متاح أيضاً باللغة

مصيدة الموت في غزة: تقرير منظمة أطباء بلا حدود يكشف حملة الدمار الشامل التي تشنها إسرائيل

مصيدة الموت في غزة: تقرير منظمة أطباء بلا حدود يكشف حملة الدمار الشامل التي تشنها إسرائيل

في خضم الهجمات المستمرة والحصار، إسرائيل تدمر ظروف الحياة في غزة.

باريس/بروكسل/برشلونة/القدس، 18 ديسمبر2024 – تُدمِّر الهجمات العسكرية الإسرائيلية المتكررة على المدنيين الفلسطينيين على مدى الأشهر الأربعة عشر الماضية، وتفكيك نظام الرعاية الصحية والبنية التحتية الأساسية الأخرى، والحصار الخانق، والحرمان المنهجي من المساعدات الإنسانية ظروفَ الحياة في غزة، وفقاً لتقرير جديد لمنظمة أطباء بلا حدود حمل عنوان “غزة: العيش في مصيدة للموت”. وتدعو المنظمة الإنسانية الطبية الدولية بشكل عاجل جميع الأطراف، مرة أخرى، إلى وقف فوري لإطلاق النار لإنقاذ حياة الناس وتمكين تدفق المساعدات الإنسانية. ويجب على إسرائيل وقف هجماتها المستهدِفة والعشوائية ضد المدنيين، ويجب على حلفائها التصرف دون تأخير لحماية حياة الفلسطينيين والالتزام بقواعد الحرب.

وقال كريستوفر لوكيير، الأمين العام لمنظمة أطباء بلا حدود، الذي زار غزة في وقت سابق من هذا العام: “يكافح الناس في غزة من أجل البقاء على قيد الحياة في ظروف مروعة، ولكن لا يوجد مكان آمن، ولا أحد في مأمن، ولا يوجد مخرج من هذا القطاع الممزق”.

وقال لوكيير: “العملية العسكرية الأخيرة في الشمال هي مثال صارخ على الحرب الوحشية التي تشنها القوات الإسرائيلية على غزة، ونحن نرى علامات واضحة على التطهير العرقي حيث يتعرض الفلسطينيون للتهجير القسري والحصار والقصف. ما شهدته فرقنا الطبية على الأرض طوال هذا الصراع يتوافق مع التوصيفات التي قدمها عدد متزايد من الخبراء القانونيين والمنظمات التي خلصت إلى أن إبادة جماعية تحدث في غزة. وبينما لا نملك المرجعية القانونية لإثبات التعمد، فإن علامات التطهير العرقي والدمار المستمر – بما في ذلك القتل الجماعي، والإصابات الجسدية والنفسية الشديدة، والتهجير القسري، والظروف المعيشية المستحيلة للفلسطينيين تحت الحصار والقصف – لا يمكن إنكارها.

رداً على الهجمات المروعة التي شنتها حماس وجماعات مسلحة أخرى في إسرائيل في 7 أكتوبر 2023 – والتي قتل فيها 1200 شخص وأُخذ 251 شخصاً كرهائن – تقوم القوات الإسرائيلية بسحق جميع سكان غزة.  وبحسب ما ورد قتلت الحرب الإسرائيلية الشاملة على غزة أكثر من 45,000 شخص ، وفقاً لوزارة الصحة، بما في ذلك ثمانية من طواقم أطباء بلا حدود.  من المرجح أن يكون عدد الوفيات المرتبطة بالحرب أعلى بكثير بسبب تأثيرات نظام الرعاية الصحية المنهار وتفشي الأمراض ومحدودية الوصول إلى الغذاء والماء والمأوى. وقدرت الأمم المتحدة في وقت سابق من هذا العام أن أكثر من 10,000 جثة لا تزال مدفونة تحت الأنقاض. ومنعت القوات الإسرائيلية في مرات عديدة المواد الأساسية مثل الغذاء والماء والإمدادات الطبية من دخول القطاع، وكذلك منعت المساعدات الإنسانية وأخرتها، كما هو موثق في التقرير. وقد نزح حوالي 1.9 مليون شخص- 90 في المئة من مجموع سكان القطاع – قسراً، وأجبر العديد منهم على النزوح عدة مرات.

ويعمل أقل من نصف مستشفيات غزة البالغ عددها 36 مستشفى بشكل جزئي، كما أن نظام الرعاية الصحية في حالة دمار. وخلال فترة السنة التي يغطيها التقرير – من أكتوبر 2023 إلى أكتوبر 2024 – تعرض موظفو أطباء بلا حدود وحدهم لـ 41 هجوماً وحادث عنف، بما في ذلك الغارات الجوية والقصف والتوغلات العنيفة في المرافق الصحية؛ وإطلاق النار المباشر على مراكز إيواء المنظمة وقوافلها؛ والاحتجاز التعسفي لأفراد من طواقمها من قبل القوات الإسرائيلية. واضطر الطاقم الطبي والمرضى على حد سواء إلى إخلاء المرافق الصحية بشكل عاجل في 17 حادثة منفصلة، وغالباً ما كانوا يركضون فعلياً للنجاة بحياتهم. وقامت الأطراف المتحاربة بأعمال قتالية بالقرب من المرافق الطبية، مما عرّض المرضى ومقدمي الرعاية والموظفين الطبيين للخطر.

وفي الوقت نفسه، فإن إصابات الصحة البدنية والنفسية للفلسطينيين هائلة، وتستمر الاحتياجات في الازدياد. وقد أجرت المرافق التي تدعمها منظمة أطباء بلا حدود ما لا يقل عن 27,500 استشارة مرتبطة بالعنف و7500 تدخل جراحي. ويعاني الناس من جروح الحرب بالإضافة إلى الأمراض المزمنة التي تزداد سوءاً إذ لا يستطيعون الوصول إلى خدمات الرعاية الصحية الأساسية والأدوية. وقد دفع التهجير القسري الذي تقوم به إسرائيل الناس إلى ظروف معيشية لا تطاق وغير صحية حيث يمكن للأمراض أن تنتشر بسرعة. ونتيجة لذلك، تعالج فرق أطباء بلا حدود أعداداً كبيرة من الأشخاص من أمراض مثل الأمراض الجلدية والتهابات الجهاز التنفسي والإسهال – وكلها من المتوقع أن تزداد مع انخفاض درجات الحرارة في فصل الشتاء. ويفتقر الأطفال إلى التطعيمات الضرورية، ما يجعلهم عرضة لأمراض مثل الحصبة وشلل الأطفال. وقد لاحظت منظمة أطباء بلا حدود زيادة في عدد حالات سوء التغذية، ومع ذلك فمن المستحيل إجراء فحص كامل لسوء التغذية في غزة بسبب انعدام الأمن على نطاق واسع وعدم وجود تدابير مناسبة لتخفيف حدة النزاع.

مع تضاؤل خيارات الرعاية الطبية في غزة، زادت إسرائيل من صعوبة إجلاء الناس طبياً. وبين إغلاق معبر رفح في أوائل مايو 2024 وسبتمبر 2024، سمحت السلطات الإسرائيلية فقط بإجلاء 229 مريضاً – أي ما يعادل 1.6 في المئة من أولئك الذين كانوا بحاجة إليه في ذلك الوقت. وهذه قطرة في محيط الاحتياجات.

 الوضع في شمال غزة خطير بشكل خاص في أعقاب العملية العسكرية الإسرائيلية الأخيرة التي تتبع سياسة الأرض المحروقة وأدت إلى إخلاء مناطق واسعة من السكان وقتل ما يقرب من 2000 شخص. ومنذ 6 أكتوبر 2024 حاصرت القوات الإسرائيلية الجزء الشمالي من القطاع، وخاصة مخيم جباليا، مرة أخرى. وخفضت السلطات الإسرائيلية بشكل كبير كمية المساعدات الأساسية المصرح لها بدخول الشمال. وفي أكتوبر 2024، وصلت كمية الإمدادات التي تصل إلى قطاع غزة بأكمله إلى أدنى مستوى لها منذ تصاعد الحرب في أكتوبر 2023: دخل متوسط يومي قدره 37 شاحنة إنسانية في أكتوبر 2024، أي أقل بكثير من العدد الذي كان يبلغ 500 شاحنة إنسانية كانت تدخل قبل 7 أكتوبر 2023.

وقال لوكيير: “لأكثر من عام، شهد طاقمنا الطبي في غزة حملة لا هوادة فيها من قبل القوات الإسرائيلية تميزت بالدمار الشامل والتخريب والتجريد من الإنسانية. وتعرّض الفلسطينيون للقتل في منازلهم وفي أسرة المستشفيات. وتم تهجيرهم قسراً مراراً وتكراراً إلى مناطق غير آمنة أو غير صحية. ولا يستطيع الناس إيجاد حتى أبسط الضروريات مثل الطعام والمياه النظيفة والأدوية والصابون وسط حصار عقابي”.

تدعو منظمة أطباء بلا حدود الدول، ولا سيما أقرب حلفاء إسرائيل، إلى إنهاء دعمها غير المشروط لإسرائيل والوفاء بالتزامها بمنع الإبادة الجماعية في غزة. وقبل ما يقرب من عام، في 26 يناير، أمرت محكمة العدل الدولية إسرائيل بتنفيذ “تدابير فورية وفعالة لتمكين توفير الخدمات الأساسية المطلوبة بشكل عاجل والمساعدات الإنسانية لمعالجة الظروف المعيشية المتردية التي يواجهها الفلسطينيون في قطاع غزة”. ولم تتخذ إسرائيل أي إجراء ذي مغزى للامتثال لأمر المحكمة. وبدلاً من ذلك، تواصل السلطات الإسرائيلية منع منظمة أطباء بلا حدود وغيرها من المنظمات الإنسانية من تقديم المساعدة المنقذة للحياة للأشخاص المحاصرين تحت الحصار والقصف.

يجب على الدول تسخير نفوذها للتخفيف من معاناة السكان وتمكين توسيع نطاق المساعدات الإنسانية في أنحاء قطاع غزة. وباعتبارها السلطة القائمة بالاحتلال، فإن السلطات الإسرائيلية مسؤولة عن ضمان التسليم السريع والآمن ودون عوائق للمساعدات الإنسانية على المستوى الكافي لتلبية احتياجات الناس. وبدلاً من ذلك، جعل الحصار الإسرائيلي والعرقلة المستمرة للمساعدات من المستحيل على الناس في غزة الوصول إلى السلع الأساسية، بما في ذلك الوقود والغذاء والماء والأدوية. وفي الوقت نفسه، قررت إسرائيل فرض حظر فعال على وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، وهي أكبر مزود للمساعدات والرعاية الصحية وغيرها من الخدمات الحيوية للفلسطينيين.

تكرر منظمة أطباء بلا حدود دعوتها إلى وقف فوري ومستدام لإطلاق النار. يجب أن يتوقف التدمير الكامل للحياة الفلسطينية في غزة. كما تدعو منظمة أطباء بلا حدود إلى الوصول الفوري والآمن إلى شمال غزة للسماح بإيصال المساعدات الإنسانية والإمدادات الطبية إلى المستشفيات. وبينما تواصل منظمة أطباء بلا حدود تقديم الرعاية المنقذة للحياة في وسط وجنوب غزة، فإننا ندعو إسرائيل إلى إنهاء حصارها على الأرض وفتح الحدود البرية الحيوية، بما في ذلك معبر رفح، لتمكين تعزيز نطاق المساعدات الإنسانية والطبية بشكل كبير.

ويشير تقرير أطباء بلا حدود إلى أنه حتى لو انتهت العملية العسكرية الإسرائيلية على غزة اليوم، فإن آثارها طويلة الأجل ستكون غير مسبوقة، بالنظر إلى حجم الدمار والتحديات الاستثنائية المتمثلة في توفير الرعاية الصحية في جميع أنحاء القطاع. يتعرض عدد هائل من جرحى الحرب لخطر العدوى والبتر والإعاقة الدائمة، وسيحتاج العديد منهم إلى سنوات من الرعاية التأهيلية. إن الخسائر الجسدية المتراكمة والصدمات النفسية الناجمة عن العنف الشديد، وفقدان أفراد الأسرة والمنازل، والنزوح القسري المتكرر، والظروف المعيشية اللاإنسانية سيبقى أثرها على مدى أجيال.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

العقبات أمام الإمدادات الأساسية تعمق الوضع الإنساني والطبي الكارثي في غزة

العقبات أمام الإمدادات الأساسية تعمق الوضع الإنساني والطبي الكارثي في غزة

القدس – مع وصول المساعدات الإنسانية التي تدخل غزة إلى أدنى مستوى لها منذ أشهر، تحذر منظمة أطباء بلا حدود من أن رعاية المرضى معرضة لخطر شديد في حين من المتوقع أن يرتفع عدد الحالات المرضية المرتبطة بنقص الغذاء والماء ومواد بناء المأوى مع بداية فصل الشتاء.

تقول كارولين سيغوين، منسقة الطوارئ لمنظمة أطباء بلا حدود في غزة: “لقد وصل النقص في الإمدادات الضرورية إلى مستويات تضطرنا الآن إلى عدم استقبال المرضى في بعض المرافق. ولا تزال القيود والعقبات التي تفرضها السلطات الإسرائيلية على دخول المساعدات تعيق بشدة قدرتنا على توفير الرعاية. وفي الوقت نفسه، فإن نهب شاحنات المساعدات داخل القطاع يجعل من الصعب على هذه الكمية الصغيرة من المساعدات التي تسمح بها السلطات الإسرائيلية الوصول إلى المحتاجين. وفي نهاية المطاف، المرضى هم الذين يعانون من العواقب”.

وفقاً للأمم المتحدة، كان أكتوبر/تشرين الأول 2024 أسوأ شهر من حيث المساعدات الإنسانية التي تدخل غزة منذ بدء الصراع، ولا يبدو نوفمبر/تشرين الثاني أفضل بكثير. حيث انخفض عدد الشاحنات التي تدخل غزة أربعة أضعاف منذ يوليو/تموز 2024. وهذا يعادل دخول 40 شاحنة إنسانية يومياً، مقارنة بدخول 500 شاحنة يومياً قبل 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.

نقص الدواء والضمادات الأساسية

المرافق التي توفر فيها أطباء بلا حدود الرعاية الأساسية ليست محصنة ضد هذا النقص.

وتقول سيغوين: “إن مرضانا معرضون بشكل متزايد للعدوى الخطيرة. وفي وحدات الحروق التي ندعمها في مستشفى ناصر، بخان يونس، حتى لوازم العناية بالجروح الأساسية مثل الشاش والضمادات بدأت تنفد. وهذا يجبر فرقنا على تمديد الفترات الفاصلة بين تغيير الضمادات، مما يزيد من خطر العدوى للمرضى الذين يحتاجون بشدة إلى الرعاية المناسبة”.

في دير البلح، وسط غزة، يعاني المستشفى الميداني الذي أنشأته أطباء بلا حدود لإدارة أنشطة العيادات الخارجية واستشفاء الأطفال من نقص في المضادات الحيوية ومسكنات الألم للأطفال. ويعيق هذا النقص علاج حالات مثل التهابات الجهاز التنفسي السفلي ويحول دون إدارة الألم بشكل مناسب للمرضى الصغار. كما أن أدوية ارتفاع ضغط الدم، وهو مرض شائع لكنه قد يكون مميتاً إذا ترك دون علاج، غير متوفرة الآن، ما يترك العديد من المرضى دون علاج وعرضة لخطر المضاعفات الحادة، بما في ذلك الحوادث الدماغية الوعائية.

في مستشفى ناصر في جنوب غزة، لا تستطيع فرق أطباء بلا حدود إنشاء مختبر الجراثيم السريرية الذي تشتد الحاجة إليه – وهو جزء رئيسي من معدات تشخيص وإدارة المضادات الحيوية المناسبة – لأن سلسلة التبريد اللازمة لتشغيله يتم فتحها باستمرار وإتلافها من قبل الضباط الإسرائيليين عند نقطة العبور. وإلى جانب الأدوية والمعدات الطبية، تواجه فرق أطباء بلا حدود أيضاً تحديات متزايدة في توفير الغذاء الكافي للمرضى في المستشفيات، حيث توجد ندرة حادة في الإمدادات الغذائية في جميع أنحاء القطاع. وأغلقت العديد من المخابز أبوابها في حين تكافح مخابز أخرى للبقاء مفتوحة بسبب نقص الدقيق والوقود. وبدأت فرق أطباء بلا حدود الآن في إجراء فحوصات غذائية منتظمة للأطفال في عيادتنا في مدينة غزة وفي مستشفياتنا الميدانية لأن سوء التغذية يشكل مصدر قلق متزايد.

تمثل زيادة توفير خدمات المياه والصرف الصحي تحدياً متزايداً آخر لمنظمة أطباء بلا حدود حيث لم تحصل فرقها بعد على تصريح من السلطات الإسرائيلية لاستيراد وحدات تحلية المياه أو المولدات.

وتقول سيغوين: “بكل بساطة، هذا يعني أنه لا يوجد ما يكفي من مياه الشرب النظيفة للناس. البديل الوحيد لوحدات تحلية المياه هو نقل المياه بالشاحنات، وهو ما تفعله المنظمة، لكن هذا مكلف للغاية، خاصة بسبب تكلفة الوقود، والتي تخضع أيضاً لتقنين صارم من قبل إسرائيل. في الأسبوع الماضي، اضطر فريقنا إلى خفض أنشطة نقل المياه بالشاحنات إلى النصف بسبب هذه المشكلة”.

لا بد من تدفق المساعدات بكميات كبيرة وبشكل آمن

إن التدهور الحاد في الوضع في غزة هو نتيجة مباشرة للقيود الإسرائيلية الواسعة النطاق وعرقلة المساعدات خلال العام الماضي، والتي لا تزال الحاجز الرئيسي أمام تسليم الإمدادات الأساسية. وقد خلقت هذه القيود بيئة من اليأس وعدم الاستقرار، مما ساهم في ارتفاع حالات النهب والإجرام التي تزيد من إعاقة جهود الإغاثة. وفي الأسابيع الأخيرة، تعرضت العديد من الشاحنات، ومن ضمنها شاحنات تحمل إمدادات منظمة أطباء بلا حدود، للهجوم وسلب بضائعها. وفي الوقت نفسه، لا تزال الإمدادات الأخرى التي سُمح بدخولها عالقة على الحدود، في انتظار أن تصبح الظروف آمنة بما يكفي للمتابعة.

في كل دقيقة تتأخر فيها أو تمنع السلطات الإسرائيلية من دخول الأدوية أو الإمدادات المنقذة للحياة مثل مجموعات النظافة والألواح البلاستيكية للخيام والأدوية المنقذة للحياة، أو عندما لا يتم تسليم المواد إلى المحتاجين بسبب النهب، فإن مرضانا هم الذين يعانون من العواقب.
كارولين سيغوين، منسقة الطوارئ لمنظمة أطباء بلا حدود في غزة

منذ أشهر، يحاول الناس في غزة البقاء على قيد الحياة على الرغم من النقص الهائل في السلع الأساسية مثل الدقيق والصابون والبيض. ويزيد الشتاء والبرد والجوع والأمطار الغزيرة والفيضانات من الاحتياجات الطبية، وتشعر فرق أطباء بلا حدود بالقلق من أن هذا قد يدفع الناس إلى الحافة.

“تحذر المنظمات الإنسانية منذ أشهر من أن إمدادات المساعدات غير الكافية بشكل مفجع ستؤدي إلى تفاقم الوضع المتردي بالفعل في غزة. لقد وصلنا الآن إلى نقطة فاصلة. إن تدفق المساعدات بكميات كبيرة وبشكل آمن أمر لا بد منه للبدء في تلبية احتياجات الناس في غزة الذين سيواجهون عواقب وخيمة في أشهر الشتاء القادمة”.

هناك حاجة إلى وقف فوري ومستدام لإطلاق النار في جميع أنحاء غزة لمنع المزيد من الموت والمعاناة والانهيار المجتمعي.
كارولين سيغوين، منسقة الطوارئ لمنظمة أطباء بلا حدود في غزة
Facebook
X
LinkedIn
WhatsApp
Print

“يا حبيب قلبي، من كان ليتخيل ما خبّأت لنا الأيام؟”

“يا حبيب قلبي، من كان ليتخيل ما خبّأت لنا الأيام؟”

رحلة امرأة في الخامسة والثمانين في خضم الحرب في لبنان

تقول سكنة فقيه، والدموع في عينيها، “في البداية بكيت ودعوت الله، ظنًا أن ابننا علي الذي يعيش معنا مع زوجته وأطفاله الخمسة قد أصيب. اعتقدت أن القصف قد طالنا وأنه جرح لأنني سمعته يصرخ”. علمت سكنة لاحقًا أن عليًا كان يناديهم ليركبوا السيارة ويجلوا.

تتذكر سكنة البالغة من العمر 85 عامًا اللحظة التي اضطرت فيها إلى الإجلاء من منزلها في قرية عيتا الجبل في جنوب لبنان. كانت قد تلقت أوامر الإخلاء المزعومة من القوات الإسرائيلية، والتي تَصدر أحيانًا قبل 15 دقيقة فقط من بدء الهجمات، ما يعني أن عائلات بأكملها تضطر إلى مغادرة منازلها بلا يقين بالوصول إلى مأمن.

كان ذلك بداية اشتداد الحرب، حيث تصاعدت وتيرة التفجيرات والقصف الإسرائيليين في جميع أنحاء لبنان في سبتمبر/أيلول 2024. ومع تحطم النوافذ وتساقط الأنقاض، لم يكن أمام الناس خيار سوى ترك كل ما يعرفونه. غادرت سكنة مع زوجها الذي يعاني من صعوبة في الحركة إثر عدة مشاكل صحية، وانطلقا معًا في رحلة مروّعة شمالًا استغرقت 14 ساعة إلى عكار – تستغرق هذه الرحلة عادةً أربع ساعات فقط، لكنها امتدت بسبب العدد الكبير من الناس الذيم أجلوا إلى الشمال بحثًا عن الأمان.

منذ بداية تبادل إطلاق النار بين حزب الله وإسرائيل في الثامن من أكتوبر/تشرين الأول 2023، تكثفت الغارات الجوية الإسرائيلية الممتدة إلى مناطق مكتظة بالسكان في جميع أنحاء لبنان، ما أسفر عن مقتل أكثر من 3500 شخص وإصابة 15 ألفًا، سقط معظمهم في الأسابيع الأخيرة.

كذلك أدى النزاع إلى نزوح أكثر من 896 ألف شخص معظمهم من جنوب لبنان وجنوب بيروت، بالإضافة إلى محافظة بعلبك-الهرمل، بحسب المنظمة الدولية للهجرة.

Matrix

ظروف معيشية أليمة ونقص في المياه والتدفئة والصرف الصحي

انتقل معظم النازحين إلى محافظات أخرى، حيث لجأ 66 في المئة منهم إلى مناطق مثل جبل لبنان الواقع وسط البلاد، وعكار في الشمال، وشمال بيروت.

تمكّن البعض من الإقامة مع أصدقائهم أو عائلاتهم، واستأجر آخرون منازل. لكن عديدًا منهم اضطروا إلى الإقامة في ملاجئ وصلت بالفعل لسعتها القصوى، والتي تفتقر غالبًا إلى الخدمات الأساسية مثل المياه النظيفة والتدفئة والصرف الصحي.

وفي هذا الصدد تقول سكنة، “أنا محظوظة لأنني أقيم في منزل، لكن الكثيرين في الملاجئ، مثل بناتي وعائلاتهن وقد تشتتوا في جميع أنحاء البلاد. وجدنا مأوى هنا إلا بفضل ابن شقيق زوجي، وهو الذي يساعدنا في دفع إيجار هذا البيت”. تقول سكنة إنه أراد أن يساعد عمه، وهو يعلم أن ظروفه الصحية ستثقل عليه الإقامة في ملجأ.

آوت سكنة إلى هذا البيت، إلا إنها تعاني من البرد، شأنها شأن كثيرين غيرها. تضيف، “لا يمكننا أن نتحمل تكاليف التدفئة؛ بل نكوّم البطانيات فوق بعضها”.

احتياجات مهولة وهجمات على المرافق الصحية

ومع اقتراب فصل الشتاء، يتسبب غياب الاستعدادات الملائمة في الكثير من الملاجئ المكتظة إلى تعريض الناس للأمراض التي يمكن الوقاية منها. ينتشر 22 فريقًا طبيًا متنقلًا تابعًا لأطباء بلا حدود في جميع أنحاء البلاد، ويشهد أعضاؤه على إصابات بالعدوى الجلدية وأمراض الجهاز التنفسي، لا سيما بين الأطفال وكبار السن.

في ظل غياب المياه النظيفة والصرف الصحي والتدفئة المناسبَين، تتعرض صحة الناس للتهديد أكثر فأكثر. فنظام الرعاية الصحية في لبنان مجهَد أساسًا، وهذا سيزيد من الضغوطات عليه.
إيتا هيلاند-هانسن، نائبة منسق الطوارئ مع أطباء بلا حدود في لبنان

كذلك تسببت الغارات الجوية الإسرائيلية المكثفة بجعل وصول الناس إلى الرعاية الطبية أكثر صعوبة، كما أعاقت تقديمها. فمنذ منتصف سبتمبر/أيلول 2024، وثّق نظام مراقبة الهجمات على الرعاية الصحية التابع لمنظمة الصحة العالمية 137 هجومًا على مرافق الرعاية الصحية، حيث قُتل 226 عاملًا في القطاع الصحي وأصيب 199 آخرين أثناء تأدية عملهم منذ الثامن من أكتوبر/تشرين الأول 2023.

سكنة قلقة بشدة على زوج ابنتها المتطوع في الصليب الأحمر اللبناني.

تقول، “الله يحميه. لقد رفض أن يغادر وأصر على البقاء لأداء واجبه، لكنني أقلق عليه يوميًا. قبل بضعة أسابيع فقط، استُهدف مستشفى قريب منه في تبنين جنوب لبنان. أنا أفكّر به طوال الوقت”.

ونتيجة للعنف والأضرار التي لحقت بالطرقات والمخاطر الأمنية، لا يمكن لأطباء بلا حدود أن تصل إلى الناس في بعض المناطق المتضررة في لبنان. واضطررنا إلى إغلاق عيادتنا في مخيم برج البراجنة للاجئين الفلسطينيين في ضاحية بيروت الجنوبية وتعليق الأنشطة مؤقتًا في بعلبك-الهرمل، ونقل الإمدادات الطبية من الشمال الشرقي. يواجه الأشخاص الأشد حاجة في هذه المناطق صعوبات أكبر في الحصول على الرعاية الصحية الأساسية، لا سيما من اعتادوا أن يتلقوا العلاج في عيادتنا.

انهيار اقتصادي ونظام رعاية صحي مجهد وحرب

تفاقمت حصيلة النزاع الدائر بفعل سنوات من المصاعب. فقد عانى لبنان من إحدى أسوأ الأزمات الاقتصادية في العالم، ما أفقر أكثر من 80 في المائة من سكانه. وقد بدد الانهيار المالي المدخرات، وتسبب في انتشار البطالة على نطاق واسع، كما ارتفعت تكاليف المعيشة بشكل صارخ.

دُفع الناس في لبنان إلى أقصى حدود طاقتهم. وفي نظر الكثر، حتى من يتلقون الدعم التضامني من أقاربهم أو مجتمعهم أو المعتمدون على مدخراتهم، فهذا الدعم غير مستدام وسينفد في النهاية. أما الآخرون، لا سيما اللاجئون الفلسطينيون والسوريون، والعاملات والعمال المهاجرون، والنازحون خارج الملاجئ القائمة بلا خدمات أساسية أو دعم، فهم في أوضاع أسوأ، حيث تتفاقم ظروفهم الهشة أساسًا بسبب الخوف المستمر الذي يحاصرهم.

وفي هذا الصدد تقول إيتا، “على الجهات الدولية الفاعلة أن تكثف جهودها لوقف العنف ومنع المزيد من المعاناة والخسائر في الأرواح في المنطقة. فالوضع الإنساني في لبنان مأساوي أساسًا ومن المتوقع أن يطول أمده. وقد يتفاقم إذا لم تُتخذ إجراءات عاجلة. سيصل الصابرون إلى حافة الانهيار، فهذه الظروف ليست مستدامة، وسيزداد الوضع الإنساني سوءًا. أما الأشخاص الأشد حاجة أساسًا، فسنشهد المزيد من التهديدات لصحتهم والمزيد من الخسائر في الأرواح”.

تتأمل سكنة في الحياة التي بنتها مع زوجها، أبو علي، والذكريات التي عاشاها معًا.

تقول، “حتى وإن كانت حياة متواضعة وبضع أشجار زيتون، لكنها كانت حياتي وذكرياتي”.

يشتهر الجنوب اللبناني، مسقط رأس سكنة وأبو علي، ببساتين الزيتون الغنية التي تنتج بعضًا من أفضل أنواع زيت الزيتون في البلاد. يمثل حصاد الزيتون عملية شاقة تتوارثها الأجيال، ويوفّر مصدر الدخل الرئيسي لعديد من العائلات.

بث الانهيار الاقتصادي الغموض في حياة سكنة وغيرها في لبنان. فقد سُلب منها كل ما بنته مع زوجها. ولكن الآن وفي ظل هذه الحرب الجديدة، تعمّق هذا الشعور بانعدام اليقين، منقلبًا إلى فقد كبير. ويبدو أن ذكرياتها الغالية تتلاشى في فوضى النزوح والدمار. ومن عايشوا الأزمات العديدة في لبنان مثل سكنة يشهدون بأن الحرب لم تدمّر بيوتهم فقط، بل قضت على إحساسهم بذاتهم وغايتهم.

“هذا الرجل الذي ترونه هنا، كان أوسم رجل في البلدة. كان يعمل في المستشفى وكانوا الناس يظنونه المدير لأناقته”. يخفت صوتها وتتنهد توقًا إلى الماضي وتقول، “يا حبيب قلبي، من كان ليتخيل ما خبّأت لنا الأيام؟”

استجابة أطباء بلا حدود للأزمة الإنسانية في لبنان

في ضوء الاستجابة للتصعيد المستمر للنزاع والقصف الإسرائيلي المكثف في لبنان، أرسلت أطباء بلا حدود 22 فريقًا طبيًا متنقلًا عبر مناطق مختلفة من البلاد. تقدم هذه الفرق الإسعافات النفسية الأولية والاستشارات الطبية العامة والأدوية والدعم النفسي. كذلك توزع أطباء بلا حدود المواد الأساسية مثل البطانيات والفرش ومستلزمات النظافة، فضلًا عن توفير المياه بالشاحنات للمدارس والملاجئ حيث تجمّع النازحون. بالإضافة إلى ذلك، نقدم وجبات ساخنة ومياه شرب لمئات العائلات النازحة. كما تبرعت أطباء بلا حدود بالوقود ومستلزمات العناية بالإصابات البالغة لعديد من المستشفيات، ووفرت 1922 كيلوغرامًا من الإمدادات الطبية ودربت أكثر من 400 عامل في القطاع الصحي على العناية بالإصابات البالغة وإدارة الإصابات الجماعية في جميع أنحاء البلاد. واعتبارًا من 11 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، تقدم فرقنا الطبية الدعم المباشر والعملي في غرفة الطوارئ وإحدى غرف العمليات في مستشفى بعبدا (محافظة بيروت) وكذلك في المستشفى التركي (محافظة الجنوب) في غرفتي العمليات والطوارئ وقسم المرضى المقيمين.

أطباء بلا حدود هي منظمة طبيّة إنسانية دولية مستقلة تقدم الإغاثة والرعاية الصحية المجانية للأشخاص المحتاجين بلا تمييز. بدأت المنظمة عملها في لبنان لأول مرة في عام 1976، وتعمل فرقنا في البلاد من دون انقطاع منذ عام 2008.

Facebook
X
LinkedIn
WhatsApp
Print

الظروف المعيشية في غزة تعرّض حياة الأطفال والمواليد الجدد الفلسطينيين لخطر شديد

الظروف المعيشية في غزة تعرّض حياة الأطفال والمواليد الجدد الفلسطينيين لخطر شديد

في الفترة من يونيو/حزيران إلى أكتوبر/تشرين الأول 2024، عالجت أطباء بلا حدود أكثر من عشرة آلاف طفل دون الخامسة من عدوى الجهاز التنفسي العلوي في مستشفى ناصر

بعد أكثر من عام من حرب ودمار لا هوادة فيهما في غزة، تشهد فرق أطباء بلا حدود كيف أن الظروف المعيشية الصعبة، والهجمات على المناطق المكتظة بالسكان، وسوء الحصول على الغذاء، والنزوح المتكرر، كلها تؤدي إلى مشاكل صحية خطيرة للأطفال والمواليد الجدد والأمهات الفلسطينيين.

نحن نعالج الرضع المصابين بأمراض معدية وأمراض الجهاز التنفسي والأمراض الجلدية. كنا نرى ذلك بالطبع قبل الحرب، ولكننا نراه اليوم أكثر بكثير، والأرقام مستمرة في الارتفاع. نشهد اكتظاظًا في القسم، بما في ذلك الأطفال المصابين بالتهاب رئوي حاد.
د. محمد أبو تيم، طبيب الأطفال العامل مع أطباء بلا حدود في مستشفى ناصر جنوب غزة

تواجه فرق أطباء بلا حدود عددًا هائلًا من المرضى: فبين يونيو/حزيران وأكتوبر/تشرين الأول 2024، عالجت المنظمة 3,421 رضيعًا وطفلًا دون الخامسة في قسم الأطفال للمرضى المقيمين في مستشفى ناصر، حيث أُصيب ربعهم تقريبًا (22 في المئة) بالإسهال و8.9 في المئة بالتهاب السحايا. وخلال الفترة نفسها، أُدخِل إلى مستشفى ناصر 168 طفلًا حديثي الولادة دون الشهر الأول وأكثر من 10,800 طفل بين السنة والخمس سنوات بسبب التهابات الجهاز التنفسي العلوي. وعلاوة على ذلك، أُدخِل قرابة 1,294 طفلًا تتراوح أعمارهم بين السنة والخمس سنوات إلى مستشفى ناصر بسبب عدوى الجهاز التنفسي السفلي مع قرابة 459 حالة التهاب رئوي.

سنة من الحرب دمّرت النظام الصحي وإمكانية الحصول على الرعاية

وفي “المنطقة الإنسانية” المزعومة التي يكتظ فيها النازحون، تقدم أطباء بلا حدود رعاية التوليد وحديثي الولادة والأطفال في ثلاث عيادات للرعاية الصحية الأساسية، وفي مستشفى ناصر الذي يضم أحد أقسام الولادة الوحيدة العاملة في جنوب غزة. فمن بين 36 مستشفى في غزة، لا يعمل إلا 17 مستشفى فقط بشكل جزئي حتى 19 نوفمبر/تشرين الثاني (مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية).

تخاطر الأمهات في غزة عند إحضار مواليدهن الجدد وأطفالهن إلى قلّة المستشفيات والمراكز الصحية التي لا تزال متاحة. فهن يضطررن إلى قطع مسافات طويلة عبر طرق غير آمنة، سواء على الأقدام أو بعربات الدواب، في مناطق متربة ومكتظة بالسكان، كي يصلن إلى المرافق الطبية. تُعرّض هذه الرحلة الأطفال والمواليد الجدد إلى خطر الاعتداءات والإصابة بمضاعفات صحية. وحتى بعد تلقي العلاج، يعود المواليد الجدد والأطفال إلى ظروف معيشية غير صحية، ما يؤدي بدوره إلى تدهور حالتهم الصحية وقدرتهم على التعافي بشكل سليم.

وفي مواجهة الظروف المعيشية غير الملائمة ونقص المنتجات الصحية والغذاء، وتحت الضغط المستمر، تلد أمهات كثر يعانين من سوء التغذية أطفالًا خدّجًا ويزداد خطر مضاعفات ما بعد الولادة. وتتفاقم هذه الأزمة بسبب النقص الحاد في الإمدادات الأساسية الطبية وغير الطبية في المرافق الصحية والمستشفيات.

درجات الحرارة المنخفضة تتسبب بمخاطر صحية جديدة

تعيش العائلات في خيم مزدحمة أو تحت الأغطية البلاستيكية والأقمشة المتنوعة، مع عدم توفر المياه النظيفة والصرف الصحي والمواد الصحية مثل الصابون والاحتياجات الأساسية الأخرى. وتزداد الظروف سوءًا مع اقتراب فصل الشتاء وانخفاض درجات الحرارة، ما يزيد من مخاطر الإصابة بالأمراض مثل عدوى الجلد والجهاز التنفسي والجرب والإسهال الحاد والالتهابات الفيروسية، خاصة بين حديثي الولادة والأطفال.

بالإضافة إلى ذلك، وبفعل ارتفاع الأسعار نتيجةً للانخفاض الحاد في المساعدات التي تدخل إلى قطاع غزة، لم يعد الناس قادرين على شراء الطعام المغذي، والذي لا يكفي أصلًا لتلبية الاحتياجات، ما يؤدي إلى سوء التغذية، خاصة لدى الرضع والأطفال. وفي شهر أكتوبر/تشرين الأول، رصدت أطباء بلا حدود 314 حالة سوء التغذية الحاد متوسط الدرجة و203 حالات من سوء التغذية الحاد شديد الدرجة لدى الأطفال دون الخامسة.

يمثل إدخال المساعدات الإنسانية دون عوائق إلى غزة حلًا حاسمًا للتخفيف من معاناة الناس المحاصرين في القطاع. وسيسمح ذلك بخفض شح الإمدادات الأساسية المنقذة للحياة، الطبية منها وغير الطبية، والذي تعاني منه المجتمعات المحلية ومنهم حديثو الولادة والأطفال والأمهات.

تقول ياسمين، وهي أم يُعالج ابنها في مستشفى ناصر، “ليس لدي حفاضات لابني ولا حتى ملابس مناسبة؛ عليَّ أن أستخدم كيسًا بلاستيكيًا، وهذا يعرض جلده لمزيد من العدوى والطفح الجلدي. والعيش في خيمة يعرّض أطفالي لظروف قاسية للغاية، وهم ينامون من دون حتى سرير مناسب”.

وضيف د. أبو تيم، “كانت هذه الفترة صعبة وطويلة للغاية. مرّ أكثر من عام منذ بداية الحرب، وقد أثرت على الجميع بشكل كبير، وخاصةً الأطفال في مرحلة النمو، وذلك بسبب نقص الطعام المفيد والعناصر الغذائية الأساسية، ما أثر على صحة المواليد الجدد والأطفال وعلى بناء مناعتهم، ما جعلهم أكثر عرضة للإصابة بالأمراض المعدية”.

وتخبرنا ياسمين، “ابني دائم السعال. أمضي معظم وقتي في المستشفى. ابني لا يضحك ولا يلعب ولا يشرب الحليب، بل ينام طوال الوقت. يقول الطبيب إن علينا أن نبقيه بعيدًا عن النار [لتجنب السعال]، ولكن كيف يمكننا ذلك؟ فكل شيء يُطهى على النار”.

واستجابةً للاحتياجات الطبية المتزايدة باستمرار، تدعم فرق أطباء بلا حدود في خان يونس جنوب قطاع غزة قسم طب الأطفال في مستشفى ناصر، بما في ذلك غرفة الطوارئ ووحدة العناية المركزة للأطفال التي تضم تسعة أسرّة، ووحدة العناية المركزة لحديثي الولادة التي تضم 23 سريرًا.

تمثل أنشطة أطباء بلا حدود في رعاية الأطفال وحديثي الولادة والتوليد مجرّد قطرة في بحر الاحتياجات الطبية المهولة في غزة.  ووقف إطلاق النار الفوري والدائم في غزة هو الحل الوحيد لتخفيف معاناة الغزّيين وضمان الحصول على الرعاية الصحية والمساعدات الإنسانية.

Facebook
X
LinkedIn
WhatsApp
Print

السودان: 16 في المئة من جرحى الحرب في مستشفى جنوب الخرطوم من الأطفال

السودان: 16 في المئة من جرحى الحرب في مستشفى جنوب الخرطوم من الأطفال

الخرطوم/بروكسل. قالت منظمة أطباء بلا حدود اليوم إن ما يقرب من واحد من كل ستة من جرحى الحرب الذين عولجوا في مستشفى بشائر التعليمي في جنوب الخرطوم منذ يناير/كانون الثاني 2024 تقل أعمارهم عن 15 عاماً. وقد أصيبَ العديد منهم بجروح ناجمة عن أعيرة نارية أو انفجارات أو شظايا. كما يشعر الأطباء بالقلق إزاء ارتفاع عدد الأطفال الذين يأتون إلى المستشفى ولديهم سوء تغذية حاد.

وقد عالجت فرق أطباء بلا حدود التي تعمل جنباً إلى جنب مع طاقم المستشفى أكثر من 4214 إصابة ناجمة عن العنف، بما في ذلك الأعيرة النارية وانفجارات القنابل. ومن بين هؤلاء، كان 16 في المئة من الأطفال دون سن الخامسة عشرة. ويوفّر هذا المستشفى، وهو أحد آخر المستشفيات العاملة في جنوب الخرطوم، الرعاية الطارئة والرعاية الجراحية بالإضافة إلى خدمات الرعاية الصحية للأمهات.

وقال الدكتور معين*، رئيس الفريق الطبي في أطباء بلا حدود: “أُحضر الطفل رياض البالغ من العمر 18 شهراً إلى قسم الطوارئ بعد أن أصابت رصاصة طائشة جنبه الأيمن حين كان نائماً في بيت أهله. وكافح الفريق الطبي لمدة أربع ساعات لتثبيت استقرار حالته. وبسبب فقدانه الكثير من الدم، كان احتمال نجاته من الجراحة نحو خمسين في المئة”.

تمكن الفريق من وقف النزيف ولكن بقيت الرصاصة في صدره. ومن غير الواضح بعد متى سيمكن فعل أي شيء حيال ذلك. ولا يملك المستشفى قدرات جراحية متقدمة، ويرجع ذلك جزئياً إلى الحظر المطَّرد على إرسال الإمدادات الجراحية منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023. كما أن إحالة المرضى إلى خارج المنطقة أمر صعب للغاية لأن طرق النقل إما مدمرة أو شديدة الخطورة. ورياض هو واحد من 314 طفلاً عولجوا من جروح ناجمة عن طلقات نارية وانفجارات في عام 2024.

كما أن العوائق المتعمدة على نقل المستلزمات الطبية والأدوية تعني عدم إمكانية بعض الإجراءات، مثل علاج إصابات الحروق الشديدة. وهذا أمر مثير للقلق حيث لا يوجد مركز حروق يعمل بشكل كامل في المدينة ويقع المدنيون ضحايا بشكل متزايد لانفجارات القنابل.

في أواخر أكتوبر/تشرين الأول، أُحضر أكثر من 30 جريح حرب إلى مستشفى بشائر في يوم واحد بعد انفجار في سوق على بعد أقل من كيلومتر. اثنا عشر من أولئك الذين تم إحضارهم إلى قسم الطوارئ كانوا أطفالاً دون سن الخامسة عشرة. وقد عانى الكثيرون من حروق وإصابات بالغة. أُحضرت طفلة تبلغ من العمر 20 شهراً أصيبت بشظايا عميقة في رأسها. وبينما كان الفريق يضعها برفق على طاولة الأشعة السينية، سقط جزء من عظم جمجمة الطفلة الهش على الطاولة. ويقول الدكتور معين*: “مثل هذه الحالات شائعة. ولحسن الحظ أن الطفلة نجت، لكن هناك آخرون ليسوا محظوظين بهذا القدر.

ويوضح الدكتور معين* أنَّ حالات الإصابات الجماعية مثل هذه – حيث يصل عدد كبير من المرضى ضمن مدة قصيرة – أصبحت أكثر تكراراً مع اشتداد القتال في المدينة. وتتعرض المستشفيات القليلة التي لا تزال تعمل لضغوط هائلة ويكافح الطاقم الطبي للتعامل مع جميع الاحتياجات.

وفي الوقت نفسه، بدأ المستشفى يشهد زيادة في عدد الأطفال والنساء الحوامل الذين يصلون إلى المستشفى ويعانون من سوء التغذية الحاد. ويمكن لسوء التغذية الحاد أن يهدد الحياة إذا لم يُعالج. ومن بين 4186 امرأة وطفلاً تم فحصهم حيال سوء التغذية بين 19 أكتوبر/تشرين الأول و8 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، كان أكثر من 1500 منهم يعانون من سوء التغذية الحاد الشديد و400 يعانون من سوء التغذية المعتدل.

تُظهر أرقام العنف وسوء التغذية هذه الكابوس الذي يعيشه الناس، بمن فيهم الأطفال، في الخرطوم. ويجب على أطراف النزاع ضمان حماية المدنيين. كما يجب السماح بوصول الإمدادات الطبية إلى جميع المستشفيات في السودان.
كلير سان فيليبو، منسقة الطوارئ في أطباء بلا حدود

منذ اندلاع النزاع في أبريل/نيسان 2023، حصل أكثر من 500,000 شخص على الرعاية الطبية في المستشفيات والمرافق الصحية والعيادات المتنقلة التي تدعمها أطباء بلا حدود في أنحاء السودان. وتدعم منظمة أطباء بلا حدود وتعمل في أكثر من 12 مرفقاً صحياً في المناطق المتضررة من النزاع، بما في ذلك في الخرطوم، وهي مواقع تشهد اشتباكات شديدة منذ بداية الحرب. وبين يناير/كانون الثاني وسبتمبر/أيلول 2024، عالجت أطباء بلا حدود ما مجموعه 6557 جريح حرب في جميع مرافقنا في السودان. ومع نزوح أكثر من 11 مليون شخص، أصبح السودان يشكل أكبر أزمة نزوح في الذاكرة الحديثة. وتنشط منظمة أطباء بلا حدود في 11 ولاية من أصل 18 لتقديم المساعدات الطبية المجانية لمن هم في أمس الحاجة إليها.

*تم تغيير اسم الطبيب لغرض الحماية.

Facebook
X
LinkedIn
WhatsApp
Print

العدسة المكسورة: مقاومة مضادات الميكروبات في البيئات الإنسانية

العدسة المكسورة: مقاومة مضادات الميكروبات في البيئات الإنسانية

تشكل مقاومة مضادات الميكروبات تهديدًا متزايدًا في البيئات الإنسانية والبيئات ذات الموارد المنخفضة، وخاصة في المناطق المتضررة من النزاعات حيث تعمل أنظمة الرعاية الصحية الهشة وحواجز الوصول إلى الرعاية الصحية والتلوث البيئي على تضخيم تأثيرها. منذ عام 2014، جعلت أطباء بلا حدود من الحد من عبء مقاومة مضادات الميكروبات أولوية رئيسة، ودمجتها في جهودها الإنسانية الطبية الأوسع نطاقًا.

يأتي هذا التقرير في أعقاب الاجتماع الثاني الرفيع المستوى للأمم المتحدة بشأن مقاومة مضادات الميكروبات، الذي عُقد في 26 سبتمبر/أيلول 2024، والذي كان يهدف إلى “مراجعة التقدّم المحرز في الجهود العالمية والإقليمية والوطنية لمكافحة مقاومة مضادات الميكروبات وتحديد الثغرات والاستثمار في حلول مستدامة لتعزيز التقدّم المتعدد القطاعات وتسريعه، وبناء عالم صحي قائم على المساواة وعدم ترك أيّ شخص خلف الركب”. وفي حين يعترف الإعلان الجديد بالفجوات الكبيرة في مكافحة مقاومة مضادات الميكروبات في البيئات الإنسانية والمنخفضة الموارد، لا يزال هناك نقص في الخطوات الملموسة والعملية لترجمة هذه الالتزامات إلى إجراءات ملموسة.

تمهيدًا للمضي قدمًا، يستند هذا التقرير إلى تسع دراسات حالة عملية أُجريت في غزة وأفغانستان وموزمبيق وشمال سوريا وأوكرانيا وسيراليون وجنوب السودان وبنغلاديش. توضح دراسات الحالة هذه المحركات والتحديات والعواقب الحاسمة لمقاومة مضادات الميكروبات في مجموعة من السياقات التي تعمل فيها أطباء بلا حدود، بما في ذلك المناطق المتضررة من النزاع، والمناطق المتأثرة بشكل غير متناسب بتغير المناخ، والبلدان ذات أنظمة الرعاية الصحية التي تعاني من نقص التمويل، والسكان النازحين.

يسلط هذا التقرير الضوء على الحاجة الملحة لتطوير نهج متكيف مع السياق للتعامل مع مقاومة مضادات الميكروبات لدى الفئات الأشد حاجة مثل الأطفال حديثي الولادة والأطفال الذين يعانون من سوء التغذية وأولئك الذين يعانون من الإصابات البالغة والنساء والفتيات اللاتي يعشن في بيئات إنسانية.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

لبنان: النجاة من الحرب بالرعاية المجتمعية

لبنان: النجاة من الحرب بالرعاية المجتمعية

فيما تلقي الحرب في لبنان بظلالها دمارها على ملايين الناس في جميع أنحاء البلاد، تمثل المبادرات التي يقودها المجتمع والجهود المحلية دليلًا على التضامن والأمل الباقيين في المجتمع اللبناني.

وفي قلب بيروت، توفر إحدى هذه المبادرات شريان حياة للنازحين في اللعازارية، والذي كان مبنى تجاريًا حيويًا في السابق، وأصبح الآن ملجأً لأكثر من 2,500 شخص نزحوا بسبب القصف والتوغلات الإسرائيلية.

تدعم أطباء بلا حدود تنفيذ مشروع المطبخ الذي يقدم وجبات مجانية للأشخاص هنا والذي أطلقته “أحلى فوضى”، وهي منظمة محلية غير حكومية، إلى جانب مطعم برزخ.

يقول خضر الأخضر، مدير العمليات في برزخ، “لقد بدأنا من الصفر. فمنذ بداية الحرب وتدفق النازحين [إلى هذه المنطقة]، عملنا بشكل وثيق مع جمعية “أحلى فوضى” لتوفير الطعام. يهدف هذا المشروع إلى توفير وجبات الطعام، إلى جانب تزويد مكوناته وتدريب الأشخاص المقيمين هنا في اللعازارية على إعداد الوجبات وطهيها بأنفسهم، مع التركيز على سلامة الغذاء ونظافته”.

ولتشغيل مشروع المطبخ، قام الفريق اللوجستي في أطباء بلا حدود بتحويل مساحة كانت فارغة سابقًا في اللعازارية إلى مطبخ يعمل بكامل طاقته، بينما قام كل من “أحلى فوضى” وبرزخ بتجهيز المرفق كي يلبي معايير النظافة والسلامة، إلى جانب تدريب السكان على إعداد الوجبات بأنفسهم باستخدام المكونات التي وُفّرت مجانًا. يقدم المطبخ الآن قرابة 2,500 وجبة يوميًا.

منذ بداية الحرب والمبادرات التي يقودها المجتمع في لبنان مدهشة. يؤدي تشجيع هذه الجهود إلى تعزيز الروابط والأجواء التعاونية التي تشتد الحاجة إليها ويضمن استدامة الاستجابة [للحرب].
إيلينا فرنانديز تاخادورا، منسقة اللوجستيات الطارئة في أطباء بلا حدود

واجه لبنان سلسلة من الأزمات في السنوات الأخيرة، بما في ذلك الانفجار الهائل لمرفأ بيروت في أغسطس/آب 2020 والانهيار الاقتصادي الذي يصنف ضمن الأسوأ في العالم. وقد أدى التصعيد الأخير للهجمات الإسرائيلية في البلاد إلى نزوح أكثر من مليون شخص منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، وتُرك كثر في ظروف معيشية غير مستقرة. فإضافة إلى الأزمة المتعددة الأوجه التي طال أمدها، دفع التصعيد جميع السكان إلى حافة الانهيار.

المبادرات المماثلة لمشروع المطبخ في اللعازارية تمثل أساليب عملية للرعاية المجتمعية والنجاة والاستمرار، وتمنح شعورًا بالأمل والدفء.

تقول عزيزة التي نزحت من جنوب بيروت والمقيمة الآن في ملجأ اللعازارية، “أنا فخورة بكوني جزءًا من هذا المطبخ. فقد الكثير من الناس هنا وظائفهم بسبب الحرب أو أنفقوا آخر ما لديهم من نقود على الاحتياجات الأساسية خلال الأشهر الماضية. لم يعد لديهم مال يكفي للبقاء على قيد الحياة. عندما علمت أن [المطبخ] بحاجة إلى دعم، تطوعت. نقوم معًا بما في وسعنا لتجاوز هذا الوضع. آمل، بإذن الله، أن ينتهي هذا الوضع عما قريب وأن تتحسن الأمور”.

دعمت أطباء بلا حدود كذلك مبادرات مجتمعية أخرى (مع التركيز على توفير الغذاء) في جميع أنحاء لبنان، بما في ذلك في صيدا وصور في جنوب البلاد. ومنذ تصعيد القصف الإسرائيلي في 23 سبتمبر/أيلول 2024، قدمت أطباء بلا حدود ما مجموعه 7,432 وجبة طعام و7,342 بطانية و6,050 فرشة و79,504 لتر من مياه الشرب و8,013 مجموعة مستلزمات النظافة الصحية و6,678,000 لتر من المياه قُدّمت للملاجئ في جميع أنحاء لبنان.

أطباء بلا حدود تدعم تنفيذ مشروع مطبخ يوفر وجبات الطعام للنازحين في مبنى اللعازارية
Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

“نحن أهل بعلبك، نكرم ضيوفنا بما هو متاح لدينا”

“نحن أهل بعلبك، نكرم ضيوفنا بما هو متاح لدينا”

  • جُمعت هذه الشهادة في الأول من نوفمبر/تشرين الثاني من مدرسة تؤوي النازحين في بيشوات بقضاء بعلبك-الهرمل في لبنان.

بعد قرابة عام من الهجمات المتبادلة على الحدود الجنوبية، كثّفت إسرائيل قصفها على لبنان في 23 سبتمبر/أيلول، ما أدّى إلى موجات نزوح جماعية تجاوزت قدرة البلد على تأمين المأوى اللازم.

*

بدأت ابتسامة فاطمة النابضة بالحياة بالاختفاء شيئًا فشيئًا مع دخولها إلى الصف المدرسي. تكدست المقاعد والطاولات على جانب الغرفة لتفسح المجال للأفرشة على الأرض. تمنّت لو أنها أتت إلى المدرسة لتسجيل أطفالها الثلاثة بدلًا من البحث عن مأوى. وتقول فاطمة البالغة من العمر 43 عامًا، “لم أرد أن أغادر المنزل، لم أرغب بذلك على الإطلاق. كان اليوم الذي أُجبرنا فيه على المغادرة من أصعب أيام حياتي”. ففي يوم 29 سبتمبر/أيلول، جمعت فاطمة بعض الأفرشة والأغطية وخرجت من منزلها تحت القصف. وبعد حوالي الخمس دقائق، قُصف منزل جارتها في كفردان.

وتضيف، “أنا ممتنة لأنني أنقذت أطفالي. فنأنا وزوجي نعيش من أجلهم. جسديًا، نحن على ما يُرام، ولكننا نفسيًا لسنا بخير. نتحلى بالصبر وننتظر نهاية الحرب.”

مسحت دموعها ووضعت إبريق القهوة على الموقد المتنقل. سرعان ما عادت ابتسامتها المشرقة وقالت، “نحن أهل بعلبك، نكرم ضيوفنا بما هو متاح لدينا”.

بعد ذلك، قرعت إقبال على الباب ودخلت إلى الغرفة. كانت المرأة ذات الستين عامًا قد اضطرت إلى مغادرة بلدة بوداي ووصلت إلى المدرسة مع فاطمة في اليوم نفسه.

وتقول، “لم يغمض لنا جفن طوال الليل بسبب القصف المستمر من حولنا. عندما أشرقت الشمس، هربنا من دون أي شيء. لم نعرف إلى أين كنا نتوجّه حتى، خرجنا لإنقاذ حياتنا فحسب”.

تمكنت إقبال من تأمين بعض الأفرشة والأغطية لها ولوالدها وإخوتها الثلاثة.

وتشرح، “لا نعرف ماذا حلّ بمنزلنا. أشتاق للمنزل كثيرًا ولكل المقتنيات التي لم أقدّر وجودها من قبل. أمست العودة إلى المنزل خطيرة، ومن غير الكرامة أن نبقى هنا”.

وهما يحتسيان القهوة، تبادلتا أطراف الحديث الذي لم يخلُ من مشاعر الحنين إلى الماضي القريب. إلا أن فاطمة تجرّأت على ما لم تقدر عليه إقبال، إذ إنها تخاطر بحياتها كل بضعة أيام للعودة إلى منزلها.

وتقول، “لا توجد حمامات في هذه المدرسة، والطقس بارد جدًا هنا في الجبل. لا يمكننا أن نتحمّل تكاليف تسخين المياه على الموقد. كما لا نستطيع تحمل أي تكاليف في حال أصيب أطفالنا بالمرض. لقد تقبّلت أن هذا ما أصبحت عليه حياتنا الآن”.

في دير الأحمر وعرسال وأجزاء أخرى من المحافظة، تنشط فرق أطباء بلا حدود في الاستجابة للاحتياجات، إذ توفّر المستلزمات أساسية مثل الأفرشة والأغطية، كما تقدّم الرعاية الطبية والدعم النفسي لمساعدة المتضررين من الهجمات المستمرة.

استجابة أطباء بلا حدود في بعلبك - الهرمل
Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

مداواة الجروح المفتوحة في طولكرم بالضفة الغربية

مداواة الجروح المفتوحة في طولكرم بالضفة الغربية

كان ذاك الصباح مشمسًا في مخيم نور شمس للاجئين في طولكرم بالضفة الغربية. اجتمعت أكثر من عشرين امرأة في غرفة جهزها طاقم أطباء بلا حدود، وجلسن في حلقة دائرية وهن يتبادلن أطراف الحديث ويحتسين القهوة العربية. في منتصف الغرفة، وُضعت طاولة تحمل ضمادات وأجهزة لوقف النزيف ورسومًا تشرح كيف يتدفق الدم في جسم الإنسان. كان هذا الاجتماع تدريبًا نظمته أطباء بلا حدود على “وقف النزيف”. معظم النساء المتواجدات في الغرفة لم يتلقين تدريبًا طبيًا يُذكر من قبل، لكن جروح الإصابات والنزيف الحاد ليست بالأمر الجديد عليهن. وقد حضرن هذا التدريب ليتعلّمن كيفية العناية بالجروح ووضع ضمادات وقف النزيف وتقديم الإسعافات الأولية الأساسية لأفراد العائلة والجيران قبل أن تسنح الفرصة ليتلقوا الرعاية الطبية خلال التوغلات العسكرية المتكررة للقوات الإسرائيلية.

تقول سعيدة أحمد، وهي إحدى المشاركات في التدريب من مخيم نور شمس، “نعاني من الغارات والانفجارات والإصابات الناجمة عن إطلاق النار. غالبًا ما نصادف شخصًا مصابًا أمامنا مباشرة. ومن المهم أن نتمتّع بالمعرفة والخلفية اللازمتين لتقديم الإسعافات الأولية كما يجب في مثل هذه الحالات. أثناء المداهمات، من الصّعب جدًا على سيارات الإسعاف أن تصل إلى مكان الحادث. لذلك يجب أن يتمتّع  كل شخص في المخيم ببعض المعرفة حول كيفية تقديم الإسعافات الأولية، حتى نتمكن من مساعدة الشخص المصاب بأنفسنا”.

وهنا، أمست المداهمات العسكرية التي تشنّها القوات الإسرائيلية أكثر تكرّرًا، وباتت عرقلة الوصول إلى الرعاية الصحية ممارسةً اعتيادية، إذ تُغلَق الطرقات، وتعجز سيارات الإسعاف عن التّحرّك، ويتعرّض العاملون في المجال الصحي للمضايقات والاستهداف أو بأحسن الأحوال تتمّ عرقلتهم، كما يُقوَّض وصول الجرحى إلى المستشفيات.

هذا وتزداد الغارات الجوية التي تشنها القوات الإسرائيلية عنفًا وشدة. ففي الثالث من أكتوبر/تشرين الأول 2024، قُتل 18 شخصًا في غارة جوية على مخيم طولكرم للاجئين. وباتت هجمات الطائرات المسيَّرة والغارات الجوية وغيرها من أشكال القصف في المناطق المكتظة ومخيمات اللاجئين غالبًا إجراءات شائعة تعتمدها القوات الإسرائيلية بصورة متزايدة. هذا وتتزايد مدة التوغلات، ليس في هذا المخيم فقط، فقد شنت القوات الإسرائيلية في جنين، شمال طولكرم، توغلًا عسكريًا واسع النطاق استمر تسعة أيام في آب/أغسطس الماضي.

وفي ظل العنف السائد وانعدام الأمن المستمر، تحدّث سكان هذه المخيمات مع فريق الصحة النفسية في أطباء بلا حدود عن التداعيات العميقة التي تتركها هذه الغارات في نفوسهم. تسهم التوغلات العسكرية الإسرائيلية في إعادة تشكيل حياة الناس، كما تجرّدهم من شعورهم بعيش حياة طبيعية ومن أي حسّ بالأمان. فما زال الناس يقاسون مآلات التوغّل الأخير حتى الآن، فيعملون على إعادة بناء الشوارع المدمّرة والمنازل المهدّمة، ويتنفسون الصعداء إلى أن يحين الموعد الجديد للمداهمة العسكرية. لذلك، تقدّم أطباء بلا حدود الإسعافات النفسية الأولية لسكان المخيم ليتعاملوا مع المشاكل النفسية الناجمة عن هذه الاقتحامات، والتي تؤثر على جميع السكان وعلى الأطفال بوجه خاص.

الوضع صعب للغاية. فالأطفال في المخيمات يخشون الذهاب إلى المدرسة خوفًا من وقوع توغلات خلال تواجدهم هناك. تلاشى الاستقرار من حياتهم داخل المنزل. فما زال الناس غارقين في حالة توتر. توقّف الأطفال عن اللعب في الأزقة وباتوا يقضون معظم وقتهم في المنزل ولا يستطيعون الخروج منه. حتى أنهم لا يذهبون لشراء ما يحتاجون إليه، إذ لا يسمح لهم آباؤهم وأمهاتهم بذلك خشية بدء المداهمات أو وقوع أي حادث خلال هذا الوقت. وقد أصبح العنف الذي تعرّض إليه بعض الأطفال موضوع لعبهم بأكمله.
أحد المرشدين في مجال الصحة المجتمعية مع أطباء بلا حدود في طولكرم

ووسط كل هذا الخوف وانعدام الأمن، يمسي عيش حياة طبيعية أو التخطيط للمستقبل أشبه بالمستحيل. ولكن من شأن حضور الدورات التدريبية كتلك المتمحورة حول إيقاف النزيف أن تمنح الناس إحساسًا بالسيطرة على الوضع من خلال إعطائهم بعض الأدوات اللازمة للتعامل مع حالات الطوارئ الطبية أثناء التوغلات، ولكن وجودها بحد ذاته يسلط الضوء على خطورة الوضع في الضفة الغربية. في هذه الغرفة، وبينما تتدرّب المشاركات على لف الشاش حول أذرع بعضهن البعض، يُماط اللثام عن الجروح العاطفية أيضًا. فتتبادل المشاركات قصص العنف الذي تعرضن  له في أحاديثهن وقصصهن وصور أقاربهن التي حفظنها على شاشات هواتفهن بعد مقتلهم. الجروح النفسية عميقةٌ أيضًا. ويستغرق التئامها وقتًا أطول بكثير من مجرّد الضغط على الجرح أو شدّه بضمادة إيقاف النزيف.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

“أيًا كانت خسائرنا، سنرجع”

“أيًا كانت خسائرنا، سنرجع”

في خضم القصف الإسرائيلي المستمر والتوغلات الإسرائيلية في جنوب لبنان، هُجّر عدد لا يحصى من العائلات، والتي لجأ الكثير منها إلى مدينة صيدا الساحلية. تقوم الفرق الطبية المتنقلة التابعة لأطباء بلا حدود بزيارة عدة مواقع في المدينة الجنوبية، حيث توفر الرعاية الصحية الأساسية والأدوية والدعم النفسي للنازحين بسبب العنف. إليكم بعض شهادات مرضانا هناك:

حسن خير الدين

“لا شيء يضاهي أن تعيش في منزلك”، يخبرنا حسن خير الدين، البالغ من العمر 67 عامًا، وهو نازح لبناني يعاني من ارتفاع ضغط الدم. فقد أجلى هو وزوجته من كفرملكي في جنوب لبنان بعدما اقترب القصف الإسرائيلي، وغادرا فقط بالملابس التي يرتديانها. ويضيف، “أبنائي نازحون أيضًا، ومشتتون في جميع أنحاء البلاد. هذه معاناة بحد ذاتها، ولكننا نمر بما يمر به الجميع”.

حسن موظف متقاعد خسر راتبه التقاعدي ومدخراته في الأزمة الاقتصادية لعام 2020، وبعد أن هُجّر من أرضه ثلاث مرات خلال التصعيدات الأخيرة، يتذكر حسن حصاد الزيتون وارتباطه العميق بالأرض التي أُجبر على تركها، “لا شيء يضاهي الجنوب. فأينما ذهبنا ومهما خسرنا ومهما عُرض علينا، سنرجع دومًا. لقد عشت الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 وأتذكر الغارات الجوية على القرى الجنوبية آنذاك. وكما عدنا إلى منازلنا آنذاك، سنعود هذه المرة”.

خديجة

نزحت خديجة، وهي لاجئة سورية وأم لخمسة أطفال، من النبطية مع عائلتها. تقول مشيرة إلى ابنتها البالغة من العمر سبع سنوات، “إنها تتلاشى أمام عيني”، والتي تقول إنها تعاني من التقزّم. تصف خديجة الظروف القاسية في موقف السيارات المكشوف على ساحل صيدا حيث التجأوا، فتقول، “لا نشعر بالنظافة إطلاقًا. الناس يتنافسون على الطعام هنا، وليس لدينا ما يكفي من الماء النظيف للاغتسال. نذهب إلى البحر لقضاء حاجتنا، ولكن غالبًا ما يكون هناك رجال حولنا”.

يعاني أطفال خديجة من مشاكل صحية مختلفة، ما يتسبب بتحطيم معنوياتها. وتخبرنا، “سيدرا البالغة من العمر 13 عامًا تعاني من الربو، وهبة ذات السبع سنوات بالكاد تزن عشرة كيلوغرامات، وملك البالغة من العمر ثمانية أشهر تعاني من الحمى والإسهال. أُرضعها كلما استطعت، لكن ذلك لا يكفي دائمًا، ولا أستطيع تنظيف زجاجاتها بشكل صحيح”.

وتعترف خديجة في لحظة يأس، “أحيانًا أتمنى لو أننا بقينا ومتنا في غارة جوية بدلًا من العيش هكذا”.

أم محمد
 

أم محمد لاجئة سورية تبلغ من العمر 40 عامًا، نزحت من القصيبة بجنوب لبنان، ولديها ثلاث بنات. كانت تعتني بحديقة صاحب عملها وتنسق أرضه وتبني سياجًا حولها. وليلة إجلائها من القصيبة، وقعت غارة جوية على مقربة خطيرة منها. تتذكر أنها شاركت مجتمعها بدلاء الماء لإخماد الحريق، ثم أخبرها صاحب العمل أن الوقت قد حان للرحيل. حزمت ثيابًا لكل واحدة من بناتها البالغات من العمر 18 وست وأربع سنوات، ولم تحمل معها سوى بطانية، تاركةً وراءها البِقالة التي كانت قد اشترتها يومها على أرضية مطبخها.

هالة
 

تبلغ هالة من العمر 24 عامًا، وهي لاجئة سورية وأم لثلاثة أطفال: يامن (عامان) وروان (ثلاثة أعوام) ورزان (ستة أعوام)، وقد أجلت من بلدة عدلون الساحلية في جنوب لبنان وسط الغارات الجوية وصفارات سيارات الإسعاف. تقول، “غادرنا بلا شيء. هربنا على متن دراجة نارية، لكنها تعطلت هنا في صيدا. عاد زوجي لاستعادة ممتلكاتنا، لكن كل شيء كان قد سُرق”.

والآن، تعتمد هالة وعائلتها على المساعدات للحصول على الطعام، فتقول، “جميع أطفالي مرضى يعانون من القيء والإسهال. كانت روان، المصابة بمتلازمة داون، تتلقى العلاج الطبيعي للمشي والحركة. كانت لدينا آمال كبيرة في أن تبدأ بالتواصل اللفظي من خلال علاج النطق قريبًا، وقد أحرزت تقدمًا كبيرًا. ولكن الآن، تلاشى كل ذلك. فهي بحاجة إلى الكثير من الأدوية وغالبًا ما تعاني من التنمر من قبل الأطفال الآخرين لعدم قدرتها على التعبير عن نفسها”.

شمس المحمود وماريمار وكاظم
 

ما زالت شمس المحمود تحمل صفات اسمها، فقد بقيت مشرقة ودافئة كما كانت دومًا على الرغم من المصاعب التي عانت منها وعائلتها. نزحت شمس مع أطفالها معمار (24 عامًا) وميماس وكاظم (20 عامًا) وماريمار (14 عامًا) من كفرمان وتعيش الآن في موقف للسيارات في صيدا بجنوب لبنان.

بابتسامة محببة، تروي شمس لحظات هروب عائلتها من الغارات الجوية الإسرائيلية في البلدة التي اتخذوها منزلًا لهم لأكثر من عقد، إذ فروا سيرًا على الأقدام لمدة 12 ساعة حتى وجدوا أخيرًا الأمان النسبي في صيدا. وبعد أيام قليلة، انطلق كاظم وإحدى شقيقاته في رحلة خطرة إلى منزلهم السابق على دراجة نارية استعاراها لإنقاذ هرّتيهما الصغيرتين سيمبا وميمي. تقول مريمار، وهي تلعب مع إحدى الهرّتين، “فكرنا بهما بينما كنا نغادر. لكن الغارات الجوية كانت قريبة جدًا. أشعر بارتياح كبير لأننا تمكّنا من العودة لإحضارهما”.

نجاح عاشور

نجاح عاشور هي لاجئة سورية كانت تعيش في جنوب لبنان. وقد نزحت مرة أخرى مع بناتها مايا (11 عامًا( ولجين (6 أعوام) وساري (تسعة أشهر) بعدما طالت الغارات الجوية بلدة البيسارية بجنوب لبنان. كانت نجاح من بين 1.2 مليون شخص نزحوا بسبب القصف الإسرائيلي المستمر. وفيما يتأثر الجميع بالحرب، إلا أن الأقليات كاللاجئين السوريين والعمال المهاجرين والمسنين والأشخاص المصابين بعجز أو إعاقة يكونون أكثر عرضة للتمييز والإقصاء، مما يحد من إمكانية حصولهم على الرعاية الصحية والمساعدات الإنسانية.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print