أطباء بلا حدود تدين الغارة الإسرائيلية على مستشفى ناصر في غزة وتدعو إلى حماية المرافق الصحية

أطباء بلا حدود تدين الغارة الإسرائيلية على مستشفى ناصر في غزة وتدعو إلى حماية المرافق الصحية

القدس، 24 مارس/آذار 2025 – تدين أطباء بلا حدود بأشد العبارات الغارة الإسرائيلية على مستشفى ناصر في خان يونس جنوب غزة، وهو أكبر مستشفى متبقٍ لا يزال يقدم خدماته في القطاع وتعمل فيه فرق أطباء بلا حدود. في 23 مارس/آذار، استهدفت القوات الإسرائيلية قسم الجراحة للمرضى المقيمين في المستشفى، ما أسفر عن مقتل شخصين، وفقًا لوزارة الصحة.  وأكّدت طواقم أطباء بلا حدود وجود عدّة جرحى، وقد أُدخل أحدهم إلى وحدتنا للإصابات البالغة، كما لحقت أضرار جسيمة بالمبنى. يُظهر هذا الهجوم استهتارًا تامًا بحماية المرافق الطبية ومخاطرة بالمرضى والطاقم الطبي والرعاية الصحية بحد ذاتها. ومع تصعيد القوات الإسرائيلية لعملياتها في غزة مرة أخرى، تدعو أطباء بلا حدود إلى احترام وحماية المرافق الصحية والمرضى والطواقم الطبية في غزة، حيث دُمّر النظام الصحي بشكل شبه كامل.

تقول رئيسة قسم الطوارئ لدى أطباء بلا حدود في غزة، كلير نيكوليه، “تتسبب الغارات كهذه بترويع الكوادر والمرضى. لا يمكننا العودة إلى الهجمات المتكررة على مرافق الرعاية الصحية فيما يقف النظام الصحي في غزة على حافة الانهيار ولم تدخل أي إمدادات منذ أسابيع”.

“كانت المسافة بيننا وبين الانفجار قريبة جدًا لدرجة أنه كان من الممكن أن نصاب نحن أيضًا. انشر الرعب بين زملائنا والطاقم الطبي والمرضى والقائمين على رعايتهم”.

 

وفي ظل انهيار نظام الرعاية الصحية في غزة، مع استمرار الارتفاع الصارخ في الاحتياجات الطبية لدى السكّان، يضطر العاملون في المجال الطبي مرة أخرى إلى المخاطرة بحياتهم أثناء تقديم الرعاية. وفي مستشفى ناصر، وصف زميلان من أطباء بلا حدود حالة الذعر التي أصابت المرضى وقت الهجوم، فيما كانا يعملان في أقسام مختلفة في المستشفى.

يخبرنا أحد أعضاء فريق التمريض في أطباء بلا حدود ضمن جناح آخر في المستشفى، ممن كانوا بالقرب خلال القصف، “كانت المسافة بيننا وبين الانفجار قريبة جدًا لدرجة أنه كان من الممكن أن نصاب نحن أيضًا. انشر الرعب بين زملائنا والطاقم الطبي والمرضى والقائمين على رعايتهم”.

شهدت أطباء بلا حدود خلال الحرب الإسرائيلية على غزة هجمات لا هوادة فيها على المرافق الصحية وتجاهلًا تامًا للمرضى وللعاملين في المجال الطبي وللقانون الدولي الإنساني، ما أدى إلى تفكيك منهجي للنظام الصحي في غزة.  لا يوجد حاليًا أي مستشفى في قطاع غزة يعمل بكامل طاقته، ولا يعمل سوى 21 مستشفى فقط من أصل 36 مستشفى في القطاع تعمل بشكل جزئي، وفقًا لمنظمة الصحة العالمية.

وباعتبار مستشفى ناصر أحد آخر المستشفيات الرئيسية في جنوب غزة، فهو يقدم الرعاية للمصابين بالحروق الشديدة والإصابات البالغة ولحديثي الولادة والحوامل.

تدعم فرق أطباء بلا حدود منذ عودتها في منتصف مايو/أيار 2024 أقسام الطوارئ وطب الأطفال والأمومة في مستشفى ناصر، بالإضافة إلى إدارة وحدة الحروق والإصابات البالغة. وفي فبراير/شباط 2024، أُجبرت فرق أطباء بلا حدود على الفرار بعد أن قصفت القوات الإسرائيلية المستشفى.

وعلاوة على ذلك، يواجه مستشفى ناصر كغيره من المرافق الصحية في غزة الكثير من التحديات في توفير المستلزمات الطبية، بما في ذلك مواد النظافة الشخصية والأدوية والمواد الجراحية، في الوقت الذي تواصل فيه السلطات الإسرائيلية حصارها للقطاع منذ أكثر من 20 يومًا. وبسبب شدة تدفقات المرضى جراء القصف الأخير، يتناقص مخزون أطباء بلا حدود بشكل أسرع من المتوقع، ويحول الحصار دون تمكّن فرقنا من إعادة تخزين المواد الحيوية مثل المضادات الحيوية ومسكنات الألم وأدوية التخدير.

وفي حادثة منفصلة وقعت في 24 مايو/أيار، اضطرت فرق أطباء بلا حدود في عيادة المواصي للرعاية الصحية الأولية إلى إغلاق غرفة الطوارئ وإخلاء المرفق وتعليق الأنشطة يومها بسبب إطلاق النار والقصف بالقرب من العيادة. يجب حماية مرافق الرعاية الصحية والمرضى والطاقم الطبي.

تدعو أطباء بلا حدود مرة أخرى إلى العودة الفورية لوقف إطلاق النار واستئناف إدخال المساعدات الضرورية والإمدادات الأساسية التي تشتد حاجة سكان غزة إليها.

أطباء بلا حدود تحذر من أن عمليات التهجير الجماعي في شمال الضفة الغربية ستتسبب للفلسطينيين بأضرار بالغة

أطباء بلا حدود تحذر من أن عمليات التهجير الجماعي في شمال الضفة الغربية ستتسبب للفلسطينيين بأضرار بالغة

القدس – تحذر أطباء بلا حدود من أن عشرات آلاف النازحين في شمال الضفة الغربية بفلسطين بلا مأوى مناسب أو خدمات أساسية أو وصول للرعاية الصحية. ففي أعقاب وقف إطلاق النار في غزة في يناير/كانون الثاني 2025، أطلقت إسرائيل عملية “الجدار الحديدي” العسكرية في الضفة الغربية المحتلة، ما تسبب بتهجير الآلاف قسرًا وتركهم في وضع شديد الخطورة. على إسرائيل أن توقف فورًا التهجير القسري لفلسطينيي الضفة الغربية، ويجب توسيع نطاق الاستجابة الإنسانية والوصول إلى المحتاجين.

تقوم فرق منظمة أطباء بلا حدود في طوباس بجمع التبرعات لحقيبة نظافة للنازحين الفلسطينيين في مخيم الفارعة بالضفة الغربية، فلسطين.

وفي هذا الصدد، يوضح مدير عمليات أطباء بلا حدود، بريس دو لا فين، “هذا الحجم من التهجير القسري وتدمير المخيمات لم يسبق له مثيل منذ عقود. فالناس غير قادرون على العودة إلى بيوتهم إذ منعت القوات الإسرائيلية الوصول إلى المخيمات ودمرت البيوت والبنية التحتية. أحيلت المخيمات إلى أنقاض وغبار. على إسرائيل أن توقف ذلك، ويجب توسيع نطاق الاستجابة الإنسانية”.

ومنذ اندلاع الحرب في غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، زادت القوات الإسرائيلية من استخدام العنف الجسدي المفرط ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة، كما أوضحت أطباء بلا حدود في تقريرها “إلحاق الأذى والحرمان من الرعاية الصحية”. وقد قُتل 930 فلسطينيًا من بينهم 187 طفلًا وفقًا لمنظمة الصحة العالمية. أُعيق الوصول إلى الرعاية الصحية بشكل كبير حسبما أكدت فرق أطباء بلا حدود على الأرض، والتي شهدت على النمط المنهجي للقمع الذي تمارسه إسرائيل على العاملين في القطاع الصحي وعلى المرضى. ازداد الوضع تدهورًا منذ وقف إطلاق النار في غزة وعملية “الجدار الحديدي” الإسرائيلية التي أفرغت فعليًا ثلاث مخيمات لاجئين رئيسية هي جنين وطولكرم ونور شمس في شمال الضفة الغربية، ما هجّر أكثر من 40 ألف فلسطيني قسرًا وفقًا لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية.

منظمة أطباء بلا حدود تقدم استشارة لمريض في عيادة أطباء بلا حدود في جنين، شمال الضفة الغربية، فلسطين.

يقول عصام (55 عامًا)، أحد مرضى أطباء بلا حدود النازحين من مخيم نور شمس، “داهم الجيش [الإسرائيلي] بيتنا وأمرنا بإخلائه. لم يُسمح لنا بأخذ أي شيء معنا، ولا حتى وثائقنا. كل ما تلقيناه هو التحذير: ‘اخرجوا’. النزوح معاناة وعذاب صامت، وألم عميق في قلوب للجميع. ترى الدموع في عيون الناس، لكننا لا ندعها تسيل”.

أما الوضع النفسي فينذر بالخطر، حيث يعاني الكثير من المرضى من التوتر والقلق والاكتئاب بسبب العنف والمباغتة في الاجتياحات والتهجير. يقول محمد (30 عامًا)، وهو مرشد صحي مجتمعي في أطباء بلا حدود، “لا يعرف الناس ما حصل لمنازلهم وقد عانوا من خسائر فادحة، بما في ذلك شعورهم بغاية لوجودهم”.

يخبرنا عبد، أحد سكان مخيم جنين، “كانت المسيّرات تحلق فوق البيوت وتأمر السكان بالخروج. التدمير عادتهم، لكننا لم نشهد شيئًا كهذا من قبل”.

كانت أطباء بلا حدود تقدم الدعم في المخيمات الثلاثة في السابق، لكنها اضطرت إلى تكييف أنشطتها نظرًا للمخاطر الأمنية ونزوح السكان. تشغّل فرق أطباء بلا حدود حاليًا عيادات متنقلة يومية في طولكرم وجنين لتقديم الرعاية الطبية للنازحين. تعالج فرقنا الحالات المزمنة مثل السكري وارتفاع ضغط الدم، والتي تفاقمت حدّتها بسبب نقص الأدوية، إلى جانب التهابات الجهاز التنفسي والاضطرابات العظمية والعضلية وغيرها. كما توزع فرق أطباء بلا حدود مستلزمات النظافة الصحية والطرود الغذائية لدعم من أُجبروا على مغادرة بيوتهم بلا موارد أو ممتلكات. توفر أطباء بلا حدود المياه لمستشفى خليل سليمان، وهو المستشفى الرئيسي في جنين، لتخفف من النقص المتكرر في الإمدادات بسبب الأضرار الناجمة عن العمليات العسكرية.

تواصل أطباء بلا حدود الاستجابة للاحتياجات الطارئة، إلا أن حجم النزوح والتصعيد في الأزمة الإنسانية في ظل ضعف الاستجابة الدولية تمثل تحديًا هائلًا، فيما الاحتياجات في الضفة الغربية تزداد سوءًا.

اليمن يواجه الخطر المتزايد لسوء التغذية: علاج أكثر من 35 ألف طفل في المرافق التي تدعمها أطباء بلا حدود في الفترة من 2022 إلى 2024

اليمن يواجه الخطر المتزايد لسوء التغذية: علاج أكثر من 35 ألف طفل في المرافق التي تدعمها أطباء بلا حدود في الفترة من 2022 إلى 2024

تجلس عائشة بجانب سرير في مستشفى السلام بمنطقة خمر في محافظة عمران باليمن. جاءت طلبًا للرعاية المنقذة لحياة ابنتها زهراء البالغة من العمر خمسة أشهر. وفي المرفق الصحي الذي تدعمه أطباء بلا حدود، يراقب الكادر هناك درجة حرارة الطفلة ويجرون لها الفحوصات ويزودونها بالأكسجين والحليب.

تقول عائشة، “سافرنا لأكثر من ساعتين وأنفقنا 15 ألف ريال يمني [قرابة 61 دولارًا أمريكيًا] للوصول إلى هنا. نحن نعيش ظروفًا قاهرة، ولا نملك المال الكافي لتلبية احتياجاتنا اليومية، وأقرب المراكز الصحية لا يوجد بها أقسام متخصصة لعلاج سوء التغذية. وفي النهاية، أحالنا طبيب قريب من مكان سكني إلى هنا”.

رسائل توعية صحية تخص سوء التغذية على حائط خارج مركز التغذية العلاجية في للمرضى المقيمين الضحي بمحافظة الحديدة. اليمن، مارس/آذار 2025. © ليا كوان/أطباء بلا حدود

 

قبل الوصول، كانت ابنتها تعاني من الحمى وتبكي كثيرًا بسبب ألم في أذنيها. تقول عائشة، “جربت الرضاعة الطبيعية والحليب المجفف، لكن لم يساعدها شيء. لعائلتنا المكونة من 12 فردًا معيل واحد ولا يمكنه تغطية كل النفقات. لا تزال ابنتي متعبة ولم يتغيّر وزنها إلى الآن. أخشى أن أفقدها، فهي البنت الوحيدة في العائلة. آمل أن تتعافى قريبًا وآمل أن تأتي منظمات أخرى إلى هنا لتدعم الناس، خاصة من لا يملكون كفايتهم من الطعام أو الدخل”.

صعود صارخ لحالات سوء التغذية في جميع أنحاء اليمن

لسوء الحظ، فحالة عائشة أبعد من أن تكون فردية في اليمن. فهذه أزمة تتفاقم بسرعة، حيث تفوق الاحتياجات بكثير قدرة العلاج الحالية. ففي شهر سبتمبر/أيلول الماضي خلال موسم الذروة السنوي لسوء التغذية، بلغت معدلات إشغال الأسرّة في المرافق التي تدعمها أطباء بلا حدود مستويات عالية للغاية في معظم المرافق. ففي مستشفى السلام الذي صُمم لما بين 23 إلى 51 سريرًا، بلغ معدل إشغال الأسرّة 254 في المئة في الشهر نفسه، ما يشير إلى درجات قصوى من الاكتظاظ. وغالبًا ما يضطر كوادر الرعاية الصحية إلى تقديم الرعاية للمرضى في الممرات المزدحمة والأماكن البديلة غير المجهزة. يتوافق هذا الارتفاع المقلق في سوء التغذية مع ما شهدته فرقنا على مدى السنوات الثلاث الماضية. ففي فترة بين يناير/كانون الثاني 2022 وديسمبر/كانون الأول 2024، عالجت المرافق التي تدعمها أطباء بلا حدود في خمس محافظات – عمران وصعدة وحجة وتعز والحديدة – 35,442 طفلًا دون الخامسة يعانون من سوء التغذية. وفي حين أن هذه الأرقام لا تشمل كل اليمن، إلا أنها تُظهر المعاناة اليومية التي تواجهها الأسر عندما يكون الوصول إلى الرعاية الصحية والطعام المناسب محدودًا جدًا.

مركز التغذية العلاجية للمرضى المقيمين الذي تدعمه أطباء بلا حدود في مستشفى الضحي في الحديدة. اليمن، مارس/آذار 2025. © ليا كوان/أطباء بلا حدود

 

غرق اليمن في النزاع وعدم الاستقرار والقتال المطول منذ قرابة 10 سنوات، ما دفع نظام الرعاية الصحية إلى حافة الانهيار. ووفقًا لمنظمة الصحة العالمية، وحتى أبريل/نيسان 2024، كانت قرابة 46 في المئة من المرافق الصحية في اليمن تعمل بشكل جزئي أو خرجت عن الخدمة كليًا. كما أن تأخر الإحالات وعدم الوصول إلى الرعاية الصحية العامة لا يترك للعائلات أي خيار سوى طلب المساعدة بعد أن يشارف الوقت على النفاد.

تعاني العائلات في متابعة الرعاية لأنها تفتقر إلى المساعدة الغذائية أو تواجه صعوبات مفرطة في الحصول على الرعاية الصحية الروتينية والتحصينات. ونتيجة لذلك، ينتكس الكثير من المرضى حتى بعد مغادرتهم مرفق الرعاية الصحية. وهذا يزيد من المخاطر الصحية التي يتعرضون لها ويضعف صحتهم. كما أن انخفاض معدلات التطعيم يزيد من قابلية الإصابة بالأمراض التي يمكن الوقاية منها، مثل الحصبة والكوليرا والإسهال المائي الحاد، ما يجعل الأطفال أكثر عرضة لسوء التغذية.

أم وطفلها في مركز التغذية العلاجية للمرضى المقيمين الذي تدعمه أطباء بلا حدود في مستشفى الضحي في الحديدة. اليمن، فبراير/شباط 2025. © كوستانتينوس بسيكاكوس/أطباء بلا حدود

 

تواجه الكثير من الأسر نفقات الرعاية الصحية الباهظة إلى جانب معاناتها لتوفير الوجبات المناسبة. تقول امرأة أُدخل ابنها البالغ من العمر سنة واحدة إلى المرفق الصحي الذي تدعمه أطباء بلا حدود في مستشفى الضحي في محافظة الحديدة، ” لا يستطيع زوجي أن يعمل بسبب إعاقته البدنية. أحاول كسب المال لكنه لا يكفي أبدًا. نعاني لتوفير وجبات طعام لائقة، ولا نتناول اللحم إلا مرتين في السنة – خلال العيدين، عندما يشاركنا الآخرون في تناولها. هذه هي فرصتنا الوحيدة لنتذوق اللحم طوال العام”. في عامي 2023 و2024، تلقى أكثر من 10 آلاف طفل العلاج في هذا المرفق الصحي.

توسيع نطاق الرعاية الصحية في كل اليمن ضرورة للحد من سوء التغذية

في عام 2024، سجّل مستشفى عبس في محافظة حجة معدلات إشغال الأسرّة لحالات سوء التغذية بلغت 200 في المئة في سبتمبر/أيلول و176 في المئة في أكتوبر/تشرين الأول، وهي أعلى معدلاتها منذ ست سنوات، علمًا بأن قدرة المستشفى الاستيعابية تصل إلى 120 سريرًا خلال موسم ذروة سوء التغذية. في مركز التغذية العلاجية للمرضى المقيمين في المستشفى، تسعى آسيا إلى الحصول على الرعاية الطبية لسوء التغذية لطفلتها أيانا علي البالغة من العمر سنة وثلاثة أشهر. أُدخلت أيانا وهي تعاني من سوء تغذية متوسط ومضاعفات تفاقم من حالتها.

أيانا البالغة من العمر سنة وثلاثة أشهر برفقة والدتها آسيا، وقد أُدخلت إلى مركز التغذية العلاجية للمرضى المقيمين الذي تدعمه أطباء بلا حدود لعلاج سوء التغذية الحاد المتوسط مع مضاعفات طبية في مستشفى عبس العام في محافظة حجة. مارس/آذار 2025. © مجدي العدني/أطباء بلا حدود

 

تقول إحدى ممرضات أطباء بلا حدود في مستشفى عبس العام، “وصلت أيانا قبل بضعة أيام وكانت تعاني من إسهال مائي حاد وارتفاع في درجة الحرارة.  أُدخلت إلى المستشفى وهي تخضع للعلاج، وها هي تتعافى وتتحسن يومًا بعد يوم”.

أيانا هي ابنة أسيا الوحيدة وأمها متعلقة بها بشدة وتخشى أن تفقدها. ومن أجل تحمل تكاليف رحلة علاج أيانا، باعت آسيا بعض أغراضها المنزلية. وقد أوصى بالعلاج جيرانها الذين عالجوا طفلهم في نفس المرفق الصحي.

تستجيب أطباء بلا حدود بفعالية لسوء التغذية في اليمن منذ عام 2010 من خلال تشغيل مراكز التغذية العلاجية للمرضى المقيمين بالتعاون مع السلطات الصحية في خمس محافظات هي عمران وصعدة وحجة وتعز والحديدة. توفر هذه المراكز علاجًا متخصصًا للأطفال دون الخامسة ممن يعانون من سوء التغذية الحاد والمتوسط ومضاعفاته. تتعاون فرقنا مع السلطات الصحية المحلية لتدريب الكوادر وتعزيز مسارات الإحالة ودعم الكشف المبكر عن سوء التغذية على مستوى المجتمع المحلي.

تُظهر سجلات الإدخال لدى أطباء بلا حدود أن معظم حالات سوء التغذية هي من الأطفال دون الخامسة، والرضع دون الستة أشهر معرضون للخطر على وجه الخصوص. كما تشكل النساء الحوامل والمرضعات نسبة كبيرة من الحالات، حيث تصل الكثيرات منهن مصابات بسوء التغذية متوسط الدرجة أو الحاد. ونتيجة لذلك، يعانين أيضًا في إطعام أطفالهن.

تقول إحدى ممرضات أطباء بلا حدود في مركز التغذية العلاجية للمرضى المقيمين في مستشفى الضحي في الحديدة، “لا تستطيع أمهات كثر أن ينتجن الحليب لإرضاع أطفالهن لأنهن يعانين من سوء التغذية. فعندما تعجز الأم عن إنتاج حليبها تستبدله بحليب البقر وتخففه. وهذا يساهم في إصابة أطفالهنّ بسوء التغذية”.

أحد ممرضي أطباء بلا حدود يقدم الرعاية لمريض في المرفق الصحي الذي تدعمه أطباء بلا حدود في مستشفى الضحي في الحديدة. اليمن، فبراير/شباط 2025. © كوستانتينوس بسيكاكوس/أطباء بلا حدود

 

وفي ضوء التخفيضات المفاجئة والجذرية في التمويل الإنساني لليمن، فإن المشاركة المستمرة للمانحين والتمويل المرن من المانحين الرئيسيين أمران في غاية الأهمية لمعالجة الأزمة الإنسانية المتفاقمة في اليمن.  وسيساعد التمويل الكافي والمتسق، إلى جانب تعزيز الشراكات بين وزارة الصحة والجهات المانحة والشركاء المنفّذين، في إنعاش مراكز الرعاية الصحية وضمان خدمتها الفعالة للمجتمعات المحلية والمناطق الأكثر تضررًا. تحث أطباء بلا حدود هذه الجهات المعنية على توسيع حملات التطعيم المجتمعية، للحد من الأمراض التي يمكن الوقاية منها، مثل الحصبة والكوليرا والإسهال المائي الحاد.

هناك حاجة ماسة إلى المزيد من عمليات توزيع الأغذية الموجّهة. فستضمن هذه الجهود حصول النساء الحوامل والمرضعات، وكذلك الأطفال دون الخامسة، على التغذية التي يحتاجونها قبل أن تهدد صحتهم. وإذا لم تُتخذ تدابير عاجلة وموحّدة، سيستمر سكان اليمن الأشد حاجة في مواجهة المزيد من المصاعب، في ظل نظام رعاية صحية منهك ومعدلات سوء تغذية متصاعدة.

كلير ماغون: ندعو للعودة الفورية لوقف إطلاق النار ووقف الحصار عن غزة

كلير ماغون: ندعو للعودة الفورية لوقف إطلاق النار ووقف الحصار عن غزة

“نشعر بالفزع من الهجمات التي شنتها إسرائيل اليوم على سكان غزة، مما أدى إلى كسر وقف إطلاق النار الذي دام شهرين تقريباً. ومن بين مئات القتلى، وفقاً لوزارة الصحة، تلقت أطباء بلا حدود 75 قتيلاً وصلوا وقد فارقوا الحياة وعشرات الجرحى في ثلاثة فقط من المرافق التي ندعمها.

فوجئ موظفونا بالوضع ووجدوا أنفسهم مرة أخرى مضطرين للتعامل مع تدفقات الإصابات الجماعية، وكثير منهم من الأطفال.

فوجئ موظفونا بالوضع ووجدوا أنفسهم مرة أخرى مضطرين للتعامل مع تدفقات الإصابات الجماعية، وكثير منهم من الأطفال.

 

وقد اختارت السلطات الإسرائيلية مرة أخرى معاقبة شعب غزة بشكل جماعي، حيث تتبع هذه الطريقة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 – بموافقة صريحة من أقرب حليف لها، الولايات المتحدة – بقصف مكثف لم يسبق له مثيل منذ المراحل الأولى من الحرب. وطيلة أكثر من 15 شهراً، قبل وقف إطلاق النار، تعرّض الناس في غزة للقتل والتشويه والإصابة والتشريد بشكل عشوائي.

إن القوات الإسرائيلية التي تنفذ هذه الهجمات الوحشية الأخيرة وأوامر الإخلاء تجعلنا نخشى أن مرحلة جديدة من العمليات العسكرية في غزة على وشك أن تبدأ. ولن يتمكن الفلسطينيون في غزة ببساطة من تحمل ذلك، لا جسدياً ولا نفسياً. وآمالهم في استعادة جزء على الأقل من حياتهم السابقة تتحطم.

منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 19 يناير/كانون الثاني، يكافح الناسُ من أجل ترميم أساسيات حياتهم اليومية بعد حملة عسكرية مدمرة طال أمدها، والتي قضت على نسيج المجتمع في غزة. وقطعت إسرائيل مرة أخرى وصول المساعدات الإنسانية والسلع الأساسية.

تدعو منظمة أطباء بلا حدود إلى استعادة وقف إطلاق النار على الفور وعدم استئناف إسرائيل لحملة التدمير والقصف المروع الكثيف على سكان غزة. كما تدعو أطباء بلا حدود إلى رفع الحصار، وإلى استعادة الناس إمكانية الوصول غير المقيد إلى الإمدادات والمساعدات الأساسية. وينبغي السماح للمصابين والمرضى الذين يحتاجون إلى رعاية طبية عاجلة بالتماس الرعاية خارج غزة، شريطة منحهم حقهم في العودة الآمنة والكريمة”.

كلير ماغون، المديرة العامة لمنظمة أطباء بلا حدود فرنسا

أطباء بلا حدود: زيادة مقلقة في حالات الحصبة ضمن مرافق تدعمها في بلخ وهرات وهلمند

أطباء بلا حدود: زيادة مقلقة في حالات الحصبة ضمن مرافق تدعمها في بلخ وهرات وهلمند

كابول، 12 مارس/آذار 2025 – أفادت فرق أطباء بلا حدود في أفغانستان بزيادة ملحوظة في عدد حالات الحصبة منذ بداية يناير/كانون الثاني، وذلك في ثلاث مستشفيات تدعمها المنظمة. وعلى الرغم من أن الحصبة تُعتبر مرضًا مستوطنًا في أفغانستان، إلا أن هذا الارتفاع في الحالات منذ مطلع العام يشكل علامة تحذيرية يجب أن تدق ناقوس الخطر.

فريدة، ممرضة في منظمة أطباء بلا حدود، تسحب محتويات قارورة لإعطاء حقنة لمريض في جناح عزل الحصبة في مستشفى مزار شريف الإقليمي.

منذ بداية عام 2025، يموت ما لا يقل عن طفل واحد كل يوم في أفغانستان من جراء إصابته بالحصبة وفقًا للبيانات التي جمعتها أطباء بلا حدود من مستشفى مزار شريف الإقليمي ومستشفى هرات ومستشفى بوست في هلمند. وتعكس هذه الأرقام زيادة بثلاث أضعاف في معدّل الوفيات مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.

وفي هذا السياق، يوضح الممثل القطري لمنظمة أطباء بلا حدود، ميكاييل لو بيه، “هذه وفيات يمكن الوقاية منها. ففي حين يمكن أن تكون الحصبة مرضًا مميتًا، لا سيما بالنسبة للأطفال الذين يعانون من حالات صحية كامنة كسوء التغذية أو عيوب القلب الخلقية، تبقى الوقاية باللقاحات ممكنة رغم أنّ التغطية تبقى محدودة في أفغانستان”.

هذا ويمكن للتطعيم السريع والموجّه على مستوى المجتمع المحلي في المقاطعات الأكثر تضررًا من تفشي المرض أن يسهم في تقليل معدّلات الإصابة بالحصبة، وبالتالي ترك أسرّة المستشفيات للأطفال الذين يعانون من حالات يصعب الوقاية منها بالمستوى نفسه.

وفي المستشفيات الثلاثة حيث تدعم فرقنا خدمات تشخيص الحصبة وعلاجها في أفغانستان، فحصنا 4,799 طفلًا تُشتبه إصابتهم بالحصبة خلال الأسابيع الثمانية الأولى من 2025. ونجد من بين هذه الفحوصات حالات معقّدة تصل نسبتها إلى 25 في المئة وتتطلب دخول المستشفى وحالات أقل حدة تتطلب علاجًا خارجيًا وتصل نسبتها إلى 75 في المئة.

في مستشفى هرات الإقليمي، أطلقت منظمة أطباء بلا حدود استجابةً طارئة لعدد كبير من حالات الحصبة المعقدة التي تجري معالجتها، إذ وسّعت جناح العزل الخاص بالحصبة من 11 إلى 60 سريرًا ووظّفت كوادر إضافية، كما لجأت إلى استخدام أدوية الطوارئ استجابةً للوضع. وفي الأسابيع الثمانية الأولى من عام 2025، استقبلت الفرق 664 مريضًا، أي ما يعادل زيادة بنسبة 180 في المئة مقارنة بعام 2024.

وفي مستشفى بوست الإقليمي في هلمند، عاين فريقنا 1,866 شخصًا تُشتبه إصابتهم بالحصبة في الأسابيع الثمانية الأولى من العام، وهو ما يعكس زيادة بنسبة 369 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024.

أما في مستشفى مزار الشريف الإقليمي، فقد تعاونت أطباء بلا حدود مع وزارة الصحة العامة لعلاج 1,499 مريضًا تُشتبه إصابتهم بالحصبة حتى الآن، أي بزيادة تصل إلى 35.6 في المئة في عدد الحالات مقارنة بعام 2024.

ويضيف لو بيه، “نعمل على تخصيص موارد إضافية للتعامل مع الموضوع، ولكننا بدأنا نستنفذ المساحة المخصصة للمرضى الذين يعانون من الحصبة وغيرها من الأمراض الموسمية أيضًا”.

يؤثر تفشي مرض الحصبة على الأطفال والآباء والأمهات. ويتطلب الأمر جهودًا جماعية حاسمة لتنفيذ حملات تطعيم موجّهة وإتاحة الوصول إلى مستلزمات علاج الحصبة على نطاق واسع.

تُدير منظمة أطباء بلا حدود سبعة مشاريع في باميان وهلمند وهرات ومزار الشريف وقندهار وخوست وقندوز، مع التركيز على تقديم خدمات الرعاية الصحية المتخصصة. وفي عام 2024، قدمت فرق أطباء بلا حدود أكثر من 404,500 استشارة طبية في غرف الطوارئ، و245,557 استشارة في العيادات الخارجية. كما استقبلت المنظمة 119,349 مريضًا، وساعدت في 45,061 حالة ولادة، وأجرت 18,149 عملية جراحية. هذا وقد عولج أكثر من 13,030 مريضًا مصابًا بالحصبة وأُدخل 9,751 طفلًا إلى المراكز الاستشفائية للتغذية العلاجية، بينما سُجّل 4,016 طفلًا في المراكز الخارجية للتغذية العلاجية.

حياة على المحك: الجفاف وفجوات التمويل يعمّقان أزمة سوء التغذية في الصومال

حياة على المحك: الجفاف وفجوات التمويل يعمّقان أزمة سوء التغذية في الصومال

يواجه الصومال أزمة سوء تغذية خطيرة تفاقمت بسبب فترات جفاف طويلة ونزاع مستمر وعدم استقرار اقتصادي ونظام رعاية صحية هش. وتعد منطقتا بيدوا ومدج، حيث تعمل منظمة أطباء بلا حدود، مثالين على الأزمة التي تتكشف في جميع أنحاء البلاد، حيث يتعرض آلاف الأطفال لخطر سوء التغذية الحاد وعواقبه التي تهدد حياتهم.

أدى النقص المزمن في التمويل إلى شل الجهود الإنسانية، مما أجبر برامج التغذية المهمة على تقليل أنشطتها أو الإغلاق. وقد يدفع التهديد الوشيك للجفاف الناجم عن ظاهرة النينيا في عام 2025 بالسكان الضعفاء إلى وضع أكثر تدهوراً. وتدعو منظمة أطباء بلا حدود الجهات المانحة والمنظمات الإنسانية بشكل عاجل إلى اتخاذ إجراءات فورية لمنع انتشار المعاناة على نطاق واسع، لأن العواقب قد تكون كارثية.

مجموعة من الأمهات يقفن في طابور لقياس طول ووزن أطفالهن، لتلقي المكملات الغذائية الجاهزة للاستخدام في مركز التوعية اللامركزي الذي تدعمه منظمة أطباء بلا حدود بالقرب من مخيم النازحين إيلبيت-1 في بيدوا.

 

الأمل الأخير لأب لإنقاذ أولاده

لم يكن أمام كليمو محمد نور من خيار سوى خوض مجازفة يائسة. كان الجوع قد ترك أثره في ولديه التوأمين، فضعف جسداهما الصغيران بسبب نوبات متكررة من القيء والإسهال، فاقترض مبلغاً من المال يكفي لرحلة يوم واحد – وهو مبلغ سيستغرق شهوراً لكسبه – وانطلق في رحلة شاقة إلى بيدوا. كان الطريق طويلاً، والحر شديداً، لكن الرعاية الطبية المجانية التي سمع بها في مستشفى باي الإقليمي كانت أمله الأخير.

طفل يبلغ من العمر 26 شهرًا على الميزان المعلق في مركز التوعية اللامركزي الذي تديره منظمة أطباء بلا حدود بالقرب من مخيم إلبيت-1، بيدوا- الصومال.

ويقول كليمو، الذي تلقى ولداه التوأمان علاجاً لسوء التغذية الحاد الشديد في مستشفى باي الإقليمي الذي تدعمه أطباء بلا حدود: “اضطررت إلى أخذ قرض بقيمة حوالي 130 دولاراً والسفر لمسافة 300 كيلومتر إلى بيدوا للعثور على رعاية طبية مجانية. كانا صغيرين جداً، وبالكاد كنا نستطيع شراء ما يكفي من الطعام. وكانا يمرضان كثيراً”.

تعكس قصة كليمو – وما فيها من فقر وبُعد في المسافات وغياب الخدمات المحلية – الواقع القاسي الذي يمنع عدداً لا يحصى من الأسر من الحصول على الرعاية. في الصومال، أصبح العلاج المنقذ للحياة ميزة لا يحصل عليها إلا القليل.

سوء التغذية يصبح أزمة على مدار العام في أجزاء من الصومال

في بيدوا ومدج، أصبح سوء التغذية أزمة مستمرة على مدار العام، وليس تحدياً موسمياً. وتقول جارميلا كليسيكوفا، المنسقة الطبية لأطباء بلا حدود في الصومال: “نشهد ارتفاع معدلات سوء التغذية، ليس فقط خلال مواسم العجاف المعتادة. هذه أزمة مزمنة تتطلب تدخلاً مستداماً”.

ممرض من منظمة أطباء بلا حدود يقيس محيط منتصف الذراع العلوي لطفل يبلغ من العمر 18 شهرًا في مركز التوعية اللامركزي الذي تدعمه منظمة أطباء بلا حدود بالقرب من مخيم أفمادو للنازحين داخليًا في بايدوا.

في عام 2024، عالجت فرق أطباء بلا حدود 18,066 طفلاً يعانون من سوء التغذية الحاد الشديد في مشاريعها في الصومال، بزيادة كبيرة عن العام السابق. في مدج، ارتفع عدد الحالات التي أُدخلت برامج التغذية للمرضى الخارجيين بنسبة 250 في المئة، نتيجة الحاجة المتزايدة وجهود التوعية الموسعة. كما شهدت بيدوا ارتفاعاً خلال عام 2024 في عدد الحالات، مما يدل على المصاعب المتزايدة لدى العائلات التي تسعى للحصول على الرعاية. ومع ذلك، فإن هذه الجهود بالكاد تعالج جانباً صغيراً من المشكلة. ووفقاً لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، واجه ما يقدر بنحو 1.7 مليون طفل سوء التغذية الحاد في عام 2024، بما في ذلك 430,000 طفل يعانون من سوء التغذية الحاد الشديد. وعلى الرغم من أهمية تدخلات منظمة أطباء بلا حدود، إلا أنها لم تصل إلا إلى حوالي واحد في المئة من إجمالي السكان الذين يعانون من سوء التغذية، مما يسلط الضوء على الحجم الهائل للأزمة والحاجة الملحة إلى دعم أوسع.

أدت النزاعات وتغير المناخ إلى نزوح جماعي، أجبر الناس على الذهاب إلى مناطق ذات موارد شحيحة بالفعل. ودمر الجفاف المتكرر الزراعة، تاركاً العائلات التي كانت تعتمد في السابق على الزراعة والماشية غير قادرة على إعالة نفسها. وفي مواقع النزوح، يرتفع معدل انتشار سوء التغذية الشديد والمتوسط بشكل مثير للقلق، في حين تكافح المراكز الصحية المثقلة للتعامل معه.

فجوات التمويل تجبر برامج ضرورية على تقليص أنشطتها

وجَّه نقص التمويل ضربة مدمرة للاستجابة الإنسانية، ما زاد من حدة الأزمة. ووفقاً لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، لم تتم تلبية سوى 56 في المئة من احتياجات التمويل الإنساني في الصومال في عام 2022 – وهو رقم انخفض إلى 40 في المئة فقط بحلول عام 2024. في بيدوا على سبيل المثال، تم تقليص العديد من برامج التغذية منذ عام 2023، وفي كلتا المنطقتين، يتم تقليل أو إيقاف الخدمات الأساسية مثل مراكز التغذية العلاجية والرعاية الصحية الأولية.

ويقول محمد علي عمر، رئيس برامج أطباء بلا حدود في الصومال: “لقد ترك إغلاق هذه البرامج فجوة مدمرة. فهناك أطفال في أمس الحاجة إلى الغذاء العلاجي المنقذ للحياة، لا يتم علاجهم. ولا يستفيد سوى عدد قليل من المجتمعات من اللقاحات مما يجعلهم عرضة للأمراض التي يمكن الوقاية منها والتي تؤدي إلى حلقة مفرغة من سوء التغذية. هذه ليست مجرد أزمة – إنها كارثة تتكشف أمامنا”.

وبينما يكافح الصومال مع موجات الجفاف المستمرة، يلوح تهديد أكبر في الأفق: الجفاف الناجم عن ظاهرة النينيا المتوقع في عام 2025. ظاهرة النينيا هي ظاهرة مناخية تعمل على تبريد درجات حرارة سطح المحيط وتغير أنماط الطقس العالمية، مما يؤدي غالباً إلى انخفاض هطول الأمطار في شرق إفريقيا. ومع نضوب مصادر المياه، وشلل إنتاج الغذاء بسبب سنوات الجفاف السابقة، فقد يكون الأثر كارثياً ويجبر المزيد من الأسر على النزوح عن ديارها ويؤدي إلى ارتفاع معدلات سوء التغذية. ومع تزايد تواتر الجفاف وشدته، تتقلص نافذة التعافي، في حين أن ارتفاع أسعار المواد الغذائية يجعل من إمكانية تأمين سبل الحياة أبعد عن متناول الفئات الأكثر ضعفاً.

أزمة تلوح في الأفق لا تزال لدى العالم فرصة لمنعها

بدون دعم فوري ومستدام، فإن الآلاف من الأطفال لن يواجهوا المجاعة فحسب، بل أيضاً ضعف المناعة، وزيادة التعرض للأمراض، وأضراراً على النمو لا يمكن عكسها. يواجه نظام الرعاية الصحية، الذي يكافح بالفعل في ظل الطلب المستمر، خطر الانهيار التام مع تفشي الأمراض والمضاعفات. وتدعو منظمة أطباء بلا حدود بشكل عاجل الجهات المانحة والحكومات إلى التحرك الآن – قبل أن يحل الجفاف لعام 2025. هناك حاجة ملحة لتوسيع نطاق العلاج التغذوي، وتوسيع نطاق توزيع الأغذية، وتعزيز خدمات الرعاية الصحية لإنقاذ الحياة بينما لا يزال هناك وقت.

ويقول محمد علي عمر: “إن المساعدات الإنسانية في الصومال منخفضة بالفعل بشكل خطير، والآن، مع تقارير عن مزيد من التخفيضات في التمويل – بما في ذلك التخفيضات في الدعم الأمريكي – فإن الوضع سيزداد سوءاً، مما يعرض المزيد من الأرواح للخطر. تأتي التخفيضات في برامج التغذية في الوقت الأشد حرجاً. فمعدلات سوء التغذية آخذة في الارتفاع، والنزوح آخذ في الارتفاع، والحاجة إلى المساعدات أكبر من أي وقت مضى. إن تقليل الدعم الآن ليس مجرد تصرف غير مسؤول – بل مميت. لا بد من التحرك الآن. بالنسبة لأطفال بيدوا ومدج، كل لحظة مهمة في منحهم فرصة للبقاء على قيد الحياة”.

أطباء بلا حدود تقدم إحاطة لمجلس الأمن الدولي عن السودان: “حرب كارثية على الناس”

أطباء بلا حدود تقدم إحاطة لمجلس الأمن الدولي عن السودان: “حرب كارثية على الناس”

نيويورك، 13 مارس/آذار 2025 – قدّم كريستوفر لوكيير، الأمين العام لمنظمة أطباء بلا حدود، إحاطة لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة اليوم عن الكارثة الإنسانية الناجمة عن الحرب في السودان، داعياً إلى وضع حد للعنف ضد المدنيين والتزام جديد بتقديم المساعدات المنقذة للحياة.

تقدم منظمة أطباء بلا حدود الرعاية الطبية في 11 ولاية من ولايات السودان، على جانبي النزاع، وفقاً للمبادئ الإنسانية.

 

وقال لوكيير إن الحرب في السودان هي قبل كل شيء “حرب على الناس”. فقد قصفت القوات المسلحة السودانية بشكل متكرر وعشوائي مناطق مكتظة بالسكان. وأطلقت قوات الدعم السريع والميليشيات المتحالفة معها حملة وحشية اتسمت بالعنف الجنسي المنهجي والاختطاف والقتل الجماعي ونهب المساعدات الإنسانية واحتلال المرافق الطبية. وفرض الجانبان حصاراً على البلدات، ودمرا بنى تحتية مدنية حيوية، وأعاقا المساعدات الإنسانية.

تقدم منظمة أطباء بلا حدود الرعاية الطبية في 11 ولاية من ولايات السودان، على جانبي النزاع، وفقاً للمبادئ الإنسانية. وحذرت فرق أطباء بلا حدود في السودان من مستويات مقلقة من سوء التغذية في العديد من المناطق، في حين أن الأمراض المعدية والأمراض التي يمكن الوقاية منها باللقاحات آخذة في الارتفاع. ويؤكد موسم الأمطار القادم على الحاجة الملحة لضمان حصول الناس في المناطق التي مزقتها الحرب على الغذاء والإمدادات الطبية.

رسالة منظمة أطباء بلا حدود إلى المجلس هي أن الحرب في السودان لا يمكن أن تستمر مع تجاهل مخجل لأرواح المدنيين. وبعد ما يقرب من عامين، ما زالت الاستجابة الدولية محدودة للغاية بسبب العوائق من قبل الأطراف المتحاربة والافتقار إلى المساءلة والموارد والقيادة.

وأضاف لوكيير: “بينما يتم الإدلاء بتصريحات في هذه القاعة، لا يزال المدنيون غير مرئيين وغير محميين ويتعرضون للقصف والحصار والاغتصاب والنزوح والحرمان من الغذاء والرعاية الطبية والكرامة. إن الاستجابة الإنسانية تتعثر، تُعطلها البيروقراطية، وانعدام الأمن، والتردد، وما يوشك أن يصبح أكبر سحب للاستثمار في تاريخ المساعدات الإنسانية”.

ودعا لوكيير بدلاً من ذلك إلى التزام جديد بحماية المدنيين وتلبية الاحتياجات الإنسانية.

وقال إن “الأزمة في السودان تتطلب تحولاً جوهرياً بعيداً عن مقاربات الماضي الفاشلة”. حياة الملايين من الناس تتوقف على ذلك.

على السلطات الإسرائيلية وقف العقاب الجماعي للفلسطينيين واستخدام المساعدات كأداة للحرب

على السلطات الإسرائيلية وقف العقاب الجماعي للفلسطينيين واستخدام المساعدات كأداة للحرب

القدس – تدين أطباء بلا حدود بأشد العبارات الحصار الذي تفرضه إسرائيل على قطاع غزة، والذي يحرم السكان من الخدمات الأساسية والإمدادات الحيوية، بما في ذلك الحصول على المياه، بقطعها إمدادات الكهرباء في التاسع من مارس/آذار. صيّرت السلطات الإسرائيلية الاحتياجات الإنسانية ورقة مساومة، مثل قطع إمدادات الكهرباء عن القطاع ومنع دخول جميع المساعدات. يجب وقف هذه السياسة على الفور، والتي ترقى إلى مستوى العقاب الجماعي. تدعو أطباء بلا حدود السلطات الإسرائيلية بأن تحترم القانون الدولي الإنساني وأن تلتزم بمسؤولياتها كقوة محتلة، وأن تنهي هذا الحصار اللاإنساني للقطاع.

تجاهلَ حلفاء إسرائيل عمدًا هذا الانتهاك الجسيم للقانون الدولي الإنساني وتصالحوا مع هذا السلوك. كذلك تحث أطباء بلا حدود حلفاء إسرائيل، بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية، على الامتناع عن التصالح مع هذه الأعمال والتصرف بحزم لمنع غرق غزة في مزيد من الدمار.

وفي هذا الصدد، تقول منسقة الطوارئ في أطباء بلا حدود، ميريام العروسي، “مرة أخرى تستغل السلطات الإسرائيلية المساعدات وبشكل عاديّ كأداة للتفاوض. هذا أمر مشين. لا يجوز قطعًا استخدام المساعدات الإنسانية كورقة تفاوض في الحرب، فالحظر المفروض على جميع الإمدادات يضر حتمًا بمئات آلاف الناس وله عواقب قاتلة”.

كان يفترض أن يُترجم وقف إطلاق النار إلى زيادة في الاستجابة الإنسانية، إلا أن السلطات الإسرائيلية قد قطعت الطريق أمام جميع المساعدات. كانت آخر الإمدادات التي استطاعت فرقنا إدخالها إلى غزة ثلاث شاحنات معظمها من الإمدادات الطبية في 27 فبراير/شباط. لدى أطباء بلا حدود عدة شاحنات كان من المقرر أن تدخل القطاع قبل الحصار.

تحاول فرق أطباء بلا حدود توسيع نطاق الاستجابة في غزة، وخاصة في الشمال حيث يُحرم الناس من الاحتياجات الأساسية منذ أشهر.

وتضيف العروسي، “تُركت غزة الآن بلا وقود يدخلها. أيدينا مقيدة، وفي غياب خط إمدادات، ستزداد صعوبة تقديم المساعدة لسكان غزة بمجرد نفاد مخزوننا. ووقف إطلاق النار بلا زيادة في المساعدات الإنسانية ليس بوقف إطلاق نار”.

وفي الوقت نفسه، تسبب إيقاف الحكومة الإسرائيلية لإمدادات الكهرباء للقطاع بإجبار محطة تحلية المياه الرئيسية في خان يونس، جنوب قطاع غزة، على العمل بالوقود. وقد خفضت المحطة إنتاجها من 17 مليون لتر إلى 2.5 مليون لتر يوميًا. وبالتالي، فإن قرار قطع الكهرباء سيؤثر بشكل حاد وتدريجي على إمدادات المياه العامة.

ترك الحصار الإسرائيلي الذي بدأ في التاسع أكتوبر/تشرين الأول 2023 مئات الآلاف من سكان غزة بلا كهرباء أو طعام أو وقود، ما تسبب بكارثة إنسانية. وبعد 15 شهرًا من القصف والنزوح وتفشي الأمراض، ظلت جهود الإغاثة مقيدة بسبب متطلبات الموافقة المسبقة الإلزامية التي تفرضها السلطات الإسرائيلية، وإلا تُرفض المواد المسماة بذات الاستخدام المزدوج.

وتعقّب العروسي، “اضطرت أطباء بلا حدود مثل جميع المنظمات الإنسانية إلى التكيف مع الظروف التي تفرضها السلطات الإسرائيلية كجزء من نظام مصمم للإبقاء على حصار غزة. فعلى الرغم من دخول المزيد من الشاحنات خلال فترة وقف إطلاق النار، إلا أن نظام دخول البضائع الذي تفرضه السلطات الإسرائيلية، والذي يُستخدم بشكل منهجي لعرقلة المساعدات الإنسانية، قد جعل توسيع نطاق عملنا بشكل ملموس مستحيلًا، حتى قبل هذا الحصار”.

يعرقل هذا النظام منعدم الشفافية دخول الإمدادات المنقذة للحياة ويقيده، بما في ذلك المشارط والمقصات ومركّزات الأكسجين ووحدات تحلية المياه والمولدات الكهربائية. وحتى عندما تنتهي العملية بالموافقة، فإنها تستغرق وقتًا طويلًا وتظل عائقًا بيروقراطيًا معقدًا.

بفنّهن: النزوح بأصوات نسائية

بفنّهن: النزوح بأصوات نسائية

تروي أربع نساء من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا قصصهن عن معاناة لا توصف مع النزوح وفقدان أفراد من أسرهن ونقص الرعاية الطبية. 

في عام 2024، ومع تصاعد الحروب في غزة ولبنان والسودان وسوريا ومناطق أخرى، وجد الملايين أنفسهم مجبرين على ترك منازلهم، تاركين خلفهم الدمار واليأس. وكما هو الحال في أغلب الأحيان، تتحمّل النساء الوزر الأكبر من معاناة النزوح، ويواجهن العنف والفقدان وانعدام الأفق، بينما يواصلن تقديم الرعاية لأسرهن ودعم مجتمعاتهن. 

بمناسبة اليوم العالمي للمرأة في 8 مارس/آذار، جسدت أربع فنانات قصص أربع نساء نازحات قابلهن فريق منظمة أطباء بلا حدود في المناطق المتأثرة بالحروب. ومن خلال فنهن، حوّلن هذه التجارب إلى روايات بصرية تحمل في طياتها عزيمة كبيرة.

ازدهار ومايا: خوف يتناقل عبر الأجيال في لبنان إزدهار الدقّار، البالغة من العمر 39 عامًا، هربت مع طفليها من الضواحي الجنوبية لبيروت بعد تحذير إسرائيلي من ضربة جوية وشيكة خلال حرب لبنان في سبتمبر/أيلول 2024. قضت ليلتها الأولى في الشوارع قبل أن تنتقل إلى مأوى العازرية في وسط بيروت. وبرغم مرور أسابيع، كانت لا تزال تعيش في خوف دائم، إذ كانت الانفجارات تتوالى على بعد كيلومترين منها فقط. أما ابنتها البالغة من العمر 14 عامًا، مايا، فقد اضطرت إلى النضوج بسرعة شديدة، متأثرة بالحرب وانعدام اليقين الذي يحيط بها.  تتأمل الرسامة اللبنانية مايا فيداوي قصة إزدهار من منظور طفولتها، إذ نشأت في خضم الحرب الأهلية اللبنانية، وتنقل في عملها الفني حلقة الخوف التي تنتقل من الأم إلى أطفالها. إليكم طريقتها الفريدة في تصوير هذه القصة. 
View this post on Instagram
View this post on Instagram
أمينة وأماني: رحلة نزوح بلا نهاية في عمق الليل، هربت الجدة السورية أمينة من حمص على دراجة نارية مع ابنها، وتوجّهت مع أفرادٍ عائلتها الثمانية إلى نهر استغرق عبوره ست ساعات شاقة، وذلك بعد الإعلان عن سقوط الحكومة السورية السابقة في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024. كان الخوف من العنف وانعدام اليقين قد دفعا بعدد كبير من السوريين واللبنانيين المقيمين في سوريا للانتقال إلى لبنان. فأُجبرت أمينة على مغادرة منزلها في عجلة واضطرت إلى التخلي عن ملابسها وبطانياتها على طول الطريق. وبعد عبورهم النهر، وصلوا إلى لبنان خاليي الوفاض، وكان زادهم الوحيد الخوف والإرهاق.  تعيد الرسامة السورية أماني العلي إحياء قصة أمينة، منطلقة من 13 عامًا من الحرب والتهجير التي اجتثت ملايين النساء السوريات من بلدهنّ. وتعبّر رسوماتها عن الصدمات الجماعية التي تلمّ بأشخاص ما زالوا يبحثون عن الأمان. 
View this post on Instagram
View this post on Instagram
خديجة وصفاء: خمس دقائق غيّرت حياتهما في غزة اعتقدت خديجة*، وهي أم من غزة، أنها وجدت مكانًا آمنًا تستقر فيه عائلتها قبل أن تتفاجأ بوصول الدبابات الإسرائيلية إلى محيط المكان الذي يأويهم. وفي لحظة مأساوية، انفجرت قذيفة بالقرب منهم، مما أدى إلى إصابة ابنها بجروح خطيرة. وفي المستشفى، حاولت كبح دموعها عندما سألها ابنها: “ماما، لماذا يغطون عيون بابا؟” إذ كان زوجها قد فارق الحياة. دخل ابنها في حالة صدمة شديدة، ولم ينطق بكلمة واحدة لمدة عشرة أيام.  تعبّر الفنانة الفلسطينية صفاء عودة، التي نجت هي الأخرى من الحرب في غزة، عن الحزن والرعب اللذين عاشتهما الأمهات في غزة منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023. وعبر عملها الفني، تجسّد دوامة الفقد التي ما زالت تلمّ بالكثير من العائلات الفلسطينية. 
View this post on Instagram
View this post on Instagram
أميرة وآية: أم جريحة في السودان عندما اندلعت الحرب في الخرطوم، كانت أميرة* على بُعد أيام قليلة من وضع مولودها. وبعد ثلاثة أيام من بداية النزاع، وضعت طفلها في مستشفى بحري في شمال الخرطوم، ليفارق الحياة ويفارقها بعد ساعات قليلة من ذلك. وفيما أعيى التّعب جسدها بسبب العملية القيصرية المؤلمة، وبعدما تقطّعت بها السبل للحصول على أي رعاية طبية، اضطرت إلى تنظيف جرحها بمعقم اليدين الذي بات الخيار الوحيد المتاح لبقائها على قيد الحياة.  تُجسد الفنانة الأردنية آية المبيضين العذاب الصامت الذي خاضته أميرة، مسلطة الضوء على أزمة منسية في السودان، حيث تواجه الأمهات الحرب والفقد وانهيار أبسط مقوّمات الرعاية الصحية الأساسية. 
View this post on Instagram
View this post on Instagram
*تغيّرت الأسماء حماية للهوية. 

من نيكاراغوا إلى لبنان: التكاتف وسط الحرب

من نيكاراغوا إلى لبنان: التكاتف وسط الحرب

“مرحبا يا آدمي!”

عندما يرحب بكم أحدهم بهذه الطريقة، ستشعرون بالسكينة. ذلك الشخص الذي يرى الإنسان فيكم بغض النظر عن أي شيء. ذلك الشخص اسمه لويس مونتينيغرو.

لويس الذي دائمًا ما يرغب بالسؤال عما إذا كان الناس يعرفون أين يقع بلده نيكاراغوا على الخريطة، كان قد انطلق في رحلة إلى لبنان في مايو/أيار 2024، حيث قبِل بمهمة للعمل كطبيب للأمراض غير السارية في مشروع أطباء بلا حدود في بعلبك-الهرمل شمال شرق البلاد.

اختارت بعثة المنظمة في لبنان الشخص المناسب للمهمة. لا يرحب بكم لويس كبشر فحسب، بل يعاملكم أيضًا كبشر. ولو وضعنا ذلك في إطارنا المهني، فالنتيجة هي طبيب يعطي من قلبه لمساعدة الناس على الشفاء، بغض النظر عن أي شيء.

كان الوضع في لبنان يزداد تدهورًا يومًا بعد يوم. كان لويس يسمع هدير الغارات الجوية الإسرائيلية في مكان ما في الوادي، والتي كانت ترجّ النوافذ.

في 17 سبتمبر/أيلول، كنت في إجازة لمدة أسبوع. كنت أودّع الجميع في عيادة الهرمل ومن ثم توجهنا إلى بيروت. وصلتنا معلومات أن شيئًا سيئًا قد حدث، لكننا لم نعرف ما هو في البداية. اعتقدنا أنها ربما كانت غارة جوية. كان ذلك يوم هجوم أجهزة البيجر. هل من شيء آخر سينفجر وأين؟ لم يكن لدينا أي فكرة
لويس مونتينيغرو، المدير السابق للأنشطة الطبية في لبنان

ما لم يعرفه لويس هو أن هذا التصعيد في الأعمال العدائية سيكون محوريًا في حياته. فكان ينتظره منصب عليه أن يتولاه في خضمّ أصعب الفترات التي مرّ بها لبنان.

ثم جاء يوم 23 سبتمبر/أيلول المشؤوم، ومعه جاء القصف الإسرائيلي المكثف على لبنان. أطلقت أطباء بلا حدود استجابة طارئة لدعم آلاف النازحين. كنا بحاجة إلى توفير الرعاية الصحية والاحتياجات هائلة. انقطع وصول الناس إلى الرعاية الصحية. غادروا منازلهم من دون أي شيء، وبالطبع لم يتذكروا وصفاتهم الطبية.

تولى لويس منصب مدير الأنشطة الطبية، فكان مسؤولًا عن جميع الأنشطة الطبية في بيروت وجبل لبنان. طيّب، يحتاج كثيرون إلى الرعاية الصحية في منطقة جغرافية كبيرة، فنحن بحاجة إلى المزيد من الفرق! تحول فريق واحد إلى خمسة فرق في خمسة أيام، حتى أصبح هناك سبعة فرق من الأطباء والممرضين والمرشدين والمرشدات والاختصاصيين النفسيين والعاملين في الصحة المجتمعية.

أكثر ما قدّرته خلال وجودي في لبنان هو التزام الفرق، كل فرد منهم. ليس من السهل أن ترى الكثير من المرضى في يوم واحد، خاصةً عندما تسمع الغارات الجوية أثناء عملك. ليس من السهل أن تواسي الآخرين بينما تشعر أنت بنفس الشيء. ناهيك عن القيام بكل ذلك فيما أنت نفسك نازح. لم يتوقفوا مطلقًا عن محاولة أن يقدّموا الرعاية فيما هم مضطرون للتعامل مع الكثير من المصاعب. كانوا يأتون بابتسامة كل يوم. ألهمني تفانيهم في العمل.
لويس مونتينيغرو، المدير السابق للأنشطة الطبية في لبنان

والتفاني الذي يتحدث عنه لويس يشهد به الجميع. فحتى دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 27 نوفمبر/ تشرين الثاني، قدمت الفرق في بيروت وجبل لبنان وحدها 11,326 استشارة طبية، و1,732 جلسة جماعية للصحة النفسية، و1,148 جلسة فردية للصحة النفسية، و1,157 جلسة تعزيز الصحة.

وبعد وقف إطلاق النار، عاد الكثير منهم إلى منازلهم أو مجتمعاتهم، لكن كثرًا وجدوا منازلهم متضررة أو مدمرة فظلوا نازحين. عندها اضطرت الفرق إلى إعادة توجيه خدماتها إلى المناطق الجديدة التي يحتاج الناس فيها إلى الرعاية الصحية. يعمل أحد الفرق الآن في بيروت، أما الفرق الستة الأخرى فقد حولت إلى أربعة فرق تعمل في محافظة النبطية.

عندما جئت إلى لبنان، ظننت أنني سأواجه اليأس. إلا أنني في الواقع وجدت الكثير من الأمل والنور، حتى في أشد الأوقات ظلمة. كان النازحون في الملاجئ يساعدوننا في أعمالنا أو يقدمون لنا القهوة والماء. كان هناك الكثير من التعاون بين بعضهم البعض. كانوا عالقين، لكنهم كانوا عالقين معًا. كانوا يطبخون معًا وينظفون معًا، وها قد نجوا معًا.
لويس مونتينيغرو، المدير السابق للأنشطة الطبية في لبنان

***
خلال الفترة الممتدة بين 23 سبتمبر/أيلول و27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، وخلال القصف الإسرائيلي المكثف على لبنان، نشرت أطباء بلا حدود 22 فريقًا طبيًا متنقلًا في عدة محافظات منها بيروت وجبل لبنان وبعلبك-الهرمل والبقاع وعكار والشمال والجنوب والنبطية. قدمنا أكثر من 31 ألف استشارة طبية و2,700 استشارة نفسية فردية و3,600 جلسة جماعية في مجال الصحة النفسية.

بعد دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، أعادت فرقنا توجيه الخدمات الطبية إلى المناطق الأكثر تضررًا في لبنان، حيث عاد الناس إلى منازلهم أو مجتمعاتهم. واليوم، تواصل فرقنا الـ16 العمل في محافظات بيروت والبقاع وبعلبك-الهرمل والجنوب والنبطية.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print