ما وراء المعبر: رحلة الفلسطينيين بين الحرب والنجاة

ما وراء المعبر: رحلة الفلسطينيين بين الحرب والنجاة

عمّ الدمار الطريق المؤدي جنوبًا إلى مدينة رفح، بالقرب من حدود غزة مع مصر. المعالم غير مألوفة أينما نظرت. نزح معظم سكان غزة عدة مرّات، وأُجبروا على التنقل من مأوى إلى آخر آملين أن يجدوا الأمان في خطوتهم المقبلة. لكن ما من مأمن. الكثير من أفراد طاقم منظمة أطباء بلا حدود خاضوا الرحلة من بيوتهم في غزة إلى رفح، وعبر بعضهم إلى مصر باحثين عن مأوى هناك أو في مكان آخر. إليكم بعض قصصهم.

السابع من أكتوبر/تشرين الأول: أكانت البداية؟

بعيد هجمات حماس غير المسبوقة في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، حينما قُتل 1,200 شخص وأخذ 250 رهينة، شنت القوات الإسرائيلية حربًا شاملة على الفلسطينيين. كانت المجازر بلا رحمة، ولم يسلم من القصف الإسرائيلي لا البشر ولا الحجر – ولا حتى المرافق الطبية أو المناطق الإنسانية الآمنة.

نسرين تحمل حياتها في حقيبة

في الساعات الأولى لصباح يوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول، استيقظت نسرين أبو روك، مسؤولة التثقيف الصحي مع أطباء بلا حدود في غزة، وشعرت أن شيئًا مرعبًا على وشك أن يحدث. ظنت في البداية أنها أصوات الشجار بين الناس التي اعتادت على سماعها، ولكن سرعان ما اتضح أن ما حصل كان أخطر بكثير. اضطرت نسرين إلى ترك زوجها وبيتها في غزة، وأجلت إلى الجنوب، حاملةً ابنها بين ذراعيها وعلى ظهرها حقيبة واحدة حزمتها على عجل. هذه قصتها ترويها بصوتها.

حياة مدمّرة: رحلة غزالي

مع اشتداد التصعيد في الحرب، بات النزوح أحد جوانب الحياة القاسية. أجلت العائلات من منازلها المدمرة باحثةً عن مأمن لها أينما استطاعت – في المدارس والمساجد والشوارع المفتوحة. انضم اختصاصي العلاج الطبيعي في أطباء بلا حدود، محمد غزالي، إلى الأشخاص الذين هربوا سعيًا إلى الأمان. واجه خلال رحلته تحديات كثيرة، إذ أجبر على النزوح سبع مرات. هذه هي قصته.

في مواجهة الخيار المرّ: أتبقى ربى أم ترحل؟

واجه كثر قرارات صعبة حيال البقاء أو المغادرة. والطبيبة ربى الكرد، التي تعمل مع أطباء بلا حدود، اتخذت قرارها عندما اضطرت للمغادرة إلى مصر بشكل فوري مفاجئ لمرافقة ابنها الذي أُجلي لأسباب طبية. استمعوا إلى قصتها.

العودة إلى الحياة الطبيعية: هل من سبيل؟

يقول الممرض في أطباء بلا حدود، محمد درويش، إن حلمه صار يقتصر على العودة إلى روتينه القديم وحياته ما قبل الحرب. ولكن بعد كُلّ ما قاساه مع عائلته، هل يتحقق حلمه؟ هذه قصته هنا.

في اليوم التالي: كيف سيبدو مستقبل داوود؟

دخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، ولكن الرحلة بعيدة كُلّ البعد عن نهايتها لكثر قطعوا الحدود إلى مصر أو غيرها. فزملاؤنا، ومن بينهم مشرف الصيانة في أطباء بلا حدود، داوود السيد، يواجهون قرارًا مؤلمًا آخر: هل يعودون إلى ركام منازلهم ليعيدوا إعمارها، أم يبقون حيث وجدوا المأوى ويحاولون بناء حياة جديدة؟ فقد داوود 36 فردًا من عائلته خلال الحرب، لكنه مُصرّ على العودة إلى غزة. فهل الخيار بيده؟ إليكم قصته هنا.

 

تحرّكوا الآن

كانت هذه رحلات أُجبر بعض من زملائنا من غزة على خوضها. فبعد سنوات من العمل مع منظمة أطباء بلا حدود في خدمة مجتمعاتهم والوقوف إلى جانبهم في كل المحن، وجدوا أنفسهم عالقين في رحلة مماثلة يبحثون فيها بيأس عن النجاة. سلبتهم الحرب كل شيء تقريبًا، إلا مسؤوليتهم في الإدلاء بشهاداتهم الحية.

ولكي يتمكن سكان غزة من إعادة بناء حياتهم، وكي يعود الفلسطينيون الذين غادروا، هناك حاجة فورية وماسّة لتوسيع نطاق الاستجابة الإنسانية على نطاق واسع في القطاع.

ماذا ستفعلون لمساعدتهم؟

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

أوكرانيا: الناس يتحملون عبء ثلاث سنوات من الحرب

أوكرانيا: الناس يتحملون عبء ثلاث سنوات من الحرب

كييف، 24 فبراير/شباط 2025 – بعد ثلاث سنوات من غزو القوات الروسية لأوكرانيا وما أسفر عنه من تفجير للنزاع الدولي المسلّح الذي بدأ عام 2014، ما زال الناس يتحملون ويلات الحرب من أرواح أُزهقت وأطراف بُترت ومنازل دُمّرت، إلى جانب الاحتياجات الطبية والإنسانية التي باتت جليةً أكثر من أي وقت مضى. هذا ويتفاقم الضغط على النظام الصحي في أوكرانيا لا سيما في ظل الهجمات المتكررة على المستشفيات والعيادات وسيارات الإسعاف.

منذ عام 2022، شهدت أطباء بلا حدود زيادةً كبيرة في عدد المرضى الذين يعانون من إصابات بالغة مرتبطة بالحرب ويحتاجون إلى إعادة تأهيل مبكر وخاصة العلاج الطبيعي بعد البتر. كما ارتفع عدد الاشخاص الذين يحتاجون إلى علاج اضطراب ما بعد الصدمة. أما في المناطق القريبة من خطوط الجبهة، وفي ظل القصف اليومـي، صارت قدرات الوصول إلى الرعاية الصحية محدودة جدًا  لبعض الفئات الأكثر حاجة مثل كبار السن والمتعايشين مع الأمراض المزمنة.

تدير أطباء بلا حدود مشروعًا لإعادة التأهيل المبكر بالتعاون مع مراكز في تشيركاسي وأوديسا، حيث تُقدَّم خدمات العلاج الطبيعي المبكر بعد العمليات الجراحية، إلى جانب الدعم النفسي والرعاية التمريضية للمصابين بجروح بليغة وعنيفة. وفي عامي 2023 و2024، عالجت منظمة أطباء بلا حدود 755 مريضًا، مع تسجيل زيادة سنوية بنسبة 10 في المئة في عدد المرضى الذين يحتاجون إلى الرعاية التالية للجراحة بعد بتر الساق.

وفي عام 2024، شُخّص نصف المرضى في المشروع إما باضطراب إجهاد ما بعد الصدمة أو بالاكتئاب، ما يعكس الحاجة الماسّة إلى الدعم النفسي في أوكرانيا. لذلك، أنشأت أطباء بلا حدود مشروعًا يركز على اضطرابات ما بعد الصدمة في فينيتسا، بالإضافة إلى المراكز في تشيركاسي وأوديسا.

لم تتراجع ضراوة هذه الحرب ، وازدادت الاحتياجات الإنسانية الطبية تعقيدًا. وحتى لو انتهت الحرب غدًا، سيحتاج مئات الآلاف إلى سنوات من العلاج الطبيعي الطويل أو الدعم النفسي لاضطرابات ما بعد الصدمة. ولا بد من التزام إنساني متواصل لضمان استمرارية هذه الرعاية.
توماس ماركيزي، رئيس برامج أطباء بلا حدود في أوكرانيا

يواجه نظام الرعاية الصحية في أوكرانيا اليوم ضغطًا هائلًا، إذ يحاول التوفيق بين الاستجابة الطارئة للوضع وبين تلبية الاحتياجات المتواصلة للمرضى الذين يقاسون تبعات الحرب. فعلى مدى ثلاث سنوات، لم يمرّ يوم من دون غارات الطائرات المسيَّرة والهجمات الصاروخية التي كانت تستهدف أحيانًا مدنًا تبعد أكثر من ألف كيلومتر عن خط المواجهة. وقد أُجبرت المرافق والأنظمة الطبية على التكيف مع هذه الظروف الصعبة وعلاج المرضى في الملاجئ أو الأقبية، بالإضافة إلى التعامل مع الانقطاعات المتكررة في التيار الكهربائي نتيجة الهجمات على البنية التحتية للطاقة.

واستجابةً لذلك، تشغّل أطباء بلا حدود سيارات إسعاف لنقل المرضى من المستشفيات القريبة من خط المواجهة، حيث تتدفق أعداد كبيرة من المصابين، إلى المرافق الطبية في وسط وغرب أوكرانيا التي تتمتع بقدرة استيعابية أكبر. وخلال السنوات الثلاث الماضية، نقلت سيارات الإسعاف التابعة لأطباء بلا حدود أكثر من 25 ألف مريض، يعاني أكثر من نصفهم من جروح ناجمة عن إصابات بليغة.

وفي عام 2024، شهدت فرق العيادات المتنقلة وفرق الإسعاف التابعة لأطباء بلا حدود التي تعمل على مقربة من خطوط المواجهة زيادة ملحوظة في إحالات المرضى المتعايشين مع أمراض مزمنة كمشاكل القلب والأوعية الدموية والسكري والسرطان. ففي عام 2023، بلغت نسبة هذه الحالات 24 في المئة من جميع الإحالات، ثم ارتفعت إلى 33 في المئة في عام 2024. ومع ذلك، وفي ظل القصف والهجمات المتكررة، قُوّضت قدرات الوصول لأطباء بلا حدود، علمًا أن الكثير من المتعايشين مع أمراض مزمنة هم كبار في السن وأقل قدرة على الحركة، كما أن الناس انتقلوا للعيش في أقبية منازلهم أو في الملاجئ بسبب القصف الكثيف في بعض المناطق.

بالنسبة لبعض الأشخاص الأكثر حاجة، فإن الانتقال إلى مكان آخر ليس خيارًا متاحًا. ليس الجميع قادرين على مغادرة منازلهم وبدء حياتهم من جديد، كما يحول استمرار القتال دون تمكّن هؤلاء من الحصول على الرعاية الطبية غالبًا، تمامًا كما لا تستطيع فرق أطباء بلا حدود الوصول إلى مناطق معينة بسبب القصف المستمر أحيانًا.
توماس ماركيزي، رئيس برامج أطباء بلا حدود في أوكرانيا

مع دخول الحرب في أوكرانيا عامها الرابع، تشهد فرق أطباء بلا حدود كيف تتفاقم الأزمة الإنسانية الطبية يومًا بعد يوم. يُشهد للنظام الصحي الأوكراني قوته في مواجهة العنف الشديد، ولكن الحاجة إلى الرعاية الطبية المستمرة والدعم النفسي باتت أكبر من أي وقت مضى. حتى لو انتهت الحرب غدًا، فإن آثارها الطويلة على الناس، سواء الجسدية أو النفسية، ستستمر لسنوات قادمة. تعرضت البنية التحتية في أوكرانيا لأضرار جسيمة وتعرّضت المستشفيات لهجمات مباشرة. سيحتاج مئات آلاف الأشخاص إلى رعاية مستمرة وإعادة تأهيل وعلاج من الصدمات بعد فترة طويلة من سقوط آخر قنبلة. وتواصل أطباء بلا حدود العمل في أوكرانيا، بالقرب من خطوط المواجهة وفي مناطق أبعد، ولكن هناك حاجة ملحّة إلى المزيد من الدعم.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

السودان: أطباء بلا حدود توقف أنشطتها في مخيم زمزم

السودان: أطباء بلا حدود توقف أنشطتها في مخيم زمزم

بورتسودان، 24 فبراير/شباط 2025 – إن التصعيد الحالي للهجمات والقتال داخل وحول مخيم زمزم للنازحين بالقرب من الفاشر في شمال دارفور يجعل من المستحيل على منظمة أطباء بلا حدود مواصلة تقديم المساعدة الطبية في مثل هذه الظروف الخطرة. وعلى الرغم من انتشار الجوع على نطاق واسع والاحتياجات الإنسانية الهائلة، ليس لدينا خيار سوى اتخاذ قرار بتعليق جميع أنشطتنا في المخيم، بما في ذلك المستشفى الميداني لمنظمة أطباء بلا حدود.

في الأسابيع الثلاثة الأولى من فبراير/شباط، استقبلت فرقنا في زمزم 139 جريحاً في المستشفى الميداني لأطباء بلا حدود، ومعظمهم يعانون من إصابات بطلقات نارية وشظايا. ولا يمكن لمرفق أطباء بلا حدود، المصمم للمساعدة في معالجة أزمة سوء التغذية الهائلة التي يشهدها المخيم، والذي أُعلن أنه يمر بظروف مجاعة وفق (التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي) في العام الماضي، توفير جراحة الإصابات لأشخاص لديهم حالات حرجة.

توفي 11 مصاباً أثناء وجودهم في مستشفى أطباء بلا حدود، 5 منهم أطفال، لأننا لم نتمكن من علاجهم بشكل صحيح أو إحالتهم إلى المستشفى السعودي، وهو المرفق الوحيد الذي يتمتع بالقدرة الجراحية في الفاشر القريبة. في يناير/كانون الثاني وديسمبر/كانون الأول، تعرضت سيارتا إسعاف تابعتان لنا تحملان مرضى من المخيم إلى الفاشر، لإطلاق نار. وقد أصبح الأمر الآن أكثر خطورة، ونتيجة لذلك، فإن العديد من الناس، بما في ذلك المرضى الذين يحتاجون إلى جراحة الإصابات أو حالات الولادة القيصرية الطارئة، محاصرون في زمزم.
يحيى كليلة، رئيس بعثة أطباء بلا حدود في السودان

شهدت المنطقة قتالاً عنيفاً بين قوات الدعم السريع والقوات المشتركة، وهي تحالف من الجماعات المسلحة المتحالفة مع القوات المسلحة السودانية، مع عواقب وخيمة على المدنيين. حاصرت قوات الدعم السريع وقصفت بلدة الفاشر خلال الأشهر العشرة الماضية، وكثفت هجومها في الأسابيع الأخيرة وشنت هجمات على مخيم زمزم، ولا سيما في 11 و 12 فبراير. ويجد الأشخاص الذين كانوا يكافحون من قبل من أجل توفير سبل المعيشة أن توفُّر الماء والغذاء أصبح الآن أكثر عرضة للخطر، حيث تعرض السوق المركزي للنهب والحرق.

إن إيقاف مشروعنا في خضم كارثة متفاقمة في زمزم هو قرار مؤلم. خلال أكثر من عامين، بذلت فرقنا قصارى جهدها لتوفير الرعاية رغم كل الصعاب، على الرغم من الحصار ونقص الإمدادات والتحديات الأخرى المتعددة، حيث دعت إلى استجابة إنسانية موسعة، وانتظرتها، لكنها لم تتحقق.
يحيى كليلة، رئيس بعثة أطباء بلا حدود في السودان

“ومع ذلك، مع احتدام معركة الفاشر ووصولها الآن مباشرة إلى مخيم زمزم، لا يتوفر حالياً الحد الأدنى من الظروف الأمنية لنا للبقاء. ويضيف يحيى كليلة: “إن القرب الشديد من العنف، والصعوبات الكبيرة في إرسال الإمدادات، واستحالة إرسال موظفين ذوي خبرة لتوفير الدعم الكافي، وعدم اليقين بشأن طرق الخروج من المخيم لزملائنا والمدنيين لا يترك لنا الكثير من الخيارات”.

يستضيف مخيم زمزم حوالي 500,000 شخص، وقد شهد وصول وافدين جدد فروا من أبو زريقة وشقرة وسلومة، يقيمون الآن في المدارس أو المباني المجتمعية أو تحت الأشجار في العراء. وقد أخبروا فرقنا عن حوادث إضرام النيران في المنازل والنهب والعنف الجنسي والقتل والضرب وغيرها من الانتهاكات في قرى وطرق محلية الفاشر. كما وصلت مئات العائلات إلى طويلة، وأحياناً كانوا يأتون حفاة بعد أن تركوا كل شيء وراءهم وهربوا من العنف المروع في طريقهم.

تشعر منظمة أطباء بلا حدود بقلق عميق بشأن سلامة موظفيها ومئات الآلاف من الأشخاص في مخيم زمزم وتحث قوات الدعم السريع والقوات المشتركة وجميع الجهات الفاعلة المسلحة في المنطقة على حماية المدنيين والسماح لأولئك الراغبين في الفرار بالقيام بذلك دون أن يصابوا بأذى.

في شمال دارفور، نواصل إدارة أنشطة الطوارئ في طويلة مع البحث عن كل طريقة ممكنة لمساعدة الناس في زمزم والفاشر دون تعريض موظفينا لمستويات خطر غير مقبولة. وفي غرب ووسط وجنوب دارفور وأجزاء أخرى من البلاد، تواصل فرقنا الاستجابة لأزمة سوء التغذية الكارثية والأزمة الصحية الناجمة عن نزاع لا هوادة فيه، والعقبات المستمرة من الأطراف المتحاربة، والتي تفاقمت بسبب فشل الاستجابة الإنسانية. وتكرر أطباء بلا حدود دعوتها إلى زيادة تقديم المساعدات بشكل كبير في العديد من الأماكن التي لا يزال ذلك ممكناً فيها. ويجب على الأطراف المتحاربة السماح بوصول المساعدات دون عوائق، ويجب على حلفائها والدول المؤثرة استخدام نفوذها لتخفيف العقبات التي تسبب الوفيات والجوع.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

ليبيا: المهاجرون يواجهون العنف والحرمان من الرعاية الصحية

ليبيا: المهاجرون يواجهون العنف والحرمان من الرعاية الصحية

تقدّر منظمة الهجرة الدولية عدد المهاجرين في ليبيا بقرابة 787 ألف شخص خلال عام 2024. وفيما يتوجّه البعض إلى ليبيا بحثًا عن العمل، ينطلق منها آخرون في محاولة لعبور البحر الأبيض المتوسّط إلى أوروبا. يعيش المهاجرون في ليبيا ظروفًا محفوفة بالمخاطر ويتعرّضون لشتى أشكال العنف والإساءة داخل مراكز الاحتجاز وخارجها. وتتلاشى فرص حصولهم على الرعاية الصحية عندما تدعو الحاجة إليها وسط عمليات الاختطاف والابتزاز وممارسات الاتجار بالبشر والاعتداءات والتحرّش الجنسي.

غبت عن الوعي تحت وطأة الضرب، وعندما استعدت وعيي، كان الضرب لا يزال مستمرًا. شوّهوني تمامًا وفقدت أسناني. أخبرني صديقي سعود إنهم ضربوا رأسي بطوبة.
أحمد*، وهو شاب سوداني اعتُقل وزُجّ بالسجن وهو يحاول العبور إلى تونس
وفي بلدة زوارة الساحلية التي تبعد نحو مئة كيلومتر عن العاصمة، قدّمت فرق أطباء بلا حدود الرعاية إلى أحمد الذي مكث شهرًا في المستشفى. ويشرح رئيس برامج أطباء بلا حدود في ليبيا، ستيف بوبريك، “يفتقر الأشخاص الذين لا يحملون الوثائق اللازمة إلى الحماية القانونية أو الدعم من مؤسسات الدولة الهشة في الأساس، ما يحول دون حصولهم على الرعاية الصحية. ويتعرّض الناس للعنف كل يوم. كما نرى ضحايا للاتجار بالبشر، وكيف يتعرّض الناس للتعذيب والاغتصاب”.

غياب الحماية والرعاية صحية

تعدّ ليبيا الوجهة الأولى للمهاجرين الذين يحاولون عبور البحر الأبيض المتوسط إلى إيطاليا. وكحال أحمد، يتعرّض المهاجرون واللاجئون الذين لا يحملون الوثائق اللازمة للعنف طوال رحلتهم. فسرعان ما ينتقلون للعيش في مواقع مكتظة وخطيرة تفتقر إلى أدنى مقومات الصحة، كالغرف المشتركة أو الحظائر المهجورة ومواقع البناء أحيانًا، وسط ظروف تعرّضهم للإصابة بالأمراض.

يعكس الوضع الصحي للناس تردي ظروفهم المعيشية والتعذيب الذي يتعرّضون إليه على حد سواء. ومع غياب أي حماية وتحديات الحصول على الرعاية الصحية، يتدهور وضع الإصابات والصدمات بصورة متسارعة.
د. عصام عبد الله، نائب المدير الطبي مع أطباء بلا حدود في ليبيا

توفّر أطباء بلا حدود الدعم الطبي في مصراتة وطرابلس وزوارة عبر تقديم الرعاية الصحية الأساسية وخدمات الصحة الجنسية والإنجابية والدعم النفسي وخدمات التشخيص والعلاج للسل (الدرن) وحالات العنف الجنسي. أما المصابون بحالات حرجة الذي يحتاجون إلى دخول المستشفى، فيُحالون إلى العاصمة لتلقي العلاج. ومثال على ذلك عملية الفك الذي خضع لها أحمد في مستشفى طرابلس وتكفّلت بها منظمة أطباء بلا حدود نظرًا لعدم توفر أي خيارات أخرى.

في عام 2024، قدّمت فرق أطباء بلا حدود أكثر من 15 ألف استشارة. ومعظم من تلقى الرعاية في مجال الصحة النفسية كان يعاني من اضطراب إجهاد ما بعد الصدمة بسبب العنف الذي يتعرّضون إليه.

نيلسون من الكاميرون قد تلقّى دعمًا نفسيًا من أحد المعالجين النفسيين في أطباء بلا حدود بعد فقدانه لزوجته وطفليه في حادثة غرق القارب الذي ركبوه أثناء محاولتهم الوصول إلى أوروبا. ويقول، “في ليبيا، يمكن لمصيرك أن يتغيّر في أي لحظة. خطوة صغيرة قد تقلب حياتك رأسًا على عقب. يمكن أن تموت، أو تُزجّ في السجن. حتى رحلة بسيطة لشراء الخبز أو زيارة الطبيب يمكن أن تقودك إلى الطريق الخطأ حيث تلتقي بأحد رجال الشرطة. قد لا يلاحظونك إذا حالفك الحظ، أما إذا فعلوا، فسيتم اعتقالك على الفور”.

التأخر في الحصول على الرعاية

يعيش الناس في خوف من الاختطاف أو الاعتقال على أيدي الشرطة أو الميليشيات، فيضطرون إلى الاختباء في أماكن معزولة تزيد من تعرّضهم للخطر. ولا يلجؤون إلى الرعاية الطبية إلا كملاذ أخير بعد تدهور حالتهم الصحية بشكل حاد.

خلال عام 2024، قدمت فرق أطباء بلا حدود خدمات التشخيص والعلاج لأكثر من 250 شخصًا مصابين بالسل، إلا أن ستة عشر منهم فارقوا الحياة لعدم تلقيهم العلاج في الوقت المناسب.

ويقول د. عبد الله، “يقصدنا الناس الذين يعانون من السل لتلقي العلاج بعد فوات الأوان، مما يزيد من معدلات الوفيات ويساهم في انتشار المرض بشكل أكبر. تشهد فرقنا أيضًا التداعيات السلبية لعدم استكمال العلاج”.

سلمى* أستاذة تبلغ من العمر 37 عامًا وهي متعايشة مع السكري. فرّت من الحرب التي اندلعت في السودان في أبريل/نيسان 2023. وتقول، “يتطلب مرض السكري تناول الوجبات والأدوية بانتظام، وهذا غير ممكن في ليبيا. تدهورت صحتي سريعًا عندما اضطررت إلى مغادرة السودان. لم أعد قادرة على فعل أي شيء. توقّفت عن الطبخ ولم يعد بإمكاني ارتداء ملابسي… صرت أعتمد على بناتي كليًا”.

زيادة في عمليات الإجلاء من ليبيا

يوضح بوبريك، “يعتبر المهاجرون نموذجًا مربحًا ماديًا ترعاه الميليشيات بتواطؤ من الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء، بهدف ابتزازهم ماليًا. فيتعيّن عليهم أن يدفعوا المال مقابل عبورهم وإطلاق سراحهم وحتى لمواصلة رحلتهم، مع المخاطرة الدائمة بالوقوع في قبضة الشبكات الإجرامية من جديد”.

ويضيف، “لذلك، وبالإضافة إلى توفير الرعاية الصحية في ليبيا، نركز جهودنا أيضًا على إيجاد مسارات آمنة وقانونية لإجلاء الأشخاص من ليبيا، ولا سيما عبر الممر الإنساني الموجود بين ليبيا وإيطاليا. تشارك أطباء بلا حدود في هذا الممر من خلال تحديد الأشخاص الأكثر عرضة للخطر وأحوجهم إلى الإجلاء وتولي مسؤولية بعضهم في إيطاليا. ومع ذلك، تبرز الحاجة الملحة لتوسيع هذه الخيارات إلى حدّ بعيد”.

منذ عام 2021، أتاح هذا الممر الإنساني إجلاء أكثر من 700 شخص، من بينهم حوالي 60 مريضًا كانوا تحت رعاية أطباء بلا حدود في ليبيا. لاحقًا، قدّمت فرق أطباء بلا حدود الرعاية إلى 14 شخصًا في باليرمو بصقلية.

وفي أبريل/نيسان 2023، أصدرت الأمم المتحدة تقريرًا يخلص إلى وجود أسباب تدعو للاعتقاد بأن مجموعة واسعة من الجرائم ضد الإنسانية قد ارتُكبت بحق المهاجرين في ليبيا.

*غُيّرت الأسماء لحماية الهوية

 

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

عيادات أطباء بلا حدود المتنقلة توفّر الرعاية في الغوطة الشرقية بسوريا بعدما عانت من الإهمال

عيادات أطباء بلا حدود المتنقلة توفّر الرعاية في الغوطة الشرقية بسوريا بعدما عانت من الإهمال

يقول رئيس بعثة أطباء بلا حدود في سوريا باتريك ويلاند، “كان ذهابنا إلى الغوطة الشرقية ورؤيتها على هذه الحال مفجعًا بحق. فالدمار هائل والناس بالكاد متماسكون، وغارقون في فقر مدقع، ويحتاجون إلى الخدمات الطبية بشدة”.

بعد سنوات من الإهمال، أصبحت مظاهر الحياة الطبيعية نادرة في الغوطة الشرقية، والتي تبعد 10 كيلومترات عن دمشق. الشوارع التي تتراكم على جانبيها أنقاض المباني فقدت أي أثر للحياة. كما يواجه السكان هنا أعباء اقتصادية ثقيلة، فيما تركت سنوات من إغلاق المرافق الصحية احتياجات طبية هائلة وسط محدودية الخدمات المتاحة. لا تزال معاناة الغوطة الشرقية بعيدة كل البعد عن نهايتها، وهناك حاجة ماسة للدعم العاجل في الوقت الراهن.

في أعقاب سقوط حكم بشار الأسد الذي دام 24 عامًا، تمكنت أطباء بلا حدود أخيرًا من الوصول إلى دمشق لأول مرة منذ أكثر من عقد. وفي 21 يناير/كانون الثاني، بدأنا بتشغيل عيادات متنقلة لتوفير الرعاية الصحية الأساسية، مثل الاستشارات المرتبطة بالتهابات الجهاز الهضمي. ومنذ ذلك الوقت، تمكّنا من معاينة 576 مريضًا بينهم 77 طفلًا تحت سن الخامسة.

الأسر تعيش في هياكل المباني

كانت الغوطة الشرقية منطقة خصبة وخضراء تمتد على مساحة 110 كيلومترات مربعة، وتملؤها المزارع والأشجار المثمرة. لكن سنوات القصف الجوي العنيف من قِبل قوات الحكومة السورية السابقة أحالت الغوطة إلى ركام. لم يبقَ من هذه المنطقة التي طالما كانت مصدرًا للإنتاج الزراعي إلا أرضًا مدمرة، تكسوها هياكل المباني الرمادية، بلا أسطح أو نوافذ أو أي أثر للحياة. ومع ذلك كله، ما زالت الأسر موجودةً هنا وتعاني لتدبّر أمورها.

يعيش الناس في ظروف بالغة الصعوبة، إذ تفتقر المنطقة إلى المياه النظيفة والطعام الكافي، ولا تتوفر بنية تحتية مناسبة للصرف الصحي أو وسائل تدفئة في المنازل، مما يعرّض السكان لمختلف المخاطر الصحية.

تعيش عائلات بأكملها في ركام المباني المدمّرة التي تبدو وكأنها أتت من العصور الوسطى. لا يمكن تصور مستوى الإهمال في هذه المنطقة. والاحتياجات الطبية هائلة. لقد بات السعي للحصول على الرعاية الصحية أشبه بسباق يائس مع الزمن.
بلال السراقيبي، المرجع الطبي في مشروع أطباء بلا حدود بسوريا

فصل جديد من الأمل

منذ يناير/كانون الثاني 2025، أرسلت أطباء بلا حدود عدة فرق إلى مدن مختلفة في الغوطة الشرقية، بما في ذلك دوما وحرستا وزملكا وحمورية وعين ترما وكفربطنا، حيث تقدم فرقنا الرعاية الصحية الأساسية، مثل الاستشارات الطبية والدعم النفسي عبر العيادات المتنقلة.

لطالما سعينا للعمل في الغوطة خلال حكم بشار الأسد، لكن فرقنا مُنعت مرارًا من دخول المنطقة، مما أدى إلى تقليل فرص حصول السكان على الرعاية الصحية التي هم في أمسّ الحاجة إليها.

يقول محمد رياض الذي زار إحدى العيادات المتنقلة التابعة لأطباء بلا حدود، “عندما يصاب الناس بالمرض أو بالجروح، يواجهون صعوبات جمة للحصول على الرعاية الصحية، فليس هنالك سيارات إسعاف وأسعار الأدوية باهظة. تمثل العيادات المتنقلة فكرة رائعة. وإذا استطاعت أن تغطي جميع المناطق، فإنها ستوفر الكثير من العناء على الناس”.

تقدّم فرقنا المساعدة للمرضى الذين يعانون من الحالات الصحية المختلفة. وتشمل أكثر الحالات شيوعًا التهابات الجهاز التنفسي والربو والتهاب المعدة والأمعاء بسبب تلوث الطعام. نستقبل أيضًا أشخاصًا متعايشين مع الأمراض غير المعدية كالسكري وارتفاع ضغط الدم وغيرها من أمراض القلب والأوعية الدموية.

تعمل فرقنا أيضًا على تقييم الوضع الطبي والإنساني العام في هذه المدن. ويجري العمل حاليًا على فهم عمق احتياجات الناس هنا بعد سنوات من غيابنا عن المنطقة.

تحت الحصار والنيران

عندما سيطرت قوات المعارضة على الغوطة الشرقية في عام 2012، فرضت القوات المسلحة السورية حصارًا خانقًا على المنطقة. واستهدف القصف البري والجوي المتواصل المنازل والأسواق والمستشفيات، فيما منع دخول الغذاء والماء والأدوية بشكل متعمد كأسلوب من أساليب الحرب.

وتظهر الخسائر المدمرة التي لحقت بالسكان في تقرير أصدرته الأمم المتحدة. فبين 18 فبراير/شباط و11 مارس/آذار 2018، أسفرت الهجمات التي شنتها قوات الحكومة السابقة عن مقتل 1,100 شخص وإصابة أربعة آلاف آخرين. وخلال الفترة نفسها، أدى قصف جماعات مسلحة مختلفة على مدينة دمشق إلى مقتل وإصابة مئات الأشخاص الآخرين.

كافح الجميع لإنقاذ الأرواح

يقول عثمان الرفاعي، وهو أحد سكان الغوطة الشرقية، “بعد فرض الحصار في عام 2013، أصيب الكثير من الناس وفقدوا أطرافهم نتيجة الغارات الجوية اليومية. وكان الأطباء يسافرون إلى الخارج بسبب تدني الرواتب، وما زلنا نواجه تداعيات ذلك حتى اليوم”.

وبين عامي 2013 و2018، قدمت أطباء بلا حدود الدعم عن بُعد للمسعفين السوريين في الغوطة الشرقية، حيث أرسلنا الإمدادات الطبية والدعم المالي بالإضافة إلى تقديم التوجيه الفني. كانت هذه هي الطريقة الوحيدة لمساعدة الفرق الطبية هناك نظرًا لعدم قدرتنا على العمل في المنطقة بشكل مباشر.

وفي عام 2013، دعمنا 20 عيادة ومستشفى، ولكن مع تصاعد العنف على مدار السنوات، انخفض هذا العدد إلى عيادة واحدة بحلول عام 2018. أما المرافق التسعة عشر الأخرى فإما أغلِقت أو هُجِرت بعد سيطرة قوات الحكومة السابقة على المنطقة. وفي مرحلة ما، لم يتبقَ أي مرفق يمكننا أن ندعمه.

ويضيف بلال السراقيبي، “اليوم، تبعث العيادات المتنقلة حسًّا بالارتياح لأناس قاسوا الكثير في الغوطة الشرقية على مدى السنوات الماضية. ورغم ما مروا به، لا يزال الناس قادرين على الابتسام. لقد عانوا كثيرًا، وهم في حاجة ماسة إلى الدعم لاستعادة حياتهم من جديد”.

Facebook
X
LinkedIn
WhatsApp
Print

“إلحاق الأذى والحرمان من الرعاية الصحية” في الضفة الغربية

“إلحاق الأذى والحرمان من الرعاية الصحية” في الضفة الغربية

القدس، 6 فبراير/شباط 2025 – شهدت الضفة الغربية المحتلة تصاعدًا كبيرًا في استخدام القوات الإسرائيلية والمستوطنين الإسرائيليين للعنف الجسدي المتطرّف بحق الفلسطينيين منذ بدء الحرب الشاملة على غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023 كما جاء في آخر تقرير أصدرته منظمة أطباء بلا حدود. فقد قُتل ما لا يقل عن 870 فلسطينيًا وأصيب أكثر من 7,100 آخرين بين أكتوبر/تشرين الأول 2023 ويناير/كانون الثاني 2025[1]. وبحسب التقرير الذي يحمل عنوان “إلحاق الأذى والحرمان من الرعاية الصحية”، أسفر اشتداد العنف في الضفة الغربية عن تقليص حاد في قدرة الفلسطينيين على الوصول إلى الرعاية الصحية الأساسية، علمًا أن هذه الممارسات تشكل جزءًا من نمط قمعي ممنهج تمارسه إسرائيل، وهو ما وصفته محكمة العدل الدولية بأنه يرقى إلى العزل العنصري والفصل العنصري.

يغطي التقرير الفترة بين أكتوبر/تشرين الأول 2023 وأكتوبر/تشرين الأول 2024، ويتضمن مقابلات معمّقة مع 38 مريضًا وعاملًا من أطباء بلا حدود، بالإضافة إلى فرق المستشفيات من المسعفين والمتطوعين الذين تدعمهم المنظمة. وقد تحدّث هؤلاء عن التوغّلات العسكرية العنيفة والمطوّلة للقوات الإسرائيلية والقيود المشدَّدة على الحركة وكيف حدّت جميع هذه العوامل من قدرات الوصول إلى الخدمات الأساسية، ولا سيّما الرعاية الصحية. تدهور الوضع بشكل أكبر منذ إعلان وقف إطلاق النار في غزة وتردّت الظروف المعيشية الصعبة للكثير من الفلسطينيين الذين يدفعون أثمانًا باهظة على الصعيد الجسدي والنفسي.

وفي هذا السياق، يوضح منسق الطوارئ في أطباء بلا حدود، بريس دو لو فين، قائلًا، “يموت المرضى الفلسطينيون لمجرد أنهم غير قادرين على الوصول إلى المستشفيات. نشهد اعتراض القوات الإسرائيلية لسيارات الإسعاف عند الحواجز، حتى أثناء نقلها لمرضى في حالات حرجة، إضافة إلى تطويق المرافق الطبية ومداهمتها خلال العمليات العسكرية، وتعريض العاملين في المجال الصحي للعنف الجسدي خلال مساعيهم لإنقاذ حياة الناس”.

وفي ظل هذه الظروف، تلقّت كوادر منظمة أطباء بلا حدود تقارير عن تزايد الهجمات على الطواقم والمرافق الطبية، والتي تشمل الهجمات على المستشفيات وتدمير المواقع الطبية المؤقتة في مخيمات اللاجئين، إضافةً إلى ما يتعرّض إليه المسعفون والعاملون الطبيون من مضايقة واحتجاز وإصابات وحتى قتل على يد القوات الإسرائيلية. وبين أكتوبر/تشرين الأول 2023 وديسمبر/كانون الأول 2024، سجلت منظمة الصحة العالمية 694 هجومًا على الرعاية الصحية في الضفة الغربية، مع وقوع المستشفيات ومرافق الرعاية الصحية غالبًا تحت حصار القوات العسكرية. هذا ويعبّر العاملون في القطاع الصحي عن شعورهم بانعدام الأمن، إذ يتعرضون بشكل متكرر للمضايقات والاحتجاز والإصابات، بل وحتى القتل.

ويقول مسعف في جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني التي تدعمها أطباء بلا حدود، “حاصرت القوات الإسرائيلية نقاط المعالجة المؤقتة [في طوباس] وأغلقت مداخلها، بالرغم من أنه كان من الواضح جدًا أن هذا مبنى طبي. أمرت القوات الإسرائيلية جميع المسعفين بالخروج من مركز الاستقرار. كان هناك حوالي 22 مسعفًا. أطلق الجنود الإسرائيليون النار داخل المبنى وخارجه، مما أدى إلى إتلاف إمداداتنا وتضرر مركز الاستقرار”.

في حالات الطوارئ الطبية، قد تؤدي القيود المفروضة على الحركة إلى تداعيات مهلكة. فقد تعرّض الوصول إلى الرعاية الصحية للعراقيل بشكل كبير في ظل إعاقة حركة سيارات الإسعاف واستهدافها، والتصعيد في العمليات العسكرية العنيفة التي تسفر عن الكثير من الضحايا والمصابين، إلى جانب الدمار الواسع الذي يطال البنية التحتية المدنية من طرق ومرافق صحية وشبكات مياه وكهرباء، خصوصًا في مخيمات طولكرم وجنين. وفي المناطق النائية وضواحي المدن مثل جنين ونابلس، تزداد الأوضاع قساوة، إذ يُجبر المرضى المصابون بأمراض مزمنة، مثل المحتاجين إلى غسيل الكلى بانتظام، على البقاء في منازلهم بسبب العقبات الكبيرة التي تحول دون وصولهم إلى الرعاية الصحية.

إلى جانب التوغلات العسكرية الإسرائيلية المتكررة، أدى عنف المستوطنين والتوسع المستمر في المستوطنات إلى تعريض الكثير من الفلسطينيين لمزيد من العنف وسط خشية من التنقل في جميع أنحاء الضفة الغربية. ووفقًا لمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية، تم تسجيل ما لا يقل عن 1,500 هجوم شنه المستوطنون الإسرائيليون على الفلسطينيين بين تشرين الأول/أكتوبر 2023 وتشرين الأول/أكتوبر 2024.

وبصفة إسرائيل السلطة القائمة بالاحتلال، فهي تتحمل التزامات قانونية بموجب القانون الدولي لضمان إمكانية وصول السكان إلى الرعاية الصحية وحماية العاملين في المجال الطبي. يواجه نظام الرعاية الصحية في الضفة الغربية ضغطًا هائلًا، مما يجبره على العمل بحالة طوارئ دائمة.

تدعو أطباء بلا حدود إسرائيل إلى وقف عنفها ضد الطواقم الطبية والمرضى والمرافق الصحية ووقف الهجمات التي تعيق الكوادر الطبية عن أداء واجباتها المنقذة للحياة.

[1] مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية ، 31 ديسمبر/كانون الأول 2024

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

أطباء بلا حدود تعزز عمليات الطوارئ في جنوب لبنان خلال مرحلة التعافي ووسط استمرار الهجمات

أطباء بلا حدود تعزز عمليات الطوارئ في جنوب لبنان خلال مرحلة التعافي ووسط استمرار الهجمات

منذ سريان وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل في 27 نوفمبر/تشرين الثاني، لا زالت القوات الإسرائيلية تجري عملياتها العسكرية في جنوب لبنان. عاد مئات الآلاف من الأشخاص إلى منازلهم وقراهم في جنوب لبنان، غير أن الكثيرين وجدوا منازلهم مدمّرة بفعل القصف الإسرائيلي وما زالوا حتى الآن في حالة من النزوح. في الوقت نفسه، لا يستطيع الكثير من الناس العودة إلى ديارهم بسبب استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في بلداتهم وقراهم. ويواجه كل من العائدين والنازحين تحديات كبيرة في الحصول على الرعاية الصحية، بسبب تدمير البنية التحتية ونقص الكوادر الطبية وارتفاع تكاليف العلاج التي باتت تفوق قدرة الكثيرين ممّن انقطعت مصادر دخلهم خلال أشهر الحرب.

واستجابةً لذلك، وسّعت منظمة أطباء بلا حدود الطبية والدولية نطاق عملياتها خلال الستين يومًا الماضية، إذ نشرت ثلاثة فرق طبية متنقلة تخدم 11 بلدة في محافظة النبطية، مكمّلةً بذلك فريقين طبيين متنقلين يزوران بلدات محافظة الجنوب. تعمل هذه الفرق على سدّ الثغرات الحرجة في مجال الرعاية الصحية في بعض المناطق المتضررة بشدة من خلال توفير الخدمات الطبية الأساسية لمن يحتاجها.

منذ سريان وقف إطلاق النار في شهر نوفمبر/تشرين الثاني، استمرت القوات الإسرائيلية بإطلاق النار وشن الغارات وهدم البنى التحتية المدنية مخلّفةً مزيدًا من الدمار والضحايا المدنيين في جنوب لبنان كل يوم. وقد تفاقمت معاناة هذه المجتمعات بشكل كبير، لا سيما أن الناس يقاسون في الأساس للتعامل مع خسائرهم وتحمّل تبعات الحرب.
فرانسوا زامباريني، منسق الطوارئ في أطباء بلا حدود بلبنان

وفقًا لوزارة الصحة العامة، قُتل 83 شخصًا وأصيب ما لا يقل عن 228 آخرين على يد القوات الإسرائيلية في لبنان منذ إعلان وقف إطلاق النار في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024. ووفقًا لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تضرر أو دُمّر أكثر من 90,000 مبنى، بما في ذلك المنازل والشركات والمرافق الزراعية والمدارس والبنية التحتية للمياه، بسبب القصف الذي طال جميع أنحاء البلاد.

وفي هذا السياق، يوضح زامباريني، “إنّ حجم الدمار هائل، فقد تحولت المدن إلى أنقاض ودُمّرت المنازل والمدارس والأراضي الزراعية. تلتزم منظمة أطباء بلا حدود بدعم الناس خلال فترة التعافي هذه وبضمان عدم تركهم من دون الرعاية الطبية الأساسية أثناء سعيهم لإعادة بناء حياتهم”.

بلغ عدد الفرق الطبية المتنقلة التابعة لأطباء بلا حدود 15 وحدة في جميع أنحاء البلاد، وهي توفر خدمات الرعاية الصحية الأساسية وأدوية الأمراض المزمنة والتوعية والتثقيف في المجال الصحي، بالإضافة إلى الدعم النفسي والرعاية التمريضية بعد العمليات الجراحية.

منذ سريان وقف إطلاق النار في نوفمبر/تشرين الثاني وحتى 15 يناير/كانون الثاني 2025، قدمت فرقنا في جنوب لبنان أكثر من 19,000 استشارة طبية عامة ونظمت 3,427 جلسة توعية وتثقيف صحي، كما وفرت خدمات الدعم النفسي لأكثر من 3,000 شخص، علمًا أن هذا العمل الحيوي ما زال مستمرًا. أما المرضى الذين يعانون من حالات طبية معقدة، فيُحالون إلى مستشفى الطوارئ الحكومي، أي المستشفى التركي، في مدينة صيدا، حيث تعمل أطباء بلا حدود بالشراكة مع وزارة الصحة العامة لتقديم رعاية مجانية عالية الجودة في حالات الإصابات والطوارئ والجراحة لجميع المجتمعات المحلية في لبنان.

وبالإضافة إلى الرعاية الصحية، تلبّي أطباء بلا حدود أيضًا الاحتياجات الإنسانية العاجلة في البلد. ففي منطقة بنت جبيل المتضررة بشدة، تتبرع المنظمة بمواد الإغاثة الأساسية، وقد قدمت حتى الآن 7,000 بطانية و4,000 فرشة و5,820 مجموعة من مستلزمات النظافة الصحية، فضلًا عن 2,015 حصيرة  وغيرها من الضروريات لدعم المجتمعات المتضررة في إعادة بناء حياتها. تنشط فرقنا كذلك بالتنسيق مع عدة مستشفيات متضررة في المنطقة لتقديم الدعم الذي يشمل التبرع بالوقود و19,270 من المواد الطبية، وتدريب الطاقم الطبي على التعامل مع حالات الطوارئ.

ويقول زامباريني، “يجب بذل جهود جادة لضمان سلامة المدنيين ومرافق الرعاية الصحية والفرق الطبية. من شأن أي تصعيد في العنف أو أي انتهاك لوقف إطلاق النار أن يهدد سلامة آلاف العائلات في جنوب لبنان التي سبق لها أن خسرت الكثير”.

Facebook
X
LinkedIn
WhatsApp
Print

الدمار في شمال غزة مشهد لا يوصف

الدمار في شمال غزة مشهد لا يوصف

على الرغم من الإعلان عن وقف إطلاق النار في غزة أخيرًا، استمرت معاناة سكان القطاع نتيجة القصف الإسرائيلي المتواصل خلال الأشهر الأخيرة. وواجهت محافظة شمال غزة بشكل خاص حصارًا خانقًا، كما تعرّضت للقصف والهجمات المروّعة. في الوقت نفسه، لم تتمكّن أي مساعدات إنسانية تقريبًا من الدخول إلى الشمال، وحُرم الناس من خدمات الرعاية الصحية، إذ تعرّضت المستشفيات أيضًا للحصار وباتت ساحةً للتوغلات. وفي عيادتنا في مدينة غزة، يروي المرضى الذين عاشوا الرعب وتمكّنوا من الفرار قصصًا عن تجاربهم خلال هذا الحصار.

كان مصطفى حسن أبو حمادة يعيش مع عائلته في مخيم جباليا في شمال غزة عندما فُرض الحصار الأخير والوحشي للقوات الإسرائيلية والذي دمّر المدينة بأكملها وأدى إلى مقتل وإصابة عدد لا يحصى من المدنيين، بمن فيهم أحد أفراد طاقم أطباء بلا حدود.

ويشرح مصطفى، “حاول أشخاص كانوا أمامنا الهروب عند تقاطع العودة، لكن سرعان ما أُطلق عليهم النار. فأُجبرنا على الرجوع. قلنا في أنفسنا ’دعونا نموت في منازلنا‘. أفضّل الموت في منزلي على أن أخوض رحلة نزوح”.

يشن الجيش الإسرائيلي هجومًا بريًا على شمال قطاع غزة منذ السادس من أكتوبر/تشرين الأول 2024. يمثل هذا الهجوم العسكري المستمر دليلًا دامغًا على الحرب الوحشية التي تشنها القوات الإسرائيلية على غزة، إذ نشهد محوًا لمعالم الحياة الفلسطينية من المنطقة.

وتوضح صباح الشراوي التي كانت تحتمي بمنزلها في بيت حانون شمال غزة عندما استهدفته غارة جوية، “عندما وصلت القوات الإسرائيلية، بقينا لساعة أو ساعتين قبل أن تمطرنا القذائف من كل حدبٍ وصوب”.

وتردف قائلة، “اخترقت القذيفة الأولى غرفة المعيشة. وأصابتني في كلتا ساقيّ، فأخذونا إلى مستشفى كمال عدوان. وفي طريقنا إلى هناك، كانت الجثث ممددة في كل مكان والكلاب تنهشها. حامت المسيّرات وطائرات الهليكوبتر فوق رؤوسنا”.

أُجليت صباح من مستشفى كمال عدوان إلى مدينة غزة حيث هي نازحة الآن، وتتلقى حاليًا العلاج لجروحها في عيادة أطباء بلا حدود في غزة.

وتضيف، “دفنت ابنتي وغادرت. لم أتمكّن من رؤيتها للمرة الأخيرة حتى. لم أرَ ابنتي أو أيًا من أحبائي. غادرت من دون أن أرَ أحدًا”.

وبالإضافة إلى الدمار الجارف، ترك الهجوم آلاف الأشخاص في شمال غزة من دون غذاء أو ماء أو رعاية صحية، علمًا أن هذه الظروف تترك آثارًا كارثية، لا سيما على كبار السن والأطفال وذوي الاحتياجات الخاصة، على غرار المتعايشين مع عجز أو إعاقة.

هذا وقد تعرّضت المستشفيات تباعًا للحصار والاقتحامات العنيفة على مدار أسابيع، فاحتُجز عدد كبير من أعضاء الفرق الطبية، بما في ذلك أحد أفراد طاقم أطباء بلا حدود. وتقلص تدريجيًا عدد المستشفيات القادرة على استقبال الناس، حتى خرج جميعها عن الخدمة في التاسع من يناير/كانون الثاني ولم يبقَ مستشفى للأشخاص المحتاجين إلى الرعاية الطبية في شمال غزة . ومنذ 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، لم تسمح السلطات الإسرائيلية بدخول شاحنات الإمداد التابعة لأطباء بلا حدود إلى الشمال، ما يعني أن الأشخاص الذين يعانون من حالات طبية معيّنة، ومنها جروح الحرب، كانوا شبه عاجزين عن الوصول إلى الرعاية الطبية.

وفي ظل هذا الوضع الذي لا يُطاق في شمال غزة، خاطر عدد كبير من الأشخاص بحياتهم للتوجّه إلى مدينة غزة. هذا ولاحظنا في عيادتنا زيادةً في عدد المرضى الذين يحتاجون إلى الرعاية الطبية، فانتقلنا من تقديم قرابة 600 استشارة طبية أسبوعيًا قبل أكتوبر/تشرين الأول 2024 إلى أكثر من 1,400 استشارة طبية أسبوعيًا منذ بدء التوغلات العنيفة وحتى ديسمبر/كانون الأول 2024، مع زيادةً في الإصابات الناجمة عن الحروق.

ويقول نائب المنسق الطبي مع أطباء بلا حدود في غزة، محمد وادي،  “هذا الوضع غير مسبوق بصراحة. أنا في الأربعين من عمري ولم أشهد مثل هذا المستوى من العدوان أو النزاع طوال حياتي. قضت هذه الحرب على كثير من جوانب الحياة. فمياه الشرب غير متوفرة. والطعام، للأسف، غير متوفر بشكل كافٍ. هذا الوضع مفجع للغاية”.

Facebook
X
LinkedIn
WhatsApp
Print

ارتياح ما بعد وقف مؤقت لإطلاق النار في غزة: لا بد من ضخ المساعدات الإنسانية المنقذة للحياة بشكل عاجل لتلبية الاحتياجات

ارتياح ما بعد وقف مؤقت لإطلاق النار في غزة: لا بد من ضخ المساعدات الإنسانية المنقذة للحياة بشكل عاجل لتلبية الاحتياجات

إن الاتفاق على وقف مؤقت لإطلاق النار في غزة يبعث على الارتياح، ولكنه جاء متأخرًا، بعد أكثر من 465 يومًا و46 ألف خسارة في الأرواح.  وفي حين يجب احترام هذا الوقف المؤقت للقتال والقصف على المدى الطويل، فهو ليس سوى البداية في معالجة الاحتياجات الإنسانية والنفسية والطبية الهائلة للسكان في غزة.  على إسرائيل أن تنهي فورًا حصارها المفروض على غزة وأن تضمن زيادة هائلة في الإغاثة الإنسانية إلى مختلف انحاء القطاع كي يُمكّن لمئات الآلاف من الأشخاص الذين يعانون من ظروف بائسة بأن يبدأوا طريقهم الطويل نحو التعافي.

وتشمل الخسائر الناجمة عن هذه الحرب الشنيعة طمس المنازل والمستشفيات والبنية التحتية، وتشريد ملايين الأشخاص الذين هم في أمس الحاجة الآن إلى الماء والغذاء والمأوى في فصل الشتاء البارد.  وتسبب الدمار الهائل في آلام ومعاناة الملايين من سكان قطاع غزة، بينما انتظرت الكثير من العائلات في إسرائيل بفارغ الصبر عودة أحبتها الذين أُخذوا رهائن في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.

وعلى مدار أكثر من 15 شهرًا، امتلأت غرف المستشفيات في غزة بمرضى بُترت أطرافهم وغير ذلك من الإصابات البالغة التي بدّلت مجرى حياتهم، والأشخاص المنكوبين الذين يبحثون عن جثث أفراد عائلاتهم. هوجمت المرافق الصحية والطواقم الطبية، وقتل ثمانية من زملائنا في أطباء بلا حدود خلال هذه الحرب. وفي الوقت ذاته، وصل عدد الأشخاص المعتقلين بشكل تعسّفي من غزة والضفة الغربية إلى مستوى مروع.

لا تزال أطباء بلا حدود ملتزمة بالعمل على مدار الساعة لتوفير الرعاية لسكان غزة. لقد تفاقمت الاحتياجات الإنسانية لتبلغ مستويات كارثية؛ ولن يكون ممكنًا أن يُلبّى ولو جزء بسيط من هذه الاحتياجات إلا من خلال زيادة سريعة وواسعة النطاق للمساعدات الإنسانية من حول العالم ووصولها إلى مختلف أنحاء القطاع. ندعو السلطات الإسرائيلية إلى ضمان الدخول العاجل للمساعدات الإنسانية إلى غزة، وضمان الإجلاء الطبي للمرضى، ولا سيما الوصول إلى الشمال المحاصر منذ أكتوبر 2024. كما ندعو إسرائيل وحماس والمجموعات والتنظيمات الأخرى التي تُدير غزة إلى احترام الاتفاق، وكذلك إيصال المساعدات الإنسانية إلى السكان بشكل آمن ومضمون.

لقد خُذل الغزيون بشكل مأساوي من قبل الحكومة الإسرائيلية وحماس وزعماء العالم، إذ أخفقوا في الاتفاق على وقف إطلاق النار وفرضه في وقت أقرب. فالارتياح الذي يجلبه وقف إطلاق النار هذا أبعد من أن يكفي الناس لإعادة بناء حياتهم واستعادة كرامتهم والحداد على من قتلوا وكل ما فقدوه.

Facebook
X
LinkedIn
WhatsApp
Print

الاحتياجات الإنسانية في لبنان: المشهد ما بعد وقف إطلاق النار

الاحتياجات الإنسانية في لبنان: المشهد ما بعد وقف إطلاق النار

بعد مرور شهرين على التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار في 27 نوفمبر/تشرين الثاني بين لبنان وإسرائيل، لا تزال الاحتياجات الإنسانية قائمة. فاعتبارًا من التاسع من يناير/كانون الثاني (بحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية)، بدأ ما يقدر بـ868,947 نازحًا بالعودة إلى المناطق التي تضررت بشدة من الحرب، لا سيما في محافظات الجنوب والنبطية وبعلبك-الهرمل، بالإضافة إلى ضاحية بيروت الجنوبية. ويواجه هؤلاء العائدون دمارًا هائلًا في منازلهم والبنية التحتية المدنية وشبكات توزيع المياه والمرافق الصحية. ويواجه لبنان حاليًا العواقب الأليمة للحرب، والطريق إلى التعافي على مستوى البنية التحتية وعلى المستوى الإنساني لا يزال طويلًا.

بالنسبة للعائدين، فإن الحصول على الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه والتدفئة والغذاء ومواد الإغاثة والرعاية الصحية يمثل تحديًا كبيرًا في خضم الدمار وقسوة طقس الشتاء. تقوم فرق أطباء بلا حدود بالتبرع بمواد الإغاثة مثل الفرش والبطانيات ومستلزمات النظافة الصحية والمياه الصالحة للشرب، كما توفر الرعاية الصحية الأولية من خلال فرق متنقلة في بيروت والجنوب والنبطية والبقاع وبعلبك-الهرمل.

أما الذين دُمّرت منازلهم أو تضررت بشدة فلا يزالون نازحين، ويقدر عددهم بقرابة 115,439 شخص (بحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية). واضطر الكثير منهم إلى البحث عن مأوى في أماكن أخرى ضمن مجتمعاتهم، إما باستئجار منازل إذا كانت لديهم الإمكانيات، أو بالعيش في شقق تمتلكها العائلة والأصدقاء.

بالإضافة إلى ذلك، تسببت الأنشطة العسكرية الإسرائيلية المستمرة في جنوب لبنان بمنع الكثير من الأشخاص من العودة إلى مناطقهم في بعض القرى. فعلى الرغم من اتفاق وقف إطلاق النار، وقعت حوادث قصف وتوغلات برية إسرائيلية أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 27 مدنيًا بحسب السلطات اللبنانية.

لا يزال الحصول على الرعاية الصحية يشكل تحديًا بعد الحرب. فقد دُمرت عدة مرافق طبية أو تضررت، بما في ذلك المستشفيات والعيادات، ما يحدّ بشكل كبير من إمكانية حصول المحتاجين على الرعاية الصحية. نحن نرى الكثير من المرضى الذين توقف علاجهم الروتيني للأمراض المزمنة. وهناك طلب كبير على خدمات الرعاية النفسية مع عودة الناس إلى ديارهم.
سادي سان دني، نائب منسق الطوارئ في أطباء بلا حدود في لبنان

والكثير من المستشفيات والعيادات في المناطق المتضررة من الحرب إما قد تضررت بشدة أو دُمّرت بالكامل، ما يفاقم الوضع المتردي أساسًا.

وقد أدى الضرر الذي لحق بهذه الخدمات الحيوية إلى خلق فجوة في الرعاية الطبية للمحتاجين إليها. وتحولت الاحتياجات في لبنان من توفير الرعاية الصحية في الملاجئ ونقاط تجمع النازحين خلال الحرب إلى توفير الرعاية الصحية في المناطق المتضررة بشدة من القصف.

واستجابةً لذلك، تواصل أطباء بلا حدود نشر 15 فريقًا طبيًا متنقلًا في مختلف أنحاء لبنان، أربعة منها في محافظة بعلبك-الهرمل وستة في جنوب البلاد في محافظتي الجنوب والنبطية، بينما تستجيب الفرق الستة الأخرى للاحتياجات في البقاع وجبل لبنان ومناطق أخرى.

وتركز الفرق الطبية المتنقلة على المناطق والبلدات التي يتجمع في ملاجئها السوريون الوافدون حديثًا واللبنانيون العائدون أو ممن وجدوا مأوى لدى المجتمعات المضيفة.

أعادت فرقنا كذلك افتتاح عيادتنا القائمة منذ زمن في برج البراجنة بضاحية بيروت الجنوبية التي تضررت بشدة، بعد أن اضطرت العيادة لإغلاق أبوابها لمدة شهرين في ظل القصف الإسرائيلي. كما أعدنا فتح عيادتنا في الهرمل بكامل طاقتها الاستيعابية بعد أن اقتصرت خدماتها على توزيع أدوية الأمراض غير السارية لضمان استمرارية الرعاية خلال الحرب.

قدمت أطباء بلا حدود أكثر من 4,967 استشارة طبية في جنوب لبنان إحدى المناطق الأشد تضررًا بفعل الحرب و4,460 استشارة في بعلبك-الهرمل و1,326 في بيروت منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ.

Facebook
X
LinkedIn
WhatsApp
Print