثناء فترات تفشي المرض.

تعرفوا أكثر على الكوليرا

ما هي الكوليرا؟

تعدّ الكوليرا عدوى حادة تسبّبها بكتيريا فيبريو كوليرا. وينتقل عبر الأغذية والمياه الملوّثة بشكل أساسي -لا سيّما في المناطق التي تعاني من محدودية الوصول إلى مياه الشرب الآمنة وتفتقر إلى بنية تحتية لائقة للنظافة الصحية.

انتشار الكوليرا

 

يحدث تفشي الكوليرا على مستوى العالم، مع تركّز أعداد الإصابات في المناطق التي تفتقر إلى أنظمة المياه وخدمات الصرف الصحي. ووفقًا لمنظمة الصحة العالمية، يصيب الكوليرا قرابة أربعة ملايين شخص سنويًّا، ويقضي نحو 140 ألف شخص متأثرين بمضاعفاته.

يشيع المرض خصوصًا في أجزاء من إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. وتزداد احتمالات تفشّيه بدرجة كبيرة في حالات الطوارئ الإنسانية كالنزاعات أو الكوارث الطبيعية، إذ ينتقل الناس غالبًا إلى أماكن مكتظة حيث يفتقرون إلى المياه النظيفة.

مسار المرض ونتائجه المحتملة

قد تظهر أعراض الكوليرا في غضون ساعات أو خلال بضعة أيام من التعرّض للعدوى. يتّسم هذا المرض بإسهال مائي حاد يمكن أن يفضي إلى جفاف شديد وانهيار في الدورة الدموية، وحتى الوفاة في حال تُرك من دون علاج.

ومع ذلك، يتعافى أكثر من 99 في المئة من المرضى بشكل كامل باللجوء إلى العلاج المبكر عبر محاليل الإماهة الفموية أو السوائل الوريدية.

في مشاريعنا الطبية، نشغّل مراكز علاج متخصصة بالكوليرا لتقديم الرعاية إلى المصابين ونساعد على وقف انتشار المرض. تُصمَّم هذه المراكز لضمان عزل المرضى وتلقيهم رعاية آمنة.

في حالات الطوارئ الحادة، يمكن لفرقنا أن تنشئ مراكز علاج خلال أيام قليلة للاستجابة للتفشي بصورة سريعة.

لقاح الكوليرا

يُعَدّ لقاح الكوليرا أداةً فعّالة ومُثبتة للوقاية من العدوى، وهو لقاح حي يُعطَى عن طريق الفم. توصي منظمة الصحة العالمية بإعطائه للسكان في المناطق التي يستوطنها المرض أو المسافرين إلى مناطق عالية الخطورة.

بعد تلقي جرعتين، يوفّر لقاح الكوليرا حماية تقارب 85 في المئة، ويحافظ على نسبة تصل إلى 60 في المئة بعد مرور ثلاث سنوات. في حال تفشي المرض، يمكن الاكتفاء بجرعة واحدة لتحصين أكبر عدد ممكن من الناس بصورة سريعة.

الحماية التي يؤمّنها اللقاح وأعراضه الجانبية

في المجمل، يمكن للناس تحمّل لقاح الكوليرا. وكما هو الحال مع أي لقاح، قد تظهر آثار جانبية طفيفة مثل انزعاج في المعدة أو الشعور بالغثيان أو الإسهال.

في حالات نادرة، قد يعاني المرضى من صداع أو تشنجات خفيفة في البطن. لذلك، على الأشخاص الذين يعانون من ضعف الجهاز المناعي أو الأطفال الذين تقل أعمارهم عن سنة واحدة أو يراجعوا طبيبهم العام قبل تلقي اللقاح.

لا يوجد حاليًا أي بديل مفيد للتطعيم – وما زال اللقاح الفموي يؤمّن الحماية الأكثر فعالية.
 

تدعم منظمة الصحة العالمية تعزيز فرص الوصول إلى التطعيم ضد الكوليرا، لا سيما في مناطق الأزمات حيث ينتشر المرض وتتحمّل الأنظمة الصحية أعباء هائلة.

نعمل بشكل وثيق مع منظمة الصحة العالمية لتنسيق جهود التطعيم وتحسين فرص الحصول على اللقاحات. غير أنّ إنتاج اللقاح ما زال يشكّل تحدّيًا كبيرًا، فالطلب يتجاوز العرض في كثير من الأحيان خاصة في حالات الطوارئ. هذا ويُحرَص على أن يحتفظ المخزون العالمي بكمية تكفي للاستجابة للأوبئة، لكنّه لا يسمح بإطلاق حملات وقائية.

إمكانية الوصول إلى لقاحات الكوليرا

 يبقى الوصول إلى لقاح الكوليرا محدودًا بوجه خاص خلال الأزمات الإنسانية، فكثيرًا ما يتعذّر إنتاج الجرعات أو إيصالها بالسرعة المطلوبة. هذا وتُفاقِم التحديات اللوجستية، كالانقطاعات في سلاسل الإمداد أو نقص وسائل التبريد، صعوبة تنفيذ حملات التطعيم خاصة في المناطق النائية.

ويزيد العدد المحدود من المصنعين وارتفاع تكاليف الإنتاج من النقص في الإمدادات العالمية.

تُعد تكلفة اللقاح عائقًا آخر، فثمن جرعة لقاح الكوليرا في النمسا، على سبيل المثال، يصل إلى نحو 70 يورو. وعلى الرغم من اختلاف الأسعار من بلد إلى آخر ومن جهة إلى أخرى، إلا أنها تظل باهظةً بالنسبة للكثيرين حول العالم.

ندعو إلى تحسين عمليات التوزيع وزيادة المرونة في استراتيجيات التطعيم، كما نعمل مع الحكومات ومنظمة الصحة العالمية لتحسين فرص حصول الجميع على اللقاحات.

 

حملاتنا للتطعيم ضد الكوليرا حول العالم

 

تنشط أطباء بلا حدود في مكافحة الكوليرا على مستوى العالم. ففي عام 2023 وحده، دعمت إعطاء أكثر من 36 ألف لقاح للكوليرا في بلدان عديدة.

هذا وعالجنا أكثر من 70 ألف مصاب بالكوليرا، ووزّعنا المياه النظيفة للمساعدة في تفادي أي إصابات إضافية.

 

وإلى جانب تقديم الرعاية الطارئة، نعمل بشكل وثيق مع السلطات المحلية لتطوير حلول مستدامة، بما في ذلك تحسين الوصول إلى المياه النظيفة وتعزيز البنية التحتية للنظافة الصحية. وفي الكثير من المناطق حيث تتواجد مشاريعنا، مثل لبنان حيث إلى جانب اللقاحات الروتينية التي نقدمها في عياداتنا، تعاونت أطباء بلا حدود في العام الماضي مع وزارة الصحة العامة في لبنان لتنفيذ حملة تطعيم وقائية واسعة ضد الكوليرا في عرسال.

 

حصل قرابة 30 ألف شخص على اللقاح، ومنهم سكان لبنانيون ولاجئون يعيشون في مناطق مكتظة ومحرومة من الخدمات.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

السودان: وضع يائس لنازحي زمزم

السودان: وضع يائس لنازحي زمزم

السودان – أبريل/نيسان 2025 – في أعقاب الهجوم البري الواسع النطاق لقوات الدعم السريع على مخيم زمزم الذي بدأ في 11 أبريل/نيسان، انضم مئات الآلاف من الأشخاص إلى المجتمعات المحاصرة بالفعل والمحرومة من المساعدات المنقذة للحياة في الفاشر، العاصمة المجاورة لشمال دارفور. ووصل 25,000 شخص آخرين إلى طويلة غرباً، حيث تقوم فرق أطباء بلا حدود المثقَلة حالياً بتوسيع أنشطتها لتلبية الاحتياجات الطبية الأكثر إلحاحاً. وإننا نوجه نداءً عاجلاً لإنهاء الحصار والفظائع، وإيصال المساعدات الإنسانية، بما في ذلك عن طريق إسقاط الأغذية والأدوية جواً إلى الفاشر إذا لزم الأمر، والسماح لأولئك الذين يرغبون في الفرار بالقيام بذلك بأمان.

اقتحمت قوات الدعم السريع والجماعات المسلحة المتحالفة معها مخيم زمزم، أكبر مخيم للنازحين في السودان، والذي كان يستضيف ما لا يقل عن 500,000 شخص بالقرب من الفاشر، بعد أشهر من الحصار المشدد بشكل متزايد على المنطقة. وبحلول 16 أبريل/نيسان، كان المخيم، الذي دمر إلى حد كبير في ذلك الوقت، تحت سيطرة قوات الدعم السريع. ويُعتقد أن غالبية سكان زمزم قد فروا إلى الفاشر، حيث لا يزالون محاصرين، لا تصلهم المساعدات الإنسانية ومعرضين للهجمات المستمرة والمزيد من العنف الجماعي.

وبينما شهدت منظمة أطباء بلا حدود في طويلة وصول أكثر من 25,000 شخص من زمزم والمناطق المجاورة بين 12 و 15 أبريل/نيسان، يصل النازحون الآن بشكل متقطع وتحت خطر كبير على حياتهم على طول الطريق. وأقامت فرقنا نقطة صحية عند مدخل طويلة لتزويد الوافدين الجدد بالمياه والدعم الغذائي والطبي الفوري. ونقوم بتحويل الحالات الحرجة إلى المستشفى المحلي الذي نعمل فيه منذ أكتوبر/تشرين الأول الماضي. واحتاج حوالي 1600 مريض حتى الآن إلى خدمات العيادات الخارجية الطارئة، معظمهم بسبب الجفاف الشديد.  

إننا نعالج الأطفال الذين كانوا يموتون فعلياً من العطش أثناء رحلاتهم. لقد استقبلنا حتى الآن أكثر من 170 شخصاً أصيبوا جراء طلقات نارية وانفجارات، 40 في المئة منهم من النساء والفتيات. ويخبرنا الناس أن العديد من المصابين والضعفاء لم يتمكنوا من القيام بالرحلة إلى طويلة وتُركوا وراءهم. وقال كل من نتحدث إليه تقريباً إنهم فقدوا فرداً واحداً على الأقل من أفراد الأسرة أثناء الهجوم.
ماريون رامشتاين، منسقة مشروع أطباء بلا حدود في طويلة

وتَظهر تقارير مروعة من مخيم زمزم، حيث تشير التقديرات إلى مقتل مئات الأشخاص. وقيل إن المقاتلين يتنقلون من مسكن إلى آخر، ويطلقون النار على الأشخاص المختبئين في منازلهم ويحرقون أجزاء كبيرة من المخيم. ومن بين الضحايا أحد عشر موظفاً من منظمة الإغاثة الدولية، التي كانت تدير العيادة الوحيدة المتبقية في المخيم بعد أن علّقت أطباء بلا حدود جميع أنشطتها في زمزم في فبراير/شباط بسبب تصاعد العنف والحصار.

نحث قوات الدعم السريع وجميع الجماعات المسلحة في المنطقة على تجنيب المدنيين وحمايتهم وضمان أن أولئك الذين يرغبون في الفرار يمكنهم القيام بذلك دون مزيد من الضرر. يجب على الدول والجهات الفاعلة الدبلوماسية استخدام نفوذها لترجمة البيانات الجوفاء إلى أفعال ملموسة. كانت هناك تحذيرات متكررة من الأمم المتحدة والعديد من المراقبين حول مخاطر القتل الجماعي والعنف العرقي في الفاشر ومخيمات النزوح المحيطة بها، والتي يسكنها في الغالب أشخاص من عرقية الزغاوة والفور غير العربية، في حين أن معظم مقاتلي قوات الدعم السريع وحلفائهم ينتمون إلى قبائل عربية.

بعد عامين من حرب كارثية على الناس، قوبلت بلامبالاة، يبقى من غير المعقول أن نستسلم ببساطة للفشل الجماعي الحالي في تقديم المساعدة الحيوية حيث تشتد الحاجة إليها. تطلق منظمة أطباء بلا حدود والعديد من الجهات الفاعلة الأخرى تدخلات طارئة في طويلة، ولكن هناك حاجة إلى أكثر من ذلك بكثير من حيث المياه والغذاء والرعاية الطبية والمأوى. 

هناك حاجة إلى استجابة إنسانية واسعة النطاق، أصبحت الآن أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. وإذا كانت الطرق المؤدية إلى الفاشر مغلقة، فيجب إطلاق عمليات جوية لجلب الغذاء والأدوية إلى ما يقدر بمليون شخص محاصرين هناك ويتضورون جوعاً. هناك حاجة أيضاً إلى استجابة موسعة في طويلة، حيث يتم استقبال بعض الناجين والقدرات المحلية مثقلة.
رسماني كابور، رئيس بعثة أطباء بلا حدود في السودان
Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

غزة: “مقبرة جماعية” للفلسطينيين ومن يساعدونهم

غزة: “مقبرة جماعية” للفلسطينيين ومن يساعدونهم

القدس – مع استئناف القوات الإسرائيلية هجومها العسكري على قطاع غزة في فلسطين وتوسيع نطاقه جوًا وبرًا وبحرًا، مُهجّرةً السكان بشكل قسري ومانعةً المساعدات الأساسية عن عمد، وبهذا فهي تدمّر حياة الفلسطينيين بشكل ممنهج مرة أخرى، بحسب تحذير أطباء بلا حدود. وقد أظهرت سلسلة من الهجمات القاتلة التي شنتها القوات الإسرائيلية تجاهلًا صارخًا لسلامة العاملين في المجال الإنساني والطبي في غزة. ندعو السلطات الإسرائيلية إلى الرفع الفوري لحصار غزة اللاإنساني والقاتل، وحماية أرواح الفلسطينيين، والعاملين في المجال الإنساني والطبي، وندعو جميع الأطراف إلى استعادة وقف إطلاق النار والحفاظ عليه.

وفي هذا الصدد، تقول منسقة الطوارئ مع أطباء بلا حدود في غزة، أماند بيزرول، “تحوّلت غزة إلى مقبرة جماعية للفلسطينيين والقادمين لمساعدتهم. نحن نشهد وبشكل مباشر التدمير والتهجير القسري لجميع السكان في غزة. وفي ظل غياب أي مأمن للفلسطينيين أو من يحاولون مساعدتهم، تعاني الاستجابة الإنسانية بشدة تحت وطأة انعدام الأمن والنقص الحاد في الإمدادات، ما يترك للناس خيارات قليلة، إن وُجدت، للحصول على الرعاية”.

تحوّلت غزة إلى مقبرة جماعية للفلسطينيين والقادمين لمساعدتهم. نحن نشهد وبشكل مباشر التدمير والتهجير القسري لجميع السكان في غزة. وفي ظل غياب أي مأمن للفلسطينيين أو من يحاولون مساعدتهم، تعاني الاستجابة الإنسانية بشدة تحت وطأة انعدام الأمن والنقص الحاد في الإمدادات، ما يترك للناس خيارات قليلة، إن وُجدت، للحصول على الرعاية.
أماند بيزرول، منسقة الطوارئ مع أطباء بلا حدود في غزة

قُتل أكثر من 50 ألف شخص منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، ثلثهم تقريبًا من الأطفال، بحسب وزارة الصحة. ومنذ استئناف الأعمال العدائية في 18 مارس/آذار، قُتل أكثر من 1,500 شخص، بحسب السلطات المحلية. وبحسب للأمم المتحدة، قُتل ما لا يقل عن 409 عمّال إغاثة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، ومعظمهم من موظفي الأونروا، أبرز مزودي المساعدات الإنسانية في غزة. وقُتل أحد عشر من زملائنا في أطباء بلا حدود منذ بداية الحرب، ومنهم من قُتلوا أثناء تأدية عملهم، وقد قتل زميلان لنا خلال الأسبوعين الماضيين فقط.

وفي أحدث الهجمات الوحشية التي شنتها القوات الإسرائيلية على عمال الإغاثة، عُثر على جثث 15 مسعفًا وسيارات إسعافهم في مقبرة جماعية في 30 مارس/آذار في رفح، جنوب غزة. قتلت القوات الإسرائيلية هذه المجموعة أثناء محاولتها مساعدة المدنيين العالقين في دائرة القصف في 23 مارس/آذار. وقد أظهرت الأدلة الجديدة والمتداولة علنًا أن العمال ومركباتهم كانوا يحملون شارات واضحة ويسهل التعرف عليهم، ما يدحض الادعاءات الأولية التي قدمتها السلطات الإسرائيلية.

تقول المديرة العامة لأطباء بلا حدود فرنسا، كلير ماغون، “يظهر هذا القتل المروّع لعمال الإغاثة مثالًا آخر على تجاهل القوات الإسرائيلية التام لحماية العاملين في المجال الإنساني والطبي. كما أن صمت أقرب حلفاء إسرائيل ودعمهم غير المشروط يشجع هذه الأعمال أكثر”. وفي نظر أطباء بلا حدود، فإن التحقيقات الدولية والمستقلة هي وحدها القادرة على تسليط الضوء على ملابسات هذه الاعتداءات على عمال الإغاثة، والمسؤوليات المترتبة عليها.

يظهر هذا القتل المروّع لعمال الإغاثة مثالًا آخر على تجاهل القوات الإسرائيلية التام لحماية العاملين في المجال الإنساني والطبي. كما أن صمت أقرب حلفاء إسرائيل ودعمهم غير المشروط يشجع هذه الأعمال أكثر
كلير ماغون، المديرة العامة لأطباء بلا حدود فرنسا

وعلى الرغم من كارثية الوضع طوال أكثر من 18 شهرًا، إلا أن أطباء بلا حدود قد شهدت خلال الأسابيع الثلاثة الماضية عدة حوادث قُتل فيها عاملون في المجال الإنساني والطبي. يمثل تنسيق التحركات الإنسانية مع السلطات الإسرائيلية، والمعروف بنظام الإخطار الإنساني، آلية قاصرة بالأصل، والآن لم يعد الاعتماد عليها ممكنًا وهي بالكاد توفّر أي ضمانات للحماية. فقد تعرضت المواقع المبلّغ عنها للقذائف أو الرصاص، والتي أخبر العاملون في المجال الإنساني إسرائيل عن وجودهم فيها، مثل المرافق الصحية التي نعمل فيها، والمجمعات التابعة للجهات الفاعلة بالعمل الإنساني، ومكاتب أطباء بلا حدود وبيوت ضيافتها. وقد تعرضت المناطق القريبة من المرافق الصحية للقصف والقتال وأوامر الإخلاء.

لا تُستثنى المرافق الطبية من هجمات القوات الإسرائيلية وأوامر إخلائها. فقد اضطرت فرق أطباء بلا حدود إلى مغادرة الكثير من المرافق، في حين تواصل مرافق أخرى عملها مع وجود كوادر ومرضى محاصرين في الداخل وغير قادرين على المغادرة بأمان لساعات طويلة. وفي السابع من أبريل/نيسان، حوصرت فرق أطباء بلا حدود والمرضى في المستشفى الميداني التابع للمنظمة في دير البلح، وسط غزة. وأطلقت حماس صواريخ على مقربة من مستشفياتنا الميدانية في دير البلح، ما عرّض المرضى والموظفين للخطر وتلى ذلك إصدار أمر إخلاء للمنطقة من قبل القوات الإسرائيلية، والتي نفذت أيضًا غارات بالقرب من مجمعات مستشفيي الأقصى وناصر. ندين بشدة هذه الأعمال من قبل الأطراف المتحاربة وندعوهم إلى احترام المرافق الصحية والمرضى والطواقم الطبية وحمايتهم.

ومنذ 18 مارس/آذار، لم تتمكن أطباء بلا حدود من العودة إلى المستشفى الإندونيسي في شمال غزة، حيث كان مقررًا أن تبدأ فرقنا بتقديم الرعاية الصحية للأطفال، لكنها اضطرت إلى الفرار من المستشفى الميداني الذي أقيم بجوار المجمع. كما عُلّق عمل عيادات أطباء بلا حدود المتنقلة في شمال غزة. أما في الجنوب، فلم تتمكن فرق المنظمة من العودة إلى عيادة الشابورة في رفح.

أدى الحصار الكامل على غزة إلى استنزاف مخزون الغذاء والوقود والأدوية. تواجه أطباء بلا حدود بالتحديد نقصًا في الأدوية لعلاج الآلام والأمراض المزمنة والمضادات الحيوية والمواد الجراحية الضرورية. وسيؤدي عدم تعبئة الوقود في جميع أنحاء القطاع إلى وقف حتمي للأنشطة، إذ تعتمد المستشفيات على مولدات الكهرباء لإبقاء المرضى ذوي الحالات الحرجة على قيد الحياة وإجراء العمليات الجراحية المنقذة للحياة.

وتضيف بيزرول، “تعمدت السلطات الإسرائيلية منع جميع المساعدات من دخول غزة لأكثر من شهر. أُجبر العاملون في المجال الإنساني على مشاهدة الناس وهم يعانون ويموتون، بينما يتحملون هم العبء المستحيل والمتمثل بتقديم الإغاثة بإمدادات مستنفدة، فيما هم أنفسهم يواجهون نفس الظروف المهددة للحياة. من المستحيل أن يتمكنوا من تنفيذ مهمتهم في ظل هذه الظروف. هذا ليس فشلًا إنسانيًا، بل هو خيار سياسي، واعتداء متعمد على قدرة الشعب على البقاء على قيد الحياة، وهو اعتداء يُنفّذ دون عقاب”.

على السلطات الإسرائيلية إنهاء عقابها الجماعي للفلسطينيين.

نحثّ حلفاء إسرائيل على إنهاء تواطؤهم والتوقف عن تمكين تدمير حياة الفلسطينيين.

عامان من الحرب في السودان: أبرز الحقائق حول أكبر أزمة إنسانية في العالم

عامان من الحرب في السودان: أبرز الحقائق حول أكبر أزمة إنسانية في العالم

السودان، 15 أبريل/نيسان 2025 – تدخل الحرب في السودان بين قوات الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية عامها الثالث، فيما لا يزال الناس مغيّبين عن الأنظار، يرزحون تحت القصف والحصار والنزوح، ويُحرمون من الغذاء والرعاية الطبية والخدمات الأساسية المنقذة للحياة. بحسب تقديرات الأمم المتحدة، يحتاج 60 في المئة من سكان البلاد البالغ عددهم 50 مليون نسمة إلى المساعدات الإنسانية في ظل أزمات صحية متزامنة، ومحدودية الوصول إلى الرعاية الصحية العامة.

تكرّر أطباء بلا حدود دعواتها إلى جميع الأطراف المتحاربة وحلفائهم لضمان حماية المدنيين والعاملين في المجال الإنساني والفرق الطبية، ورفع جميع القيود المفروضة على حركة الإمدادات والكوادر الإنسانية، لا سيما مع اقتراب موسم الأمطار.

لا تُخفق الأطراف المتحاربة في حماية المدنيين فحسب، بل تفاقم من معاناتهم بشكل مباشر. أينما نظرت في السودان، ستجد احتياجات هائلة وعاجلة وغير مُلبّاة. فالملايين بالكاد يحصلون على أي شكل من أشكال المساعدة الإنسانية، والهجمات تتواصل على المرافق الطبية والطواقم الصحية، فيما يعجز النظام الإنساني العالمي عن تلبية ولو جزء ضئيل من المطلوب.
كلير سان فيليبو، منسقة الطوارئ في منظمة أطباء بلا حدود

تأثير الحرب

القصف العشوائي

مع تغير خطوط المواجهة طوال فترة الحرب، لا سيما في الخرطوم ودارفور، عاش المدنيون في خوف من هجمات انتقامية يشنّها كلا الطرفين المتحاربين. فعلى مدار العامين الماضيين، قصفت كل من قوات الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية مناطق مكتظة بالسكان بشكل متكرر وعشوائي. وأطلقَت قوات الدعم السريع والميليشيات المتحالفة معها حملة من الوحشية، شملت العنف الجنسي الممنهج وعمليات الاختطاف والقتل الجماعي ونهب المساعدات ومحو أحياء مدنية واحتلال مرافق طبية. وقد فرض الطرفان حصارًا على البلدات ودمرا البنية التحتية الحيوية، ومنعا وصول المساعدات الإنسانية.

المجاعة

قد حذّرت الأمم المتحدة من تفشٍ للمجاعة على نطاق واسع، إذ بات السودان اليوم المكان الوحيد في العالم الذي تُعلَن فيه المجاعة رسميًا في أكثر من منطقة. أُعلنت المجاعة بدايةً في مخيم زمزم للنازحين في أغسطس/آب، ثم امتدت إلى عشر مناطق إضافية، فيما تقف سبع عشرة منطقة أخرى على حافة المجاعة. وفي غياب استجابة عاجلة، فحياة مئات آلاف الأشخاص في الخطر.

وفي مارس/آذار، دعمت أطباء بلا حدود حملات تطعيم استدراكية ومتعددة المضادات للأطفال دون الثانية في جنوب دارفور. فتلقى أكثر من 17 ألف طفل هذه اللقاحات في 11 من أصل 14 محلية، وخضعوا لفحوصات للكشف عن سوء التغذية التي بيّنت معاناة سبعة في المئة منهم من سوء التغذية الحاد الشديد مقابل 30 في المئة يعانون من سوء التغذية الحاد الشامل. أما في ديسمبر/كانون الأول 2024، وخلال توزيع الأغذية العلاجية في محلية طويلة في شمال دارفور، أجرت فرق أطباء بلا حدود فحوصات لأكثر من 9,500 طفل دون سن الخامسة، وكانت النتائج صاعقة، إذ بيّنت إصابة 35.5 في المئة من الأطفال بسوء التغذية الحاد الشامل وسبعة في المئة منهم بسوء التغذية الحاد الشديد.

حالات طوارئ صحية متعددة ومتداخلة

في الوقت نفسه، يواجه السودان حالات طوارئ صحية متعددة ومتداخلة. فقد عالجت فرق أطباء بلا حدود أكثر من 12 ألف مريض جراء إصابات بليغة ناجمة بشكل مباشر عن الهجمات العنيفة، منهم النساء والأطفال. وخلال الأسبوع الأول من فبراير/شباط 2025، تعاملت فرق أطباء بلا حدود في ثلاث مناطق من السودان هي الخرطوم وولايات شمال دارفور وجنوب دارفور مع أعداد هائلة من جرحى الحرب. علاوة على ذلك، يشهد السودان إحدى أسوأ الأزمات الصحية للأمهات والأطفال على مستوى العالم. ففي أكتوبر/تشرين الأول 2024، تبين أن 26 في المئة من النساء الحوامل والمرضعات اللواتي طلبن الرعاية في مرفقين تدعمهما منظمة أطباء بلا حدود في نيالا، عاصمة جنوب دارفور، يعانين من سوء التغذية الحاد.

وتقول منسقة الطوارئ في منظمة أطباء بلا حدود، مارتا كازورلا، "تشهد البلاد تفشيًا لأمراض الحصبة والكوليرا والدفتيريا نتيجة لسوء الأوضاع المعيشية وتعطل حملات التطعيم. كما أن الدعم النفسي ورعاية الناجيات والناجين من العنف الجنسي لا يزالان محدودين بشدّة. لا تعكس هذه الأزمات المتفاقمة وحشية النزاع فحسب، بل تبرز أيضًا العواقب الوخيمة لانهيار نظام الرعاية الصحية العامة وفشل الاستجابة الإنسانية".

ومنذ أبريل/نيسان 2023، قصد أكثر من 1.7 مليون شخص المستشفيات والمرافق الصحية والعيادات المتنقلة التي تدعمها أطباء بلا حدود أو تعمل فيها للحصول على استشارات طبية، واستقبلت أجنحة الطوارئ التابعة للمنظمة أكثر من 320 ألف شخص.

النزوح

بحسب الأمم المتحدة، نزح أكثر من 13 مليون شخص بسبب النزاع، وقد نزح كثر منهم عدة مرّات. من بين هؤلاء، نزح 8.9 مليون شخص داخل السودان في حين عَبَر 3.9 مليون شخص إلى البلدان المجاورة. يعيش الكثيرون في مخيمات مكتظة أو ملاجئ مؤقتة، من دون وصول إلى الغذاء أو الماء أو الرعاية الصحية، أو حتى شعور بالتطلع إلى المستقبل. ويعتمد الناس كليًا على المنظمات الإنسانية، علمًا أن هذا يحصل حصرًا في المناطق التي تستجيب فيها هذه المنظمات.

تدمير المرافق الصحية

وفقًا لمنظمة الصحة العالمية، فإن أكثر من 70 في المئة من المرافق الصحية في المناطق المتضررة بالكاد تعمل أو قد خرجت تمامًا عن الخدمة، ما يترك ملايين الأشخاص من دون وصول إلى الرعاية الحيوية وسط إحدى أسوأ الأزمات الإنسانية في التاريخ الحديث. ومنذ بدء الحرب، سجّلت أطباء بلا حدود أكثر من 80 حادثة عنيفة استهدفت كوادرنا وبنيتنا التحتية ومركباتنا وإمداداتنا. فقد تعرّضت العيادات للنهب والتدمير وسُرقَت الأدوية، وتعرض العاملون في مجال الرعاية الصحية للاعتداء أو التهديد أو القتل.

التبعات المناخية

يهدد موسم الأمطار الذي يسارع اقترابه بتفاقم الوضع الكارثي أساسًا، إذ تتسبب الأمطار بقطع طرق الإمدادات وتغرق مناطق بأكملها وتعزل الناس في وقت تبلغ فيه فجوة الجوع ذروتها وترتفع فيه معدلات سوء التغذية والملاريا. تدعو أطباء بلا حدود إلى اتخاذ تدابير تأهب عاجلة قبل موسم الأمطار. لا بد من فتح المزيد من المعابر الحدودية وإصلاح الطرق والجسور الرئيسية، وضمان الوصول إليها، خاصة في دارفور، حيث تعزل الفيضانات الموسمية سكان المنطقة عامًا بعد عام.

السودان لا يمكنه الانتظار!

من دون التزام جاد بتجاوز العوائق السياسية والمالية واللوجستية والأمنية التي تعرقل وصول المساعدات لوجهتها الأخيرة، ستظل الإغاثة بعيدة عن متناول عدد لا يُحصى من الأشخاص.

 

عانى السودانيون طيلة عامين من هذا الرعب الذي فاق قدرة تحملهم، فلا يمكن، ولا يجب، أن يُطلَب منهم المزيد من الانتظار.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

بين القيود والتعنيف: قصة مصورة عن العاملات والعمال المهاجرين في لبنان

بين القيود والتعنيف: قصة مصورة عن العاملات والعمال المهاجرين في لبنان

في لبنان، استُخدم مصطلح “السريلانكية” للإشارة إلى عاملات المنازل المهاجرات – بغض النظر عن جنسياتهن – والذي يعكس أصل معظم العاملات الوافدات في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. ومع تغير أنماط الهجرة، أصبح مصطلح “الإثيوبية” أكثر شيوعًا.

لا تختزل هذه التسميات الأفراد في جنسياتهن فحسب، بل تعزز الصورة النمطية بأن الأشخاص من هذه الخلفيات هن بطبيعتهن عاملات منازل. والمقلق أكثر هو الإيحاء بأن هذا العمل مهين بشكل أو آخر، ما يزيد من تهميش أولئك اللواتي يقمن بهذه الأدوار الأساسية.

عندما يشارك العمال المهاجرون والعاملات المهاجرات في لبنان قصصهم مع طاقم أطباء بلا حدود، فالعنصرية والتمييز هي السائدة ضمن الخطوط العريضة. ترسّخ سوء معاملتهم واستغلالهم لدرجة تكررت فيها القصص الأشد إثارة للصدمة.

تقاطعت دروب خمسة نساء مع فرق أطباء بلا حدود في بيروت، وهن أهمِت* وبياتريس ومارتا* ومَقدِس* وتيغيست*، وسيشاركننا قصصهن ههنا.

*غُيّرت الأسماء حمايةً للهوية

أهمِت*

تذكر أهمِت يوم وصولها إلى لبنان من بنغلاديش قبل ثماني سنوات. اهتم مكتب ببلدها بمعاملات سفرها، واصطحبها شخصان من المطار في بيروت. ادعيا أنهما سيقدمان طلبًا لحصولها على الإقامة، ولكنهما هربا بكل أموالها.

أدركت عندها الحقيقة. فهي لن تحصل على تأشيرة للعيش أو العمل في لبنان، وعليها أن تجد كفيلًا ستضطر على الأرجح للعيش معه. لن تكون لها حرية اختيار نوع العمل الذي يناسبها وستضطر إلى العمل في المنازل. وُعدت بحياة أفضل في لبنان لكن ذلك سرعان ما تلاشى هذا الحلم.

بدأت أهمِت بالقيام بأعمال مؤقتة حيثما وجدت، مثل كي الملابس وغسل الصحون. تحسنت أمورها عندما قام زوجها بالرحلة نفسها إلى لبنان بعدها بعام ونصف.

تقول أهمِت، "كسب زوجي مبلغًا جيدًا من عمله في أحد الفنادق، وتمكنّا من تغطية تكاليف ولادتي في مستشفى خاص. منذ قرابة عام، اعتُقل لعدم حمله تصريح عمل ساري المفعول. وأمضى أربعة أشهر في السجن في لبنان قبل أن يُرحّل إلى بنغلاديش".

تعاني أهمِت من مشاكل مزمنة في القلب تفاقمت بعد ولادتها لطفلها الذي يبلغ عمره اليوم عامان. زارت عدة أطباء قبل أن يتمكنوا من تشخيص حالتها. وأدويتها باهظة الثمن وغير متوفرة في أي مركز صحي. وهي تعاني كي تشتريها من الصيدلية، لذلك يرسلها زوجها أحيانًا من بنغلاديش.

تضيف أهمِت، "غدا طلب الرعاية الصحية تحديًا وأنا عاطلة عن العمل. أنا أستنفد حاليًا مدخراتنا وأقبل المساعدة من الآخرين للبقاء على قيد الحياة. أحتاج إلى نفقات الرعاية الصحية والإيجار والفواتير والحليب والحفاضات لطفلي. كان العام الماضي شديد الصعوبة عليّ، في ظل غياب زوجي وبعد أن عشت حربًا".

تعيش أهمِت وابنها في شقة صغيرة على السطح مع سبعة أشخاص آخرين. يقع منزلها في الطابق السابع، ولذك يصعب عليها صعود السلالم ونزولها.

"أنا حرّة، لكنني أشعر بأنني في سجن. لا أعرف شيئًا عن العالم الخارجي. عقلي يدور باستمرار. يقلقني كل شيء. إذا توقف قلبي، ماذا سيحدث لابني؟"

بياتريس

في ضاحية بيروت الجنوبية، تستصعب بياتريس صعود الدرج المؤدي إلى منزلها. في السادس من أكتوبر/تشرين الأول 2024، خلال القصف الإسرائيلي العنيف في لبنان والذي استمر شهرين، كانت بياتريس في عملها تنظف أحد المنازل. حبسها صاحب عملها في الداخل. رأت قنبلة سقطت على مبنى قريب، فاتبعت غريزتها وقفزت هاربة من الشرفة. كسرت كاحليها واحتاجت إلى عناية طبية طارئة.

روت بياتريس قصتها في المنزل على وقع مسيّرات الاستطلاع الإسرائيلية، ما ذكّرها باليوم الذي أصيبت فيه.

تقول بياتريس، "أخبروني في المستشفى الأول أنهم لن يعالجوني إذا لم أحمل مالًا. اتصلت صديقاتي بإحدى المنظمات لمعرفة ما إذا كان بإمكانهم دعم علاجي. في النهاية، غطّت تلك المنظمة إلى جانب أطباء بلا حدود [تكلفة] الجراحة والأدوية وفترة التعافي التي استغرقت شهرين في المستشفى".

تبلغ بياتريس من العمر 29 عامًا، وهي من سيراليون، وجاءت إلى لبنان عام 2022. يعيش طفلاها مع والدتها في بلدها. وهي معيلة عائلتها الوحيدة، لكنها كغيرها من العمال المهاجرين في البلاد، تعمل فوق طاقتها وتتقاضى أجرًا زهيدًا. وهي بالكاد تستطيع تدبير مصاريفها الخاصة للأساسيات مثل الطعام والإيجار. وبالكاد تكفي الخمسون دولارًا المتبقية من راتبها لتبقي أسرتها على قيد الحياة.

عاشت بياتريس الأشهر الثلاثة الأولى في لبنان مع صاحب العمل وعائلته. كان عليها أن تعتني بثلاثة أطفال بالإضافة إلى تنظيف ثلاثة منازل بانتظام.

لم تتمكن بياتريس للأسف من العمل منذ إصابتها، وتراكمت عليها الديون لدفع إيجار المنزل الذي تتشاركه مع ثلاث نساء مهاجرات. وعلى الرغم من المواقف الصعبة التي تعرضت لها، تحب بياتريس وجودها في لبنان. وتحلم أن توفّر ما يكفي من المال لبناء ميتم في سيراليون لمساعدة الأطفال في الحصول على المأوى والتعليم الذي يستحقونه.

وتختم قائلة، "أخشى الخروج من المنزل. فلا أذهب إلى أي مكان إلا للعمل. وإذا واجهتني مشكلة، فهذا ليس بلدي ولا يمكن لعائلتي أن تساعدني".

قالت، "كانت صاحبة العمل تصرخ في وجهي. وعندما كان يسيء أحد الأطفال التصرف وأضطر إلى رفض طلباته، كانت تهدد بقتلي. كانت تقول ’ليس الأطفال الأفارقة مثل الأطفال اللبنانيين‘، ولكن ألسنا جميعًا بشرًا بألوان بشرة مختلفة؟"

مارتا*

انتقلت مارتا من مسقط رأسها في منطقة تيغراي بإثيوبيا إلى العاصمة أديس أبابا آملة بإعالة أسرتها. كانت تعمل في أحد الفنادق نهارًا وتدرس الإدارة ليلًا. فقدت وظيفتها ذات يوم، فقررت السفر إلى لبنان.

قبل عام ونصف، ومباشرةً بعد وصولها إلى لبنان، أرسلتها صاحبة العمل للعيش مع والديها المسنَين ومرافقهما. على مدار الأشهر الثلاثة التي عاشتها مارتا في ذلك المنزل، عانت من التحرش الجنسي من المرافق، لكن لم يصدقها أحد.

وحتى بعد تسجيلها مقطع فيديو للتحرش لم يُحاسب الجاني، وغُضّ النظر عن تجربتها. ثم أُرسلت للعيش في منزل صاحبة العمل مع غيرها من العمال المهاجرين.

تقول مارتا، "كانت صاحبة العمل تصرخ في وجهي إذا طلبت منها أي شيء أو طرحت عليها سؤالًا. أساءت معاملتي، وكثيرًا ما أخّرت دفع راتبي. لم تصدق أنني تعرضت للتحرش الجنسي. حتى أنها لم تصدقني عندما أخبرتها أنني مريضة".

أصيبت مارتا بألم شديد في الكلى، ومرة أخرى غُضّ النظر عن ألمها. رفضت صاحبة العمل في البداية أخذها إلى الطبيب. وعندما حاول أحد الوسطاء إقناعها بأن مارتا مريضة بالفعل، كان ردها، "هي مسجّلة باسمي [قانونيًا]، فهي ملكي، وسآخذها إلى أي مكان أريده". وعندما لم تعد مارتا قادرة على المشي، أُخذت أخيرًا إلى الطبيب. كان عليها أن تعود إلى عيادة الطبيب لمتابعة حالتها، لكن صاحبة العمل حرمتها من هذا الحق، فمرضت مجددًا.

تضيف مارتا، "كان المنزل تحت الحراسة على الدوام، ولم أستطع الهرب. أخبرت صاحبة العمل أنني بحاجة إلى تجديد جواز سفري، فأخذتني إلى السفارة، ولم أعد من بعدها. أنا في هذا الملجأ منذ شهر وأريد العودة إلى وطني".

على الرغم من المصاعب التي واجهت مارتا البالغة من العمر 25 عامًا، فهي لا تحمل أي ضغينة. تقول، "لقد عانيت، نعم، لكنني أقول إنني تعلمت من تجاربي. لا أملك قرشًا واحدًا، لكنني على الأقل أنقذت عائلتي من الجوع. وبغض النظر عما سيحدث، سيظل الحب في قلبي دومًا، وهذا أكثر ما أحبه في نفسي".

مَقدِس*

تجلس مَقدِس البالغة من العمر 22 عامًا في غرفة طعام الملجأ الذي قضت فيه الأشهر الأربعة الماضية. هنالك باب مكسور يرتطم باستمرار بفعل الرياح، ومع كل ارتطام تجفل مَقدِس قافزةً في مقعدها.

عندما ادخرت مَقدِس وعائلتها مالًا لبدء مشروعهم الخاص في إثيوبيا، لم يكن المبلغ بين أيديهم كافيًا. كانت تعرف أشخاصًا يعملون في لبنان، فقررت القيام بالرحلة نفسها على أمل أن تكسب ما يكفي من المال لإعالة أسرتها.

أجبرتها العائلة الأولى التي عاشت معها في لبنان على العمل في ظروف مستحيلة. تقول مَقدِس، "في ثقافتنا، يجب أن يُقدَّم لك الطعام لتأكلي. لكنهم لم يهتموا أبدًا أو حتى يسألوني إن كنت قد أكلت". كانوا عائلة كبيرة يأكلون جميعًا معًا، وكان على مَقدِس أن تنظّف قبل كل وجبة وبعدها على معدة فارغة. تضيف، "طوال الأيام الخمسة عشر التي قضيتها في ذلك المنزل، كنت أنتظر حتى ينام الجميع لأختلس بعض الخبز أو برتقالة. كنت أعيش على الفتات".

خلال آخر ثلاثة أيام من عملها هناك، أبقاها الإرهاق طريحة الفراش. فحبستها صاحبة العمل في غرفتها لأنها لم "ترد" أن تعمل. أخذوها بعد ذلك إلى المكتب الذي أحضرها إلى البلاد، وانتقلت للعمل عند عائلة أخرى.

ولكن للأسف، كانت تجربتها مع العائلة الثانية أصعب عليها. كانت صاحبة العمل تصرخ في وجهها دائمًا، وتصفعها على يدها "لتعلمها" العمل، وتخيفها من باب التسلية.

تقول مَقدِس، "كانت صاحبة العمل الثانية تخيفني على الدوام. كانت تقول لي، ’انظري كيف تخلصوا من عاملتهم المهاجرة، سأفعل معك ذات الشيء‘. أثناء الحرب، كانت تجبرني على مشاهدة أخبار الغارات الجوية على التلفاز وتهددني برميي في المناطق المستهدفة. كانت تشتمني وتهينني باستمرار".

رفضت صاحبة العمل السماح لمَقدِس بالاتصال بأهلها، لأنها "مجرد خادمة ولا يجب أن تُدلّل". منعت صاحبة العمل مَقدِس من ارتداء الملابس التي أحضرتها من بلدها. حتى أنها أجبرتها على الذهاب إلى الحمام وقص جزء كبير من شعرها دون موافقتها.

توضح مَقدِس، "كان شعري طويلًا. قصّته صاحبة العمل عدة مرات دون إذني. أنا خائفة من ردة فعل عائلتي في إثيوبيا. ففي ثقافتنا، قص الشعر يعني أنني أقمت علاقة أو فعلت شيئًا أسوأ من ذلك. ستكون سمعتي سيئة للغاية".

وبعد كل المصاعب التي مرّت بها مَقدِس، فهي لا تريد سوى العودة إلى وطنها. طلبت مساعدة سفارتها وهي في الملجأ بانتظار سفرها. تقول، "في إثيوبيا، لم أخفْ من شيء. أمّا بعد الفترة التي قضيتها في لبنان، أجفل لأبسط شيء.  وعندما أشعر بالخوف أو التوتر، تتسارع دقّات قلبي إلى أن أغيب عن الوعي".

تيغيست*

تيغيست عاملة مهاجرة منذ أكثر من عقد من الزمان. عندما كان عمرها 14 عامًا فقط، هاجرت من إثيوبيا إلى السودان أملًا في إعالة أسرتها. وبعد أن أمضت خمس سنوات هناك عاملةً في أحد المطاعم، لم تعد تجني مالًا، فتوجهت إلى لبنان.

وفي سن التاسعة عشرة، عاشت تيغيست لأربعة أشهر مع عائلة رب عملها. سُمح لها بكمية قليلة من الطعام والماء لا تأخذها إلا بعد ساعات طويلة من العمل وهي جائعة وعطشى. كانت تعطى ساندويشات تجبرها ربة العمل على تناولها بسرعة حتى تواصل العمل. حُرمت من أي فترات راحة أو أيام إجازة، فهربت.

بعد ذلك، تابعت تيغيست العمل بشكل مستقل كعاملة نظافة، ما يعني أنها لم تكن مرتبطة بأي عقد. ومع عدم وجود كفيل، كانت معرضة لخطر الاعتقال والترحيل.

تيغيست اليوم في الثلاثين من عمرها، وقد أمضت 11 عامًا في لبنان. منذ قرابة خمس سنوات، وقعت في حب رجل سوداني وتزوجته. لم ترغب إلا برفيق وسند لها. ولكن بعد أن أنجبت طفلهما البالغ من العمر عامين الآن، أصبح زوجها يسيء معاملتها، خاصةً عندما يسكر. كان يضربها ويسيء معاملتها باستمرار، إلى أن جاء يوم طردها وابنهما من المنزل، فأصبحا بلا مأوى.

كانت تيغيست تطمح لأيام أفضل إذا استقرت، والآن تأمل أن يرى ابنها أيامًا أفضل تُلبى فيها احتياجاته ولا تشعرها بالعجز. أمضت تيغيست الأشهر الستة الماضية في ملجأ السفارة، ولا تريد سوى العودة إلى وطنها.

تقول تيغيست، "أريد أن أفتتح مطعمي الخاص في إثيوبيا إذا تمكنت من جمع ما يكفي من المال. لم أرَ والدي منذ فترة طويلة جدًا، وأنا أفتقده بشدّة. أتمنى أن أوفر أفضل حياة لابني. أنا أعمل بجدّ ولا أستسلم أبدًا أو أضعف أمام المصاعب".

 

تقول تيغيست، "فقدت القدرة على إعالة نفسي وابني. فنحن نعتمد على العون من الآخرين، من السفارة أو المنظمات. ولا أحد يعطيني أي عمل لأنني لا أستطيع اصطحاب ابني معي. أشعر بالخوف والخذلان، وكأن إنجاب الطفل كان خطأً. تخلى الجميع عني بعد أن أنجبت طفلي. لا يرانا هذا العالم [نحن العاملات المهاجرات] كبشر".

التقطت الصور المصورة ميريم بولس.

وُلدت ميريم بولس عام 1992 في لبنان. وعلى عمر السادسة عشرة، بدأت باستعمال كاميرتها لتقترب خطوةً من الحقيقة. تخرّجت ميريم من الأكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة بدرجة ماجستير في التصوير الفوتوغرافي عام 2015. وشاركت أعمالها في معارض داخل لبنان وخارجه، من بينها معرض Close Enough (قريب بما فيه الكفاية) في مركز التصوير الدولي بنيويورك، ومعرض Infinite Identities (هويات لا متناهية) في متحف هاوس مارسيليا في أمستردام، والبينالي الثالث للمصورين الفوتوغرافيين من العالم العربي في معهد العالم العربي في باريس.

نُشرت صورها في مجلات ومواقع مثل “أبرتشر” و”فوم” والتايم و”فوغ” العربية و”جي كيو” الشرق الأوسط و”فانيتي فير” الفرنسية وغيرها. وفي عام 2020، شاركت في تأسيس مجلة “الحيّة” الصادرة بالعربية والإنجليزية والتي تركز على المحتوى الأدبي والبصري الذي يعكس اهتمامات النساء وتجاربهن ونضالهن في المنطقة، حيث عملت محررة الصور. في عام 2021، انضمت ميريم إلى وكالة “ماغنوم” كعضو مرشح.

صدر كتابها الأول بعنوان “ما لنا” عن دار “أبرتشر” في عام 2023، وفي العام نفسه حصلت على زمالة ويليام يوجين سميث المرموقة في التصوير الإنساني.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

بين القيود والتعنيف: تجربة العاملات والعمال المهاجرين في لبنان

بين القيود والتعنيف: تجربة العاملات والعمال المهاجرين في لبنان

أُجبِرت ماهي* على النوم في شرفة المنزل حتى في فصل الشتاء. تعرّضت مارتا* للتحرّش الجنسي، لكن أحدًا لم يصدقها. بياتريس تُنادى باسم فُرض عليها. أما مَقدِس*، فقد عانت من الإساءة اللفظية والجسدية والنفسية. هذه ليست سوى لمحات من التجارب التي تعيشها عاملات وعاملون مهاجرون كثر، كما رووها لفرق أطباء بلا حدود الطبية والنفسية في بيروت.

في لبنان، يُقدَّر عدد المهاجرين والمهاجرات بقرابة 176,500 شخص[1]، 70 في المئة منهم من النساء. هاجر معظمهم من دول آسيوية وإفريقية، أبرزها إثيوبيا وبنغلاديش والسودان. تمثل عاملات المنازل قرابة نصف المهاجرين في لبنان، ما يعني أنهن يعشن في بيوت أصحاب العمل وغالبًا في ظروف قاسية.

تدير أطباء بلا حدود عيادة في برج حمود شمال بيروت، وهي منطقة تحتضن عددًا من المجتمعات الأكثر حاجة في لبنان من بينها المهاجرون والمهاجرات، فتكاليف السكن فيها معقولة وتتميّز بقربها من محطات النقل العام الرئيسية، ومساحاتها المجتمعية تنبض بالحياة، وتضم الأسواق ومختَلف دور العبادة. وفيما تتوفر خدمات العيادة للجميع، تأتي أغلبية مرضانا من مجتمعات المهاجرين.

[1] المنظمة الدولية للهجرة

المهاجرتان من بنغلادش، جويغوم وسوجون، ينتظران تلقي استشارة طبية في عيادة برج حمود. ميريم بولس / وكالة ماغنوم

غالبًا ما يختار الناس ترك وطنهم أملًا بحياة أفضل، لكنهم يجدون أنفسهم عالقين في نظام يستثنيهم من القوانين التي تحمي حقوق غيرهم من العمال، ما قد يسلبهم خياراتهم وحقوقهم وحتى أصواتهم.

تأتي العاملات والعمال المهاجرون إلى لبنان عبر نظام الكفالة الذي يصفه نشطاء ومنظمات حقوق الإنسان بأنه قد يرقى إلى مستوى ”العبودية الجديدة“[1]. فبموجب هذا النظام، يعمل العمال المهاجرون في المنازل – ومعظمهم من النساء – فوق طاقتهم ويتقاضون أجورًا زهيدة أو لا يتقاضون أجرًا على الإطلاق، وغالبًا ما يُحرمون من أي استراحات أو أيام إجازة. وقد لمست فرقنا التداعيات الخطيرة لهذه الظروف على صحة العاملات والعمال المهاجرين.

تتشابه القصص التي نسمعها في العيادة في أوجهٍ كثيرة. ففي كثير من الحالات، يسلب الكفيل إرادة العاملة أو العامل ووثائقهم القانونية. وعبر العيش في منازل أصحاب العمل، تُعزل العاملات المهاجرات عن العالم الخارجي، وقد يُحرمن من حقهن بالتواصل مع أي شخص خارج المنزل، بما في ذلك عائلاتهن في بلدانهن. وإن أرادت إحداهن المغادرة، فلا تستطيع الانتقال للعمل لدى عائلة أخرى أو يُسمح لها بالعودة إلى بلدها إلا بإذن الكفيل.

تقرر نساء كثر أن يغادرن المنازل التي تحتجزهن، لكن هذه المهمة ليست ممكنة دائمًا. تجد بعضهن الدعم من مجتمعات المهاجرين والمهاجرات، ولكن الكثيرات يُتركن بلا مأوى أو وثائق قانونية وفي حاجة إلى المساعدة الطارئة. وحتى في حال قرّرن العودة إلى بلدانهن، قد يفتقرن إلى الموارد اللازمة لإتمام المعاملات الرسمية أو شراء تذكرة السفر، كما تختار بعضهن البقاء في لبنان رغم قسوة الظروف، إما لغياب وجهة أخرى أو لأن عليهن تأمين قُوت أسرهن.

أمينة التسجيل ندى باسم تتحدث مع كوماري، وهي مهاجرة من سريلانكا، لتسجيل معلوماتها في ملفها الطبي. ميريم بولس / وكالة ماغنوم

ضئيلة هي فرص حصول المهاجرين والمهاجرات على الرعاية الصحية في لبنان. ففي ظل نظام الكفالة، يمكن لأصحاب العمل أن يحرموا النساء من حقهن في طلب الرعاية الصحية. أما المهاجرون والمهاجرات الذين لا يخضعون لهذا النظام، فكثيرًا ما يُرفض استقبالهم في المستشفيات أو مراكز الرعاية الصحية الأولية، إما بسبب افتقارهم إلى الوثائق القانونية، أو ببساطة لأنهم ليسوا لبنانيين. وقد دفع هذا الواقع بالكثيرين إلى تجنّب طلب الخدمات الاستشفائية في الأساس خوفًا من الرفض أو الترحيل أو مطالبتهم بالمال، ما يزيد من تعقيد ظروفهم الصحية.

في عيادة أطباء بلا حدود في برج حمود، تستجيب فرقنا للاحتياجات الطبية للمهاجرين والمهاجرات من خلال تقديم استشارات الرعاية الصحية الأولية وخدمات الصحة الجنسية والإنجابية والدعم النفسي، بما في ذلك استشارات الطب النفسي. كذلك نغطي تكاليف الإحالات إلى المستشفى للحالات التي تهدّد حياة المرضى، بما في ذلك الحالات النفسية الطارئة.

[1] هيومن رايتس ووتش

في عام 2024، ازداد عدد الاستشارات النفسية المقدَّمة في عيادة برج حمود إلى الضعف مقارنة بالعام الذي سبقه. وهذا يدلّ على ضخامة الاحتياجات النفسية المهولة في مجتمعات المهاجرين. غالبًا ما تُجرَّد العاملات والعمال المهاجرون من إنسانيتهم ويعانون من العنصرية والتمييز، إلى جانب الإساءة الجسدية والجنسية، ما يترك آثارًا عميقة على سلامتهم النفسية.
إلسا صيقلي، مشرفة الصحة النفسية في أطباء بلا حدود

يتمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه المهاجرين والمهاجرات في لبنان في حاجز اللغة الذي يحدّ من قدرتهم على الوصول إلى الرعاية الصحية. فهم ملزمون بالتوقيع على وثائق مكتوبة باللغة العربية والتحدث بنفس اللغة للبقاء على قيد الحياة. ولذلك تجري الأمور بطريقة مختلفة في عيادة أطباء بلا حدود.

وتشرح صيقلي، “نحن من المنظمات النادرة في لبنان التي تقدّم خدمات الترجمة للمهاجرين خلال جلسات الصحة النفسية. تتميّز عيادتنا بوجود عاملين مجتمعيين في مجال التثقيف الصحي، وهم من كوادر أطباء بلا حدود وينتمون إلى مجتمعات المهاجرين. يسهّل زملاؤنا الترابط مع المرضى ويعززون ثقتهم بنا، كما يحرصون على إطلاع المرضى على وضعهم الصحي بالشكل المناسب”.

تتجاوز احتياجات المجتمعات المهاجرة في لبنان نطاق الرعاية الطبية البحتة. إذ يصعب أن نطلب من المرضى الاهتمام بصحتهم النفسية في وقت لا يجدون فيه مأوى أو وسيلة لإطعام أنفسهم. وهنا يبرز دور الاختصاصيين الاجتماعيين في أطباء بلا حدود.

تقول الاختصاصية الاجتماعية مع أطباء بلا حدود في عيادة برج حمود، حنان حمادي، ” تتمثل مهمتي في إحالة المرضى إلى الخدمات التي لا تندرج ضمن نطاق استجابة أطباء بلا حدود. تبرز لدى المرضى الذين أقابلهم احتياجات أساسية كالمأوى والغذاء والمساعدات النقدية، فأعمل على إحالتهم إلى منظمات أخرى تقدّم هذا النوع من الخدمات”.

القابلة القانونية ميشال سعد والممرضة زينب نصر الله تعملان في مكتبيهما في عيادة برج حمود. ميريم بولس / وكالة ماغنوم

تفاقمت التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي تواجه المهاجرين والمهاجرات خلال الحرب الإسرائيلية الأخيرة في لبنان. وقد أفادنا الكثير منهم بأن عائلات نازحة تخلّت عنهم وتركتهم في الشوارع أو حبستهم داخل المنازل في المناطق المتضررة من القصف.

وفي تلك المرحلة، دعم ناشطو المجتمعات المهاجرة فرق أطباء بلا حدود على الوصول إلى الأشخاص الأكثر حاجة في الملاجئ أو الشقق المكتظة، حيث وزّعنا مواد الإغاثة الأساسية وقدّمنا الرعاية الطبية من خلال عيادتنا المتنقلة.

على مر السنين، تقلصت البرامج الأخرى التي تستهدف المهاجرات والمهاجرين في لبنان والتي تديرها منظمات محلية ودولية، وأمسى بعضها يعمل لفترة محدودة فقط، فيترك إغلاقها فجوة في الموارد المتاحة لهم.

تزداد صعوبة إحالة مرضانا إلى المنظمات الأخرى التي تقدم الدعم للمهاجرين والمهاجرات في لبنان. يعود ذلك إلى ندرة التمويل المخصص للبرامج التي تدعمهم وإلى توقف تمويل بعض هذه البرامج أو إغلاقها. هذه المشكلة ليست جديدة، بل مستمرة منذ فترة.
حنان حمادي، الاختصاصية الاجتماعية مع أطباء بلا حدود في عيادة برج حمود

في لبنان، تتمثل إحدى أكبر التحديات التي تواجه فرق أطباء بلا حدود في إحالة المرضى إلى المستشفيات، لا سيما للمرضى الذين يعانون من حالات نفسية طارئة. وقد تضطر المنظمات التي تعمل في هذا المجال وتعاني من ندرة التمويل إلى التوقف عن تغطية تكاليف الاستشفاء للمهاجرين والمهاجرات. وإذا قلصت هذه المنظمات دعمها الاستشفائي، لن تتمكّن أطباء بلا حدود من سد هذه الفجوة بمفردها، ما يعني أن احتياجات الكثيرين لن تُلبّى.

* غُيِّرت الأسماء

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

اليمن: منظمة أطباء بلا حدود تنهي تدخلاً جراحياً استمر مدة 12 عاماً في عدن

اليمن: منظمة أطباء بلا حدود تنهي تدخلاً جراحياً استمر مدة 12 عاماً في عدن

نظراً لانخفاض حدة النزاع في عدن، باليمن، وما تلا ذلك من تناقص عدد الأشخاص الذين يتعرضون لإصابات مرتبطة بالعنف، اختتمت منظمة أطباء بلا حدود مشروعنا الذي استمر 12 عاماً في مركز عدن لعلاج الإصابات. وسنعيد الآن تركيز أنشطتنا في عدن لتوفير الرعاية الطبية لأكثر احتياجات الناس إلحاحاً.

توفير رعاية متقدمة للإصابات في خضم الحرب

على مدى السنوات الاثنتي عشرة الماضية، عالجت فرق أطباء بلا حدود في عدن وأعادت تأهيل آلاف الأشخاص الذين أصيبوا بجروح خطيرة بسبب الحرب، وقدمت أكثر من 65,000 استشارة طارئة وما يقرب من 68,000 إجراء جراحي. وكان معظم المرضى يعانون من كسور مفتوحة أو حروق أو إصابات ناجمة عن أعيرة نارية ومتفجرات.

مع تعمق النزاع في اليمن خلال معركة عدن في عام 2015، تكثفت الأنشطة في مركز عدن لعلاج الإصابات. وخلال ذلك الوقت، في حين عالج المركز تدفقاً جماعياً لمصابين يعانون من جروح شديدة ناجمة عن الحرب، أدارت فرقنا أيضاً عيادات متنقلة متطورة للجراحة وما بعد الجراحة في المدينة لتحقيق الاستقرار لجرحى الحرب وتحسين فرص بقائهم على قيد الحياة.

كان مركز عدن لعلاج الإصابات هو المستشفى الوحيد المتخصص في علاج الإصابات الحادة في المنطقة وكان بمثابة نقطة مركزية لعلاج المصابين. وقد جاء بعض مرضانا من أماكن بعيدة جداً، وأحياناً يسافرون لأيام في ظروف صعبة للحصول على رعاية طبية مجانية
أوليفييه مارتو، نائب رئيس بعثة أطباء بلا حدود في اليمن

في عام 2018، بعد هجوم الحديدة، زادت فرق أطباء بلا حدود من قدرة المستشفى من 86 سريراً إلى 104 أسرّة للاستجابة لتدفق آخر من جرحى الحرب.

في عام 2020، تصاعد النزاع في جنوب الحديدة، في حين كان المستشفى في عدن يتلقى عدداً كبيراً من حالات الإصابات المتعددة الحادة التي تتطلب رعاية متخصصة ومكثفة ومتعددة التخصصات.

كان رياض محمد أحمد صالح، 24 عاماً، من بين المرضى الذين تم إدخالهم إلى مركز عدن لعلاج الإصابات في هذا الوقت. وهو في الأصل من أبين، وهي محافظة مجاورة لعدن، وتمت إحالته إلى عدن لإصابته بطلق ناري خطير. وفي مركز عدن لعلاج الإصابات، خضع لجراحة فغر القولون، والتي أنقذت حياته.

ويقول رياض: “كان جرح العيار الناري شديداً؛ لم أكن أعتقد أبداً أنني سأكون على قيد الحياة اليوم. عندما وصلت إلى المستشفى، كنت أعاني من ألم شديد. طمأنني الأطباء أنني سأكون على ما يرام. وعلى الرغم من بعض المضاعفات مع فغر القولون، أنا ممتن أنني أعيش اليوم وللدعم الطبي الذي تلقيته”.

وللحد من الضغط المستمر والعالي على الفرق الطبية واللوجستية والعملياتية في مركز عدن لعلاج الإصابات، افتتحت أطباء بلا حدود في عام 2018 مستشفى ميداني للإصابات في المخا، وهي مدينة تقع بين الحديدة وعدن، مع تصاعد النزاع في الساحل الغربي لليمن.

من أبريل إلى أغسطس 2020، استقبل مركز عدن لعلاج الإصابات 493 مصاباً من الخطوط الأمامية على الساحل الغربي، معظمهم أصيبوا بطلقات نارية أو ألغام أرضية أو قصف. هناك حوالي 20 سيارة إسعاف تنقل المرضى يومياً من الحديدة والمنطقة المحيطة بها إلى عدن، على بعد ست ساعات بالسيارة للوصول إلى الرعاية الصحية المنقذة للحياة.
أوليفييه مارتو، نائب رئيس بعثة أطباء بلا حدود في اليمن

أدى افتتاح مستشفى المخا إلى تخفيف الضغط الشديد على مركز عدن وأتاح علاج المرضى بسرعة أكبر. ومن ناحية أخرى، مكّن أيضاً مركزَ عدن من التركيز على الحالات الأكثر تعقيداً، وتوسيع معايير القبول الخاصة به، بما في ذلك حوادث المرور على الطرق، والجروح الأخرى المرتبطة بالإصابات البليغة، بالإضافة إلى حالات كوفيد-19.

تشغيل مركز كوفيد-19 الوحيد لجنوب اليمن

في عام 2020، بعد تأكيد أول حالة إصابة بكوفيد-19، افتتحت أطباء بلا حدود مركز العلاج الأول والوحيد المخصص لجنوب اليمن بأكمله. ولعدة أشهر، واجهت فرقنا تحديات هائلة في تسهيل دخول الإمدادات والمعدات الطبية، بينما انتشر المرض بسرعة كبيرة.

“في الأسابيع الأولى، استقبلنا مئات المرضى. ووصل الكثيرون إلى المركز وكانوا يعانون بالفعل من متلازمة الضائقة التنفسية الحادة”، كما يقول الدكتور يوسف نجوان، الذي يعمل مع أطباء بلا حدود في عدن منذ عام 2015. “وكانت فرقنا تعمل على مدار الساعة لتقديم أفضل علاج ممكن، وكنا نعمل فوق طاقتنا”.

في عام 2021، شهدت فرقنا تدفقاً كبيراً لمرضى كوفيد-19 شديدي الاعتلال وكانوا بحاجة إلى الرقود في المستشفى في عدن. وبعد ست سنوات من الحرب، أصيب نظام الرعاية الصحية في اليمن بالشلل وكانت القدرة على علاج الأشخاص في العناية المركزة محدودة. وبدأت أطباء بلا حدود في تقديم الدعم لمركز علاج كوفيد-19 في مستشفى الصداقة، بدعم من وزارة الصحة العامة والسكان.

إعادة تركيز الأنشطة لتلبية الاحتياجات الطبية الجديدة

في عام 2023، كان هناك انخفاض آخر في العنف السياسي في اليمن، والذي انخفض إلى أدنى مستوى منذ بداية النزاع الحالي في عام 2015، مع محافظة أنصار الله والحكومة المعترف بها دولياً على هدنة غير رسمية منذ نهاية الهدنة التي توسطت فيها الأمم المتحدة في أكتوبر 2022.

ونتيجة لذلك، شهدت فرقنا في عدن انخفاضاً في حالات الإصابات المرتبطة بالنزاع، في حين كانت تعالج عدداً متزايداً من مصابي الحوادث المنزلية وحوادث الطرق.

تقوم أطباء بلا حدود الآن بتقييم الفجوات الطبية والاحتياجات ذات الأولوية في عدن بالتنسيق مع وزارة الصحة. وفي عام 2025، تهدف المنظمة إلى إعادة تركيز أنشطتها في عدن لتوفير خدمات طبية جديدة للناس الأكثر احتياجاً.

***

النشاط الطبي الجديد قيد التقييم وسيتم تقديمه إلى وزارة الصحة في النصف الثاني من عام 2025. تسمح هذه الفترة الانتقالية بتجديدات ستجريها أطباء بلا حدود في المستشفى. وفي غضون ذلك، تظل أطباء بلا حدود، بصفتها منظمة إنسانية ذات خبرة في حالات الطوارئ والأزمات، على استعداد تام للتدخل والاستجابة لأي طوارئ طبية قد تنشأ.

لا تزال الاحتياجات الطبية والإنسانية في عدن وفي أنحاء اليمن مرتفعة. أطباء بلا حدود ملتزمة تجاه احتياجات الناس في اليمن، حيث نعمل منذ عام 1986. واليوم، تعمل فرق أطباء بلا حدود في 13 مستشفى في 13 محافظة، وتقدم الدعم لأكثر من 12 مرفقاً صحياً في أنحاء البلاد.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print