متاح أيضاً باللغة

“نحن أهل بعلبك، نكرم ضيوفنا بما هو متاح لدينا”

“نحن أهل بعلبك، نكرم ضيوفنا بما هو متاح لدينا”

  • جُمعت هذه الشهادة في الأول من نوفمبر/تشرين الثاني من مدرسة تؤوي النازحين في بيشوات بقضاء بعلبك-الهرمل في لبنان.

بعد قرابة عام من الهجمات المتبادلة على الحدود الجنوبية، كثّفت إسرائيل قصفها على لبنان في 23 سبتمبر/أيلول، ما أدّى إلى موجات نزوح جماعية تجاوزت قدرة البلد على تأمين المأوى اللازم.

*

بدأت ابتسامة فاطمة النابضة بالحياة بالاختفاء شيئًا فشيئًا مع دخولها إلى الصف المدرسي. تكدست المقاعد والطاولات على جانب الغرفة لتفسح المجال للأفرشة على الأرض. تمنّت لو أنها أتت إلى المدرسة لتسجيل أطفالها الثلاثة بدلًا من البحث عن مأوى. وتقول فاطمة البالغة من العمر 43 عامًا، “لم أرد أن أغادر المنزل، لم أرغب بذلك على الإطلاق. كان اليوم الذي أُجبرنا فيه على المغادرة من أصعب أيام حياتي”. ففي يوم 29 سبتمبر/أيلول، جمعت فاطمة بعض الأفرشة والأغطية وخرجت من منزلها تحت القصف. وبعد حوالي الخمس دقائق، قُصف منزل جارتها في كفردان.

وتضيف، “أنا ممتنة لأنني أنقذت أطفالي. فنأنا وزوجي نعيش من أجلهم. جسديًا، نحن على ما يُرام، ولكننا نفسيًا لسنا بخير. نتحلى بالصبر وننتظر نهاية الحرب.”

مسحت دموعها ووضعت إبريق القهوة على الموقد المتنقل. سرعان ما عادت ابتسامتها المشرقة وقالت، “نحن أهل بعلبك، نكرم ضيوفنا بما هو متاح لدينا”.

بعد ذلك، قرعت إقبال على الباب ودخلت إلى الغرفة. كانت المرأة ذات الستين عامًا قد اضطرت إلى مغادرة بلدة بوداي ووصلت إلى المدرسة مع فاطمة في اليوم نفسه.

وتقول، “لم يغمض لنا جفن طوال الليل بسبب القصف المستمر من حولنا. عندما أشرقت الشمس، هربنا من دون أي شيء. لم نعرف إلى أين كنا نتوجّه حتى، خرجنا لإنقاذ حياتنا فحسب”.

تمكنت إقبال من تأمين بعض الأفرشة والأغطية لها ولوالدها وإخوتها الثلاثة.

وتشرح، “لا نعرف ماذا حلّ بمنزلنا. أشتاق للمنزل كثيرًا ولكل المقتنيات التي لم أقدّر وجودها من قبل. أمست العودة إلى المنزل خطيرة، ومن غير الكرامة أن نبقى هنا”.

وهما يحتسيان القهوة، تبادلتا أطراف الحديث الذي لم يخلُ من مشاعر الحنين إلى الماضي القريب. إلا أن فاطمة تجرّأت على ما لم تقدر عليه إقبال، إذ إنها تخاطر بحياتها كل بضعة أيام للعودة إلى منزلها.

وتقول، “لا توجد حمامات في هذه المدرسة، والطقس بارد جدًا هنا في الجبل. لا يمكننا أن نتحمّل تكاليف تسخين المياه على الموقد. كما لا نستطيع تحمل أي تكاليف في حال أصيب أطفالنا بالمرض. لقد تقبّلت أن هذا ما أصبحت عليه حياتنا الآن”.

في دير الأحمر وعرسال وأجزاء أخرى من المحافظة، تنشط فرق أطباء بلا حدود في الاستجابة للاحتياجات، إذ توفّر المستلزمات أساسية مثل الأفرشة والأغطية، كما تقدّم الرعاية الطبية والدعم النفسي لمساعدة المتضررين من الهجمات المستمرة.

استجابة أطباء بلا حدود في بعلبك - الهرمل
Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

مداواة الجروح المفتوحة في طولكرم بالضفة الغربية

مداواة الجروح المفتوحة في طولكرم بالضفة الغربية

كان ذاك الصباح مشمسًا في مخيم نور شمس للاجئين في طولكرم بالضفة الغربية. اجتمعت أكثر من عشرين امرأة في غرفة جهزها طاقم أطباء بلا حدود، وجلسن في حلقة دائرية وهن يتبادلن أطراف الحديث ويحتسين القهوة العربية. في منتصف الغرفة، وُضعت طاولة تحمل ضمادات وأجهزة لوقف النزيف ورسومًا تشرح كيف يتدفق الدم في جسم الإنسان. كان هذا الاجتماع تدريبًا نظمته أطباء بلا حدود على “وقف النزيف”. معظم النساء المتواجدات في الغرفة لم يتلقين تدريبًا طبيًا يُذكر من قبل، لكن جروح الإصابات والنزيف الحاد ليست بالأمر الجديد عليهن. وقد حضرن هذا التدريب ليتعلّمن كيفية العناية بالجروح ووضع ضمادات وقف النزيف وتقديم الإسعافات الأولية الأساسية لأفراد العائلة والجيران قبل أن تسنح الفرصة ليتلقوا الرعاية الطبية خلال التوغلات العسكرية المتكررة للقوات الإسرائيلية.

تقول سعيدة أحمد، وهي إحدى المشاركات في التدريب من مخيم نور شمس، “نعاني من الغارات والانفجارات والإصابات الناجمة عن إطلاق النار. غالبًا ما نصادف شخصًا مصابًا أمامنا مباشرة. ومن المهم أن نتمتّع بالمعرفة والخلفية اللازمتين لتقديم الإسعافات الأولية كما يجب في مثل هذه الحالات. أثناء المداهمات، من الصّعب جدًا على سيارات الإسعاف أن تصل إلى مكان الحادث. لذلك يجب أن يتمتّع  كل شخص في المخيم ببعض المعرفة حول كيفية تقديم الإسعافات الأولية، حتى نتمكن من مساعدة الشخص المصاب بأنفسنا”.

وهنا، أمست المداهمات العسكرية التي تشنّها القوات الإسرائيلية أكثر تكرّرًا، وباتت عرقلة الوصول إلى الرعاية الصحية ممارسةً اعتيادية، إذ تُغلَق الطرقات، وتعجز سيارات الإسعاف عن التّحرّك، ويتعرّض العاملون في المجال الصحي للمضايقات والاستهداف أو بأحسن الأحوال تتمّ عرقلتهم، كما يُقوَّض وصول الجرحى إلى المستشفيات.

هذا وتزداد الغارات الجوية التي تشنها القوات الإسرائيلية عنفًا وشدة. ففي الثالث من أكتوبر/تشرين الأول 2024، قُتل 18 شخصًا في غارة جوية على مخيم طولكرم للاجئين. وباتت هجمات الطائرات المسيَّرة والغارات الجوية وغيرها من أشكال القصف في المناطق المكتظة ومخيمات اللاجئين غالبًا إجراءات شائعة تعتمدها القوات الإسرائيلية بصورة متزايدة. هذا وتتزايد مدة التوغلات، ليس في هذا المخيم فقط، فقد شنت القوات الإسرائيلية في جنين، شمال طولكرم، توغلًا عسكريًا واسع النطاق استمر تسعة أيام في آب/أغسطس الماضي.

وفي ظل العنف السائد وانعدام الأمن المستمر، تحدّث سكان هذه المخيمات مع فريق الصحة النفسية في أطباء بلا حدود عن التداعيات العميقة التي تتركها هذه الغارات في نفوسهم. تسهم التوغلات العسكرية الإسرائيلية في إعادة تشكيل حياة الناس، كما تجرّدهم من شعورهم بعيش حياة طبيعية ومن أي حسّ بالأمان. فما زال الناس يقاسون مآلات التوغّل الأخير حتى الآن، فيعملون على إعادة بناء الشوارع المدمّرة والمنازل المهدّمة، ويتنفسون الصعداء إلى أن يحين الموعد الجديد للمداهمة العسكرية. لذلك، تقدّم أطباء بلا حدود الإسعافات النفسية الأولية لسكان المخيم ليتعاملوا مع المشاكل النفسية الناجمة عن هذه الاقتحامات، والتي تؤثر على جميع السكان وعلى الأطفال بوجه خاص.

الوضع صعب للغاية. فالأطفال في المخيمات يخشون الذهاب إلى المدرسة خوفًا من وقوع توغلات خلال تواجدهم هناك. تلاشى الاستقرار من حياتهم داخل المنزل. فما زال الناس غارقين في حالة توتر. توقّف الأطفال عن اللعب في الأزقة وباتوا يقضون معظم وقتهم في المنزل ولا يستطيعون الخروج منه. حتى أنهم لا يذهبون لشراء ما يحتاجون إليه، إذ لا يسمح لهم آباؤهم وأمهاتهم بذلك خشية بدء المداهمات أو وقوع أي حادث خلال هذا الوقت. وقد أصبح العنف الذي تعرّض إليه بعض الأطفال موضوع لعبهم بأكمله.
أحد المرشدين في مجال الصحة المجتمعية مع أطباء بلا حدود في طولكرم

ووسط كل هذا الخوف وانعدام الأمن، يمسي عيش حياة طبيعية أو التخطيط للمستقبل أشبه بالمستحيل. ولكن من شأن حضور الدورات التدريبية كتلك المتمحورة حول إيقاف النزيف أن تمنح الناس إحساسًا بالسيطرة على الوضع من خلال إعطائهم بعض الأدوات اللازمة للتعامل مع حالات الطوارئ الطبية أثناء التوغلات، ولكن وجودها بحد ذاته يسلط الضوء على خطورة الوضع في الضفة الغربية. في هذه الغرفة، وبينما تتدرّب المشاركات على لف الشاش حول أذرع بعضهن البعض، يُماط اللثام عن الجروح العاطفية أيضًا. فتتبادل المشاركات قصص العنف الذي تعرضن  له في أحاديثهن وقصصهن وصور أقاربهن التي حفظنها على شاشات هواتفهن بعد مقتلهم. الجروح النفسية عميقةٌ أيضًا. ويستغرق التئامها وقتًا أطول بكثير من مجرّد الضغط على الجرح أو شدّه بضمادة إيقاف النزيف.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

“أيًا كانت خسائرنا، سنرجع”

“أيًا كانت خسائرنا، سنرجع”

في خضم القصف الإسرائيلي المستمر والتوغلات الإسرائيلية في جنوب لبنان، هُجّر عدد لا يحصى من العائلات، والتي لجأ الكثير منها إلى مدينة صيدا الساحلية. تقوم الفرق الطبية المتنقلة التابعة لأطباء بلا حدود بزيارة عدة مواقع في المدينة الجنوبية، حيث توفر الرعاية الصحية الأساسية والأدوية والدعم النفسي للنازحين بسبب العنف. إليكم بعض شهادات مرضانا هناك:

حسن خير الدين

“لا شيء يضاهي أن تعيش في منزلك”، يخبرنا حسن خير الدين، البالغ من العمر 67 عامًا، وهو نازح لبناني يعاني من ارتفاع ضغط الدم. فقد أجلى هو وزوجته من كفرملكي في جنوب لبنان بعدما اقترب القصف الإسرائيلي، وغادرا فقط بالملابس التي يرتديانها. ويضيف، “أبنائي نازحون أيضًا، ومشتتون في جميع أنحاء البلاد. هذه معاناة بحد ذاتها، ولكننا نمر بما يمر به الجميع”.

حسن موظف متقاعد خسر راتبه التقاعدي ومدخراته في الأزمة الاقتصادية لعام 2020، وبعد أن هُجّر من أرضه ثلاث مرات خلال التصعيدات الأخيرة، يتذكر حسن حصاد الزيتون وارتباطه العميق بالأرض التي أُجبر على تركها، “لا شيء يضاهي الجنوب. فأينما ذهبنا ومهما خسرنا ومهما عُرض علينا، سنرجع دومًا. لقد عشت الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 وأتذكر الغارات الجوية على القرى الجنوبية آنذاك. وكما عدنا إلى منازلنا آنذاك، سنعود هذه المرة”.

خديجة

نزحت خديجة، وهي لاجئة سورية وأم لخمسة أطفال، من النبطية مع عائلتها. تقول مشيرة إلى ابنتها البالغة من العمر سبع سنوات، “إنها تتلاشى أمام عيني”، والتي تقول إنها تعاني من التقزّم. تصف خديجة الظروف القاسية في موقف السيارات المكشوف على ساحل صيدا حيث التجأوا، فتقول، “لا نشعر بالنظافة إطلاقًا. الناس يتنافسون على الطعام هنا، وليس لدينا ما يكفي من الماء النظيف للاغتسال. نذهب إلى البحر لقضاء حاجتنا، ولكن غالبًا ما يكون هناك رجال حولنا”.

يعاني أطفال خديجة من مشاكل صحية مختلفة، ما يتسبب بتحطيم معنوياتها. وتخبرنا، “سيدرا البالغة من العمر 13 عامًا تعاني من الربو، وهبة ذات السبع سنوات بالكاد تزن عشرة كيلوغرامات، وملك البالغة من العمر ثمانية أشهر تعاني من الحمى والإسهال. أُرضعها كلما استطعت، لكن ذلك لا يكفي دائمًا، ولا أستطيع تنظيف زجاجاتها بشكل صحيح”.

وتعترف خديجة في لحظة يأس، “أحيانًا أتمنى لو أننا بقينا ومتنا في غارة جوية بدلًا من العيش هكذا”.

أم محمد
 

أم محمد لاجئة سورية تبلغ من العمر 40 عامًا، نزحت من القصيبة بجنوب لبنان، ولديها ثلاث بنات. كانت تعتني بحديقة صاحب عملها وتنسق أرضه وتبني سياجًا حولها. وليلة إجلائها من القصيبة، وقعت غارة جوية على مقربة خطيرة منها. تتذكر أنها شاركت مجتمعها بدلاء الماء لإخماد الحريق، ثم أخبرها صاحب العمل أن الوقت قد حان للرحيل. حزمت ثيابًا لكل واحدة من بناتها البالغات من العمر 18 وست وأربع سنوات، ولم تحمل معها سوى بطانية، تاركةً وراءها البِقالة التي كانت قد اشترتها يومها على أرضية مطبخها.

هالة
 

تبلغ هالة من العمر 24 عامًا، وهي لاجئة سورية وأم لثلاثة أطفال: يامن (عامان) وروان (ثلاثة أعوام) ورزان (ستة أعوام)، وقد أجلت من بلدة عدلون الساحلية في جنوب لبنان وسط الغارات الجوية وصفارات سيارات الإسعاف. تقول، “غادرنا بلا شيء. هربنا على متن دراجة نارية، لكنها تعطلت هنا في صيدا. عاد زوجي لاستعادة ممتلكاتنا، لكن كل شيء كان قد سُرق”.

والآن، تعتمد هالة وعائلتها على المساعدات للحصول على الطعام، فتقول، “جميع أطفالي مرضى يعانون من القيء والإسهال. كانت روان، المصابة بمتلازمة داون، تتلقى العلاج الطبيعي للمشي والحركة. كانت لدينا آمال كبيرة في أن تبدأ بالتواصل اللفظي من خلال علاج النطق قريبًا، وقد أحرزت تقدمًا كبيرًا. ولكن الآن، تلاشى كل ذلك. فهي بحاجة إلى الكثير من الأدوية وغالبًا ما تعاني من التنمر من قبل الأطفال الآخرين لعدم قدرتها على التعبير عن نفسها”.

شمس المحمود وماريمار وكاظم
 

ما زالت شمس المحمود تحمل صفات اسمها، فقد بقيت مشرقة ودافئة كما كانت دومًا على الرغم من المصاعب التي عانت منها وعائلتها. نزحت شمس مع أطفالها معمار (24 عامًا) وميماس وكاظم (20 عامًا) وماريمار (14 عامًا) من كفرمان وتعيش الآن في موقف للسيارات في صيدا بجنوب لبنان.

بابتسامة محببة، تروي شمس لحظات هروب عائلتها من الغارات الجوية الإسرائيلية في البلدة التي اتخذوها منزلًا لهم لأكثر من عقد، إذ فروا سيرًا على الأقدام لمدة 12 ساعة حتى وجدوا أخيرًا الأمان النسبي في صيدا. وبعد أيام قليلة، انطلق كاظم وإحدى شقيقاته في رحلة خطرة إلى منزلهم السابق على دراجة نارية استعاراها لإنقاذ هرّتيهما الصغيرتين سيمبا وميمي. تقول مريمار، وهي تلعب مع إحدى الهرّتين، “فكرنا بهما بينما كنا نغادر. لكن الغارات الجوية كانت قريبة جدًا. أشعر بارتياح كبير لأننا تمكّنا من العودة لإحضارهما”.

نجاح عاشور

نجاح عاشور هي لاجئة سورية كانت تعيش في جنوب لبنان. وقد نزحت مرة أخرى مع بناتها مايا (11 عامًا( ولجين (6 أعوام) وساري (تسعة أشهر) بعدما طالت الغارات الجوية بلدة البيسارية بجنوب لبنان. كانت نجاح من بين 1.2 مليون شخص نزحوا بسبب القصف الإسرائيلي المستمر. وفيما يتأثر الجميع بالحرب، إلا أن الأقليات كاللاجئين السوريين والعمال المهاجرين والمسنين والأشخاص المصابين بعجز أو إعاقة يكونون أكثر عرضة للتمييز والإقصاء، مما يحد من إمكانية حصولهم على الرعاية الصحية والمساعدات الإنسانية.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

أبعد من مجرّد النجاة: دعم الأطفال والبالغين في مواجهة صدمات الحرب في لبنان

أبعد من مجرّد النجاة: دعم الأطفال والبالغين في مواجهة صدمات الحرب في لبنان

“تقول ازدهار، “ابنتي في الرابعة عشرة من عمرها فقط، ولكن مع كل الصعوبات التي واجهناها فإنّها تتفاعل مع الغارات الجوية بنضج يفوق سنوات عمرها. كان عليها أن تنضج بسرعة”.

في مساء يوم 28 سبتمبر/أيلول، كانت ازدهار وأفراد عائلتها يتناولون العشاء في بيتهم في ضاحية بيروت الجنوبية عندما تلقوا إنذارًا بقصف إسرائيلي وشيك. غادر الزوج لتقديم الرعاية لوالدته، فيما أخذت ازدهار أطفالها ولاذت مع جيرانها إلى وسط العاصمة. قضت المجموعة ليلتها الأولى في الشوارع قبل أن تنتقل إلى ملجأ اللعازارية الذي كان مبنى تجاريًا قبل تحويله إلى مركز إيواء بات يسكنه قرابة 3,500 شخص. واليوم تصل أعداد النازحين في البلد إلى مليون ومئتي ألف شخص جراء الحرب بين إسرائيل وحزب الله بحسب بيانات السلطات اللبنانية.

تعمل أطباء بلا حدود على تلبية الاحتياجات الطبية والنفسية للناس في الملاجئ الجماعية على غرار مبنى اللعازرية، وبينهم الأطفال وابنة ازدهار التي تخوض مع جيلها مشهدًا عارمًا بالخوف وعدم اليقين يتحمّل الأطفال الوزر الأكبر منه.

التداعيات النفسية للحرب والنزوح

منذ تصاعد الحرب قبل أقل من شهر، قُتل أكثر من 2,300 شخص في لبنان، أغلبهم في  الأسابيع الثلاثة الأخيرة، كما أصيب أكثر من 11,100 شخص وفقًا للسلطات الصحية. ومن شأن  هذا العنف والدمار الذي يشهده الناس، والأطفال على وجه خاص، أن يترك آثارًا دائمة على صحتهم النفسية والعاطفية. فعلى غرار ابنة ازدهار،  اضطر عدد هائل من الأطفال في لبنان إلى أن ينضجوا بسرعة في واقع الحرب القاسي، ذلك أنهم اقتُلعوا من منازلهم وعُطلت دراستهم وانفصلوا عن أصدقائهم، وتلاشت إمكانية حصولهم على الضروريات الأساسية كالطعام والمأوى.

يلاحظ الكثير من الآباء والأمهات مشاكل سلوكية لدى أطفالهم، كالغضب والعدوانية وغيرها من السلوكيات المقلقة، مما يزيد من القلق على سلامتهم. يعرب الناس عن حاجة شديدة إلى خدمات الصحة النفسية والخدمات المرتبطة بالصدمات النفسية على وجه التحديد، إذ تؤثر على حياتهم اليومية بأشكال مختلفة، من اضطرابات النوم إلى فقدان الشهية.
أماني المشاقبة، مديرة الأنشطة النفسية مع أطباء بلا حدود في البقاع

غير أن الأطفال ليسوا وحدهم من يحتاج إلى دعم الصحة النفسية. فقد أفاد الكثير من المرضى الذين نعاينهم بشعورهم بالإرهاق والصدمة  نتيجة التهديد المستمر بالعنف، معربين عن قلق عميق حيال مستقبلهم في بيئة غير مستقرة. هذا وتتفاقم محنتهم في ظل حزنهم على أفراد أسرتهم الذين قضوا وألم الانفصال الناجم عن النزوح. ويشعر آخرون بالقلق بسبب أوضاعهم الصحية المزمنة أو احتمالية تفويتهم للعام الدراسي. ولا تأتي جميع هذه التجارب من دون آثار هائلة على الصحة النفسية.

تستجيب فرق أطباء بلا حدود للاحتياجات عبر توفير الرعاية الأساسية والنفسية للنازحين، بما في ذلك الإسعافات النفسية الأولية والتثقيف النفسي، في وحداتنا الطبية المتنقلة في البلد. ومع ذلك، فإنّ حمل الناس على الإقرار بمعاناتهم والتعبير عن مواطن ضعفهم ليس بالأمر الهيّن، إذ يشعر الكثيرون بضرورة الصمود في وجه هذه المصاعب كما لاحظ فريق الصحة النفسية لدينا. لذلك فقد اقترن إقناعهم بجواز التعبير عن عواطفهم ببعض التحديات أحيانًا، لا سيما الشباب اليافعين الذين يتعلّمون غالبًا كبت مشاعرهم.

ولتوسيع نطاق هذا الدعم، أطلقت أطباء بلا حدود خطًا للمساعدة يتيح للأشخاص تلقي الدعم عن بُعد من معالجين نفسيين يساعدون على التعامل مع أعراض الصدمات كالقلق والحزن.

خط للمساعدة على التعافي

يسمح لنا خط المساعدة الذي أطلقته أطباء بلا حدود بالوصول إلى الناس غير القادرين على الحضور لالتماس خدماتنا، لا سيما في جنوب لبنان، حيث يقترن التنقل بصعوبات جمة نتيجة القصف الإسرائيلي المكثّف وقيود الحركة. وتحظى هكذا خطوات بأهمية بالغة في هذه الفترة المتقلّبة إذ تكثر  العوائق التي تحول دون حصول الناس على الرعاية، كارتفاع كلفة التنقل والوصمة الثقافية المحيطة بالصحة النفسية.

يُشار إلى أن كثيرًا من المتصلين هم آباء وأمهات يواجهون صعوبة في مساعدة أطفالهم على التأقلم خلال الحرب ويلاحظون غالبًا تغيرات في سلوكهم. فيحتار الأهل حول الطريقة الأنسب لتفسير ما يسمعه أطفالهم من أصوات مخيفة للانفجارات وإطلاق النيران، ويلجؤون في بعض الأحيان إلى تفسيرات مضللة لطمأنتهم. فيشبّهون هذه الأصوات بإطلاق النار السعيد في المناسبات خلال الاحتفالات أو حفلات الزفاف. وعليه، يزوّد الاختصاصيون النفسيون الآباء والأمهات باستراتيجيات فعالة للتواصل بصدق مع أطفالهم ولتزويدهم بمساحات آمنة تتيح لهم التعبير عن مشاعرهم.

وفي مواجهة الطلب المتزايد على الدعم النفسي، شهد خط المساعدة ارتفاعًا كبيرًا في عدد المكالمات من خمس مكالمات يوميًا إلى 80 مكالمة في فترة ما بعد الظهيرة فقط.  وقد تلقّى خط المساعدة نحو 300 مكالمة في المجمل، معظمها في الأسبوعين الماضيين فقط.

هذا وقد يسّرت فرقنا جلسات نفسية للمجموعات حضرها أكثر من 5000 شخص حتى 21 أكتوبر/تشرين الأول 2024، كما وفرنا أكثر من  450 جلسة للأفراد. تقدم فرقنا أيضًا الإسعافات النفسية الأولية التي تشمل الاستماع الفعال وتقنيات التخفيف من التوتر، مما يتيح للمرضى التعبير عن مشاعرهم ومخاوفهم. وإلى جانب الرعاية الطبية والنفسية الضرورية، توزّع فرقنا المواد الأساسية غير الغذائية كالفرش ومستلزمات النظافة الصحية على النازحين.

في حين يجب التفكير بواقعية حول هذا الوضع، علينا أيضًا أن نركّز على أنّ هذه المشاعر طبيعية. من المهم أن ينصت الآباء والأمهات إلى أطفالهم ويتفهموا تأثير الأصوات عليهم. هذا ويمكنهم تشجيع الأطفال على مشاركة مشاعرهم من خلال الرسم أو التحدث معهم.
أماني المشاقبة، مديرة الأنشطة النفسية مع أطباء بلا حدود في البقاع

بلد في قلب الأزمة

اندلعت هذه الحرب في أعقاب أزمة اقتصادية طال أمدها وتسببت في عيش 80 في المئة من اللبنانيين تحت خط الفقر  واشتداد حاجتهم إلى المساعدة. وقد واجه قطاع الرعاية الصحية تحديات شديدة في هذا السياق، إذ تردّت الخدمات العامة وأمست تكاليف الرعاية الخاصة باهظة بصورة متزايدة.

وتضيف، “أخبرني أحد الاختصاصيين النفسيين الذين أعمل معهم أنّ سيدة بدأت بالبكاء عندما علمت أن خدماتنا مجانية. لا يخطر للناس غالبًا أن هذه الخدمات تتوفر من دون أي تكاليف”.

هذا ويعدّ لبنان مستقرًا لعدد كبير من اللاجئين، بما في ذلك 1.5 مليون سوري وأكثر من مئتي ألف فلسطيني، وقد خاض كثر منهم رحلة النزوح بشكل متكرر. وبالنسبة إلى هؤلاء الأشخاص، فإنّ الخوف من الترحيل والمعاناة للعثور على مأمن يشكّل عبئًا ثقيلًا.

وفي هذا الصدد تقول أماني، “أخبرني البعض إنهم يفضلون الموت على أن يخوضوا غمار النزوح مرة أخرى”.

تجري أطباء بلا حدود تقييمات مستمرة لاحتياجات النازحين. ومع تطوّر الوضع، تعمل فرقنا عن كثب مع الشركاء والمستشفيات لتقديم الدعم الشامل حيثما أمكن.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

قليل من الأمن وكثير من القلق: شهادات النازحين من الضاحية الجنوبية لبيروت

قليل من الأمن وكثير من القلق: شهادات النازحين من الضاحية الجنوبية لبيروت

تحوّلت بناية اللعازارية التي كانت مركزًا تجاريًا حيويًا في قلب بيروت إلى ملجأ للنازحين بسبب القصف الإسرائيلي المستمر في لبنان. يؤوي هذا الملجأ المؤقت الآن أكثر من 2,500 شخص، والظروف هنا مزرية، ذلك أن هذا المرفق لم يكن مخصصًا للمعيشة على المدى الطويل، ما يجعل العائلات تعاني من نقص الموارد والاحتياجات الأساسية. أرسلت أطباء بلا حدود وحدة طبية متنقلة إلى هناك، حيث توفر الرعاية الصحية الأساسية والدعم النفسي الضروريين، خاصة للأطفال المتضررين. كما وزعت المنظمة مواد ضرورية غير غذائية مثل منتجات النظافة الصحية والفرش والبطانيات للمساعدة في تحسين الظروف المعيشية لهذه الأسر المحتاجة.

“لا أريد أن أغادر…”

كان عماد هاشم البالغ من العمر 55 عامًا يعيش مع زوجته وشقيقته وابنه وابن عمه في ضاحية بيروت الجنوبية. وفي أعقاب غارة 27 سبتمبر/أيلول، قررت العائلة مغادرة الضاحية، حاملين معهم كل ما يستطيعون حمله. احتاجت العائلة إلى بضعة أيام للعثور على الفرش والبطانيات، ويوضح عماد أنهم الآن يتمكنون من البقاء على قيد الحياة في ملجأ اللعازارية بفضل توزيع الطعام بانتظام. إلا أن رب الأسرة يشعر بالقلق بشأن الظروف المعيشية في الملجأ، خاصة مع قدوم فصل الشتاء والأمطار والبرد. كما أنه يشعر بالقلق على صحة ابن عمه المصاب بالسرطان والذي لم يتلق العلاج ليومين. يضيف عماد، “كنا نستلم هذا العلاج الباهظ الثمن من وزارة الصحة، ولكننا الآن لسنا متأكدين من كيفية الحصول عليه”.

يأمل عماد أن يتمكن من العودة إلى منزله يومًا ما. يقول في هذا الصدد، “لا أريد أن أغادر لبنان، لكن لديّ ابن وزوجة عليّ الاعتناء بهما. إذا كانت الطريقة الوحيدة لاستعادة الاستقرار هي المغادرة، فسنغادر. لكن إلى أين وكيف، ليس لدي أي فكرة”.

أطفال يكبرون قبل أوانهم

تنحدر ازدهار الضيقة البالغة من العمر 39 عامًا من بعلبك، وكانت تعيش مع زوجها وابنتها وابنها في ضاحية بيروت الجنوبية. وفي مساء يوم 28 سبتمبر/أيلول، قرابة الساعة 10:30 مساءً، وبينما كانت العائلة تتناول العشاء، تلقوا إنذارًا بقصف وشيك في الحي، فقرروا الإجلاء.

أخذت ازدهار ابنتها وابنها وغادرت الضاحية الجنوبية إلى وسط العاصمة مع 14 من جيرانها. قضوا ليلتهم الأولى في الشوارع قبل أن ينتقلوا إلى ملجأ اللعازارية. وبعد أسبوعين في الملجأ، توضح ازدهار أنها لا تشعر بالأمان هنا، ولا تعرف إلى أين تذهب لتكون في مأمن من القصف، خاصة بعد استهداف وسط بيروت.

ازدهار مصممة على مواجهة هذه التحديات مرفوعة الرأس، على أمل أن تعود الأمور إلى طبيعتها. لكنها ترى كأم عواقب الحرب على أطفالها. تقول، “ابنتي في الرابعة عشرة فقط، ولكن مع كل الصعوبات التي واجهناها، فغالبًا ما تتفاعل مع المواقف، وتحديدًا الغارات الجوية، بنضج يفوق سنوات عمرها. كان عليها أن تنضج بسرعة”.

لجوء فنزوح

جاء عباس البالغ من العمر 28 عامًا من سوريا إلى لبنان بحثًا عن الأمان مع زوجته ووالديه، لكنه فقد وظيفته عندما اندلعت الحرب. كانت العائلة تعيش في ضاحية بيروت الجنوبية وقررت مغادرة المنطقة هربًا من القصف. وبعد عدة ليالٍ في الشوارع، انتقلوا إلى ملجأ اللعازارية حيث يتشاركون غرفة واحدة. يقول عباس إنه قلق جدًا على صحة ابنه أمير البالغ من العمر ثمانية أشهر. يقول، “يعاني أمير من الحمى، وهو مريض بشدة منذ أن وصلنا إلى هنا. لقد نفد منا الحليب والحفاضات. كما أنه يبكي أكثر فأكثر، وأعتقد أنه يدرك تغير البيئة وانعدام الأمن الذي نعيش فيه، خاصةً بسبب أصوات القصف”.

يوضح عباس أنه غادر سوريا آملًا بحياة أفضل، لكنه يشعر الآن بأنه عالق. دُمر منزل عبّاس في سوريا، حيث لا يسمح له الوضع الاقتصادي بالعثور على عمل، ويبدو أن عودته إلى وطنه مستحيلة.

“حتى لو انتهت الحرب، ماذا سيتبقى من منزلنا؟”

غادرت زينب عزير البالغة من العمر 29 عامًا ضاحية بيروت الجنوبية مع زوجها وأطفالهما في اليوم التالي للغارة الإسرائيلية في 27 سبتمبر/أيلول. توجهت العائلة في البداية إلى الشمال، لكن طُلب منهم مغادرة المنطقة. ولأنه شعروا بأنهم غير مرحب بهم، فقد قرروا أن يعودوا إلى بيروت. استقروا في ملجأ اللعازارية للنازحين، حيث يعيش الزوجان في غرفة مساحتها عشرة أمتار مربعة مع أطفالهما الأربعة.

تصف زينب الشعور الغامر بعدم اليقين الذي يسيطر عليها منذ أن اضطرت إلى ترك أحبائها ومنزلها وراءها، “لم يعد بإمكاني تخيل المستقبل هنا. حتى لو انتهت الحرب، ماذا سيتبقى من منزلنا؟ هل ستنجو عائلتي وأصدقائي؟” وعلى الرغم من أنها عاشت حرب عام 2006، إلا أنها تصف الوضع الحالي بأنه مقلق أكثر بكثير. وهي قلقة أيضًا من تأثير الحرب على أطفالها. وضعت الحرب ضغطًا على الصحة النفسية لكل منهم. تصف زينب الليالي المليئة بالكوابيس والاستيقاظ باستمرار بفعل أبسط ضجيج. وعندما ضربت قنبلة إسرائيلية مبنى على بعد كيلومترين من الملجأ قبلها بيوم، طلب منها أطفالها أن ينتقلوا إلى مكان آمن، وهي أيضًا ترغب في المغادرة. تفكر زينب مع زوجها بمغادرة لبنان بغض النظر عن الوجهة، طالما أن أطفالهما في أمان ويمكنهما التطلع إلى مستقبل آمن.

أُجبر أكثر من مليون شخص في لبنان على النزوح، والعديد منهم في حاجة ماسة إلى المساعدة. ونشرت منظمة أطباء بلا حدود 14 فريقًا طبيًا متنقلًا في أنحاء لبنان لتقديم الرعاية إلى المجتمعات النازحة في بيروت، جبل لبنان، صيدا، طرابلس، البقاع، وعكار. فرقنا متواجدة على الأرض في مراكز الإيواء، مراكز الرعاية الصحية الأولية، والأماكن العامة لتقديم الاستشارات الطبية، الأدوية، الإسعافات النفسية الأولية، والدعم النفسي. كما نقوم بتوزيع البطانيات، الفرشات، مستلزمات النظافة، وتوصيل المياه إلى المراكز المختلفة.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

أطباء بلا حدود تحث على حماية المدنيين والطواقم الطبية في خضم القصف الإسرائيلي في لبنان

أطباء بلا حدود تحث على حماية المدنيين والطواقم الطبية في خضم القصف الإسرائيلي في لبنان

بيروت، لبنان 10 أكتوبر/تشرين الأول – مع اشتداد الهجمات الإسرائيلية في لبنان، تُجبر مرافق الرعاية الصحية في المناطق الأشد تضررًا من الغارات الجوية على الإغلاق، ما يؤدي إلى عواقب وخيمة على المدنيين وإمكانية حصولهم على الرعاية الصحية.

تعمل فرق أطباء بلا حدود بلا كلل لضمان استمرار الرعاية في مرافقنا الحالية، بالإضافة إلى توسيع نطاق أنشطتنا لتلبية الاحتياجات النابعة من النزاع المستمر.  إلا أننا وبسبب الغارات الجوية الإسرائيلية المكثفة اضطررنا إلى تعليق بعض الأنشطة في المناطق الأشد تضررًا. نحن مستمرون في تكييف أنشطتنا كي نزوّد الناس بالرعاية الصحية التي تشتد الحاجة إليها.

تحثّ أطباء بلا حدود جميع الأطراف المتحاربة على عدم التعرّض للمدنيين والمرافق الطبية والعاملين في المجال الطبي في لبنان لضمان قدرة خدمات الرعاية الصحية الحيوية على تلبية احتياجات الناس الطبية العاجلة بشكل كافٍ.

نظراً لشدة العنف، والأضرار التي لحقت بالطرقات، وعدم ضمان السلامة، فإننا غير قادرين حاليًا على الوصول إلى جميع المناطق المتضررة في لبنان على الرغم من تزايد الاحتياجات الطبية .والإنسانية
فرانسوا زامباريني، منسق الطوارئ مع أطباء بلا حدود في لبنان

اضطرت أطباء بلا حدود في الأسبوع الماضي إلى إغلاق عيادتها بالكامل في مخيم برج البراجنة للاجئين الفلسطينيين في ضاحية بيروت الجنوبية. كما اضطررنا إلى وقف أنشطتنا مؤقتًا في بعلبك-الهرمل، شمال شرق لبنان، وهاتان المنطقتان متضررتان بشدة من القصف.

ويضيف زامباريني، “أعدنا افتتاح عيادتنا في الهرمل بشكل جزئي هذا الأسبوع لضمان حصول المرضى على أدويتهم وتزويدهم بمخزون من شهرين إلى ثلاثة أشهر من الأدوية الأساسية، بناء على شدة حالاتهم وعلى المخاطر الطبية”.

تشتد احتياجات المرضى في هذه المناطق، وهم يعانون من أجل الحصول على الرعاية الصحية التي هم في أمس الحاجة إليها. وقد أدى إغلاق المرافق الطبية إلى تركهم من دون الخدمات الأساسية التي يحتاجونها، وتحديدًا أولئك الذين يعانون من أمراض مزمنة.

لا تزال فرق أطباء بلا حدود كذلك غير قادرة على العمل كما يجب في جنوب لبنان بسبب انعدام ضمانات الأمان للطواقم الطبية.

ويشرح زامباريني، “قُصف في الخامس من أكتوبر/تشرين الأول أحد المستشفيات التي خططنا لدعمها وتبرعنا لها بالأدوية ومجموعات الرعاية بالإصابات البالغة، في النبطية التي لا تبعد سوى بضعة كيلومترات عن خطوط الجبهة النشطة”.

أُجبر فريق طبي متنقل تابع لأطباء بلا حدود على وقف أنشطته، وهو كان يدعم بفاعلية مراكز الرعاية الصحية العامة في النبطية ومناطق أخرى قريبة من الحدود اللبنانية منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2023. لم يعد الفريق قادرًا على الوصول إلى المناطق القريبة من الحدود كما كان يفعل، ويقتصر عمله حاليًا على العمل وصولًا إلى صيدا فقط، والتي تبعد قرابة 50 كيلومترًا شمال الحدود الجنوبية، حيث الاحتياجات في ذروتها.

وفي الأسبوعين الماضيين، تسببت الغارات الإسرائيلية بمقتل ما لا يقل عن خمسين مسعفًا. وبذلك يرتفع العدد الإجمالي للقتلى من العاملين في مجال الرعاية الصحية منذ أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي إلى أكثر من مئة شخص، وفقًا لما أوردته وزارة الصحة العامة اللبنانية[1]. كذلك أدى القصف الإسرائيلي العنيف إلى تعطيل الوصول إلى الرعاية الطبية في جميع أنحاء لبنان وبشكل كبير. وحتى الأول من أكتوبر/تشرين الأول 2024، أُغلقت ستة مستشفيات و40 مركزًا للرعاية الصحية الأساسية لأن شدة القتال جعلت العمل فيها من المستحيل بسبب عدم وجود ضمانات للسلامة، بحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية[2].

يفاقم النزاع المسلح أزمة إنسانية مستمرة؛ ما يزيد من استشراء الاحتياجات القائمة. وكان نظام الرعاية الصحية في لبنان مثقلًا بالأعباء أساسًا بفعل الأزمة الاقتصادية في البلاد، والتي تسببت بهجرة الكثير من الكوادر الطبية وباستنزاف قدرات المرافق الطبية ومواردها. تواجه المراكز الصحية المحلية، والتي تعمل بأقصى طاقتها، ضغوطًا متزايدة فيما تحاول تلبية الاحتياجات الطبية المتزايدة للسكان النازحين.

يفوق حجم النزوح في لبنان بشكل كبير قدرة البلاد على توفير الملاجئ المناسبة، حيث بلغ عدد النازحين أكثر من مليون شخص، بحسب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين[3]. وغالبية الملاجئ التي يحتمي بها الناس في حالة يرثى لها. واستجابة لذلك، نشرت أطباء بلا حدود 12 فريقًا طبيًا متنقلًا في مختلف المحافظات اللبنانية، ومنها بيروت وجبل لبنان وصيدا وطرابلس والبقاع وعكار. توفر هذه الفرق الإسعافات النفسية الأولية والاستشارات الطبية العامة والدعم النفسي، بالإضافة إلى التبرع بالفرشات ومستلزمات النظافة الشخصية والوجبات الساخنة. إلا أن احتياجات الناس تفوق وبشدة ما يمكننا تغطيته.

[1] Health workers in Lebanon describe deadly Israeli attacks on colleagues and fear more | AP News

[2] Today’s top news: Lebanon, Occupied Palestinian Territory and Israel, Syria, Haiti, Ukraine, Eastern Africa

[3]  المفوض السامي غراندي يدعو إلى توفير الدعم الإنساني العاجل للبنان ووقف إراقة الدماء

علينا أن نضمن استمرار الرعاية للمحتاجين. نحث جميع الأطراف على احترام القانون الدولي الإنساني. لا يجوز استهداف المدنيين والبنية التحتية المدنية والمرافق الطبية والكوادر الطبية. يجب ضمان سلامتهم.
فرانسوا زامباريني، منسق الطوارئ مع أطباء بلا حدود في لبنان

استجابة أطباء بلا حدود للأزمة الإنسانية في لبنان

استجابةً للتصعيد المستمر للنزاع والقصف الإسرائيلي المكثف في لبنان، نشرت أطباء بلا حدود 12 فريقًا طبيًا متنقلًا في مختلف المحافظات اللبنانية، ومنها بيروت وجبل لبنان وصيدا وطرابلس والبقاع وعكار. توفر هذه الفرق الإسعافات النفسية الأولية والاستشارات الطبية العامة والأدوية والدعم النفسي. توزع أطباء بلا حدود كذلك المواد الأساسية مثل البطانيات والفرشات ومستلزمات النظافة الشخصية، بالإضافة إلى توفير المياه بالشاحنات للمدارس والملاجئ التي يتجمع فيها النازحون. بالإضافة إلى ذلك، نوفّر الوجبات الساخنة ومياه الشرب لمئات العائلات النازحة. تبرعت أطباء بلا حدود كذلك بالوقود ومستلزمات الإصابات البالغة لعدة مستشفيات، وخزنت عشرة أطنان من الإمدادات الطبية ودربت أكثر من مئة عامل في مجال الرعاية الصحية على رعاية الإصابات البالغة وإدارة الإصابات الجماعية في جميع أنحاء البلاد.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

دفع القوات الإسرائيلية الناس من شمال غزة إلى جنوبها لن يتسبب إلا بتفاقم الكارثة الإنسانية

دفع القوات الإسرائيلية الناس من شمال غزة إلى جنوبها لن يتسبب إلا بتفاقم الكارثة الإنسانية

تعمل أوامر الإخلاء الإسرائيلية لأجزاء من شمال غزة، والتي صدرت في السابع من أكتوبر/تشرين الأول، على الدفع بعشرات الآلاف من السكان إلى الإجلاء الفوري جنوبًا مع استهداف المنطقة بالغارات الجوية والهجوم البري. ففي هذا النزوح الجماعي القسري الأخير، حُثّ سكان بيت حانون وجباليا وبيت لاهيا على الانتقال إلى ما يسمى بالمنطقة الإنسانية المكتظة بين المواصي ودير البلح، حيث يعيش مليون شخص في ظروف غير إنسانية. كما لا تزال المنطقة غير آمنة للمدنيين وعمال الإغاثة، حيث تواصل القوات الإسرائيلية قصف المنطقة بشكل متكرر.

تتسبب هذه الإخلاءات الجماعية القسرية للمنازل وقصف الأحياء السكنية من قبل القوات الإسرائيلية بتحويل شمال غزة إلى أرض قاحلة غير صالحة للعيش، ما يؤدي فعليًا إلى إفراغ شمال القطاع بأكمله من الحياة الفلسطينية. وما يزيد الوضع تأزمًا هو منع دخول أي إمدادات إنسانية إلى المنطقة منذ الأول من أكتوبر/تشرين الأول.

تدعو أطباء بلا حدود القوات الإسرائيلية أن توقف أوامر الإخلاء التي تتسبب في التهجير القسري للأشخاص، وأن تضمن حماية المدنيين. كما يجب عليها أن تسمح بدخول الإمدادات الإنسانية التي تشتد الحاجة إليها إلى الشمال بأقصى سرعة.

يقول محمود، وهو أحد الحراس العاملين مع أطباء بلا حدود، والذي غادر جباليا ليلًا ليلتجئ إلى بيت الضيافة التابع للمنظمة في مدينة غزة، “أُخبرت فجأة بأنه علينا الانتقال من الشمال. غادرنا منزلنا في حالة من اليأس، تحت وابل القنابل والصواريخ والقذائف المدفعية. كان الأمر صعبًا للغاية. أفضّل الموت على النزوح إلى الجنوب، فبيتي هنا ولا أريد أن أغادر”.

دعت القوات الإسرائيلية كذلك إلى إخلاء المستشفيات الرئيسية الثلاثة في شمال غزة، وهي مستشفيات الإندونيسي وكمال عدوان والعودة. تعمل هذه المستشفيات بالحد الأدنى من قدرتها وفيها 317 مريضًا قيد العلاج، ومنهم 80 شخصًا في العناية المركزة وغير قادرين على التنقل، وفقًا لوزارة الصحة. يجب حماية هذه المرافق الطبية الثلاثة بأي ثمن، إلى جانب المرافق التي لا تزال تعمل بشكل جزئي في جميع أنحاء القطاع.

استقبلت عيادة أطباء بلا حدود في مدينة غزة 255 مريضًا يومي الأحد والاثنين فقط، إذ تتقلص يومًا بعد يوم خيارات حصول الناس على الرعاية الطبية. والوصول إلى المرافق الصحية القليلة الموجودة أمر مستحيل على بعض الناس؛ وقد تلقت فرقنا تقارير عن جرحى توفوا لعدم قدرتهم على الحصول على الرعاية الطبية.

ومن بين الذين يواجهون أوامر الإخلاء في الشمال سبعة من أفراد طاقم أطباء بلا حدود الذين تمكنوا من العثور على مأوى في مدينة غزة. ولا يزال خمسة آخرون عالقين في جباليا، حيث تشن القوات الإسرائيلية هجمات على الأرض.

وفي هذا الصدد، تقول منسقة مشاريع أطباء بلا حدود في غزة، سارة فويلستيكي، “تتسبب الخطوة الأخيرة والمتمثلة بالدفع القسري والعنيف لآلاف الأشخاص من شمال غزة إلى الجنوب، بتحويل الشمال إلى صحراء لا حياة فيها، بينما تزيد من تفاقم الوضع في الجنوب، حيث يُحاصر أكثر من مليون شخص في رقعة صغيرة من قطاع غزة ويعيشون في ظروف يُرثى لها”.

وتضيف، “تكاد أن تنعدم إمكانية الحصول على المياه والرعاية الصحية والأمان، ومن المستحيل تخيّل إقحام المزيد من الناس في هذه المساحة. يعيش الناس تحت وطأة نزوح لا متناه وقصف لا هوادة فيه على مدى الأشهر الاثني عشر الماضية. لقد طفح الكيل، فليتوقف هذا فورًا”.

وفي حين أن السلطات الإسرائيلية أعلنت مؤخرًا عن توسيع ضئيل للمنطقة الإنسانية المزعومة، إلا أنها لا تزال تحت وطأة أوامر الإخلاء وهي غير آمنة بسبب القصف الإسرائيلي المنتظم. ويعاني الكثير من الأشخاص الذين يعيشون في المنطقة من أمراض جلدية والتهابات في الجهاز التنفسي بسبب الظروف القاسية. ويزداد القلق مع اقتراب فصل الشتاء ودرجات الحرارة الباردة التي سيتعرض لها الناس.

على القوات الإسرائيلية وقف أوامر الإخلاء في شمال غزة على وجه السرعة. ويجب أن يتوقف الآن قتل الناس بلا هوادة في غزة، وأن يُنفّذ وقف فوري ومستدام لإطلاق النار.

محمود، زميلنا في أطباء بلا حدود، يصف لنا كيف غادر جباليا ليلاً بحثًا عن ملجأ
Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

على إسرائيل إنهاء حربها الشاملة على غزة وعلى حلفائها التوقف عن تمكينها

على إسرائيل إنهاء حربها الشاملة على غزة وعلى حلفائها التوقف عن تمكينها

القدس، 2 أكتوبر/تشرين الأول – طوال قرابة عام بأكمله إلى الآن، ترتكب إسرائيل مجازر شاملة فيها في قطاع غزة بفلسطين. فمنذ هجمات حماس غير المسبوقة في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، والتي أسفرت عن مقتل ما يصل إلى 1,200 شخص واحتجاز نحو 250 رهينة، شنّت القوات الإسرائيلية حربًا شاملة على سكان قطاع غزة، فقتلت أكثر من 41,500 شخص[1]، وجرحت أكثر من 96 ألف شخص. نزح السكان مرارًا وتكرارًا وهُجِّروا إلى مناطق متضائلة المساحة تحت القصف والظروف منعدمة الإنسانية.

على مدار عام، فشلت إسرائيل وحماس وحلفاؤهما بشكل كارثي في التوصل إلى اتفاق على وقف مستدام لإطلاق النار في غزة، فيما يتزايد الآن خطر اندلاع صراع إقليمي شامل. على إسرائيل أن توقف فورًا عن قتل المدنيين العشوائي في غزة، وأن تسارع في تسهيل إيصال المساعدات لتخفيف المعاناة داخل القطاع، بما في ذلك إعادة فتح المعابر الحدودية الحيوية، امتثالًا للتدابير التي أمرت بها محكمة العدل الدولية.

تعالج الطواقم الطبية التابعة لأطباء بلا حدود المرضى يوميًا من المصابين بجراح ناجمة عن القصف الشديد. إذ يعاني الجرحى من حروق بالغة وعظام مهشّمة وقد تقطعت أوصالهم. ومنذ بداية الحرب، عالجت فرق أطباء بلا حدود أكثر من 27,500 مريض عانوا من إصابات ناجمة عن العنف، حيث كانت أكثر من 80 في المئة من الإصابات مرتبطة بالقصف.

[1] مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية: https://www.ochaopt.org/ar/content/humanitarian-situation-update-224-gaza-strip

تسبب القصف الإسرائيلي للمناطق المكتظة بالسكان مرارًا وتكرارًا بإصابات على نطاق مهول. فقد أُجبرت فرقنا على إجراء عمليات جراحية من دون تخدير، وشاهدوا أطفالًا يموتون على أرضيات المستشفيات بسبب نقص الموارد، حتى أنهم عالجوا زملاءهم وأفراد عائلاتهم. وفي الوقت نفسه، فككت القوات الإسرائيلية نظام الرعاية الصحية في غزة بشكل ممنهج.
د. آمبر عليان، مديرة البرنامج الطبي لأطباء بلا حدود

كانت فرق أطباء بلا حدود أساسًا تعالج آثار 17 عام من الحصار الإسرائيلي والهجمات المتكررة على السكان في غزة، بما في ذلك علاج المرضى الذين يعانون من إصابات طويلة الأمد وأمراض الصحة النفسية والحروق الشديدة التي ألمّت بهم قبل السابع من أكتوبر/تشرين الأول. ولكن منذ ذلك التاريخ، ومع الزيادة الشديدة في الاحتياجات نتيجة لدكّ إسرائيل للقطاع، فقد تلاشت إمكانية الحصول على الرعاية الصحية.

واليوم، لا يعمل سوى 17 مستشفى فقط وبشكل جزئي من أصل 36 مستشفى[1] بفعل التفكيك الممنهج للنظام الصحي من قبل القوات الإسرائيلية. وقد شنّت الأطراف المتحاربة أعمالًا عدائية بالقرب من المرافق الطبية، ما هدد حياة المرضى ومرافقيهم والطاقم الطبي.

ففي العام الماضي، حاصرت القوات الإسرائيلية المرافق بشكل روتيني، وأصدرت أوامر الإخلاء في ظروف بالغة الخطورة للمرضى ومقدمي الرعاية، وأطلقت النار على المرافق وعلى المرضى والطاقم الطبي، الذين قُتل الكثير منهم، كما داهمت المرافق وشرعت في اعتقال الطاقم الطبي بشكل تعسفي. قُتل ستة من زملائنا في أطباء بلا حدود. ومنذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، اضطرت طواقم أطباء بلا حدود ومرضاها إلى مغادرة 14 منشأة صحية مختلفة بسبب الحوادث الخطيرة والقتال الدائر. وفي كل مرة يُخلى فيها مرفق طبي، يفقد آلاف الأشخاص القدرة على الوصول إلى الرعاية الطبية المنقذة للحياة. وسيحمل هذا عواقبَ على صحة الناس، ليس فقط على المدى القريب، ولكن في الأسابيع والأشهر القادمة.

يتفاقم غياب الرعاية الصحية جرّاء ندرة الإمدادات الإنسانية الكافية في غزة. وتفرض السلطات الإسرائيلية بصورة متكررة معايير غير واضحة ولا يمكن التنبؤ بها للسماح بدخول الإمدادات. وبمجرد دخول الإمدادات إلى قطاع غزة، فإنها غالبًا ما لا تصل إلى وجهتها بسبب غياب الطرق الآمنة والمتاحة، وبفعل القتال المستمر، ونهب المواد الغذائية والإمدادات الأساسية.

وتضيف د. عليان، “مع ازدياد الاحتياجات الطبية في القطاع، لا تزال قدرتنا على الاستجابة محدودة، فلا يمكننا إدخال ما يكفي من الإمدادات الإنسانية والطبية إلى غزة. وليست المستشفيات الميدانية التي أنشأناها كملاذ أخير إلا ضمادة لإصلاح الدمار الذي سببته الحرب وانهيار نظام الرعاية الصحية. حتى أن إنشاءها قد أُعيق وأُخِّر عبر تقييد قدرتنا على شراء المواد والمعدات. وفي ظل الوضع الراهن، لا يمكن للمرافق الطبية التي لا تزال تعمل أن تلبي الاحتياجات الهائلة”.

وفيما تقلّص توفر الرعاية الطبية، كذلك تقلصت الخيارات المتاحة أمام الناس للحصول على الرعاية الصحية التي يحتاجونها بشدة في غزة. فقد تسببت أوامر الإخلاء المتكررة بنزوح 90 في المئة من الناس إلى المناطق الآمنة المزعومة، والتي قصفتها إسرائيل مرارًا وتكرارًا. يُطالَب الناس الآن بالبقاء داخل رقعة صغيرة من الأرض تبلغ مساحتها 41 كيلومترًا مربعًا[2]، وتعاني من محدودية المأوى والغذاء والماء. كما يتزايد خطر انتشار الأمراض بسبب الاكتظاظ. فمن أصل مليوني شخص في قطاع غزة، هناك ما لا يقل عن 12 ألف شخص بحاجة ماسة إلى الإجلاء الطبي[3]. يجب على الفور تسهيل الإجلاء الطبي للمحتاجين، وتيسير حق مغادرة القطاع للفلسطينيين الذين يبحثون ببساطة عن الأمان لأنفسهم وعائلاتهم، من دون المساس بحقهم في العودة.

وفيما شهدت الأشهر الاثنا عشر الماضية أعمالًا مدمرة، إلا أنها وُصمت أيضًا بتقاعس مخزٍ.

[1] مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية: https://www.ochaopt.org/ar/content/humanitarian-situation-update-221-gaza-strip

[2] مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية: https://www.ochaopt.org/ar/content/humanitarian-situation-update-209-gaza-strip

[3] منظمة الصحة العالمية: https://app.powerbi.com/view?r=eyJrIjoiODAxNTYzMDYtMjQ3YS00OTMzLTkxMWQtOTU1NWEwMzE5NTMwIiwidCI6ImY2MTBjMGI3LWJkMjQtNGIzOS04MTBiLTNkYzI4MGFmYjU5MCIsImMiOjh9

استمر حلفاء إسرائيل على مدار عام كامل بتقديم دعمهم العسكري لإسرائيل، حيث يُقتل الأطفال بشكل جماعي، وتطلق الدبابات النار على الملاجئ في مناطق عدم الاشتباك، وتقصف الطائرات المقاتلة المناطق الإنسانية المزعومة. وقد ترافق ذلك مع سردية علنية متّسقة تجرد الناس في غزة من إنسانيتهم وتفشل في التمييز بين الأهداف العسكرية وأرواح المدنيين. يمثل الوقف الفوري والمستدام لإطلاق النار السبيل الوحيد لوقف القتل.
كريس لوكيير، الأمين العام لأطباء بلا حدود

مُنحت الولاءات السياسية الأولوية على الحياة البشرية، مرارًا وتكرارًا.  فبينما يتحدث حلفاء إسرائيل علنًا عن أهمية وقف إطلاق النار وضرورة تسهيل دخول المساعدات الإنسانية إلى غزة، فهم يواصلون تزويد إسرائيل بالسلاح. وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة – على وجه الخصوص – قد تبنت مؤخرًا دعوات وقف إطلاق النار، إلا أنها عملت كثيرًا على التعتيم على جهود وقف إطلاق النار وعرقلتها وتقويضها من خلال دورها في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.

وفي الوقت الحالي، تؤجج الحرب في غزة التوترات الإقليمية التي تصل إلى مستويات كارثية. فقد تصاعدت الهجمات الإسرائيلية في الضفة الغربية، والآن في لبنان، مع ما يترتب على ذلك من عواقب مدمرة ألمّت بالمدنيين بالفعل.

مطالب أطباء بلا حدود:

  • يجب على الفور تنفيذ وقف مستدام لإطلاق النار.
  • يجب على الفور وقف قتل المدنيين الجماعي.
  • يجب وقف تدمير نظام الرعاية الصحية والبنية التحتية المدنية.
  • يجب إنهاء الحصار المفروض على غزة.
  • يجب على إسرائيل أن تفتح الحدود البرية الحيوية، بما في ذلك معبر رفح، لضمان وصول المساعدات الإنسانية والطبية على نطاق واسع إلى المحتاجين على وجه السرعة.
  • يجب على إسرائيل ضمان الإجلاء الطبي لمن يحتاجون إلى رعاية طبية متخصصة، بما في ذلك مرافقوهم، وإفساح المجال لمن يرغبون في البحث عن الأمان في الخارج، مع ضمان عودة الجميع إلى غزة بشكل آمن وطوعي وبكرامة.
  • يجب على مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة أن يتخذ إجراءات لضمان وقف إطلاق النار باعتباره الضامن للسلم والأمن الدوليين وإنهاء تهاونه مع التدمير المستمر لقطاع غزة.
Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

لبنان: القصف الإسرائيلي يتسبب بنزوح غير مسبوق للسكان وباحتياجات إنسانية طارئة

لبنان: القصف الإسرائيلي يتسبب بنزوح غير مسبوق للسكان وباحتياجات إنسانية طارئة

بيروت، 4 أكتوبر/تشرين الأول – يشهد لبنان التصعيد الأكبر في النزاع منذ حرب لبنان عام 2006، حيث قُتل قرابة 1300 شخص على مدى 16 يومًا، بين 16 سبتمبر/أيلول والأول من أكتوبر/تشرين الأول، وفقًا لوزارة الصحة العامة في لبنان. وقد أجبر القصف الإسرائيلي المكثف أكثر من مليون شخص على الفرار من منازلهم، بحسب السلطات المحلية. وسّعنا في أطباء بلا حدود نطاق استجابتنا الطارئة وحشدنا فرقًا في جميع أنحاء البلاد لتقديم الدعم الطبي والنفسي والاجتماعي العاجل للنازحين.

في الساعات الأولى من يوم الاثنين 23 سبتمبر/أيلول، شنّ الجيش الإسرائيلي عملية عسكرية واسعة النطاق استهدفت عشرات البلدات في مختلف المحافظات اللبنانية، بما في ذلك جنوب لبنان والنبطية وبعلبك-الهرمل وضاحية بيروت الجنوبية المكتظة بالسكان. وأدى استمرار القصف في 27 سبتمبر/أيلول إلى نزوح جماعي من هذه المناطق، إضافة إلى أجزاء من جبل لبنان، حيث بحث السكان عن الأمان في أماكن أخرى.

حتى 29 سبتمبر/أيلول، قدرت السلطات اللبنانية نزوح أكثر من مليون شخص، ومعظمهم من جنوب لبنان وضاحية بيروت الجنوبية المكتظة بالسكان. وقد أجبر القصف المكثف الكثير من الأشخاص على الفرار عدة مرات منذ تصاعد العنف في أكتوبر/تشرين الأول 2023، وغالبًا من دون وقت كافٍ لجمع الأغراض الضرورية.

هناك حاليًا 875 ملجأً في جميع أنحاء لبنان، وأكثر من 70 في المئة قد امتلأ، وفقًا للسلطات المحلية. يحتاج معظم النازحين إلى المساعدة بشكل عاجل، بعد أن أجلوا من دون الاحتياجات الأساسية، في حين أن المجتمعات والملاجئ التي تستضيفهم بحاجة ماسة إلى الدعم.

وفي هذا الصدد، تقول المنسقة الطبية لأطباء بلا حدود في لبنان، د. لونا حمّاد، “تجلي العائلات من منازلها بحثًا عن الأمان. والكثير منهم يبحثون عن مأوى في ملاجئ غير مهيأة ومكتظة. والنازحون هم من الفئات الأشد حاجة – هم أطفال ونساء ومسنّون وأشخاص من ذوي الاحتياجات البدنية الخاصة، ويعيشون في ظروفٍ مزرية بما في ذلك محدودية الوصول إلى المياه النظيفة والصرف الصحي وخدمات الرعاية الصحية الأساسية. الاحتياجات مهولة”.

استجابة أطباء بلا حدود: عيادات متنقلة وإغاثة أساسية ودعم نفسي

واستجابةً للوضع المأساوي، وسعنا في أطباء بلا حدود نطاق استجابتنا الطارئة وأرسلنا مختلف الفرق الطبية المتنقلة – بما في ذلك الأطباء والممرضات والاختصاصيين النفسيين والمرشدين ومسؤولو تعزيز الصحة – إلى المدارس وغيرها من الملاجئ في جميع أنحاء البلاد. قدمت هذه الفرق حتى الآن أكثر من 1,780 استشارة طبية عامة خلال الأسبوع الماضي وتواصل تقديم المساعدة للأفراد والعائلات النازحين، وهناك المزيد من الفرق في طريقها للوصول إلى المناطق التي تحتاج إلى الدعم.

بالإضافة إلى ذلك، تتبرع أطباء بلا حدود بالمواد الأساسية مثل الفرشات والبطانيات ومستلزمات النظافة الصحية للعائلات النازحة في مواقع تشمل صيدا وطرابلس وعدة مواقع في بيروت وجبل لبنان. نوزع كذلك وجبات الطعام ومياه الشرب، كما نوصل كميات كبيرة من مياه الغسيل إلى الملاجئ في بيروت وجبل لبنان لضمان معايير النظافة الأساسية في المباني غير المجهزة غالبًا لإيواء الناس. وحتى الثاني من أكتوبر/تشرين الأول، بـ6523 مجموعة من مستلزمات النظافة الصحية، و16,118 لترًا من مياه الشرب، و643 فرشة، و699 بطانية، و7 آلاف لتر من الوقود للمستشفيات، و713 ألف لتر من المياه للملاجئ في جميع أنحاء البلاد.

تقول عليا (غُيّر الاسم لحماية الخصوصية)، ” أخبرني أطفالي إنهم يفضلون الموت تحت القصف على العيش في هذه الظروف. هذا وكانت المدرسة تهتز طوال الليل. يُعتبر هذا المكان مأمنًا لنا في الوقت الحالي، ولكن ماذا لو قررت إسرائيل استهداف المدارس؟”

وبهدف دعم مرافق الرعاية الصحية، تبرعت أطباء بلا حدود أكثر من عشر أطنان من الإمدادات الطبية التي كانت قد خزنتها في مستشفياتٍ في جميع أنحاء البلاد منذ بداية شهر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي. كما تواظب المنظمة على إرسال وحدة طبية متنقلة لتقديم الرعاية الصحية الأساسية والإسعافات النفسية الأولية وتعزيز صحة المجتمعات النازحة والمتضررة في جنوب لبنان. كما أجرت فرقنا أيضًا تدريبًا على الاستعداد للإصابات الجماعية لـ117 فردًا من طواقم الرعاية الصحية في المستشفيات في جميع أنحاء البلاد.

المجتمعات النازحة تواجه الصدمة

في بعلبك-الهرمل، حيث تدير أطباء بلا حدود مشروعًا منذ أكثر من 13 عامًا مع عيادتي رعاية صحية أساسية، أدى التصعيد الأخير في أعمال العنف إلى إغلاق إحدى العيادات بسبب القصف العنيف، بينما استمرت العيادة في عرسال بالعمل بقدرة محدودة. وعلى الرغم من الظروف الصعبة، وفرت فرقنا الأدوية الأساسية لمرضى الأمراض المزمنة بهدف توفير مخزون يكفي لمدة شهرين. ولا يزال الكثير من أفراد طاقمنا في المحافظة، شأنهم شأن الآلاف في جميع أنحاء البلاد، ملتجئين فيما تقع الغارات الجوية من حولهم. كذلك أُغلقت عيادتنا في برج البراجنة جنوب بيروت بسبب القصف على المنطقة.

أما الفرق الطبية المتنقلة التابعة لأطباء بلا حدود والمتواجدة في الميدان في بيروت وجبل لبنان وطرابلس، فهي تلتقي بمرضى متعايشين مع أمراض مزمنة أجلوا من منازلهم من دون أدويتهم ولم يتمكنوا من الحصول على العلاج لأيام.

وتضيف د. حمّاد، “كثير من النازحين هم من الأطفال الذين يعانون من الصدمة بفعل العنف، والخوف من القصف، وفقدان منازلهم”.

تشهد فرق الصحة النفسية التابعة لأطباء بلا حدود احتياجات هائلة في مجال الدعم النفسي والنفسي الاجتماعي. يقدم اختصاصيو الصحة النفسية والمرشدون التابعون للمنظمة الإسعافات النفسية الأولية للأشخاص الذين نزحوا، بينما تتلقى خطوطنا للمساعدة النفسية أكثر من مئة مكالمة يوميًا من أفراد يعانون من تحديات الصحة النفسية المتزايدة في ظل الخوف والنزوح.

حماية المدنيين والعاملين في الرعاية الصحية

تعرب أطباء بلا حدود عن بالغ قلقها إزاء حملة القصف المستمرة التي يستهدف معظمها المناطق الحضرية المكتظة بالسكان. نحث على حماية المدنيين والعاملين في مجال الرعاية الصحية والمرافق الطبية وسيارات الإسعاف. ووفقًا لمنظمة الصحة العالمية ووزارة الصحة العامة، فقد قُتل أكثر من 50 من العاملين في المجال الصحي في الاشتباكات منذ أكتوبر/تشرين الأول الماضي. كما أن الكثير من موظفي منظمة أطباء بلا حدود في لبنان هم أنفسهم نازحون، وبعضهم فقدوا أحباءهم أو أصيب أفراد من عائلاتهم.

تقول جابين، وهي مواطنة أجلت من جبشيت في جنوب لبنان وهي ملتجئة الآن في مبنى مهجور بالقرب من وسط بيروت، “لقد خاطرنا بحياتنا للمغادرة”. جابين هي واحدة من بين أكثر من 3,500 شخص يحتمون حاليًا في هذه المباني، حيث يتشارك ما يصل إلى 30 شخصًا بحمام واحد، ولا يزال الكثيرون ينتظرون تخصيص غرف لهم. تمثل الكثير من الملاجئ التي يقيم فيها الناس مبانٍ مهجورة أو مدارس مؤقتة تفتقر إلى وسائل الراحة الأساسية، وبعضها من دون أبواب أو نوافذ لحماية الأشخاص الموجودين بداخلها من العوامل الجوية.

فرضت الأزمة الحالية ضغوطًا هائلة على قدرات لبنان في مجال الرعاية الصحية والاستجابة الإنسانية التي كانت قد استنزفتها أساسًا سنوات من الأزمة الاقتصادية.

ومع استمرار وجود الكثير من الأشخاص في الشوارع وفي المناطق المفتوحة وحتى البحث عن ملاذ على الشاطئ في بيروت، تستمر الاحتياجات الإنسانية في التزايد. ومع اقتراب فصل الشتاء، تُعرّض الظروف القاسية هؤلاء الأشخاص لخطر أكبر. لا تزال فرق أطباء بلا حدود في لبنان ملتزمة بتوفير الدعم الطبي والنفسي والاجتماعي العاجل للمتضررين.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

حكايات النزوح من لبنان

حكايات النزوح من لبنان

في أعقاب القصف الإسرائيلي الموسّع الذي يعيشه لبنان منذ الأسبوع الماضي، اضطرت مئات آلاف العائلات اللبنانية إلى ترك منازلها والمضي في طريقها بحثًا عن ملاذٍ آمن.

وفي هذا الصدد، تعمل أطباء بلا حدود في مراكز إيواء ومدارس مقدّمةً الدعم للنازحين في جنوب البلاد وفي بيروت ومحيطها. هذا وتعمل فرقنا على نقل المياه بالشاحنات وتقدّم الإسعافات النفسية الأولية والاستشارات الطبية، كما تتبرع بالمواد الأساسية كالفرشات والبطانيات ومياه الشرب ومستلزمات النظافة الصحية.

في ما يلي شهادات حيّة من نازحين في لبنان، ومن بينهم مديرة الإعلام والتواصل الميدانية في أطباء بلا حدود.

صورة لأشخاص يفرون بعد ليلة من القصف الإسرائيلي العنيف على مناطق مكتظة بالسكان في جنوب بيروت.

“عسى أن نعود إلى بيوتنا عمّا قريب، هذا إن تبقّت لنا بيوت لنرجع إليها”

شهادة جُمعت يوم 25 سبتمبر/أيلول من مدرسة في برجا بجبل لبنان.

في بلدة صغيرة من جبل لبنان تُدعى برجا، جلست عليا* في حيرة من أمرها على رصيف الحديقة المتواضعة في المدرسة وكأنّها لا تعرف ماذا تفعل. وكانت أمّ زوجها التي خضعت لعملية جراحية في عينها تبذل قصارى جهدها لتجنب أشعة الشمس القاسية.

اكتظّت المدرسة بالنازحين الذين اتخذوا منها ملجأً كما فعلت عليا. وعلت أصوات الأطفال وهم يلعبون من دون أن تغطي على دويّ الغارات الجوية التي تتساقط على التلال المجاورة وتهزّ المبنى.

تقول عليا، “نحن من بلدة الخيام على الحدود الجنوبية. وقد أُجبرنا على ترك منزلنا منذ قرابة العام عندما بدأت الاشتباكات. والآن نضطر إلى أن نرحل مرة جديدة من المنزل الذي التجأنا إليه. كنا قد بدأنا بالتأقلم مع الأوضاع وسجّلنا أطفالنا في مدرسة قريبة، لكن كل جهودنا ذهبت سدى”.

عملت عليا في مجال التمريض قبل أن تُجبَر على ترك منزلها في أكتوبر/تشرين الأول 2023. ومنذ ذلك الحين، لم تتمكن من العمل، وخسرت العائلة مصدر رزقها.

وفي الربع الأخير من عام 2023، أمضت شهرين في البحث عن منزل آمن لتسكنه مع زوجها وطفليها. وكانوا ينتقلون من بلدة إلى أخرى كل عشرة أيام في بحث يائس عن مكان لتقيم فيه على المدى الطويل. وأخيرًا، عثرت لها زميلتها القديمة على منزل في بلدة كفرتبنيت الجنوبية التي تبعد 20 كيلومترًا عن بلدتها.

ولكن، يوم الاثنين في 23 سبتمبر/أيلول 2024، بدأ قصف إسرائيلي موسّع على جنوب لبنان، وسرعان ما امتد إلى مناطق مختلفة ومكتظة من البلاد. فحزمت عليا بعض أمتعتها في الوقت الضيق الذي أُتيح لها قبل أن تخوض العائلة رحلة نزوح جديدة.

وتشرح، “غادرنا كفرتبنيت قرابة الساعة الواحدة والنصف صباحًا والقصف يحيطنا من كل جانب. وكانت زحمة السيارات لا توصف. توقّفنا في بلدتين لنجد المدارس ممتلئة فيهما، فنمنا في السيارة تلك الليلة. وفي اليوم التالي، أتينا إلى هذه المدرسة ووجدنا فيها غرفة تأوينا. لحسن الحظ، كنت قد تمكّنت من إحضار بطّانيتين معي، إذ لم يتوفّر ما يمكننا النوم عليه”.

يعيش لبنان موجة نزوح بمستوى غير مسبوق يتعدى بأشواط قدرة البلد على إيواء النازحين. وتمثّلت أبرز الاحتياجات التي تحدث عنها الناس في الفرشات والوسائد والبطانيات ومنتجات النظافة الصحية، بالإضافة إلى الرعاية الطبية.

تضيف عليا، “هذا النزوح أصعب بكثير من النزوح الأول. أخبرني أطفالي إنهم يفضلون الموت تحت القصف على العيش في هذه الظروف. هذا وكانت المدرسة تهتز طوال الليل. يُعتبر هذا المكان مأمنًا لنا في الوقت الحالي، ولكن ماذا لو قررت إسرائيل استهداف المدارس؟”.

عندما زارت عليا منزلها في الخيام آخر مرة قبل ثلاثة أشهر، وجدت أضرارًا كبيرة فيه مع تحطم جميع النوافذ، ولكنه على الأقل كان لا يزال قائمًا. والآن، تخشى أن يكون منزلها قد تحوّل إلى أنقاض مع موجات الغارات الإسرائيلية الأخيرة.

فقد أردفت قائلة، “عسى أن نعود إلى بيوتنا يومًا ما، إلى بيوتنا الأولى، هذا إن تبقّت لنا بيوت لنرجع إليها”.

شاحنة أطباء بلا حدود تنقل مجموعات من المواد غير الغذائية للأشخاص الفارين من جنوب بيروت.

كانت الليلة أشبه بفيلم مرعب

شهادة جُمعت يوم 30 سبتمبر/أيلول من منطقة الرملة البيضاء في بيروت

“اسمي حسن* وأنا من محافظة النبطية في جنوب لبنان. كنت أعيش مع زوجتي وأطفالي الثلاثة في الضاحية الجنوبية لبيروت.

منذ أربعة أيام، قررّنا مغادرة المنزل مع عائلتي خوفًا على سلامتنا. وكانت تلك الليلة أشبه بفيلم مرعب بين هدير الطائرات ودويّ الغارات وغير ذلك الكثير. شعرنا بالأرض تهتز من تحتنا عندما كنا في السيارة.

فانتقلنا إلى حيّ آخر من بيروت في اليومين الأولين ولكن سرعان ما طلب منا المالك إخلاء المنزل.

ها نحن في الرملة البيضاء في بيروت الآن. نحن 20 فردًا من عائلتي، وقد تقطعت بنا السبل على الشاطئ. فجميع الملاجئ والمدارس ممتلئة. إلى أين عسانا نذهب؟ لا يوجد أي مكان يمكننا أن نتوجّه إليه. يبدو أن لا مأمن لنا في أي مكان.

الوضع سيئ إلى درجة تفوق التصوّر. فاحتياجاتنا كثيرة. وعندما غادرنا، لم نأخذ إلا وثائقنا وبعض الملابس. لم نتمكن حتى من إحضار أفرشة ووسائد. وقد نمنا على الكراسي الليلة الماضية، ولم يساعدنا أحد.

كل ما يشغل تفكيري هم الأطفال. فأصغرهم لا يتجاوز عمره العام ونصف العام. كيف يمكنني أن أعتني بعائلتي في هذه الظروف؟”

*غُيّر الاسم لحماية الهوية

تشارك زميلتنا في منظمة أطباء بلا حدود، مريم، شهادتها عن ليلة تميزت بالنزوح والهروب من الغارات الجوية في الضواحي الجنوبية لبيروت.
Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

استجابة أطباء بلا حدود للحرب في لبنان

X