سوريا: بعد عام من الزلزال الجراح النفسية لم تلتئم بعد

سوريا: بعد عام من الزلزال الجراح النفسية لم تلتئم بعد

تشرح هند التي تبلغ من العمر 36 عامًا وتعيش في عفرين، شمال غرب سوريا، بعضًا مما تقاسيه مع أطفالها الخمسة، وتقول، “انتقلنا للعيش في خيمة. وباتت المباني والمنازل تخيف أطفالنا. لقد أعيانا التعب”.

فأين يصبح ملاذك عندما ينعدم الأمان من قلب منزلك؟ كيف تهدّئ من روع أطفالك وقد أتعبهم الخوف من أن تهتز الأرض تحت أقدامهم من جديد؟ هذه بعض الأسئلة المؤرقة التي تدور في أذهان سكان شمال غرب سوريا. فالمنطقة تتخبّط أساسًا بين الأزمات الاقتصادية وويلات نزاع دام لأكثر من عقد قبل أن يلمّ بها الزلزال المدمر الذي ضرب جنوب تركيا وشمال غرب سوريا في السادس من فبراير/شباط 2023.

وفي هذا الصدد، يوضح رئيس بعثة أطباء بلا حدود في سوريا، توماس باليفيه، “زاد الزلزال من الفقر والتشرد والنزوح وتردي الظروف المعيشية في المنطقة، فتدهور الوضع الاقتصادي وتأثّر أداء النظام التعليمي، ولحقت الأضرار بالبنى التحتية. هذا وفقد آلاف الأطفال ذويهم أو تعرضوا لإصابات جسدية وبُترت أطرافهم. كل هذه العوامل فاقمت التحديات النفسية للآلاف في المنطقة”.

قبل شهر فبراير/شباط الأخير، كانت الحرب قد أجبرت الكثيرين على النزوح في شمال غرب سوريا. وفي أعقاب الزلزال، وجد هؤلاء أنفسهم وسط احتياجات هائلة من دون مأوى أو طعام أو مياه نقية أو أي مستلزمات أخرى.

وتوضح هند، “غادرنا مسقط رأسنا في سراقب، شرق إدلب، بسبب الحرب والقصف المستمر، وبعد سنوات من النزوح والبحث عن ملاذ آمن، استقررنا في عفرين الأبعد شمالًا. كان المنزل الذي مكثنا فيه من دون جدران، فوضعنا بعض الأغطية والستائر لتأمين بعض الخصوصية. ومع أن زوجي كان يعمل، كان ما لدينا من طعام يكفينا بالكاد. ثم وقع الزلزال وفقدنا كل ما لدينا مرة أخرى”.

وقع الزلزال الذي بلغت شدته 7,8 درجات وترك وراءه رقعة شاسعة من الدمار تذّكرنا بالندوب التي سببتها الحرب في شمال غرب سوريا.

وفي هذا السياق، يستذكر مشرف الصحة النفسية في أطباء بلا حدود في إدلب، عمر العمر، الساعات الأولى بعد الزلزال، ويقول، “عند بزوغ الفجر، توجهت إلى سلقين، وهي بلدة في محافظة إدلب. رأيت مبان وقد انهارت بأكملها وتحولت إلى ركام. أكثر ما آلمني كان أصوات العالقين تحت الأنقاض وهم يطلبون النجدة فيما كنت غير قادر على مساعدتهم. بعد ذلك، توجهت إلى مستشفى سلقين الذي تشارك أطباء بلا حدود في إدارته. وعندما دخلت، صدمت بعدد الجرحى والجثث الذين رأيتهم في الغرف والممرات. فقدت توازني وجلست على الأرض ثم أجهشت في البكاء. كنا نشعر بالهزات الارتدادية في المستشفى، وكنا نشهد في كل لحظة دخول أعداد كبيرة من الجرحى والمصابين إلى المستشفى. كانت هذه الليلة عصيبة وستبقى محفورة في ذاكرتي حتى أفارق الحياة”.

قبل وقوع الزلزال في فبراير/شباط، كانت منطقة شمال غرب سوريا تعاني من ضعف نظام الرعاية الصحية الناجم عن نقص تمويل المرافق الطبية ومحدودية الخدمات. وقد جاء الزلزال ليدمّر 55 مرفقًا للرعاية الصحية ما تسبب بتعطل عملها بنسب كبيرة. وبالإضافة إلى الرعاية الطبية، احتاج السكان آنذاك إلى مراحيض ومرافق للاستحمام وأنظمة تدفئة وملابس شتوية، ومولدات، بطانيات، ومستلزمات نظافة، ومنتجات تنظيف.

وفي الساعات التي تلت وقوع الزلزال الأول، وفرت أطباء بلا حدود الرعاية الطبية الطارئة وباشرت على الفور بتوزيع مخزونها من المستلزمات الإغاثية الاساسية. وفي الأيام التالية، استقدمت المنظمة أكثر من 40 شاحنة محملة بالمواد الطبية وغير الطبية إلى المنطقة، بما في ذلك مواد غذائية ومستلزمات الإيواء.

بموازاة ذلك، بدأ الخبراء في مجال المياه والصرف الصحي ببناء المراحيض ومرافق الاستحمام للناجين من الزلزال وزودوهم بمياه الشرب النظيفة.

ويعلق توماس باليفيه، “بعد اجتياز المرحلة الأكثر حرجًا من الاستجابة الطارئة، تحول تركيزنا نحو توفير المأوى والغذاء والمواد الإغاثية، وضمان وصول السكان إلى الرعاية الصحية وخدمات المياه والصرف الصحي. لقد كان لنقص هذه المواد الأساسية تأثير عميق على الصحة النفسية للسكان”.

وبعد عام، لم تعد العواقب المادية للزلزال جلية كالسابق، لكن آثاره النفسية الصارخة لا تخفى على أحد.

ويشرح العمر، “بعد الزلزال، زادت حالات اضطراب ما بعد الصدمة والمشاكل السلوكية، خاصة في صفوف الأطفال، كما زادت نوبات الهلع، وبعض أنواع الرهاب والأعراض النفسية الجسدية”.

تلبية احتياجات النفسية للسكان

تقدم أطباء بلا حدود خدمات الصحة النفسية في شمال غرب سوريا منذ عام 2013. وبعد الزلزال، أطلقت مبادرة شاملة تُعنى بالصحة النفسية كجزء من استجابتها الطارئة. هذا ونشرت فرقًا متنقلة من مستشارين نفسيين لتقديم الإسعافات النفسية الأولية والمشورة المتخصصة لمن يعاني من حالات متوسطة وعالية الخطورة في 80 موقعًا، كما نظمت جلسات توعية لتدريب السكان على التعامل مع ردود الفعل المباشرة للزلزال والمشاعر التي تظهر في مرحلة لاحقة. في المجموع، أجرت فرقنا 8,026 استشارة نفسية فردية بعد الزلزال.

توفير “مساحات آمنة” للنساء والأطفال

أطلقت أطباء بلا حدود كذلك برنامج “المساحات الآمنة” في أربعة مواقع شمال حلب وإدلب بالتعاون مع منظمات شريكة. يهدف هذا البرنامج إلى توفير مساحة آمنة للنساء والأطفال لأخذ قسط من الراحة والابتعاد عن الواقع القاسي في الخارج. ما زالت الأنشطة مستمرة حتى يومنا هذا، وأُضيفت إليها ثلاثة مواقع جديدة في محافظة إدلب. داخل هذه الخيام، تشارك النساء والأطفال في الأنشطة والألعاب، كالرسم والجلسات الجماعية، أو يمكنهم مجرد الجلوس فيها لأخذ قسط من الراحة. وسواء اختاروا الاستغراق بالتأمل أو المشاركة في الحوارات التفاعلية، تبقى هذه المواقع ملاذًا لهم وتتيح لهم الابتعاد مؤقتًا عن أعباء تثقل كاهلهم وإيجاد متنفس لهم.

وفّر الفريق هذه الخدمة إلى 25 ألف امرأة وطفل وأحال 1,900 منهم إلى منظمات أخرى لمتابعة حالاتهم الصحية سواء كانت جسدية أو نفسية.

وتشرح هند التي تتردد إلى إحدى مواقع “المساحات الآمنة” باستمرار، “عندما أدخل إلى هذه المساحة الآمنة، أنسى كل شيء، أنسى العذاب والخوف. أطفالي يأتون معي ويلعبون. ننسى الخوف جميعنا، وتتلاشى ذكريات ما حدث بعد الزلزال”.

وسط الأنقاض التي خلّفها النزاع والزلزال، ما زال السكان في شمال غرب سوريا يحتاجون إلى المياه النقية والطعام والمأوى المناسب والرعاية الصحية الأساسية.

في الختام، يؤكد باليفيه، “إن الاستثمار في تحسين الظروف المعيشية لسكان شمال غرب سوريا أمر ضروري. فمجرّد معالجة الأسباب الجذرية للمعاناة يبعث في نفوسنا أمل بأن الطريق نحو التعافي قد بدأ”.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

غزّة: طاقم مستشفى الشفاء يعاني لتأمين رعاية المرضى نظراً لهول الاحتياجات

غزّة: طاقم مستشفى الشفاء يعاني لتأمين رعاية المرضى نظراً لهول الاحتياجات

توقف نشاط مستشفى الشفاء الواقع في مدينة غزة في فلسطين في شهر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي بعد القصف العنيف الذي نفذه الجيش الإسرائيلي على المنطقة المحيطة به. وقد أصيب المستشفى مرّاتٍ عديدة ثم جرى تطويقه قبل أن يتم إخلاؤه. وهذا المستشفى الذي يعد الأكبر في قطاع غزة تحوّل تدريجياً إلى مخيمٍ لإيواء النازحين حيث يحتمي فيه اليوم نحو 50,000 شخص. ويسعى الفريق الطبي العامل فيه إلى الحفاظ على خدمات الرعاية الصحية وقد استأنف أنشطته جزئياً. وتمكنت رئيسة الأنشطة الطبية في منظمة أطباء بلا حدود أوريلي غودار من زيارة المستشفى في إطار قافلة إمدادات نظمتها الأمم المتحدة بتاريخ 22 يناير/كانون الثاني. وفيما يلي تقدم لمحةً عامة عمّا رأته أثناء زيارتها.

“كان الهدف الرئيسي للقافلة إيصال 19,000 لتر من الوقود إلى مستشفى الشفاء. إذ يعبر الوقود أساسياً كونه يُستخدم في تشغيل المولدات التي تمُدّ المستشفى بالكهرباء. وقد نجحنا في عبور نقطة التفتيش التي تفصل شمال غزة عن جنوبها في مستهل فترة بعد الظهر، لكن لم نكد نواصل طريقنا حتى حاصرت حشودٌ من الشباب الصغار سيارتينا وشاحنة الوقود وطالبوا بالماء والغذاء. فقد كانوا محبطين جداً من أننا لم نكن ننقل إلا الوقود. واجهتنا مصاعب كثيرة حتى اجتزنا ذلك الحشد الهائل من الناس الغاضبين”.

ثلاث غرف عمليات لكن الموارد قليلة

“لا يزال مستشفى الشفاء صامداً، لكنه تضرر بشدة وبالكاد يعمل. يجدّ السائر في ممراته فتحات تتخلل أسقفه المستعارة، كما رأينا أكياس السوائل الوريدية [المستخدمة في إعطاء المرضى أدويتهم عن طريق الوريد] معلقةً مباشرةً على جدران المستشفى نظراً لغياب أية بدائل أفضل. ونجحت الفرق الطبية العاملة هناك من استئناف خدمات غرفة الطوارئ، لكنها مليئة بالمرضى الذين يتم قبولهم في المستشفى. أما باقي غرف وباحات المستشفى فيشغلها النازحون الباحثون عن الأمان”.

“يتمكن العاملون الصحيون من استقبال وفرز الجرحى وتأمين استقرار حالتهم، لكنهم بعد ذلك يقفون عالقين بعض الشيء نظراً للنقص الشديد في أسرّة المستشفى. ويعمل الأطباء في مساحة مخصصة للإنعاش يعالجون فيها الأشخاص الذين يعانون من إصابات حرجة تهدد حياتهم: إما أمراضٌ مزمنة أو على الأغلب إصابات بأعيرة نارية وانفجارات. ولم تتوقف أثناء زيارتنا أصوات الانفجارات التي لم تكن تبعد عن المستشفى”.

“يضم فريق المستشفى كثيراً من المتطوعين، بينهم متطوعان من أطباء بلا حدود، وقد نجحوا في إعداد ثلاث غرف عمليات لإجراء العمليات الجراحية المستعجلة. نتفهم رغبة الطاقم الطبي في إعادة افتتاح وحدة العناية المركزة. لكن ما من سبيل أمامنا حالياً لمراقبة المرضى الذين يخضونهم للعمليات الجراحية مراقبةً حسنة”.

“رأينا في غرفة الطوارئ مريضاً يعاني من إصابة خطيرة وكان قد وصل في اليوم السابق. خضع لفغر الرغامي ووضع له الأطباء أنبوباً صدرياً كما أجريت له عملية جراحية بطنية. كان يحيط به عشرات المرضى في غرفةٍ لا كهرباء فيها نظراً لانقطاع التيار الكهربائي وقتئذٍ، وبالتالي لم يكن بالإمكان مراقبة علاماته الحيوية لأن أجهزة المراقبة لم تكن تعمل. أخبرنا الفريق بأنهم فقدوا مؤخراً أحد المرضى لأنهم لم يتمكنوا من نقل الدم إليه. فقد كان بنك الدم خاوياً. يا لها من ظروف عمل مريعة”.

مجموعة كبيرة من المرضى

“يعاني طاقم مستشفى الشفاء لتأمين رعاية المرضى نظراً لهول الاحتياجات. فهناك عددٌ كبير من الناس في المستشفى ومحيطه ومعظمهم نازحون. ولا يزال الكثير من الناس يعيشون في شمال غزة، والعديد منهم يعانون من الصدمات المتعلقة بإصابات الحرب كما أنهم يعيشون في ظروف سيئة ويعانون من أمراض الشتاء”.

“أعداد المرضى كبيرة جداً وقد أبلغ الطاقم الطبي عن الصعوبات التي يواجهونها على العديد من الأصعدة، سواء الأكسجين والكهرباء والمعدات الطبية أو ببساطة الغذاء. وكل هذا يُصعِّب جداً من توفير الرعاية الطبية، وعليهم أن يتغلبوا على مصاعب تشغيلية هائلة. وبالكاد سيكفي هذا الوقود البالغ حجمه 19,000 لتر المستشفى لمدة أسبوع. إذ يتطلب تشغيله حوالي 3,000 لتر من الوقود يومياً”.

“كانت هذه الزيارة قصيرة جداً، حيث طالت جداً الرحلة من جنوب القطاع ولم يُسمَح لنا بالمكوث لفترة طويلة. كان يفترض بالقافلة أن تذهب إلى المستشفى قبل خمسة أيام لكن ذلك كان مستحيلاً لأسباب عديدة. وقد تأثّرتُ حين رأيت الدهشة وقد علت وجوه المرضى والأسر النازحة والطواقم عند رؤيتهم أشخاصاً جدد. إذ يرجح أنهم كانوا مختبئين في المستشفى لأسابيع”.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

غزة: أطباء بلا حدود تدين قصف مأواها وقتل طفلة في الخامسة لأحد كوادرها

غزة: أطباء بلا حدود تدين قصف مأواها وقتل طفلة في الخامسة لأحد كوادرها

القدس، 10 يناير/كانون الثاني 2024 – تدين أطباء بلا حدود بأشد العبارات القصف الذي طال مأواها في الثامن من يناير/كانون الثاني، والذي أودى بحياة ابنة أحد كوادرها وهي في الخامسة من عمرها.

في صباح الأول من أمس، اخترقت قذيفة تبدو قادمة من دبابة جدار المبنى الذي يؤوي أكثر من 100 من كوادر أطباء بلا حدود مع عائلاتهم في خان يونس جنوب قطاع غزة. فتعرضت الطفلة ذات الخمس سنوات لإصابة حرجة وخضعت لجراحة في مستشفى غزة الأوروبي، قبل وفاتها متأثرة بجروحها في التاسع من يناير/كانون الثاني. هذا وتعرّض ثلاثة أشخاص آخرين لإصابات طفيفة خلال القصف.

ويوضح منسق مشروع أطباء بلا حدود في غزة، توماس لوفين، “نشعر بغضب وأسى بالغين حيال وفاة فرد آخر من عائلة أحد كوادرنا. لا يمكن القبول بهذا القصف على المدنيين الذي يؤكد من جديد أن لا مأمن لأي شخص أينما كان في غزة. لم تنفجر القذيفة عند الاصطدام، وإلا لقُتل على الأرجح عدد أكبر بكثير من كوادرنا وعائلاتهم”.

قبيل هذه الحادثة، أبلغت أطباء بلا حدود القوات الإسرائيلية أن كوادر من أطباء بلا حدود وعائلاتهم يلتجئون في المأوى القريب من مستشفى غزة الأوروبي. هذا ولم نتلقَ أي أوامر بالإخلاء قبل القصف. لا تستطيع أطباء بلا حدود الجزم بمصدر القذيفة إلا أنها مماثلة لذخائر الدبابات الإسرائيلية. وقد اتصلت أطباء بلا حدود بالسلطات الإسرائيلية وطلبت شرحًا إضافيًا.

قُتل أربعة كوادر من أطباء بلا حدود منذ بداية الحرب بالإضافة إلى الكثير من أفراد عوائلهم.

وفي هذا السياق، نكرر دعوتنا إلى وقف فوري ودائم لإطلاق النار في غزة. على أعمال العنف بحق المدنيين أن تتوقف على الفور.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

لبنان: أطباء بلا حدود توفر الرعاية الصحية للنازحين عقب التصعيد على الحدود الجنوبية

لبنان: أطباء بلا حدود توفر الرعاية الصحية للنازحين عقب التصعيد على الحدود الجنوبية

8  يناير/كانون الثاني 2024 – في ظل التصعيد في الاشتباكات على الحدود الجنوبية للبنان، أُجبر آلاف السكان على النزوح من بلداتهم الحدودية بحثًا عن ملاذ آمن في مناطق أبعد شمالًا وفي المدن الرئيسية. وفي حين يتبادل حزب الله والقوات الإسرائيلية إطلاق النار منذ بداية الحرب بين إسرائيل وغزة في السابع من أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي، تصاعدت أعمال العنف خلال الأسابيع الأخيرة مع توجيه القوات الإسرائيلية هجمات عنيفة على المنطقة الحدودية في جنوب لبنان. يحتاج العديد من النازحين إلى مواد الإغاثة الأساسية وقد نفدت الأدوية من أشخاص آخرين يحتاجونها بانتظام. واستجابةً لهذا الوضع، أرسلت منظمة أطباء بلا حدود الطبية الدولية فرقًا متنقلة لمساعدة النازحين وتزويدهم بالرعاية الصحية.

ويشرح عباس شيت من كفركلا في جنوب لبنان، “يحتاج السكان إلى الأفرشة والملابس والأدوية. تركنا كل ممتلكاتنا عندما اشتد القصف. ولا يمكننا العودة لأخذ وصفاتنا الطبية أو حتى ملابسنا”.

جاء التصعيد العسكري ليفاقم أزمة إنسانية مستمرة في لبنان ويزيد من احتياجات السكان صعبة التلبية. فالأزمة الإنسانية في لبنان أتمت عامها الرابع ودفعت بثلثي المواطنين نحو الفقر، فألمّت بقدرتهم على تحمل تكاليف السلع والخدمات الأساسية كالطعام والرعاية الصحية.

عمل عباس في مجال البناء، ومع عدم توفر أي فرصة عمل في الوقت الحالي، بات عاجزًا عن كسب رزقه وإعالة أسرته. ويوضح، ” أعمل في مجال البناء لكنّ كل الأعمال توقفت مع بداية الأزمة الاقتصادية”

أنشطة منظمة أطباء بلا حدود في جنوب لبنان بالإضافة إلى شهادات المرضى

وعلى غرار جميع القطاعات في البلد، يعاني نظام الرعاية الصحية من أعباء الأزمة الاقتصادية التي أثقلت كاهله. في الجنوب، قد تواجه المراكز الصحية المنهكة أساسًا ضغوطًا متزايدة في حال تفاقمت الاحتياجات الطبية للنازحين. تدعم فرق أطباء بلا حدود المتنقلة مركزين صحيين في منطقة النبطية في جنوب لبنان عبر توفير الرعاية للمرضى الذين يعانون من أمراضٍ مزمنة وعبر تقديم إسعافات الصحة النفسية الأولية. وفي هذا السياق، تفيد الدكتورة عايدة حسوني من فريق أطباء بلا حدود المتنقل، “عندما ينزح السكان، يضطرون إلى ترك منازلهم على حين غرّة، فينقطع العلاج الذي يتلقونه لا سيما في حالات الأمراض المزمنة. وفي ظل انعدام اليقين حول موعد عودتهم، نعمل على سد الفجوات عبر توفير رعاية الأمراض المزمنة. يضمن ذلك إكمال الأفراد لعلاجهم حتى يتمكنوا من العودة إلى حياتهم الطبيعية”.

منذ شهر كانون الثاني، قامت فِرَق أطباء بلا حدود بتمكين عدة مستشفيات ومرافق طبية في لبنان من خلال تخزين عشرة أطنان من الإمدادات الطبية تمهيدًا للاستجابة لحالة طارئة. هذا ودرّبت فرق أطباء بلا حدود طواقم المستشفيات  حول لبنان على رعاية الإصابات الطارئة وإدارة الإصابات الجماعية بالاستناد إلى خطة الطوارئ التي وضعتها وزارة الصحة العامة وبالتعاون مع شركاء صحيين آخرين. تم تدريب أكثر من مئة موظف طبي في تسعة مستشفيات على مدار ثلاثة أسابيع.

انتهى

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

أطباء بلا حدود توقف أنشطتها في مركز الولادة في مستشفى رفيق الحريري الجامعي

أطباء بلا حدود توقف أنشطتها في مركز الولادة في مستشفى رفيق الحريري الجامعي

بيروت، لبنان – 2 يناير/كانون الثاني 2024 – بعد خمسة أعوام من العمل في مركز الولادة في مستشفى رفيق الحريري الجامعي دعمًا لوزارة الصحة اللبنانية، قررت منظمة أطباء بلا حدود وقف أنشطتها في مركز الولادة في نهاية شهر ديسمبر/كانون الأول 2023، وتسليم إدارته إلى مستشفى رفيق الحريري الجامعي.

أدارت أطباء بلا حدود مركز الولادة التابع لمستشفى رفيق الحريري الجامعي منذ يوليو/تموز2018، حيث أسست نموذج القبالة للرعاية. يركّز هذا النموذج على توفير رعاية شاملة للنساء الحوامل غير المعرضات لخطورة عالية والأطفال حديثي الولادة، بالاستناد إلى خبرات القابلات القانونيات المدرّبات والمؤهلات وطوال مدة الحمل وعند الولادة وفترة ما بعد الولادة. وفيما تتولى القابلات القانونيات حالات الولادة الطبيعية، يتواجد فريق مخصص من أطباء التوليد لتوفير الدعم عند حدوث المضاعفات. أما في حال الولادات التي تتطلب رعاية متخصصة متقدمة، فقد أسست فرقنا نظامًا للإحالات لضمان نقل الحوامل إلى المرافق المناسبة. يمثّل نموذج القبالة للرعاية مقاربة مستندة إلى الدليل ومستدامة وفعّالة التكلفة يمكن تطبيقها في لبنان. وتكمن فعالية تكلفته، لا سيما في حالات الحمل منخفضة المخاطر، في التخصيص الحكيم للموارد واعتماد التدابير الوقائية. وفي هذا السياق، توفّر القابلات القانونيات، بصفتهن موفرات الرعاية الأساسيات، رعاية شخصية تتوافق مع احتياجات كل حالة، ما يقلّص حاجة اللجوء إلى التدخلات الطبية المكلفة.

وفرت أطباء بلا حدود بين يوليو/تمّوز 2018 وديسمبر/كانون الأول 2023 رعاية مجانية وعالية الجودة في مجال الصحة الجنسية والإنجابية لمجموع 21851 امرأة وساعدت في 17,812 ولادة في المركز. وحرصًا على استمرارية الرعاية، ستدعم أطباء بلا حدود مستشفى رفيق الحريري الجامعي عبر تزويده بالمعدات اللازمة.

يلتقي قرار وقف الأنشطة مع هدف أطباء بلا حدود الذي يقضي بتوسعة نطاق نموذج الرعاية القائم على القبالة القانونية. وتهدف المنظمة، عبر توفير الدعم الفني وتشارك الخبرات، إلى محاكاة تجربتها الناجحة في مرافق الأمومة الأخرى في أنحاء لبنان وإلى تعزيز فرص وصول الحوامل إلى رعاية عالية الجودة.

تبقى أطباء بلا حدود ملتزمة بدعم السكان في لبنان. ومن خلال مشاريعها المستمرة في البلاد، تواصل المنظمة تكييف نهجها لتلبية الاحتياجات الآخذة بالتطور والتركيز على تعزيز الوصول إلى الخدمات وإتاحة الرعاية عالية الجودة للجميع.

عن أطباء بلا حدود في لبنان:

منظمة أطباء بلا حدود هي منظمة طبية إنسانية دولية ومستقلة تقدم المساعدة الطارئة للمتضررين من النزاعات المسلحة والأوبئة والكوارث الطبيعية والحرمان من الرعاية الصحية في نحو 70 بلدًا في العالم. تقدّم منظمة أطبّاء بلا حدود المساعدات إلى السكان بصرف النظر عن العرق أو الدين أو الجندر أو الانتماء السياسي. بدأت أطباء بلا حدود العمل في لبنان عام 1976 خلال الحرب الأهلية، إذ أرسلت فرقًا طبية إلى بيروت وجنوب لبنان، وكانت تلك المهّمة الأولى لأطباء بلا حدود في منطقة نزاع مسلّح. تقدم أطباء بلا حدود اليوم الرعاية الطبية المجانية في مواقع مختلفة وتضمّ طواقمها في لبنان أكثر من 600 موظف.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

دعوني أموت مع أسرتي: قصة لاجئ من غزة إلى الضفة الغربية

دعوني أموت مع أسرتي: قصة لاجئ من غزة إلى الضفة الغربية

حاله كحال أكثر من ستة آلاف فلسطيني من غزة، كان عباس* يعمل في إسرائيل وأصبح لاجئًا في الضفة الغربية بعد اندلاع الحرب بين إسرائيل وغزة. يقصد عباس فرق أطباء بلا حدود التي توفر الدعم النفسي في نابلس ويصف في ما يلي المعاناة التي قاساها بفعل النزوح وانفصاله عن عائلته العالقة تحت القصف حتى الآن.

عند الفجر، يشعل عباس سيجارته ويحدق في الأفق البعيد، في طبيعية الضفة الغربية الوعرة. لم يغمض له جفن كل الليل، إذ كان يفكر بأسرته العالقة تحت القصف في غزة، على بُعد أكثر من مئة كيلومتر عن مكان تواجده. ما زال هدفه الوحيد على حاله هذا اليوم وفي جميع الأيام، يريد أن يتمكن من التحدث مع أسرته.

ويشرح بغصّة، “كل أفراد عائلتي يسكنون في غزة وقد تشتتوا بين الشمال وخان يونس ورفح في الجنوب. يعيش أطفالي وزوجتي في خيمة. لقد نزحوا أربع مرات منذ بداية الحرب وناموا في الشارع والمساجد والمباني المهجورة في بعض الأحيان. أصغر أطفالي الأربعة في الخامسة من عمره وأكبرهم يبلغ 14 عامًا من العمر، أيمكنك تصديق ذلك؟ كل يوم، مع بزوغ الفجر، أحاول الاتصال بهم لأعرف إن نجوا خلال الليل. وفي بعض الأحيان، تنقطع جميع سبل التواصل فتمضي أيام عديدة لا أقدر فيها على التواصل معهم”.

عباس هو أحد من يسمونهم “عمّال غزة”، أي الفلسطينيين الذين يتنقلون من غزة إلى إسرائيل للعمل. وكل شهر، كان يعبر الحدود من شمال القطاع حيث يسكن، ويتوجه للعمل في مصنع حديد لبضعة أسابيع، ثم يعود إلى منزله لقضاء عطلة من ثلاثة أيام. ومنذ وفاة والده، صار عباس مسؤولاً عن بقية أفراد عائلته أيضًا كإخوته وأخواته، إذ إنه أكبر أفراد الأسرة على قيد الحياة.

في السابع من أكتوبر/تشرين الأول، عندما شنت حماس هجومها على إسرائيل، كان عباس في عمله. وفي اليوم التالي، وصل جنود إسرائيليون إلى المصنع وبدأوا بمضايقة العمّال الفلسطينيين والإساءة إليهم، كما هددوا بإطلاق النار عليهم إن لم يهربوا إلى الضفة الغربية. وجد عباس ملجأً له في الجبال لمدة يومين قبل أن يصل أخيرًا إلى الضفة الغربية على غرار أكثر من ستة آلاف من سكان غزة وفقًا لوزارة العمل في السلطة الفلسطينية. وعندما اجتاز الحاجز الإسرائيلي، أخذ الجنود أمواله وكل ممتلكاته باستثناء هاتفه. ويشرح في هذا الصدد، “أعتبر نفسي محظوظًا لأنني تمكّنت من الاحتفاظ بهاتفي. فالحظ لم يحالف الكثير من الأشخاص الذين اعتقلوا أو ضُربوا أو اختفوا عن الأنظار. لا أقارب لي هنا في الضفة الغربية، ووجدت ملجأي في مجتمع مع عمّال آخرين. نعيش ظروفًا مزرية، وننام على الأرض من دون أفرشة أو بطانيات أو تدفئة، لكن هذا لا يُقارن بالوضع المروّع في غزة”.

وفيما تتحول غزة إلى حطام تحت وطأة القصف الذي يشنه الجيش الإسرائيلي من دون هوادة، تشهد الضفة الغربية بدورها معاناةً دامية. فقبل السابع من أكتوبر/تشرين الأول، كان سجلّ المستوطنين والقوات الإسرائيلية حافلًا بأعمال العنف والمضايقات بحقّ الفلسطينيين، ثم جاء عام 2023 ليسجل رقمًا قياسيًا جديدًا بعدد الفلسطينيين الذين قُتلوا في المنطقة بحسب تقديرات الأمم المتحدة، علمًا أن في ذلك استمرار لتوجه صادم نشهده منذ بضعة سنوات. وبعد هذا الحدث الفاصل، ارتفع عدد الهجمات على الفلسطينيين، وأصبح لا يمرّ يوم على الفلسطينيين إلا ويواجهون هجمات المستوطنين ويتعرضون للاعتقال أو الضرب على يد القوات الإسرائيلية في الضفة الغربية. هذا ولقي الكثيرون حتفهم جرّاء العمليات العسكرية الإسرائيلية في مخيمَي جنين وطولكرم.

وفي نابلس، التقى عباس باختصاصيين اجتماعيين يعملون مع أطباء بلا حدود، وأحالوه إلى زملائهم الذين يوفرون الاستشارات النفسية. يعمل هؤلاء ضمن برنامج الصحة النفسية الذي أُطلق منذ أكثر من عقدين وتفرّع عنه مرفقين إضافيين في بلدتي قلقيلية وطوباس مع مرور الوقت. منذ بدء العام وحتى أواخر نوفمبر/تشرين الثاني 2023، وفّر المعالجون والأطباء النفسيون في البرنامج أكثر من 2,600 استشارة نفسية.

كانت هذه تجربة عباس الأولى في العلاج الذي يعود عليه بالمنفعة على حد قوله. كان عباس يعرف عن أطباء بلا حدود منذ تواجده في غزة، إذ كان والده يقصدها منذ بضعة سنوات.

ويقول، “أبذل كل ما في وسعي للعودة إلى غزة والاجتماع بعائلتي، لكن العودة مستحيلة الآن. في مرحلة ما، أفادت السلطات الإسرائيلية بأنها ستسمح لعمال غزة بالعودة إلى القطاع، لكن كل من حاول ذلك اعتُقل أو سُلب أو استُجوب أو ضُرب. وإذا تعرضت للاعتقال، سأفقد الاتصال مع عائلتي”.

ومع ذلك كله، ما زال عباس عازمًا على إيجاد طريق للعودة. ويضيف، “تريد زوجتي أن أعود حتى نموت معًا. من الصعب عليها الاعتناء بالأطفال وحدها. وكلما مرت أسابيع جديدة أمست فرص النجاة أقرب للمعجزة. لا تتوفر مياه الشرب ويكاد الطعام لا يكون متاحًا. في بعض الأيام، يشربون مياهًا مالحة من البحر. وإذا أصابهم مرض، لا يستطيعون الذهاب إلى المستشفى إذ إنه مكتظ بالمصابين بجروح بليغة ولا مأمن فيه”.

ويردف باكيًا، “سألني ابني ذو الخمس سنوات ذاك اليوم،’لماذا تتركنا نتضور جوعًا يا أبي؟ مات آباء الأطفال الآخرين إلى جانبهم، فلا تتركنا نموت وحدنا‘. لم أعرف كيف أجيبه وحاولت إيجاد كلمات تطمئنه، فجاءت إجابته أن لا تكذب عليّ يا أبي، تعال الآن لنموت معًا”.

ويكمل، “في ظل القصف المستمر، اعتاد سكان غزة على كتابة أسمائهم على أجسادهم للتعرف إليهم إذا ما قتلوا، فيُكتب الاسم على اليد أو الذراع أو الساق أو الرقبة. كتبت زوجتي وثلاثة من أطفالي أسماءهم على أجسادهم، لكنها لم تستطع أن تكتب على أصغرهم. كان ذلك مؤلمًا للغاية”.

ويختم عباس قوله، “كيف ستكون حياتنا بعد انتهائهم من القصف؟ الشوارع والمستشفيات والجامعات والمدارس كلها مدمرة. هذا لا يعقل، أنا مواطن صالح، أعمل، وأدفع الضرائب. يجب أن أتمتع بحقوق الإنسان الأساسية. ضعوا حدًا لهذه المعاناة”.

*لم يُستعمل الاسم الحقيقي

—-

ملاحظة: بدأت فرق أطباء بلا حدود بتقديم الاستشارات النفسية في نابلس عام 1988. وتدير فرق أطباء بلا حدود في الضفة الغربية أنشطة نفسية وبرامج تأهب لحالات الطوارئ في الخليل، كما تدعم الاستجابة للاحتياجات الطبية الطارئة في جنين، لا سيما في مستشفى خليل سليمان وفي مخيم طولكرم للاجئين.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

في غزة: “البقاء على قيد الحياة مسألة حظ فقط”

في غزة: “البقاء على قيد الحياة مسألة حظ فقط”

يعمل ريكاردو مارتينيز منسقًا للشؤون اللوجستية مع أطباء بلا حدود وقد عاد لتوه من قطاع غزة بعد عمله فيه لأربعة أسابيع.

نعرف أن الوضع الإنساني مأساوي في غزة. ماذا شهدت شخصيًا خلال عملك في القطاع؟

“في البداية، لا بد من التطرق إلى ضرورة وقف إطلاق النار بشكل دائم وفوري في غزة. هذا وأود أن أشدد محذرًا من نقص المياه وخدمات الصرف الصحي في غزة. صرت متيقنًا أن هذا الوضع لا يقل خطورة عن القصف وأنه سيودي بحياة عدد مماثل من الأشخاص على المدى البعيد.

توقف نظام المياه عن العمل وانهار بالكامل. وصل السكان في غزة  إلى أقصى حدود قدرتهم على التحمل ويكافحون اليوم للبقاء على قيد الحياة. على أغلب تقدير، يحصل السكان على لتر واحد من المياه في اليوم ويستعملونه للشرب والغسيل والطبخ. هذا ويتوفر مرفق استحمام واحد لنحو 500 شخص. ويعتبر محظوظًا من يتمكّن من الاستحمام. في جنوب غزة، توزع فرقنا بين 50 و60 مترًا مكعبًا من المياه يوميًا، لكن هذه الكمية ليست إلا غيض من فيض الاحتياجات على الأرض.

أمسى جنوب غزة شديد الاكتظاظ حتى بات يشبه ملعب كرة قدم شديد الازدحام. ونظرًا لكثرة السكان الذين يستعملون عددًا محدودًا من المراحيض، ومع غياب الوقود لضخ المياه، رأيت مياه المجارير تفيض في الشوارع حيث يعمل البائعون ويلعب الأطفال في المياه السوداء القذرة. يمكنكم تخيل أثر ذلك على صحة السكان.

على السكان أن يخططوا في وقت مسبق لكل ما يودون فعله. عليهم التفكير والتخطيط والتنظيم، والانتظار لرؤية ما إذا كان الحظ سيحالفهم أو لا. وإذا أرادوا الذهاب إلى المرحاض، لن يجدوا له سبيلًا إلا في طابور من مئات الأشخاص الذين ينتظرون أمام مرحاض واحد. ما عساهم يفعلون ومتى يذهبون؟ أعتقد أن لا حاجة لشرح كيف يتدبّر الناس أمورهم”.

هل الوقود والكهرباء متوفران في غزة؟

الوقود والكهرباء مفقودان كليًا في بعض المواقع. وكل شيء يتأثر بغيابهما. فمن دون الوقود، لا تعمل المطاحن، وبالتالي، لا يتوفر القمح لأحد؛ ولا طعام من دون قمح. أما الشاحنات التي تأتي من مصر، فتفرغ حمولتها في شاحنات في غزة، ومن دون الوقود، لا تقدر هذه الشاحنات على أن تتحرك وتوزّع المساعدات.

شهدنا كيف يخسر أشخاص حياتهم بطريقة مأساوية نتيجة نقص الوقود في المستشفيات، فالمولدات لا تعمل والأطباء يعجزون عن إنقاذ حياة المرضى في هذه الأوضاع. لقد تحولت المستشفيات إلى قرى وبات السكان يقيمون في أروقتها”.

أمرت القوات الإسرائيلية الناس بإخلاء مواقع داخل غزة مرارًا وتكرارًا. وفي الثالث من ديسمبر/كانون الأول، اضطرت أطباء بلا حدود إلى إغلاق عيادتها في مدينة خان يونس الجنوبية بعد صدور أمر بإخلاء المنطقة. هل يمكنك وصف ما حدث؟

“تعلن القوات الإسرائيلية عن أوامر الإخلاء عن طريق موقع إلكتروني عسكري أطلقته في الأول من ديسمبر/كانون الأول. وعندما تتحول منطقة معينة إلى “منطقة حمراء” على الخريطة، يعني ذلك أنها ستُستَهدَف. علينا أن نبقي في بالنا أن الكهرباء تكاد تكون منعدمة في غزة، ما يعني أن الإنترنت مقطوع أيضًا. فكيف يعرف السكان بضرورة مغادرتهم للمنطقة التي يسكنونها؟

كنا نعلم أن الوقت لن يطول قبل أن تتلقى المنطقة التي نعمل فيها أمرًا بالإخلاء. وكنا نناقش الأمر قبل يومين أو ثلاثة من حدوث ذلك. وفي الثالث من ديسمبر/كانون الأول، أُجبرنا على إغلاق عيادتنا ومغادرة خان يونس. كنت مسؤولًا عن الشؤون اللوجستية لانتقالنا بضع كيلومترات نحو الغرب ذاك الصباح. وطيلة فترة بقائي في غزة، لم أشعر بألم كالذي شعرته ذاك اليوم.

كان الوضع مفجعًا. اضطررنا إلى الهرب ونحن نتبادل النظرات مع زملائنا الفلسطينيين والجيران الذين لازمونا طيلة هذه الفترة وقدموا لنا يد العون في جميع الأمور، ونحن على دراية بأننا لن نراهم مجددًا على الأرجح. لم يتسنَ لنا أن نشكرهم على طيب معاملتهم لنا. شعرت في الحقيقة بخزي كبير آنذاك.

لكن في الواقع، ما من مكان آمن في غزة. أذكر أنني كنت بصحبة زميلي الفلسطيني عمر الذي يشرف على الشؤون اللوجستية ننظر إلى موقع زرناه في اليوم السابق. وقال لي حينها، “أرأيت يا ريكاردو، لقد كنا هنا يوم أمس وها هو المكان قد تحوّل إلى أنقاض”.

من كان ليقول لنا ألا نأتي إلى هذا المكان لأنه سيتعرّض للقصف؟ لا أحد. البقاء على قيد الحياة في غزة مسألة حظ فقط. زرنا إجمالي ستة مواقع تعرضت للقصف في وقت لاحق، ستة مواقع سُوِّيت بالأرض. المدارس لم تعد موجودة. المكاتب دمّرت. المنازل الخاصة اختفت. ومحطات المياه مجرّد أنقاض.

كيف استجاب السكان في غزة للهدنة المؤقتة بين 24 و30 نوفمبر/تشرين الثاني؟

“أتذكر جيدًا ما حصل عندما بدأت فترة التهدئة. ذاك الصباح، بمجرد أن دقت الساعة السابعة، بدأت أسمع الهتافات والغناء ونداءات الفرح. وفي ذاك اليوم، تمكنت أخيرًا من البكاء. بكيت لأنني رأيتهم في غاية السعادة.

لكن ذلك لم يستمر إلا لبضعة أيام قصيرة. انتهت الهدنة عند السابعة مساءً، وبحلول الساعة السابعة والثلاث دقائق، فُتحت أبواب الجحيم من جديد.

لفترة قصيرة، تمكّن السكان من زيارة عائلاتهم وكان ذلك أهم شيء للجميع. توجّه البعض نحو الشمال واستغلوا الوقت لقضاء بضعة أيام مع أقربائهم ومن يحبون.

في الوقت نفسه، لم تنتهِ المعاناة تمامًا. فالبعض استغلّ هذا الوقت لدفن القتلى. وذهب الكثيرون لانتشال الجثث المتعفنة من الشوارع، فبعضها بقي في العراء لما يصل إلى شهرين. هل يمكنكم تخيل الرائحة والألم؟

تقدم فرق أطباء بلا حدود الرعاية الطبية الطارئة وتتبرع بالإمدادات الطبية للمستشفيات والعيادات في غزة. كيف تتمكن المنظمة من تقديم المساعدة في هذه الظروف؟

“عندما وصلت إلى غزة، كان من الواضح أن أي تأثير نحققه هو بفضل زملائنا الفلسطينيين المتفانين. فمنذ اليوم الأول، كانوا يفعلون كل ما في وسعهم للاستمرار في إنقاذ أكبر عدد من الناس. إنهم يبعثون الأمل في النفوس وسط كابوس دامي.

نزح معظم العاملين في فرقنا من منازلهم وفقدوا أقرباء لهم. من المفجع أن ما يقاسونه اليوم من همجية ليس جديدًا بالنسبة إليهم، وسبق أن واجهوه من قبل. يعلمون أنهم قد يموتون في أي لحظة، لكنهم يرحبون بك في كل صباح والابتسامة تعلو وجههم. وعندما تسأل عن حالهم، يجيبون، “أنا بخير، ما زلت على قيد الحياة”.

لن أنسى في حياتي تفاصيل عملي في عيادتنا في خان يونس. كنت أستيقظ في السادسة صباحًا وأذهب إلى العيادة. وكل صباح، كان زميلنا إسحاق يفتح الباب ويستقبلني بابتسامة كبيرة على وجهه. أعتذر منه على إيقاظه لكنه كان يطمئنني في كل مرة، “لا عليك يا ريكاردو، أنا مستيقظ منذ نصف ساعة. أهلًا بك، لقد كنت في انتظارك”.

وعلى غرار إسحاق، كان الكثير من زملائنا يحرصون على توفر كل ما نحتاجه نحن القادمون من خارج غزة، فكانوا يساعدوننا على شحن مصابيحنا ويحرصون على أننا نحصل على طعام وأننا نلقى ترحيبًا مناسبًا.

إنهم لا يهتمون بمرضاهم فحسب، بل بكل من حولهم. سيقولون لك، “أريد أن أساعدك – بل يجب أن أساعدك – لأنني أريد أن أساعد شعبي”.

وفي الوقت نفسه، يستمرون في التساؤل، “لماذا يحصل كل هذا؟ ماذا فعلنا لنستحق هكذا عقوبة؟ لماذا نسينا العالم؟”

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

11 عامًا من الحرب في حكايا مستشفى تابع لأطباء بلا حدود في سوريا

11 عامًا من الحرب في حكايا مستشفى تابع لأطباء بلا حدود في سوريا

في عام 2012، بعد عام من اندلاع الحرب في سوريا، افتتحت منظمة أطباء بلا حدود وحدة للعناية بالحروق في أطمة، شمال محافظة إدلب. أمست هذه الوحدة الملاذ الوحيد لمرضى الحروق في شمال غرب سوريا، وهي منطقة يسكنها أكثر من 4,5 مليون شخص أغلبهم من النازحين.

عبد الملك عرعور، المشرف على الأنشطة التمريضية، يعمل مع الفريق منذ أن فتح المرفق أبوابه. أما الدكتور مهيب فانضم مؤخرًا إلى الوحدة لتعزيز خدمات الرعاية المتخصصة عبر الجراحات الترميمية. ومن صلب معاناتهما وعمق التزامهما، يشاركنا زميلانا قصصًا تروي إنجازات المرفق وتشرح الفجوات القائمة في نظام الرعاية الصحية كما والظروف المعيشية المأساوية التي تلمّ بملايين السكان منذ سنوات.

مرافقة الدكتور مهيب وهو يجوب قسم المرضى المقيمين لم تكن مهمة سهلة. فالدكتور مهيب لا ينفكّ يتجول في المرفق لمعاينة المرضى وغالبيتهم من أطفال يعانون من حروق شديدة. كان يتوقف عند جميع المرضى ويسألهم أو أقاربهم، “ما جرى لكم؟ كيف تعرّضتم للحروق؟ من أين أتيتم؟ أتعيشون في منزل أو في خيمة؟”. وبعد كل إجابة يومئ برأسه، إذ به يشرح الإجراءات الطبية للمرضى كما كان يفعل أيام عمله كبروفيسور في جامعة حلب قبل الحرب.

لم تحظَ هذه المنطقة بشبكة كهرباء على مدى عشر سنوات. عادت الشبكة منذ عامٍ واحد فقط والكهرباء متوفرة بشكل متقطّع. لا يعرف أطفال كثر ما هي الكهرباء ما يؤدي إلى تعرّضهم للحروق بسهولة من جرائها". هذا ويعتبر سوء نوعية الوقود سببًا أساسيًا للمشكلة. هذا الوقود الرخيص الذي نستعمله هو في الواقع وقود خالص ويحتوي على نسب عالية من الغاز فينفجر بسهولة. إنه سبب أساسي لتعرض أغلبية النساء والأطفال للحروق. ولا بد من نشر المزيد من التوعية حول هذه المسألة في المجتمع.
الدكتور مهيب
كان عبد الباري في الثانية عشرة من عمره عندما تغيرت حياته عندما أصاب صاروخ المستشفى

هذا وقد زاد عدد أفراد الأسر عما كان عليه قبل الحرب. يلتجئ أغلب الأشخاص في شمال غرب سوريا في الخيم أو الملاجئ المؤقتة. وبات الأطفال في ملاجئهم غالبية الوقت فلا مدارس ليرتادوها. هذا ويعاني أطفال كثر من اضطرابات ناجمة عن الصدمات التي قاسوها لسنوات، والتي أعاد إحياءها زلزال فبراير/شباط الذي تسبّب بمقتل ونزوح آلاف الأشخاص في سوريا وتركيا. وفي هذا السياق، تفيد فرق أطباء بلا حدود بأن الحوادث المنزلية أمست السبب الأساسي للإصابة بالحروق اليوم، وأغلب هذه الحوادث تطال الأطفال إما بسبب انسكاب الماء المغلي عليهم أو بسبب انفجار في نظام التدفئة.

ولكن جميع هذه الإصابات مرتبط مباشرةً بالظروف المعيشية المزرية في شمال غرب سوريا والناجمة عن حرب تعدّى أمدها الإثني عشر عامًا. تتفاقم الأخطار بشكل خاص في الخيم، فهي قابلة للاشتعال وتحوي بصغر مساحتها عددًا كبيرًا من الأشخاص. وإذا اشتعلت خيمة ما، تصاب عائلة بأكملها بالحروق، فنستقبل ستة أو سبعة أشخاص في الوقت نفسه لتلقّي العلاج في المستشفى.

تنظم أطباء بلا حدود وغيرها من المنظمات غير الحكومية دورات توعية بمخاطر الحرائق في مخيمات اللاجئين في المنطقة. لكن هذه الدورات تبقى عاجزة عن الوصول إلى مليوني شخص يعيشون في 1,532 مخيمًا وتجمعًا عشوائيًا في شمال غرب سوريا. بينما يمكن للتوعية أن تتفادى وقوع بعض الحوادث، إلا أنها غير قادرة على تغيير في الظروف المعيشية المميتة التي يقاسيها السكان. وفي هذا الصدد، يعلق د. مهيب، “علينا أن ندعو إلى التغيير ونوجه هذه الدعوة إلى السلطات لتدرك عمق المشكلة وتشتري نوعية أجود من الوقود”. لكن ذلك صعب المنال، إذ يأتي الوقود الرخيص من شمال شرق سوريا حيث لا تتوفر محطات تكرير مناسبة. أما الوقود الجيد فهو عالي التكلفة ويستورد من الخارج، وهكذا فيصعب جلبه إلى شمال غرب سوريا في هذه الظروف الاقتصادية.

يتضاءل التمويل في شمال غرب سوريا بعد أن ارتفع مؤقتًا في أعقاب وقوع الزلزال، ما يمحي الأمل بتحسين جودة الوقود والظروف المعيشية على هذا المنوال.

منذ وقوع الزلزال، توسعت وحدة العناية بالحروق لاستقبال عدد أكبر من المرضى، إذ تبقى المرفق الوحيد الذي يعالج المصابين بحروق في شمال غرب سوريا.

يُعتبر النظام الصحي في جوهره شبكة من المرافق، إذ أن المرافق في ما بينها تكمّل بعضها بعضًا لتلبّي الاحتياجات الصحية على اختلافها. وفي شمال غرب سوريا، يعاني النظام الصحي من آثار الحرب التي تعصف بالمنطقة منذ سنوات، فيعتمد على الدعم التركي لتوفير مجموعة كبيرة من الرعاية المتخصصة، بما في ذلك العلاجات للحروق الشديدة.

قبل وقوع زلازل فبراير/شباط 2023، كانت وحدة أطباء بلا حدود تعالج حروقًا تغطي كحد أقصى 20 في المئة من جسم الأطفال و40 في المئة من جسم البالغين. وعند تجاوز هذه النسب، يُحال المرضى إلى تركيا عبر مكتب باب الهوى المتخصص بالإحالات الطبية، فيتلقون العلاج في مرافق الشبكة الصحية التركية الأكثر تطورًا وشمولية من ما هو متوفر في شمال غرب سوريا.

ولكن بعد وقوع الزلزال، تكبّد النظام الصحي التركي أضرارًا جسيمة، وأُقفل مكتب الإحالات التابع لمعبر باب الهوى لمدة شهرين تقريبًا.

فرض إغلاق معبر باب الهوى بعد الزلزال تحديات هائلة. بدأنا استقبال مرضى يعانون من حروق واسعة تغطي حتى 55 في المئة من مساحة الجسم وكان أغلبهم أطفال صغار. تجدر الإشارة إلى أن الحروق تعتبر أكثر خطورةً بالنسبة إلى الأطفال، إذ تهدد حياتهم عندما تغطي أكثر من 40 في المئة من الجسم بينما يستطيع البالغون مقاومة الحروق بدرجة أعلى. لم تتوفر أي مرافق طبية يمكننا إحالة المرضى إليها. لم تتوفر مستشفيات ما عدا مستشفى أطباء بلا حدود للعناية بالحروق في شمال غرب سوريا. لذلك، لم يكن أمامنا من خيار إلا أن نجد حلًا لهم. تكمن مهمتنا في استقبالهم ورعايتهم رغم عدم استيفائهم لمعايير الاستشفاء لدينا. هذا ما فعلناه في محاولة لتوسيع قدرتنا على الاستجابة.
عبد الملك عرعور

وقبل مارس/آذار من عام 2023، كان يتوفر في مستشفى إدلب الجراحي جناح صغير معني بالعناية بالحروق. ولكنه اضطر إلى إغلاق أبوابه في نهاية مارس/آذار إذ توقف الدعم المالي الدولي الذي كان يتلقاه. ومنذ ذلك الحين، يتوجه جميع مرضى الحروق في شمال غرب سوريا لتلقي العلاج في منظمة أطباء بلا حدود في أطمة.

وبعد الزلزال، عمدت فرق أطباء بلا حدود إلى حشد مواردها لتطوير المرفق الطبي. وتمكن أفراد الطاقم من تأمين 12 سريرًا إضافيًا، ما زاد عدد الأسرة من 17 إلى 29 سريرًا. علاوة على ذلك، افتُتحت نقاط صحية متقدمة لتزويد المرضى الذين يغادرون المستشفى برعاية المتابعة كخدمات الصحة النفسية والتضميد والعلاج الفيزيائي، وذلك على مقربة من البلدات التي يسكنونها. وبهذا ازداد عدد المرضى الذين يمكن تقديم الرعاية الطارئة والجراحية لهم، وانخفض عدد المرضى الذين قد لا يتابعون علاجهم لعدم تمكنهم من التنقل لتلقي العلاج.

ومع ذلك، مهّد استقبال عدد أكبر من المصابين لتحديات جديدة، لا سيما أن المرضى احتاجوا في مرحلة معيّنة إلى دخول وحدة العناية المركزة”.

نقص حاد في عدد الأسرة في وحدة العناية المركزة شمال غرب سوريا

نظرًا لطبيعة إصاباتهم، يمسي المصابون بالحروق أكثر عرضة للإصابة بعدوى. يزيد احتمال معاناتهم من حمى شديدة أو اضطرابات تنفسية حادة بالإضافة إلى أعراض الإنتان (تسمّم الدم). وفي هذه الحالة، سيحتاجون إلى مستويات فائقة من الاهتمام والعناية الخاصة. وعندما يطال الحرق أكثر من 40 في المئة من مساحة الجسم، يتأثر الجهاز التنفسي. ويحتاج المرضى آنذاك إلى التنبيب، الأمر الذي يتم في وحدة العناية المركزة فقط باستعمال الأدوات المناسبة لضرورة خضوع المرضى للمراقبة عن كثب. لا تضم وحدة أطباء بلا حدود للعناية بالحروق قسم عناية مركّزة.

ويتحدث مدير المستشفى محمد درويش عن الجهود التي يبذلها الفريق للتكيف وإيجاد الحلول عندما توقفت الإحالات إلى مرافق تركية بعد وقوع الزلزال. “في البداية، تواصلنا مع عدة مستشفيات وطلبنا منهم استقبال المرضى الذين يحتاجون إلى العناية المركزة، ولكن بعد الزلزال مباشرة، رفضوا جميعهم ما عدا مستشفى واحد للأطفال. خشيت المستشفيات من أن ينقل المرضى المصابين بحروق العدوى إلى مرضى آخرين. أما مستشفى الأطفال، فوافق على التعاون معنا واستقبال الأطفال المرضى في وحدة العناية المركزة لكنه لم يشتمل إلا على سريرين للعناية المركزة. وفي مرحلة لاحقة، وافق مستشفى إدلب أيضًا على استقبال بعض مرضانا”.

عندما يستقبل مرفق آخر مريضًا في وحدة للعناية المركزة، يواصل فريق أطباء بلا حدود العناية بحروقهم. أصيب الطفل مجد الذي يبلغ من العمر خمس سنوات بحروق طالت 45 في المئة من جسمه. وبعد خضوعه للعمليات الجراحية، أحيل إلى مستشفى إدلب وتابعه فريق غرفة العمليات التابع للمنظمة عن كثب بينما كان يحاول إحالته إلى تركيا. وبعد شهر، نظرًا للوتيرة البطيئة التي افتُتح فيها فتح معبر باب الهوى وإحالة شخص أو شخصين يحتاجان إلى الرعاية المنقذة للحياة إلى تركيا كل أسبوع، حصل أخيرًا على الموافقة.

هبة بيراوي، التي تشرف على حصول المرضى ومرافقيهم على الدعم النفسي وتتواصل مع عائلة مجد كل يوم، تعلّق في هذا الصدد، “على حد علمنا، ما زال مجد في تركيا ووضعه ما زال صعبًا مع معاناته من مشاكل تنفسية. الحال يفطر القلب في بعض الأحيان”.

عندما يدفعنا المريض “المعجزة” للمضي قدمًا

يتذكر جميع أفراد الفريق مريضة تُدعى تقى ويسمونها بالطفلة المعجزة. فقد كانت بصيص أمل لهم وسط فترة مليئة بالتحديات. تبلغ تقى عشر سنوات من العمر وعانت من حروق في 45 في المئة من جسدها، أي ما يتجاوز بأشواط ما يشهده الفريق في وحدة العناية بالحروق. أصيبت بالحروق بعد انسكاب مياه ساخنة عليها في منزلها، ويروي لنا عبد الملك قصتها.

“أمضت شهرًا كاملًا في مستشفانا. وبعد ذلك، أحلناها إلى مستشفى الأطفال حيث أُدخلت إلى وحدة العناية المركزة ومكثت 15 يومًا مع أنبوب تنفس. زوّدْنا مستشفى الأطفال بالدواء الخاص الذي تحتاجه، كما أرسلنا جراحًا وطبيب تخدير وممرضين لتغيير الضمادات ومواد طبية لدعم الفريق الطبي في المستشفى. وعندما أُخرجت من وحدة العناية المركّزة، عادت المريضة إلى وحدة العناية بالحروق حيث خضعت لعمليات أخرى. أجرينا عمليات زرع جلدية صغيرة على كافة أنحاء جسمها لتجنب الندبات والعدوى، فعلنا ذلك خطوة بخطوة وبحذر شديد. لم نكتفِ بالتضميد وإلا لأمسى جلدها أكثر بروزًا ومليء بالندبات.

أُخرجت تقى من المستشفى وأمست على ما يرام. وقد أحرزت تقدمًا ملحوظًا. بشكل عام، بقيت لأكثر من شهرين في المستشفى. والآن تعافت ويمكنها أن تمشي وتتحدث. وتأتي إلى مرفقنا الطبي لتلقي رعاية المتابعة فقط. حصل ذلك في أبريل/نيسان، عندما كان نظام الإحالة إلى تركيا معطلًا بالكامل”.

11 عامًا من تواجد أطباء بلا حدود في أطمة

على مدى ثماني سنوات، أي بين عامي 2014 و2022، منع اشتداد حدة النزاع موظفي أطباء بلا حدود الدوليين من التواجد في شمال غرب سوريا. يدير فريق أطباء بلا حدود السوري المرفق بمفرده، ويتلقى الدعم عن بعد فقط. يستمرّ الفريق في دعم مجتمعهم المحلي وكان أول من استجاب لحالة الطوارئ في أعقاب الزلزال، حيث أرسل الموظفين وفتح المستودعات وسيارات الإسعاف في الساعات الأولى من وقوعه.

ويضيف عرعور، “قطعتنا الحرب عن العالم الخارجي منذ عام 2014 وحتى وقوع الزلزال تقريبًا. ولم يتمكن زملاؤنا من زيارتنا إلا بعد هذه المرحلة حينما قلّت القيود على إعطاء التراخيص التي تحكم دخول شمال غرب سوريا”.

بالنسبة إلى أطباء بلا حدود والمنظمات الأخرى، ساهم تسهيل الوصول إلى شمال غرب سوريا بعد الزلزال، فضلًا عن التقييمات والزيارات التي أجريت منذ ذلك الحين، في تجديد الوعي بالوضع المأساوي الذي يواجه السكان. وبعد 12 عامًا من الحرب وعقد من الاعتماد على الدعم الإنساني، كان إغلاق نظام الإحالة إلى تركيا يعني عدم تلقي آلاف المرضى في المنطقة للرعاية الصحية المنقذة للحياة. وفي هذا السياق، ما زال النظام الصحي في شمال غرب سوريا هشًا ويعتمد بشكل كبير على المساعدات.

وفي أطمة، خاض فريق أطباء بلا حدود في سوريا تجربةً فارقة وبيّن التزامًا كبيرًا تُرفَع له القبعة خلال سنوات عُرفت بصعوبتها البالغة.

أطباء بلا حدود تدعو إلى زيادة الدعم لتطوير الرعاية المتخصصة في شمال غرب سوريا

يتطلب توفر رعاية ذات جودة للمرضى المصابين بحروق خبرة واسعة واستشفاء طويلًا وتكاليف مرتفعة. وعليه، تجلت صعوبة المواظبة على توفير هذه الخدمة في المستشفيات الأخرى نظرًا لحالة عدم اليقين السائدة وتناقص التمويل.

وفي هذا الصدد، تدعو أطباء بلا حدود المزيد من المنظمات الصحية إلى دعم التطوير المستدام للرعاية المتخصصة في شمال غرب سوريا، وذلك لضمان وصول هذا المجتمع الضخم إلى الرعاية المنقذة للحياة بعدما واجه عواقب 12 عامًا من الحرب.

ماذا يلوح في الأفق لضحايا الحروق في شمال غرب سوريا؟

تواصل أطباء بلا حدود دعم ضحايا الحروق في شمال غرب سوريا. وتعمل المنظمة على إنشاء مرفق حديث وأكبر بالقرب من وحدة الحروق الحالية. وفي غضون عام تقريبًا، سيكون جاهزًا لاستقبال المرضى واستبدال المرفق الحالي مع التزام متجدد بالحفاظ على جودة الرعاية واعتماد نهج متعدد التخصصات والاستمرار في متابعة العلاج للمرضى.

وفي هذا السياق، يعلق الدكتور مهيب بحماس كبير، “سيكون في وحدة العناية بالحروق الجديدة غرفة عمليات مخصصة بالكامل للجراحة الترميمية. سنكون قادرين على توفير العمليات الجراحية التي يستحيل إجراؤها في كامل منطقة شمال غرب سوريا في الوقت الحالي”.

رحلة مستشفى أطمة التابع لمنظمة أطباء بلا حدود طوال فترة الحرب

في عام 2012، وبينما كانت الحرب مستعرة في المنطقة، كان مستشفى أطباء بلا حدود للإصابات البليغة في أطمة يستقبل تدفقاً من المرضى بعد كل معركة كبرى وكل غارة جوية.

ويستذكر عبد الملك عرعور، “بعد افتتاح المستشفى مباشرة، نظمنا أولى خطط التعامل مع الإصابات الجماعية يوم 14 يوليو/تموز 2012. بدأت المعركة في الصباح الباكر، وبدأنا باستقبال جرحى الحرب ظهر ذاك اليوم”.

استمرت المعارك البرية الطاحنة في المنطقة حتى مارس/آذار 2015. ونظرًا لخبرة أطباء بلا حدود في التعامل مع الحروق الحادة وتوفير العلاج المعقد، أُحيلت معظم حالات الحروق إلى مستشفى أطباء بلا حدود في أطمة. وكانت إصابات الحروق ناجمة عن انفجارات، إما بسبب الغارات الجوية أو القصف. وفي عام 2013، تم تحويل قسم الإصابات البليغة في المستشفى إلى وحدة متخصصة بالحروق في سبيل الاستجابة للاحتياجات.

ومنذ عام 2014، يعالج مستشفى أطمة ضحايا تفخيخ ما يسمّى “الدولة الإسلامية في العراق والشام” أو “داعش” للسيارات. ففي فبراير/شباط من عام 2014، دوى انفجار ضخم أمام مستشفى كان يُدعى آنذاك مستشفى الشرق والذي يُعرف اليوم بالمستشفى الخيري على بعد 300 متر من مرفق أطباء بلا حدود. وقد تبنى تنظيم داعش الهجوم الذي دمّر 80 في المئة من المستشفى. استقبلنا خلال دقائق أكثر من 40 مريضًا، معظمهم من الأطباء والممرضين من مستشفى الشرق. وكانت آخر حادثة أدت إلى إصابات جماعية قد حصلت في أكتوبر/تشرين الأول من عام 2016، حيث وقع تفجير آخر بسيارة مفخخة في مدينة أطمة. واستقبلت أطباء بلا حدود آنذاك 50 مريضًا في الوقت نفسه.

وبعد عام 2015، بدأت أطباء بلا حدود في استقبال المزيد من المرضى الذين يعانون من “الحروق المنزلية” بسبب تراجع القتال في هذه المنطقة. وقد أعيد فتح المستشفيات وتم تقديم دعم كبير من المنظمات الدولية إلى المنطقة.

إلا أن طول أمد الحرب وعزلة المنطقة، عدا عن تعقيد إيصال المساعدات الإنسانية، تُعتبر عوامل تجعل سكان شمال غرب سوريا الأكثر حاجة إلى الدعم الدولي منسيين.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

كان فريق كرة القدم في المخيم يضم 20 لاعباً – واليوم سبعة فقط على قيد الحياة

كان فريق كرة القدم في المخيم يضم 20 لاعباً – واليوم سبعة فقط على قيد الحياة

تحت الضوء الخافت في غرفة المستشفى، يستلقي أمين، 17 عاماً، على سرير بعد أن أصيب بأعيرة نارية في كلتا ساقيه على يد القوات الإسرائيلية في 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2023، أثناء هجوم بري وجوي على مخيم جنين للاجئين في شمال الضفة الغربية.

قبل السابع من أكتوبر/تشرين الأول في عام 2023، قتلت القوات الإسرائيلية 234 فلسطينياً في الضفة الغربية، بينما كان المستوطنون مسؤولين عن تسعة حوادث قتل أخرى. ومن بين حوادث القتل هذه، كانت 52 حادثة في جنين وحدها.

في 19 يونيو/حزيران، بدأت القوات الإسرائيلية في شن غارات جوية في الضفة الغربية، وهو أمر لم يحدث منذ الانتفاضة الثانية في أوائل العقد الأول من هذا القرن. لم يكن هذا الأمر حدثاً منعزلاً، ناهيك عن أنه أصبح فيما بعد متكرر الحدوث. وفي 3 يوليو/تموز، خلال عملية عسكرية استمرت 48 ساعة في مخيم جنين للاجئين المكتظ بالسكان، ألقيت قنابل من الطائرات المقاتلة كما شُنت ضربات بطائرات مسيَّرة.

وعلى الأرض، تصاعد العنف بنفس الاتجاه. في غرفة الطوارئ في مستشفى خليل سليمان المدعوم من أطباء بلا حدود، أطلقت القوات الإسرائيلية قنبلة غاز مسيل للدموع داخل غرفة الطوارئ، ما أدى إلى تفاقم الوضع الحرج لسيل المرضى والجرحى. وطوال التوغل العسكري، شهدت منظمة أطباء بلا حدود اعتراض سيارات الإسعاف واستهداف مرافق الرعاية الصحية، وهي أمور أصبحت شائعة الحدوث في الأشهر التي تلت ذلك.

عندما بدأ التوغل في يوم 19 نوفمبر، كان أمين يسير إلى المنزل عندما أطلق جندي إسرائيلي النار على كلتا ساقيه. وبالرغم من وجود مستشفى بجوار المخيم، لم تتمكن سيارة الإسعاف من الوصول إلى أمين لأكثر من ساعتين حيث قيدت القوات الإسرائيلية حركة سيارات الإسعاف، وحاصرت المستشفى، وقطعت الوصول إلى المستشفى بسد الطريق الرئيسي بعربات مدرعة.

كان أمين ينزف بغزارة، فحمله متطوع طبي من الشارع وأخذه إلى إحدى نقاط إسعاف الإصابات القليلة في المخيم – وهي غرفة بسيطة لا يزيد ما فيها عن سرير أو القليل من الإمدادات الطبية. كان الهدف ببساطة هو وقف النزيف.

داخل المخيم، تعد نقاط إسعاف الإصابات هذه، التي أنشأها ويديرها متطوعون طبيون محليون يعملون بشكل ذاتي، الأماكن الوحيدة التي يمكن فيها لسكان المخيم تلقي المساعدة الطبية المنقذة للحياة. ومع ذلك، تم استهداف هذه النقاط مراراً وتكراراً بضربات الطائرات المسيرة أو تدميرها وتخريبها من قبل القوات البرية. وتمنع القوات الإسرائيلية الآن المتطوعين من إعادة بناء نقاط إسعاف الإصابات أو إنشاء نقاط جديدة وفقاً لمتطوعي المخيم.

ويقول أحد الممرضين العاملين في مستشفى خليل سليمان الذي تدعمه منظمة أطباء بلا حدود والذي يقع بجوار مخيم اللاجئين في مدينة جنين: “الوضع هنا فظيع”.

ويضيف: “كان لدينا فريق كرة قدم في المخيم. ومن أصل 20 لاعباً في الفريق، لا يزال سبعة منهم فقط على قيد الحياة، وقد قُتل العديد منهم منذ يوليو/تموز 2023. كانوا صغاراً، تتراوح أعمارهم بين 17 و22 عاماً”.

وتقول منسقة أطباء بلا حدود في جنين، لوز سافيدرا: “الوضع اليوم في الضفة الغربية وخاصة في جنين تجاوز الحد. نرى انفلاتاً كبيراً للعنف ضد المدنيين، وهو يتزايد بسرعة منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول. ازدادت الهجمات على الرعاية الصحية بشكل كبير وأصبحت منهجية. وإن تدمير الطرق والبنية التحتية مثل أنابيب المياه وشبكات الصرف الصحي أمر مقلق أيضاً”.

في الأسابيع القليلة الماضية، حاصرت القوات الإسرائيلية مستشفيات عديدة في جنين، مما سبب عرقلة مباشرة للرعاية الصحية، حتى أنها أطلقت النار على فتى في مجمع مستشفى خليل سليمان وأردته قتيلاً. وللأسف، أصبحت إعاقة الرعاية الصحية ممارسة شائعة. خلال كل توغل، كانت القوات الإسرائيلية تحيط بمستشفيات عدة، بما في ذلك المستشفى العام.

“إن عدم احترام المستشفيات أمر صاعق – منذ أكتوبر، شهدنا إطلاق النار على صبي يبلغ من العمر 14 عاماً وقتله في مجمع المستشفى، وإطلاق الجنود الرصاص الحي والغاز المسيل للدموع على المستشفى عدة مرات، وإجبار المسعفين على التعري والركوع في الشارع. وبصرف النظر عن العنف المباشر، فإن المنع المستمر للوصول إلى الرعاية الصحية يعرض أيضاً حياة سكان المخيم للخطر ويبدو أنه أصبح إجراءً معتاداً للقوات العسكرية أثناء التوغلات العسكرية في جنين وبعدها. وكما هو واضح، لا يمكننا توفير العلاج للجرحى الذين لا يتمكنون من الوصول إلى المستشفى. يجب أن يكون الأشخاص المحتاجون للعلاج قادرين على الوصول بأمان إلى الخدمات الطبية ويجب حماية المرافق الصحية”.

كان عام 2023 هو العام الأكثر دموية بالنسبة للفلسطينيين في الضفة الغربية. ربما نجا أمين من هذا الهجوم، لكن مستقبله غامض. ويقول أمين وهو على وشك الخروج من المستشفى والعودة إلى منزله في المخيم، وربما أصبح الشارع الذي فيه منزله مدمراً الآن: “يمكن استهداف أي شخص في أي وقت هنا. لا نعرف أبداً من سيكون التالي”.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

غزة: على مجلس الأمن إنهاء تواطئه في المذبحة المستمرة

غزة: على مجلس الأمن إنهاء تواطئه في المذبحة المستمرة

يجب على مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة المطالبة بوقف فوري ومستدام لإطلاق النار، لرفع الحصار وضمان وصول المساعدات غير المقيدة إلى قطاع غزة بأكمله. إن تقاعس مجلس الأمن واستخدام الدول الأعضاء، وخاصة الولايات المتحدة، حق النقض، يجعلها متواطئة في المذبحة المستمرة؛ وقد قدم هذا التقاعس رخصةً للقتل الجماعي للرجال والنساء والأطفال.

منذ انهيار الهدنة التي استمرت سبعة أيام، شهدنا عودةً للقتل العشوائي والتهجير القسري على نطاق وحجم هائلين. في مستشفى الأقصى وحده، تم استقبال 1149 مصاباً في قسم الطوارئ في الفترة من 1 إلى 7 ديسمبر، منهم 350 وصلوا وقد فارقوا الحياة. وفي 6 ديسمبر، استقبل المستشفى مصابين قتلى أكثر من الجرحى.

شهد طاقمنا الطبي في قطاع غزة وعالج العواقب الطبية للفظائع المستمرة والمنهجية على مدى الأسابيع الثمانية الماضية. أدت حملة إسرائيل من القتل العشوائي والحرمان من الغذاء والحصول على الرعاية الصحية والتهجير القسري المتكرر إلى خلق ظروف لا تطاق لأكثر من مليوني شخص. الناس في الشارع، في المطر، والصرف الصحي محدود أو غير متوفر. نرى زيادات كبيرة في الأمراض المعدية، بما في ذلك الإسهال والتهابات الجهاز التنفسي الحادة والعدوى الجلدية وتفشي الأمراض مثل التهاب الكبد. يجب السماح للمساعدات الإنسانية الحيوية على الفور بدخول قطاع غزة على نطاق واسع.

المقدَّم من الإغاثة اليوم استعراض شكلي – ولا يشكل شيئاً أمام الاحتياجات. ويشعر زملاؤنا بالعجز عندما يسمعون الأطفال يقولون لهم إنهم يفضلون الموت على الاستمرار في المعاناة. الناس بحاجة ماسة للطعام بسبب الحصار الوحشي المفروض عليهم. يجب أن تكون هناك فرصة للبقاء على قيد الحياة؛ لا يمكن لأطبائنا أن يفعلوا شيئاً للقتلى. إن عدم التحرك الآن، وفرض وقف كامل لإطلاق النار وإنهاء الحصار سيكون أمراً لا يغتفر
- كريستوفر لوكيير، الأمين العام لمنظمة أطباء بلا حدود الدولية

إن التأكيدات المتكررة من كل من الولايات المتحدة وإسرائيل بأن هذه الحرب تشن على المقاتلين وحدهم، تتعارض مع ما نراه على الأرض. بل على العكس من ذلك، هذه حرب شاملة لا تستبقي المدنيين.  في مستشفى ناصر، بخان يونس، اضطرت فرق أطباء بلا حدود إلى مغادرة المستشفى مساء يوم 4 ديسمبر/كانون الأول، بسبب شدة القصف حول المستشفى. كما قرر بعض موظفي وزارة الصحة المغادرة، خوفاً من الوقوع فريسة لذات العنف الذي وقع على المستشفيات في شمال غزة. وفي عطلة نهاية الأسبوع التي سبقت مغادرة مستشفى ناصر، شهد زملاؤنا موجة إثر أخرى من الإصابات الجماعية. استقبل المستشفى 5,166 جريحاً، و1,468 مصاباً وصلوا وهم مفارقين للحياة، وذلك منذ 7 أكتوبر. وكان سبعون في المئة من القتلى من النساء والأطفال. إن أوامر الإخلاء التي ترسلها إسرائيل تثير الذعر. وليس لدى الناس مكان يذهبون إليه؛ لقد قُصفوا في الشمال والجنوب وعلى حدود رفح. هذا النهج الوحشي لا يرحم المدنيين.

نحن نشعر بالإحباط من تعنت حكومة إسرائيل، ورفضها الواضح للتعامل مع حجم المعاناة الإنسانية في غزة أو الاعتراف بها. لقد كانت الهدنات المؤقتة والهدنات الإنسانية والمساعدات المقطّرة الهزيلة التي سُمح بدخولها حتى الآن غير كافية بشكل مهين. سيتطلب الضرر الذي حدث سنوات من الدعم الإنساني لتخفيفه – إلا أن حجم الفقد والحرقة المصاحبة قد لا يمكن تخفيفه. شيء واحد واضح – لا يمكن تحقيق زيادة في المساعدات الإنسانية دون وقف إطلاق النار.

اليوم، يجب على مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة أن يطالب بوقف فوري ومستدام لإطلاق النار، ورفع الحصار. تقع هذه المسؤولية على عاتق كل عضو – سيحكم التاريخ على التأخير في إنهاء هذه المذبحة؛ فالإنسانية تتطلب العمل.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print