متاح أيضاً باللغة

آخر مستشفى شامل في جنوب غزة على حافة الانهيار

آخر مستشفى شامل في جنوب غزة على حافة الانهيار

القدس، 5 يوليو/تموز 2024 – حذّرت أطباء بلا حدود من أن مستشفى ناصر، وهو آخر مستشفى شامل في جنوب قطاع غزة، يواجه خطر الاكتظاظ بالإصابات الجماعية والجرحى إثر إغلاق مستشفى غزة الأوروبي بسبب أوامر الإخلاء الجديدة. تشهد حاليًا فرق أطباء بلا حدود العاملة في المستشفى نقصًا حادًا في الإمدادات الطبية، ما يعرّض المرضى لخطر فقدان الرعاية الصحية الأساسية.

يستقبل مستشفى ناصر زيادة في عدد المرضى كل يوم، ما يضع جميع الأقسام في المستشفى فوق طاقتها الاستيعابية من الأسرّة، فيما تستخدم فرقنا المخزون الطبي لحالات الطوارئ. تبلغ الطاقة الاستيعابية لقسم الأطفال 56 سريرًا، ولكن في 3 يوليو/تموز استقبلت فرق أطباء بلا حدود قرابة 100 مريض. وفي الأيام القليلة الماضية، شهدت فرقنا في قسم العظام تضاعف عدد المرضى.

وفي هذا الصدد، تقول مديرة أنشطة التمريض لدى أطباء بلا حدود، كرستينا رولدان، “لدينا أطفال ممددون على الأرض. لم يعد هناك المزيد من الفرشات أو الأسرّة، ولهذا يتمدد المرضى على بطانيات في الممرات ويجلسون على الأدراج. وضع الفريق مسامير على الحائط حتى نتمكن من تعليق المحاليل الوريدية والأدوية التي نحتاج إعطاءها للمرضى، لكن الوضع صعب للغاية، والفريق منهك”.

في الأول من يوليو/تموز 2024، وإثر أوامر الإخلاء التي أصدرتها القوات الإسرائيلية للمناطق الواقعة شرق وجنوب خانيونس، قررت وزارة الصحة إخلاء مستشفى غزة الأوروبي بشكل احترازي. ونُقل المرضى في سيارات إسعاف من مستشفى غزة الأوروبي إلى مستشفى ناصر، لكن اضطر كثر منهم إلى المغادرة والسير على الأقدام لمسافة عشرة كيلومترات للوصول إلى هناك. هذا ويواجه قرابة 250 ألف شخص خطر النزوح في خان يونس بسبب أمر الإخلاء.

سمعنا أن المرضى جاؤوا بمفردهم، فوصلوا إلى مستشفى ناصر إما على أسرّة أو أن عائلاتهم مشت بهم.
جافيد عبد المنعم، رئيس فريق أطباء بلا حدود الطبي في مستشفى ناصر

وفي حين يتعامل مستشفى ناصر مع تدفق المرضى الجدد، فهو يعاني كذلك من نقص الوقود. يتعرض المرضى في المستشفى والمرضى في المستشفيات الميدانية المجاورة لخطر فقدان الرعاية المنقذة للحياة. يمثل مستشفى ناصر الموقع الرئيسي للمستشفيات الميدانية لتعقيم معداتها. وإذا انقطع التيار الكهربائي بسبب نقص الوقود، يصبح التعقيم صعبًا، وستتوقف الرعاية المقدمة في الكثير من المستشفيات الميدانية.

ويضيف عبد المنعم، “بشكل عام، المشكلة شاملة: بدءاً من نقص الأسرّة والإمدادات إلى نقص الجراحين. ومع إغلاق مستشفى آخر، ستتعرض حياة المرضى للخطر بشكل أكبر”.

في حين لا تزال المستشفيات في غزة تعاني من نقص حاد في الإمدادات، منعت السلطات الإسرائيلية في الثالث من يوليو/تموز دخول شاحنات تحمل إمدادات طبية لأطباء بلا حدود إلى القطاع بسبب القتال الدائر في الجنوب. ولم تتمكن أطباء بلا حدود من إدخال أي إمدادات طبية إلى غزة منذ نهاية أبريل/نيسان.

على السلطات الإسرائيلية أن تفتح المزيد من نقاط العبور بشكل عاجل لتسريع وصول المساعدات إلى غزة بشكل كبير. كذلك تدعو أطباء بلا حدود جميع الأطراف إلى ضمان طرق آمنة لنقل المساعدات الإنسانية داخل القطاع. هذه هي الطريقة الوحيدة لتجنب المزيد من الوفيات التي يمكن تجنبها.

لا نهاية في الأفق: صدمة النزوح المتكررة تنهك سكان غزة

لا نهاية في الأفق: صدمة النزوح المتكررة تنهك سكان غزة

منذ اندلاع الحرب المروّعة في غزة بفلسطين قُتِل ما لا يقلّ عن 38,000 فلسطيني أكثرُ من نصفِهم نساءٌ وأطفال كما جُرِح 87,000 آخرين. أما أولئك الذي نجوا من انفجارات القنابل والقصف والأعيرة النارية التي تنهال عليهم بلا هوادة، فقد دفعوا مقابل حياتهم تنقلًا مستمرًا من مكان إلى آخر حاملين ما تيسَّرَ لهم من احتياجات أساسية. لكنّ شهادات فريق أطباء بلا حدود والمرضى التي وردت على مرّ الأشهر التسعة الماضية تكشف بوضوح عن عدم وجود أي مكان آمن في غزة.

Copyright Ben Milpas/MSF

تعمل فرق أطباء بلا حدود في أنحاء قطاع غزة على تأمين الرعاية الأساسية والمنقذة للحياة للمصابين في الهجمات الإسرائيلية الشعواء، ويضطرون هم أيضًا إلى الفرار للنجاة بحياتهم.

كان كامل* الذي يعمل ممرض طوارئ وحيدر* المسؤول عن حراسة الأمن من أفراد فريقنا المعني بعلاج الإصابات البليغة في مستشفى الشفاء في مدينة غزة عندما رزحت تحت القصف في شهري أكتوبر/تشرين الأول ونوفمبر/تشرين الثاني. وقد اضطرا مجتمعين إلى النزوح 18 مرة لغاية اليوم.

يقول كامل، “حين بدأت الحرب بقينا في بيتنا لمدة أربعة أيام. كان أطفالي يستيقظون من نومهم وقتها وينتظرونني كي أعود وأحتضنهم وأهدئ من روعهم، وكنت أشتت انبتاههم وأقول لهم إنها ألعاب نارية وليست قنابل. كان الوضع صعبًا للغاية”.

نزحت قسراً ثماني مرات خلال هذه الحرب. هناك مصاعب الحياة اليومية، وقلة النوم، والخوف الشديد... فقدت عدداً كبيراً من أفراد عائلي المقربة، حوالي 25 شخصاً. فقدت قرابة 400 شخص من عائلتي، وخمسة من أصدقائي.

Published on تموز 10, 2024

أُصيبَ سطحُ المبنى الذي يعيش فيه كامل بصاروخٍ أطلقته مسيّرة في اليوم الخامس من الحرب. فانتقل برفقة أطفاله إلى مكتب أطباء بلا حدود، ليعيش مع باقي أفراد الفريق، بمن فيهم حيدر الذي ظلّت زوجته وأطفاله في بيتهم الواقع في حيّ أكثر أمانًا في شمال غزة.

واصل كامل وحيدر وغيرهم من أفراد طاقم أطباء بلا حدود عملهم اليومي في عيادة الحروق التابعة للمنظمة وفي مستشفى الشفاء الذي كان مكتظًا بمرضى يعانون من حروق شديدة وإصابات بالشظايا.

 يشرح كامل قائلَا، “المرضى الذي رأيتهم خلال هذه الحرب يختلفون عن الحروب السابقة، فمعظمهم يعاني من حروق عميقة ومن إصابات بالشظايا، كما فقد كثر أطرافهم أو أصيبوا بجروح ملتهبة. ولن أنسى رائحتها التي تذكرني برائحة الزيت الفاسد”.

ويقول حيدر، “كنا نستقبل 30 إلى 40 مريضًا يوميًا في العيادة، كما كنّا نعمل في مستشفى الشفاء ونعالج العشرات هناك. بقينا على هذه الحال لمدة 40 يومًا إلى أن صارت الأوضاع خطيرة للغاية. فقد بدأ الجيش الإسرائيلي بالتحرك صوب مستشفى الشفاء، باتجاهنا”.

وبحلول أوائل نوفمبر/تشرين الثاني كان في عيادة أطباء بلا حدود وسكنها ما لا يقل عن 75 شخصًا على الأقل بين عاملين في أطباء بلا حدود وأفراد أسرهم، وكانوا يحتمون من القتال المستشري في الخارج.

ويشرح حيدر، “كانت الأوضاع سيئة حقًا، وكنا جميعًا خائفين. فإذا ما فتحنا الباب نرى نيرانًا وأعيرة نارية. وكانوا يطلقون النار على الناس في الشارع”.

Copyright Ben Milpas/MSF

على مدار الأسابيع القليلة التالية، تدهورت الظروف المعيشة للفريق بوتيرة سريعة.

ويتابع حيدر قائلًا، “لم يكن لدينا ما يكفي من المياه لنغتسل أو نشرب خلال تلك الأسابيع. ولم يكن لدينا ما يكفينا من الطعام. ثم نفذت منا المياه تمامًا بعد مرور أسبوعين”.

وصارت أوضاع فريقنا في مدينة غزة لا تطاق في منتصف نوفمبر/تشرين الثاني، إذ كان القتال والقصف محيطًا بمستشفى الشفاء وسكن أطباء بلا حدود ومكتبها وعيادتها، فتقرَّرَ إجلاءُ الجميع.

توجّهت قافلةٌ تابعة لأطباء بلا حدود باتجاه جنوب غزة في 18 نوفمبر/تشرين الثاني، علمًا أن تنظيمها تمّ بمواقفة السلطات الإسرائيلية. لكن بعد منعها من عبور الحواجز الإسرائيلية الواقعة على الطريق إلى الجنوب، أُجبرت القافلة على أن تعود أدراجها.

وكان كامل وممرض أطباء بلا حدود علاء الشوا في إحدى سيارات القافلة برفقة أسرتيهما. وبينما هم في طريق العودة، على بعد 500 متر تقريبًا من عيادة أطباء بلا حدود، شاهدوا دبابات إسرائيلية خارج مستشفى الشفاء وقناصة على أسطح الأبنية المجاورة.

في تشرين الثاني/نوفمبر 2023، منع القصف المكثف والمتواصل في مدينة غزة آلاف الفلسطينيين من مغادرة المنطقة المحيطة بمستشفى الشفاء بأمان. ولم يتوقف الفريق - الذي يضم حاليًا أكثر من 30 شخصًا - عن علاج المرضى خلال ما يصفونه بأنه أصعب أيام حياتهم.

Published on تموز 10, 2024

عندها فتحت القوات الإسرائيلية نيرانها على السيارة وأصيب علاء بطلقٍ ناري في رأسه. وفي هذا الصدد، يقول كامل، “مرت الرصاصات بالقرب من جبهتي، واخترقت إحداها رأس علاء”.

ويضيف، “كان منحنيًا ورأسه مائل باتجاه مقود السيارة، بالقرب من ذراعي، وكان من الصعب عليّ مواصلة القيادة. كانت الدماء في كل مكان في السيارة. حاولت جاهدًا أن أنعطف يمينًا باتجاه مكتب أطباء بلا حدود وألحق بالسيارات الثلاثة الأولى التي تمكنت من الانعطاف قبل أن يبدأ إطلاق النار”.

نجا كامل وباقي من كان في القافلة من إطلاق النار وتمكنوا من الوصول إلى عيادة أطباء بلا حدود الآمنة نسبيًا. وبعد أن ركنوا السيارة حملوا علاء من مقعده إلى العيادة، لكنّهم لم ينجحوا في إنعاشه.

ويقول حيدر، “حين رأيت بأنه فارق الحياة، اعترتني صدمة كبيرة. لم أستطع أن أتمالك نفسي أو أن أفكر وانهرتُ على جانب الطريق”.

ظلّ فريق أطباء بلا حدود وأفراد أسرهم في العيادة والسكن خلال الأيام التالية. وفي هذه الأثناء، جاءت القوات الإسرائيلية إلى خارج العيادة ترافقها جرافة، فدفعت بسيارات أطباء بلا حدود التي استُعملت في القافلة حتى تلاصقت ثم أحرقتها.

وبعد بضعة أيّام مرعبة شهدت إطلاق النار قرب سكن أطباء بلا حدود وعيادتها، أُعلن عن وقف مؤقت لإطلاق النار بين إسرائيل وحماس في قطاع غزة وقد دخل حيز التنفيذ في 24 نوفمبر/تشرين الثاني. فانسحبت القوات الإسرائيلية من المنطقة وتم ترتيب قافلة جديدة بالتنسيق مع السلطات الإسرائيلية، ما سمح لفريق أطباء بلا حدود وأفراد أسرهم بالتوجه جنوبًا بنجاح هذه المرة.

وحين وصل فريق أطباء بلا حدود إلى جنوب غزّة مكثوا في ملجأ اللوتس التابع لأطباء بلا حدود في مدينة خان يونس وتابعوا عملهم. كان كامل يذهب يوميًا إلى مستشفى غزة الأوروبي ليقدّم الرعاية للمصابين بجروح بليغة إذ كانوا يصلون بأعداد كبيرة. فيما واصل حيدر قيادة السيارة ونقل الفرق الطبية إلى المستشفى الإندونيسي والاهتمام بالشؤون الأمنية.

ولكن ما لبث حيدر أن تلقّى أنباءً مفجعة بعد أسبوع.

ويوضح، “بدأت وقتها معاناةٌ من نوعٍ جديد، إذ تلقيت خبر مقتل أختي وأطفالها في مدينة غزة. فدخلت في حالة اكتئاب. ثم قُتلت ابنة أخي وأطفالها”.

ويضيف، “ثم في الجنوب، قتل ابن أخي وزوجته وأطفالهم بعد أن اجتاحت الجرافة بيتهم. قتل عشرون فردًا من عائلتي ذلك الأسبوع. حزنت جدتي وسرعان ما فارقت الحياة هي الأخرى. اسودّت الدنيا في عينيّ حين حدث كلّ هذا، لكنني حاولت مواصلة عملي”.



Copyright Ben Milpas/MSF

في الثامن من يناير/كانون الثاني، أي بعد حوالي شهرين على وصول كامل وحيدر إلى جنوب غزة، أصابت قذيفة من دبابة إسرائيلية ملجأ اللوتس وقتلت ابنة أحد أفراد الفريق وهي في الخامسة من عمرها كما جرحت ثلاثة آخرين. وبعد الهجوم نُقل ما يزيد عن 125 شخصًا من فريق أطباء بلا حدود وأسرهم إلى الكلية العربية للعلوم التطبيقية في رفح، والتي تبعد كيلومترًا واحدًا عن الحدود المصرية، ومكثوا هناك لمدة شهرين.

ويقول حيدر، “كنا نعيش في خوفٍ دائم، لكن لم يكن أمامنا خيارٌ آخر، إذ استمر القصف وإطلاق النار، حتى أنهم قصفوا بناءً مجاورًا لنا فأصيب مبنى الكلية بشظية. بقينا على حالنا لمدة، إلى أن أعلنوا عن اجتياح رفح”.

منذ اجتياح رفح، لم يتوقف كامل وحيدر عن النزوح من مكان لآخر شأنهم شأن آلاف الفلسطينين الآخرين بسبب القصف والهجوم المتواصل في مناطق جنوب ووسط القطاع.

يتنقّلُ حيدر من مكانٍ لآخر في منطقة المواصي، ويعيش في خيمة.

ويقول، “نزحت قسرًا ثماني مرات، بمعدل مرّة شهريًا، وكان آخرها قبل يومين. لم أنم لمدة 24 ساعة لأننا كنا نتنقل من مكان لآخر بسبب الانفجارات. لا أكفّ عن التفكير بزوجتي وأطفالي في شمال غزة، وأعاني يوميًا”.

يعيش حيدر وآلاف الأشخاص المضطرين إلى مواصلة التنقل في ظروف مأساوية.

ومنذ أن أُجبر كامل وأطفاله على ترك رفح، تنقّلوا أكثر من مرة في منطقة المواصي وبالقرب منها وفي مخيم البريج ومناطق وسط القطاع. يُشار إلى أنّهم يقيمون في البريج حاليًا ويؤكد كامل أن لا مأمن في غزة من القصف.

ويشرح، “لا يوجد مكان آمن والظروف مروعة.  ليس لدينا ما يكفينا من الغذاء والماء والدواء والملابس، ولا توجد أي أحذية. لا يوجد أي شيء. يعزّ عليّ أن أرى أطفالي في هذه الحال”.

لا يعرف كامل ماهيّة الصدمات النفسية التي تعرّض لها أطفاله جرّاء ما مروا به.

ويقول، “هذا الوضع يؤدي إلى الصدمات. فيوم أمس، كان أطفالي يلعبون مع أبناء أخي وسمعتهم يروون لهم ما حدث مع علاء. ولا يكفّون عن سرد قصة علاء. ما زالت الصدمة تتملّكهم إلى اليوم”.

تشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن 90 في المئة من سكان غزة نزحوا مرّة واحدة على الأقل منذ اندلاع الحرب بين إسرائيل وحماس، علمًا أن معظمهم مجبرون على العيش في ظروف مروّعة. لا يأمل حيدر سوى أن يلتم شمله بأسرته في مدينة غزة وبأن ينتهي حمام الدم هذا.

.

لقد طفح الكيل. كفى قتلًا، كفى قصفًاً، كفى إطلاقًا للنيران. يمكننا إعادة إعمار بيوتنا وإصلاح كل شيء، لكن لا نستطيع أن نعيد من فارقونا. لقد رحلوا بلا رجعة
حيدر* المسؤول عن حراسة الأمن

* غُيّرت الأسماء لحماية الهوية.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

محاصرون بالخوف: اللاجئون السوريون يواجهون انعدام الخيارات في لبنان

محاصرون بالخوف: اللاجئون السوريون يواجهون انعدام الخيارات في لبنان

** تم تغيير الأسماء في هذا المقال لحماية خصوصية الأفراد.

“أتمنى الموت،” تقول أمّ خطاب، وهي لاجئة سورية تعيش في خيمة واهية على طول الحدود الشمالية الشرقية للبنان منذ سنوات. “نحن نعيش في قلق ورعب دائمَيْن. وأصبح الموت أرحم من العيش هنا.”

تعكس كلماتها الواقع الصارخ الذي يواجهه عشرات الآلاف من اللاجئين في الهرمل والقاع وعرسال، حيث تنتشر في تلك البيئة القاحلة المخيمات المؤقتة المصنوعة من القماش المشمع والخِرق. وتوفر هذه الملاجئ الهشة القليل من الحماية ضد العناصر القاسية، وحماية شبه معدومة من الموجات المتزايدة للمشاعر المعادية للاجئين في لبنان. يحاصَر اللاجئون في مساحات غير مناسبة ذات أرضيات ترابية ومن دون أيّ وسائل للتدفئة، ويواجهون يوميًا الخوف من نقاط التفتيش الأمنية والتوترات المحلية.

يقول وائل، وهو أب يبلغ من العمر 36 عامًا ويعاني من ارتفاع ضغط الدم والسكري، “دفع الخوف أسرتي المؤلفة من عشرة أفراد إلى البقاء محاصرين في الخيمة طوال اليوم. ولا نغادر الخيمة قط بعد الساعة السادسة مساءً بسبب حظر التجول على السوريين. ولا يخرج الأطفال أبدًا، ويواجهون التنمر من أطفال المنطقة”.

يتلقى وائل الأدوية الحيوية لعلاج حالته المزمنة في عيادة أطباء بلا حدود في الهرمل منذ بضع سنوات، لكن الإجراءات الأخيرة جعلت الوصول إلى الرعاية المنقذة للحياة أمرًا يتزايد صعوبة.

منذ أبريل/نيسان، كثّف لبنان المداهمات والإجراءات الأمنية لمعالجة قضية الأفراد غير المسجلين. ونتيجة لذلك، يواجه المرضى السوريون الذين يبحثون عن الرعاية الصحية في عيادات أطباء بلا حدود في محافظة بعلبك الهرمل عوائق متزايدة بسبب المخاوف والقيود المفروضة على حركتهم. وبالنسبة للكثير من اللاجئين في المحافظة، أصبح قرار طلب المساعدة الطبية الآن محفوفًا بالخوف. وأحد الأمثلة على ذلك هو وائل، الذي يضطر إلى عبور نقطة التفتيش للوصول إلى عيادة أطباء بلا حدود في الهرمل.

وفي هذا السياق، يقول وائل، “أشعر بالقلق دائمًا عندما يكون لدي موعد في عيادة أطباء بلا حدود. فأنا أخشى نقاط التفتيش الأمنية. كان موعدي يوم 20 مايو/أيار، لكنني كنتُ خائفًا من الخروج بسبب حملة أمنية في المنطقة، لذلك قررتُ عدم الذهاب. يتسبب الخوف في ارتفاع نسبة السكر في الدم، وأخشى ألا يكون لدي الوسائل لخفضه”. خلال هذه الحملات الأمنية، غالبًا ما يُقبَض على المواطنين السوريين حاملي المستندات منتهية الصلاحية عند نقاط التفتيش ويُرحَّلون قسرًا إلى سوريا، وعادةً من دون أن تتاح لهم فرصة الاتصال بأسرهم في لبنان.

لجأ مرضى آخرون يعانون من أمراض مزمنة إلى تقنين الأدوية أو التوقف عن تناولها نهائيًا خوفًا من مغادرة خيمتهم للحصول عليها. وعلى بعد أميال قليلة في بلدة القاع المجاورة، نفد كليًا دواء عامر الذي يبلغ من العمر 36 عامًا ويعاني من ارتفاع ضغط الدم في أبريل/نيسان.

ويقول عامر في هذا الصدد، “نفدت الأدوية، وليس لدي الوسائل أو الشجاعة للذهاب لإعادة تعبئتها. وأعاني من كوابيس أتعرض فيها للمطاردة من قبل السلطات. ولهذا لا أجرؤ على عبور نقطة التفتيش كي لا أبتعد عن أسرتي وأخاطر بفقدانها إلى الأبد”.

يتلقى وائل الأدوية الحيوية لعلاج حالته المزمنة في عيادة أطباء بلا حدود في الهرمل منذ بضع سنوات، لكن الإجراءات الأخيرة جعلت الوصول إلى الرعاية المنقذة للحياة أمرًا يتزايد صعوبة.

منذ أبريل/نيسان، كثّف لبنان المداهمات والإجراءات الأمنية لمعالجة قضية الأفراد غير المسجلين. ونتيجة لذلك، يواجه المرضى السوريون الذين يبحثون عن الرعاية الصحية في عيادات أطباء بلا حدود في محافظة بعلبك الهرمل عوائق متزايدة بسبب المخاوف والقيود المفروضة على حركتهم. وبالنسبة للكثير من اللاجئين في المحافظة، أصبح قرار طلب المساعدة الطبية الآن محفوفًا بالخوف. وأحد الأمثلة على ذلك هو وائل، الذي يضطر إلى عبور نقطة التفتيش للوصول إلى عيادة أطباء بلا حدود في الهرمل.

وفي هذا السياق، يقول وائل، “أشعر بالقلق دائمًا عندما يكون لدي موعد في عيادة أطباء بلا حدود. فأنا أخشى نقاط التفتيش الأمنية. كان موعدي يوم 20 مايو/أيار، لكنني كنتُ خائفًا من الخروج بسبب حملة أمنية في المنطقة، لذلك قررتُ عدم الذهاب. يتسبب الخوف في ارتفاع نسبة السكر في الدم، وأخشى ألا يكون لدي الوسائل لخفضه”. خلال هذه الحملات الأمنية، غالبًا ما يُقبَض على المواطنين السوريين حاملي المستندات منتهية الصلاحية عند نقاط التفتيش ويُرحَّلون قسرًا إلى سوريا، وعادةً من دون أن تتاح لهم فرصة الاتصال بأسرهم في لبنان.

لجأ مرضى آخرون يعانون من أمراض مزمنة إلى تقنين الأدوية أو التوقف عن تناولها نهائيًا خوفًا من مغادرة خيمتهم للحصول عليها. وعلى بعد أميال قليلة في بلدة القاع المجاورة، نفد كليًا دواء عامر الذي يبلغ من العمر 36 عامًا ويعاني من ارتفاع ضغط الدم في أبريل/نيسان.

ويقول عامر في هذا الصدد، “نفدت الأدوية، وليس لدي الوسائل أو الشجاعة للذهاب لإعادة تعبئتها. وأعاني من كوابيس أتعرض فيها للمطاردة من قبل السلطات. ولهذا لا أجرؤ على عبور نقطة التفتيش كي لا أبتعد عن أسرتي وأخاطر بفقدانها إلى الأبد”.

على بعد خيمتَيْن من ملجأ عامر، تعيش أمّ عمر، التي خضعت لعملية ولادة منزلية قبل ثلاثين يومًا فقط. إنّ ذاكرة أمّ عمر عن الليلة التي انفجر فيها كيس الماء بشكل مفاجئ غير واضحة، لكنها تتذكر بوضوح كيف أنّ خوف المجتمع من عبور نقاط تفتيش الجيش جعلها حبيسة أرضية الخيمة الترابية وهي تكافح آلام المخاض دون تخدير.

تقول أمّ عمر وهي تقمط مولودها الجديد، “كنتُ أصرخ في جوف الليل، ولم يتمكن أحد من اصطحابي إلى العيادة. فاستدعوا لاجئًا يعيش هنا لأنّ والدته كانت تعمل قابلة. ولحسن الحظ تمكّنت من مساعدتي في ولادة طفلي مستعينةً بخبرتها. لكن ما زلت لا أستطيع مغادرة المخيم للحصول على شهادة ميلاد له”.

عندما يسترجع اللاجئون ذكريات الماضي، غالبًا ما يروون أحداث الرحلة المحفوفة بالمخاطر إلى لبنان بكلمات مماثلة، فيصفون فرارهم من الدمار حاملين الملابس التي تغطي أجسادهم فقط وعثورهم على الأمل في البقاء على قيد الحياة في تلال لبنان.

في البداية، رحب بهم المجتمع المضيف بحرارة، لكن الأوضاع تدهورت منذ ذلك الحين وسط الانهيار الاقتصادي في لبنان. وفي هذا السياق تقول مايا التي قضت معظم حياتها في لبنان مقارنة بسوريا، “في البداية، ساعدتنا البلدية عندما وصلنا إلى عرسال. وقدّموا لنا بعض الأغراض للجلوس عليها واستخدامها. ثمّ سجلوني في المدرسة، وبدأتُ بالذهاب إليها. رحب بنا المجتمع في البداية ولم يجعلنا نشعر بأننا غرباء”.

ومع ذلك، بينما يرزح لبنان تحت وطأة عامه الخامس من الأزمة الاقتصادية الحادة، أصبح اللبنانيون في جميع أنحاء البلاد حاليًا أقل تقبلًا للاجئين السوريين. وأجبرت الصعوبات الاقتصادية، التي تفاقمت بسبب الخوف من الحركة، اللاجئين على الاختيار الصعب بين سلامتهم وصحتهم. وحاليًا، تأتي صحتهم النفسية في أسفل قائمة أولويات اللاجئين.

تقول أمّ خطاب التي تعاني من انهيارات عصبية منذ ترحيل ابنها أواخر عام 2023، “نعيش في قلق ورعب دائمَيْن. لا أستطيع حتى النوم بسبب هذه الحملات الأمنية وخوفي على أطفالي. وتتسارع دقات قلوب أطفالنا بسبب الخوف والقلق خلال هذه الحملات، ولا نسمع إلّا عبارة ها هم قادمون! أحاول مواساة أطفالي، ولكن في قرارة نفسي أشعر بالخوف أكثر منهم”.

بعد عدّة سنوات من النزوح، ظهرت أعراض نفسية أخرى على بعض اللاجئين السوريين. وتأثرت حياتهم اليومية وتغيرت ولم يعد أيّ شيء كما كان عليه سابقًا. إنّ الناس يشعرون بالتعب وعدم الأمان والاكتئاب والإحباط، إنّهم "عالقون في المنتصف"، ممّا يؤثر على الأسرة بأكملها.
أماني المشاقبة، مديرة أنشطة الصحة النفسية في أطباء بلا حدود في بعلبك الهرمل

وتقول أمّ خطاب واصفةً عن غير قصد أعراض نوبات إجهاد ما بعد الصدمة، “إنّ الجميع على حافة الهاوية. عندما نسمع أحدًا يتحدث بصوت عالٍ أو ضجيجًا عاليًا، نعتقد أنّ مداهمة أمنية قد بدأت ونشعر بالذعر”. ويشارك اللاجئون في عرسال والهرمل شهادات مماثلة.

إنّ الخسائر الجسدية والنفسية التي يتحملها اللاجئون نتيجة هذا الوضع هائلة. وفي هذا السياق يقول لاجئ آخر، “أملنا الرئيسي هو العيش بأمان وعدم استدعائنا من قبل قوات الأمن. إنّ الخوف هو السبب الرئيسي لمعاناتنا هنا”. هذا الخوف المنتشر ليس عائقًا أمام الرعاية الصحية فحسب، بل هو رفيق دائم في حياتهم اليومية.

تقول أمّ خطاب، “صدقًا لو كان منزلنا في سوريا آمن ما بقيت هنا دقيقة واحدة. ولكن ماذا سنفعل في سوريا؟ لم يبقَ لدينا شيء هناك. والآن نتمنى الموت لأنّه أصبح أرحم من العيش هنا”.

وأدت الحرب السورية التي انطلقت شرارتها عام 2011 إلى دمار وعنف واسع النطاق، ونزوح ملايين الأشخاص إلى الدول المجاورة مثل لبنان وتركيا والأردن وخارجها. وأدى عدم الاستقرار الدائم إلى جعل سوريا مكانًا غير آمن بالنسبة للكثيرين، ممّا صعّب عليهم العودة إلى وطنهم. ويواجه اللاجئون السوريون الذين يبحثون عن الرعاية الصحية في شمال شرق لبنان عقبات متزايدة بسبب المخاوف والقيود المفروضة على حركتهم. ولا ينبغي أن يعيق الخوف أو الترهيب وصول المجتمعات المستضعفة إلى الرعاية الصحية. ولا ينبغي على المرضى أيضًا الاختيار بين سلامتهم وطلب المساعدة الطبية.

“كلّ ما أطلبه هو الأمان”، يعكس هذا النداء التوق العميق للاستقرار لدى العديد من اللاجئين الذين يعيشون في لبنان اليوم.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

الدول الداعمة للعمليات العسكرية الإسرائيلية متواطئة في مجزرة المدنيين

الدول الداعمة للعمليات العسكرية الإسرائيلية متواطئة في مجزرة المدنيين

في 26 مايو/أيار، قتلت القوات الإسرائيلية ما لا يقل عن 49 فلسطينياً في غارات جوية على مخيم للنازحين في تل السلطان في رفح، غزة. وتم نقل أكثر من 180 مصاباً إلى نقطة علاج إسعافي قريبة تدعمها منظمة أطباء بلا حدود. وبعد يومين، قصفت إسرائيل مخيماً للنازحين في المواصي، غرب رفح، مما أسفر عن مقتل 21 فلسطينياً على الأقل وإصابة 64 آخرين. تحدث هذه المجازر بُعيد أن أمرت محكمة العدل الدولية إسرائيل في 24 مايو/أيار بوقف هجومها العسكري “فوراً” في رفح، تطبيقاً لاتفاقية منع جريمة اﻹبادة الجماعية والمعاقبة عليها.

تصف كارولين سيغوين، رئيسة برامج الطوارئ في أطباء بلا حدود في غزة، الوضع المروع المستمر هناك.

ماذا حدث بعد الغارات الجوية الإسرائيلية على مخيم النازحين في تل السلطان في 26 مايو/أيار؟

كانت منظمة أطباء بلا حدود تدعم نقطة علاج إسعافي تعمل على مدار الساعة بجوار المكان الذي وقعت فيه الغارات الجوية الإسرائيلية. عالجت فرقنا أكثر من 180 شخصاً يعانون من إصابات معقدة، بما في ذلك جروح الشظايا والكسور والحروق الشديدة. كما استقبلنا 28 شخصاً وصلوا ميتين بالفعل عند وصولهم إلى نقطة العلاج الإسعافي أو ماتوا متأثرين بإصاباتهم بعد وقت وجيز. عملت الفرق طوال الليل على تثبيت استقرار حالة المرضى ونقلهم إلى المرافق الصحية الواقعة غرباً بالقرب من المواصي. ثم اضطر أفرادها إلى الفرار في الليلة التالية مع اشتداد القتال في المنطقة، مما أنهى مرة أخرى الأنشطة الطبية الحيوية لسكان غزة.

كان هنالك نساء وأطفال بين الضحايا. هناك عائلات بأكملها، في الغالب مكونة من عشرات الأشخاص، تنام في خيام وتعيش في ظروف صعبة للغاية. هؤلاء مدنيون يتعرضون مرة أخرى للإصابة والقتل بسبب القصف الإسرائيلي لمناطق مكتظة بالسكان.

توضح هذه الضربة مرة أخرى التجاهل التام لحياة الفلسطينيين من قبل القوات الإسرائيلية. والمنطقة التي حدثت فيها الغارات الجوية هي مخيم للنازحين ولم يتلق المدنيون هناك أي أمر بالإخلاء. ولا يوجد مكان آمن في غزة للمدنيين.

كان قد لجأ أكثر من 1.3 مليون فلسطيني إلى رفح، وبقوا لمدة في مأمن من القتال البري. والغالبية العظمى منهم نزحوا قسراً عدة مرات، في حرب لم يذق فيها السكان المدنيون الراحة. ما هي الظروف التي يعيشها النازحون منذ بداية الهجوم الإسرائيلي على رفح في 6 مايو/أيار؟

فر أكثر من 900 ألف شخص من رفح منذ بداية الهجوم الإسرائيلي على المدينة ومحيطها. وقد تم تهجيرهم قسراً لعدد لا يحصى من المرات، وهذه المرة إلى المواصي، وهي شريط رملي على طول ساحل البحر الأبيض المتوسط، ودير البلح وخان يونس.

يواصل الجيش الإسرائيلي دفع سكان غزة بلا هوادة إلى المناطق التي يعلن أنها آمنة ولكنها في الواقع معرضة للقصف والقتال. وفي 16 مايو/أيار، أمرت القوات الإسرائيلية بإخلاء 78 في المئة من قطاع غزة. الفلسطينيون في غزة عالقون الآن وسط القتال ومحصورون في منطقة صغيرة غير صالحة للعيش، ويحاولون البقاء على قيد الحياة في ظروف مستحيلة دون أي ضمان للسلامة.

لا يزال القصف الإسرائيلي المكثف والعشوائي يدمر شمال ووسط غزة بما في ذلك الغارات الجوية المتكررة على مخيم النصيرات للاجئين الفلسطينيين وفي الجنوب مع الهجوم الحالي على رفح. منذ بداية الحرب، قُتل أكثر من 35000 فلسطيني وأصيب ما لا يقل عن ضعف هذا العدد ويحتاجون إلى علاج، بما في ذلك العمليات الجراحية المعقدة. واضطرت فرق أطباء بلا حدود إلى إخلاء 12 مرفقاً صحياً على مدى الأشهر السبعة الماضية، بما في ذلك تسعة مرافق تعرضت للهجوم. وتجدر الإشارة إلى أن زملاءنا عانوا من 23 حادثة عنيفة — هجمات مباشرة، وأحياناً تم اعتقالهم وتعذيبهم من قبل القوات الإسرائيلية.

هذه مجزرة مستمرة منذ ما يقرب من ثمانية أشهر، ضحاياها الرئيسيون هم النساء والأطفال. واليوم في غزة، جميع السكان واقعون في نطاق القنابل وإطلاق النار وقصف الدبابات، ويمكن لأي شخص أن يُقتل، بما في ذلك العاملين في المجال الإنساني حتى لو كانوا في قافلة عليها علامة واضحة تدل على هويتها، كما كان الحال بالنسبة لمنظمة أطباء بلا حدود في نوفمبر/تشرين الثاني 2023 والمطبخ المركزي العالمي في أبريل/نيسان 2024.

لم تدخل أي شاحنات تابعة لمنظمة أطباء بلا حدود إلى قطاع غزة منذ 6 مايو/أيار. وفي 26 أيار/مايو، سُمح لنحو 130 مركبة تحمل مساعدات إنسانية بعبور معبر كرم أبو سالم، الذي يسيطر عليه الجيش الإسرائيلي. وتوقفت عملية الإمداد بسبب القتال، مما أجبر حوالي 70 شاحنة على العودة. ما هي العواقب على الفلسطينيين في غزة وكيف تواصل فرق أطباء بلا حدود العمل؟

منذ الإغلاق الكامل لمعبر رفح في 7 مايو، نشهد المزيد من الخنق لقطاع غزة، وهو عقاب جماعي جديد للفلسطينيين. لقد اضطررنا إلى إعادة تهيئة المستشفيات التي نعمل فيها، وإغلاق مرافق ونقل المرضى من المستشفيين الإندونيسي والإماراتي في رفح إلى مستشفى ناصر في خان يونس، حيث نعالج الإصابات والحروق ونقدم رعاية المتابعة.

إمدادات المياه أمر بالغ الأهمية في جميع أنحاء غزة. وبسبب نقص الوقود، تعمل محطات تحلية المياه على مستوى منخفض. هذا الأسبوع تمكنا فقط من توزيع 50 ألف لتر من المياه بسبب نقص الوقود، مقارنة بـ 400 ألف لتر في الأسبوع السابق. هناك المزيد من الأغذية المستوردة المتاحة في بعض الأسواق، حيث تمر عبر شاحنات الشركات الخاصة، لكن أسعارها فوق طاقة معظم سكان غزة.

تواصل إسرائيل سياستها المتمثلة في عرقلة المساعدات الإنسانية؛ ونرى هذه العرقلة للمساعدات مقترنة بتمثيلية تهدف إلى جعل الناس يعتقدون أن المساعدات يمكن أن تدخل قطاع غزة عبر الرصيف العائم الذي بنته الولايات المتحدة أو عبر معبر كرم أبو سالم. في الواقع، بعد مرور ما يقرب من ثمانية أشهر، ما زلنا نرى الإعاقة والعرقلة والتأخير المروع في نقل المعدات التي يحتاجها المرضى للعلاج، مثل المولدات ومضخات المياه والماسحات الضوئية ومعدات الأشعة السينية والأكسجين ومعدات التعقيم وغيرها. فالمساعدات، إذ لا يتم حظرها بالكامل، تدخل بكميات ضئيلة، ولا يمكنها بأي حال من الأحوال تلبية الاحتياجات الهائلة للفلسطينيين في غزة.

يمكن لمنظمة أطباء بلا حدود أن تنقذ المزيد من الأرواح إذا توقفت الحكومة الإسرائيلية عن تعمّد إعاقة وصول المساعدات الإنسانية. وفضلاً عن القصف والتفجيرات، يموت الناس كل يوم بسبب عرقلة إسرائيل للمساعدات.

الطريقة الوحيدة لإيصال المساعدات إلى غزة اليوم هي زيادة عدد نقاط الدخول البرية إلى المناطق التي لا تتعرض فيها حياة العاملين في المجال الإنساني للخطر — وهي مناطق ليست على الخطوط الأمامية، كما هو الحال حالياً في كرم أبو سالم، وهو حل غير عملي. فيجب أن تدخل المساعدات الإنسانية إلى غزة بكميات كافية لتلبية الاحتياجات الهائلة للسكان المتضررين. ويجب أن يكون لدينا الوسائل لتوزيع المساعدات ويجب أن نكون قادرين على القيام بذلك دون عوائق وفي أمان. وتجدر الإشارة أيضاً إلى أن أكثر من 220 من العاملين في المجال الإنساني قتلوا في غزة منذ بداية الحرب.

أمرت محكمة العدل الدولية إسرائيل “بالوقف الفوري لهجومها العسكري، وأي عمل آخر في محافظة رفح” يمكن أن يؤدي إلى “التدمير المادي” للفلسطينيين. ما الذي يغيره هذا الحكم بشكل ملموس على أرض الواقع؟

بالنسبة للفلسطينيين الذين يتعرضون للقصف والعالقين وسط القتال، فإن حكم محكمة العدل الدولية لا يغير حياتهم اليومية بشكل جذري. التدابير التي أمرت بها المحكمة ملزمة قانوناً، لكن ليس لديها أي وسيلة لإنفاذها. وفي 26 يناير/كانون الثاني، أصدرت محكمة العدل الدولية تدابير مؤقتة تأمر إسرائيل بمنع أعمال الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها وضمان وصول الخدمات الأساسية والمساعدات إلى الناس في قطاع غزة. تسلط أحكام المحكمة، من حيث الضغط الذي تمارسه على إسرائيل والتغطية الإعلامية التي تولدها، الضوء على الطبيعة المنهجية والواضحة لتدمير البنية التحتية المدنية في غزة، بما في ذلك الهجمات على المستشفيات — التي وثقناها في الأشهر الأخيرة — وكذلك المدارس والمساجد والجامعات والطرق والأراضي الزراعية، وغير ذلك. ويتم تدميرها بشكل متعمد ومنهجي. وتتم إبادة النسيج الاجتماعي لغزة بأكمله.

لا تزال المستشفيات في شمال غزة مستهدفة بالهجمات وتعرضت لدمار هائل، كما هو الحال في مستشفيي العودة وكمال عدوان. ولم يعد هناك مستشفى يعمل بكامل طاقته في رفح منذ أن خرج المستشفى الكويتي من الخدمة بعد غارة جوية أسفرت عن مقتل اثنين من طاقمه. ومنذ بداية الحرب، تعرض النظام الصحي — المستشفيات وسيارات الإسعاف والعاملين في المجال الطبي والمرضى — لهجمات متعمدة ومنهجية من قبل الجيش الإسرائيلي. وفي الوقت الحالي، ترفض إسرائيل استقبال المرضى، وخاصة الأطفال، الذين لا يمكن علاجهم في غزة، ولم يعد الإجلاء الطبي إلى مصر ممكناً منذ أن سيطرت إسرائيل على الحدود.

هناك حاجة حيوية وعاجلة لإجبار إسرائيل على الوقف الفوري لسياستها المتمثلة في تدمير جميع مصادر الحياة في غزة. الولايات المتحدة، التي تعارض بشكل منهجي قرارات مجلس الأمن الدولي التي تدعو إلى وقف إطلاق النار، متواطئة في سياسة التدمير هذه وتغذيها، كما تفعل المملكة المتحدة والدول الأوروبية المتحالفة مع إسرائيل. يجب على هذه الدول التوقف عن دعم العمليات العسكرية الإسرائيلية من أجل حماية أرواح المدنيين ومنع الإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني.

غزة: على إسرائيل أن تنهي حملة الموت والدمار التي تشنها

غزة: على إسرائيل أن تنهي حملة الموت والدمار التي تشنها

القدس وباريس وبروكسل وبرشلونة، 28 مايو/أيار 2024 – فيما يُعقد مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة اليوم بعد أن قصفت إسرائيل خيمًا تأوي النازحين في “مناطق إنسانية” بحسب تصنيفها في جنوب غزة، تدعو أطباء بلا حدود إلى إنهاء فوري للهجوم على رفح، وللفظائع الوحشية المستمرة في كافة أنحاء قطاع غزة. تتمثل إستراتيجية إسرائيل العسكرية بشن هجمات متكررة على المناطق المكتظة بالسكان وتؤدي قطعًا إلى القتل الجماعي للمدنيين.

المدنيون يُذبَحون. يُدفع بهم إلى مناطق قيل لهم أنها آمنة، فلا يطالهم إلا قصف جوي بلا انقطاع وقتال عنيف. تضم الخيم عائلات بأكملها من عشرات الأشخاص المحاصرين والذين يعيشون في ظروف صعبة للغاية. نزح قسرًا ولمرة أخرى أكثر من 900 ألف شخص، إذ كثفت القوات الإسرائيلية هجومها على رفح في أوائل مايو/أيار.
الأمين العام لأطباء بلا حدود، كريس لوكيير

قُتل اليوم 21 فلسطينيًا وأصيب 64 آخرون، وفقًا للسلطات الصحية المحلية، بعد أن قصفت القوات الإسرائيلية خيم النازحين في المواصي، غرب رفح بجنوب غزة.

أُجبر كذلك على النزوح كل من المرضى والطواقم الطبية في نقطة المعالجة المؤقتة للإصابات البالغة التي تدعمها أطباء بلا حدود في تل السلطان في رفح ليلة 27 مايو/أيار مع اشتداد الأعمال العدائية في المنطقة، مما أدى إلى توقف جميع الأنشطة الطبية في المرفق الطبي. ويأتي هذا الإخلاء القسري مجددًا لأحد مرافق الرعاية الصحية بعد 24 ساعة من شن القوات الإسرائيلية لغارة جوية على “منطقة آمنة” بحسب تصنيفها، متسببة بمقتل ما لا يقل عن 49 شخصًا وإصابة أكثر من 250 آخرين. سجّل العاملون في نقطة المعالجة المؤقتة تدفق إصابات جماعية بلغت 180 جريحًا و31 قتيلًا، حيث عانى المرضى من حروق شديدة وإصابات بشظايا وكسور وإصابات بالغة أخرى. استقرت حالة هؤلاء المرضى وأُحيلوا إلى مستشفيات ميدانية غربًا باتجاه المواصي، ذلك أنه لم يعد هناك مستشفيات فعالة ومتخصصة بالإصابات البالغة تستطيع أن تتعامل مع حدث إصابات جماعية من هذا النوع.

تقول د. صفاء جابر، الطبيبة النسائية مع أطباء بلا حدود والتي تعيش في خيمة مع عائلتها في مخيم تل السلطان، “سمعنا طوال ليلة البارحة اشتباكات وقصفًا وإطلاق صواريخ. لا يعلم أحد ما يحدث بالضبط. نحن خائفون على أطفالنا وخائفون على أنفسنا. لم نكن نتوقع أن يحدث هذا فجأة. إلى أين سنذهب؟ نحن نعاني للعثور على الأساسيات التي يحتاجها كل إنسان للبقاء على قيد الحياة”.

ومنذ أسبوع فقط، أمرت محكمة العدل الدولية إسرائيل بأن توقف “فورًا” هجومها العسكري على رفح وأن تسمح بدخول المساعدات الإنسانية التي تشتد الحاجة إليها، وأن تضمن وصولها إلى من يحتاجونها. إلا أن هجوم إسرائيل على جنوب غزة قد تصاعد منذ ذلك الحين، ولم تدخل أي كمية من المساعدات المجدية إلى القطاع منذ السادس من مايو/أيار، واستمر نسق الهجمات الممنهجة التي تستهدف الرعاية الصحية. وبهذا فإن جميع الدول التي تدعم عمليات إسرائيل العسكرية في هذه الظروف متواطئة أخلاقيًا وسياسيًا. ونحن ندعو الدول – ولا سيما الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والحلفاء من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي – إلى بذل كل ما في وسعها للتأثير على إسرائيل لوقف الحصار القائم والهجمات المستمرة على المدنيين والبنية التحتية المدنية في غزة.

بعد مرور قرابة ثمانية أشهر منذ بداية هذه الحرب، لم يعد هناك مرفق رعاية صحية واحد في غزة قادر على التعامل مع حدث إصابات جماعية كالذي وقع في 27 مايو/أيار. ويأتي إغلاق نقطة المعالجة المؤقتة للإصابات البالغة التي تدعمها أطباء بلا حدود في تل السلطان في أعقاب غارة جوية في اليوم نفسه على المستشفى الكويتي في رفح، والتي تسببت بمقتل عاملَين في المستشفى وأوقفته عن الخدمة. أُخليت جميع المستشفيات في رفح تقريبًا بشكل قسري، وهي إما خارج الخدمة أو بالكاد تعمل، مما لا يترك أي إمكانية لتوفير الرعاية الطبية أو الوصول إليها.

 

يتعرض مئات آلاف المدنيين لاستعراض وحشي ومستمر للعقاب الجماعي. وإلى جانب القصف، يستحيل علينا أن نساعد بطريقة مجدية بسبب الحظر الشديد للإغاثة. يموت الناس أيضًا بسبب منع العاملين في المجال الإنساني من القيام بعملهم.
المرجع الطبي لمشروع أطباء بلا حدود في غزة، كارين هاستر

كذلك يستمر القصف الإسرائيلي والقتال العنيف بتدمير شمال القطاع، والذي صار وصول العاملين في المجال الإنساني إليه شبه مستحيل. وتقع المستشفيات في الشمال في مرمى النيران وتتعرض لدمار واسع النطاق، بما فيها مستشفى العودة ومستشفى كمال عدوان الذي قصفته القوات الإسرائيلية اليوم. وقد أبلغت مستشفيات أخرى مثل مستشفى الأقصى في دير البلح ومستشفى ناصر في خان يونس عن نقص في الوقود، وقد تخرج قريبًا عن الخدمة.

ندعو جميع الأطراف المتحاربة إلى احترام المرافق الطبية وطواقمها ومرضاها وحمايتها.

ندعو إسرائيل إلى الوقف الفوري لهجومها على رفح وفتح معبر رفح للسماح بدخول المساعدات الإنسانية والطبية على نطاق واسع.

وندعو إلى وقف فوري ومستدام لإطلاق النار في كافة أنحاء القطاع.

 

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

إجبار مستشفى آخر في غزة على الإغلاق في ظل الهجوم الإسرائيلي المكثف على رفح

إجبار مستشفى آخر في غزة على الإغلاق في ظل الهجوم الإسرائيلي المكثف على رفح

أدى اشتداد هجوم القوات الإسرائيلية على رفح إلى إجبار أطباء بلا حدود على التوقف عن تقديم الرعاية المنقذة للحياة في مستشفى رفح الإندونيسي الميداني في 12 مايو/أيار. وقد أُحيل المرضى الاثنان وعشرون الذين بقوا في المستشفى إلى مرافق صحية أخرى، إذ لا يمكننا ضمان سلامتهم. شهدت أطباء بلا حدود نمطًا من الهجمات الممنهجة ضد المرافق الطبية والبنية التحتية المدنية منذ بداية الحرب. وفي ضوء ذلك، وإلى جانب الهجوم الممضي قدمًا، قررنا مغادرة مستشفى رفح الإندونيسي الميداني.

يقول رئيس عمليات الطوارئ في أطباء بلا حدود، ميشيل-أوليفييه لاشاريتيه: “اضطررنا إلى مغادرة 12 منشأة صحية مختلفة وتعرضنا لمجموع 26 حادثًا عنيفًا، بما في ذلك الغارات الجوية التي أضرّت المستشفيات، ونيران الدبابات التي استهدفت ملاجئ في مناطق عدم الاشتباك المتفق عليها، والهجمات البرية على المراكز الطبية، وإطلاق النار على القوافل الطبية”.

يتعرض النظام الصحي في غزة للتفكيك مما يتسبب بعواقب وخيمة على الأشخاص المحاصرين هناك. ووفقًا لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، فإن 24 من أصل 36 مستشفى في غزة خارجون عن الخدمة الآن. هذا وتحاول أطباء بلا حدود إنشاء مستشفيات ميدانية في أماكن أخرى في قطاع غزة، ولكن هذه المنشآت الصحية القليلة لن تقدر على التعامل مع التدفق الهائل للجرحى المدنيين، إلى جانب الاحتياجات الطبية المهولة. لا يمكن لهذه المستشفيات الميدانية بأي حال من الأحوال أن تحل محل نظام صحي فعال.

كانت أطباء بلا حدود قبل إخلاء المستشفى تقدم رعاية ما بعد العمليات الجراحية لجرحى الحرب منذ منتصف ديسمبر/كانون الأول 2023. وقد عملت فرقنا على تقديم الرعاية للمرضى في المستشفى الذي يضم 60 سريرًا، حيث أجرى الجراحون قرابة 35 عملية جراحية أسبوعيًا في غرفة العمليات. كانت رعاية المرضى المقيمين ومرضى العيادات الخارجية فعّالة طوال ستة أيام في الأسبوع، مقدمة قرابة 130 استشارة يوميًا، حيث وفرت الفرق خدمات تغيير التضميد والعلاج الطبيعي والاستشارة. أُجبرت وزارة الصحة كذلك على نقل أنشطتها من مستشفى رفح الإندونيسي الميداني، مما أدى إلى إغلاق المستشفى بأكمله.

وإلى جانب هذا الإغلاق، يؤدي منع وصول المساعدات بشكل متكرر ولفترات طويلة إلى إعاقة الاستجابة الإنسانية والمخاطرة بحياة الأشخاص المحاصرين في غزة. والإمدادات موشكة على خطر النفاد، كإمدادات الوقود اللازمة لتشغيل كل شيء من المستشفيات إلى المخابز، وغيرها من الضروريات، فيما يعجز الناس عن مغادرة القطاع أو الدخول إليه.

أعدنا في أطباء بلا حدود افتتاح أنشطتنا في مستشفى ناصر في خان يونس ضمن أقسام المرضى المقيمين ومرضى العيادات الخارجية، مع التركيز على جراحة العظام ورعاية الحروق وخدمات المعالجة الوظيفية، وستُفتتح خدمات الأمومة في الأيام المقبلة. أُجبرت كوادر أطباء بلا حدود على الفرار من مستشفى ناصر في منتصف فبراير/شباط وترك المرضى وراءهم بعدما ضربت قذيفة قسم جراحة العظام، وأمرت القوات الإسرائيلية بإخلاء المستشفى قبل اقتحامه.

وبينما يواجه الغزّيون مجددًا موجة أخرى من القصف والقذائف وإطلاق النار والعنف، ندعو مرة أخرى إلى وقف فوري لهذا الهجوم الذي يُشرّد مئات آلاف الأشخاص ويحرمهم من المساعدات الضرورية. فرّ ما لا يقل عن 360 ألف فلسطيني من رفح، بحسب الأمم المتحدة، منذ أن وسعت القوات الإسرائيلية نطاق هجومها وأوامر الإخلاء، مما يحيل تقديم المساعدات الإنسانية والطبية المنقذة للحياة من المستحيلات، في خضم هذه الحملة من الموت والدمار العشوائي.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

السودان: أطباء بلا حدود مجبرة على تعليق أنشطتها في المستشفى الوحيد العامل في ولاية الجزيرة

Fadasi Camp Wad Madani - Al Jazirah state

السودان: أطباء بلا حدود مجبرة على تعليق أنشطتها في المستشفى الوحيد العامل في ولاية الجزيرة

بورتسودان، 9 مايو/أيار 2024 – اضطرت أطباء بلا حدود إلى وقف عملها في مستشفى مدني التعليمي، وهو المستشفى الوحيد الذي لا يزال يقدّم الخدمات لمئات آلاف الأشخاص الذين هم في أمس الحاجة إلى المساعدة الطبية في كامل ولاية الجزيرة في السودان. ويأتي هذا القرار الصعب والمؤلم للغاية بعد أكثر من ثلاثة أشهر من التحديات المتواصلة، بما في ذلك انعدام الأمن المتزايد، وعدم القدرة على إحضار كوادر جديدة وإمدادات طبية للمنطقة بسبب رفض تصاريح السفر والحوادث الأمنية المتكررة مثل السرقات والاعتداءات التي أثرت على قدرتنا بتوفير الرعاية الطبية.

تدعو منظمة أطباء بلا حدود الأطراف المتحاربة لوقف الاعتداءات على المنشآت الصحية وضمان أمن الطواقم الطبية وتوفير تصاريح السفر المطلوبة لطواقمنا وللإمدادات.

لقد انهار النظام الصحي والخدمات الأساسية في ولاية الجزيرة نتيجة القتال والمنع الممنهج للإمدادت والطواقم من دخول المنطقة. كانت أطباء بلا حدود المنظمة الدولية غير الحكومية الوحيدة التي تقدم بعض الدعم في ود مدني. يترك رحيلنا فراغًا أعمق للسكان الذين يعانون من أجل الوصول إلى الرعاية الصحية ويعيشون في بيئة غير آمنة بتاتًا ومن دون أيّ وسائل للتنقل
ماري كارمن فينيوليس، مديرة عمليات أطباء بلا حدود في السودان

ففي منتصف كانون الأول\ديسمبر امتد القتال لود مدني عاصمة ولاية الجزيرة الواقعة على بعد 136 كيلومترًا جنوب شرق الخرطوم وأُجبر ما لا يقل عن 630 ألف شخص، بما في ذلك الكثير ممن نزحوا سابقًا، على الفرار من ولاية الجزيرة نحو أجزاء أخرى من السودان، وفقًا للمنظمة الدولية للهجرة[1]، في نهاية ديسمبر/كانون الأول عقب الهجوم الذي شنته قوات الدعم السريع شبه العسكرية على المدينة، والتي كانت حتى ذلك الحين تحت سيطرة القوات المسلحة السودانية التي تقودها الحكومة.

في 13 يناير/كانون الثاني تمكنت أطباء بلا حدود من إعادة إرسال فريق لود مدني حيث لا يزال مئات الآلاف من الأشخاص يقيمون في الولاية وفي المدينة التي كانت إحدى أكثر مدن السودان اكتظاظًا بالسكان.

ومنذ حينها، دعمت أطباء بلا حدود غرفة الطوارئ وغرفة العمليات وقسم الأمومة وقسم المرضى المقيمين[2] بما فيها قسم الأطفال ومركز التغذية العلاجية والصيدلية وقسم الجراحة في مستشفى مدني التعليمي. وقدمنا أيضًا الدعم في مجال الصحة النفسية وللناجيات من العنف الجنسي، كما قدمنا التدريب والحوافز المالية لمجموع 240 فرداً من طاقم وزارة الصحة وكفلنا توفير الغذاء للمرضى.

وفي الفترة ما بين منتصف يناير/كانون الثاني وأواخر أبريل/نيسان، أجرت أطباء بلا حدود قرابة 10 آلاف استشارة خارجية، وكانت الملاريا هي المرض المعالج الأكثر شيوعًا. سُجِّلت 2,142 زيارة لرعاية ما قبل الولادة وقُدِّمت الرعاية لمجموع 16 ناجية من العنف الجنسي. وشهدت غرفة الطوارئ تدفق المرضى بشكل مستمر، إذ بلغ عددهم الإجمالي 2,981 مريضًا خلال هذه الفترة. وكان عدد كبير من الحالات المستقبَلة هذه يضم إصابات جسدية ناجمة عن أعمال العنف المستمرة.

أوقفت أطباء بلا حدود كل الدعم المقدم للمرفق الطبي، ونقلنا طاقم عملنا إلى مناطق أكثر أمانًا في السودان. وعلى مدى الأشهر الثلاثة الماضية، واجه فريقنا وطاقم وزارة الصحة الذي ندعمه أيضًا حوادث أمنية متكررة، إمّا نفذتها أو تغاضت عنها قوات الدعم السريع بما في ذلك نهب المستشفى وسرقة المركبات واحتجاز طاقم العمل والكثير من الضغوطات الأخرى، ومنذ كانون الثاني\يناير رفضت السلطات السودانية باستمرار تصاريح السفر لتأمين طواقم عمل جديدة وإمدادات طبية ولوجستية للمدينة.

[1] One Year of Conflict in Sudan: Visualizing the World’s Largest Displacement Crisis | Displacement Tracking Matrix (iom.int)

[2]  أجنحة الأطفال والتغذية العلاجية والكبار والجراحة

على الرغم من هول الاحتياجات الإنسانية والطبية في مدينة ود مدني وولاية الجزيرة، لم يكن لدينا خيار آخر سوى إيقاف عملنا الآن ومغادرة المنطقة. فالعوائق الإدارية المتعمدة، وانعدام الأمن المتزايد والانتهاكات المستمرة لحياد المستشفى جعلت الاستمرار في تقديم الخدمات مستحيلًا
ماري كارمن فينيوليس، مديرة عمليات أطباء بلا حدود في السودان

تعرب منظمة أطباء بلا حدود عن استعدادها للعودة لدعم مستشفى مدني التعليمي وسكان ولاية الجزيرة شريطة على أن تلتزم الأطراف المتحاربة باحترام عملنا الطبي وأن تضمن الوصول الآمن من دون انقطاع إلى المنطقة. تدعو منظمة أطباء بلا حدود قوات الدعم السريع إلى التوقف عن انتهاك حيادية المستشفى وضمان سلامة طاقم وزارة الصحة وطاقم أطباء بلا حدود، كما ندعو السلطات العسكرية والمدنية التي تقودها حكومة السودان إلى منح تصاريح السفر اللازمة لطاقم عملنا وإمداداتنا.

تعمل منظمة أطباء بلا حدود حاليًا في أكثر من 30 مرفقًا صحيًا وتدعمها في تسع ولايات في السودان، وهي الخرطوم، والنيل الأبيض والأزرق، والقضارف، وغرب دارفور، وشمال دارفور، وجنوب ووسط دارفور، والبحر الأحمر. ندير أنشطة في كلا المناطق التي تسيطر عليها القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع. نقدم رعاية الإصابات البالغة ورعاية الأمومة والأطفال ونعالج سوء التغذية إلى جانب خدمات الرعاية الصحية الأخرى. تدعم فرق أطباء بلا حدود أيضًا اللاجئين السودانيين والعائدين إلى جنوب السودان وشرق تشاد.

Alzahraa Camp, Wad Madani, Sudan. 5 June 2023.

احتفالًا بالقابلات القانونيات: بطلات الرعاية الصحية للأمهات والرضع

احتفالًا بالقابلات القانونيات: بطلات الرعاية الصحية للأمهات والرضع

وسط صخب وزخم المستشفيات والعيادات، يعمل فريق بلا كلل لضمان مرور آمن للحياة الجديدة إلى هذا العالم، ألا وهو فريق القابلات القانونيات. في ظل احتفالنا باليوم العالمي للقابلات، تتحيّر منظمة أطباء بلا حدود لحظة لتكريم هذا الكادر الدؤوب. لهذا الغرض، انضموا إلينا لنسلّط الضوء على رحلة نور السيّد، إحدى قابلاتنا القانونيات في مشروع بعلبك-الهرمل.

كان صباحًا مشرقًا عندما وصلت نور إلى عيادة الرعاية الصحية الأولية التي تديرها منظمة أطباء بلا حدود في عرسال، بلدة على الحدود الشرقية لمحافظة بعلبك-الهرمل. مع كل خطوة تخطوها، ينتاب نور شعور بالأمل يمنحها طاقة لتواجه اليوم. داخل العيادة، وبينما يهتم الأطباء والممرضون بالمرضى،  تجلس الأمهات والحوامل بصبر في منطقة الانتظار، يعلو وجوههن خليط من الفرح والترقب. بالنسبة لنور، كل يوم يأتي ومعه فرصة جديدة لتكون سببًا في فرح هؤلاء النساء، ولتكون مصدرًا للطمأنينة في حياتهن. بابتسامة مشرقة على شفتيها وبريق في عينيها، تنطلق نور في جولاتها.

عالميًا، لا تزال وفيات الأمهات مشكلة ملحة، حيث سُجلت وفية جديدة تقريبًا كل دقيقتين في عام 2020 وفقًا لمنظمة الصحة العالمية. في لبنان، تبقى الحرب ضد وفيات الأمهات قضية حيوية، وتلعب القابلات، مثل نور، دورا محوريًا  للنساء والعائلات خلال رحلة الحمل والولادة. في عام 2023 وحده، ساعدت منظمة أطباء بلا حدود أكثر من 2900 أم حامل على ولادة أطفالهن تحت الإشراف الطبي.

دفعت رغبة نور بمساعدة الأخرين نحو مهنة القبالة. “ما جذبني في البداية إلى مجال القابلة القانونية هو الفرصة لتقديم الدعم والمساعدة للنساء والعائلات أثناء الحمل والولادة”، تشاركنا نور، البالغة من العمر 28 عامًا. يغمرها شعور عميق بالرضا عندما تشاهد ملامح السعادة على وجه أم تسمع صوت بكاء طفلها للمرة الأولى بعد الولادة.

بعد مزاولتها المهنة في مركز الأم والطفل التابع لمنظمة أطباء بلا حدود في عرسال، أصبحت نور قابلة قانونية بدوام كامل في عيادتي المنظمة في عرسال والهرمل، حيث تقدم المنظمة خدمات الرعاية الصحية الأولية للمرضى ذوي الأمراض المزمنة (مثل ارتفاع ضغط الدم والسكري والربو والصرع)، وخدمات الصحة الجنسية والإنجابية للنساء، بالإضافة إلى الاستشارات الطبية للأطفال، وخدمات الصحة النفسية للمجتمعات المهمشة.

طوال النهار، يزدحم جدول نور بالمهام، بدءًا من تقديم الاستشارات وخدمات تنظيم الأسرة للنساء إلى إجراء الفحوصات السريرية، والمساعدة أثناء الولادة، ودعم الأمهات طوال فترة الحمل والولادة، وفترة ما بعد الولادة. داخل عيادات الرعاية الصحية التابعة لمنظمة أطباء بلا حدود في عرسال والهرمل، تقدم نور رعاية شاملة ونصائح صحية للنساء الحوامل. أما في الخارج، توسع نور وزملاؤها نطاق خدماتهن، متنقلين بين مخيمات عرسال العديدة، حيث يتعذر على العديد من النساء الوصول إلى خدمات الرعاية الصحية بسهولة. حالياً، تمتد الأنشطة المجتمعية التابعة لمنظمة أطباء بلا حدود إلى عشرات المخيمات والتجمعات حول المنطقة، حيث يأهل حوالي 50000 نسمة وأكثر من 20000 نازح، وفقًا لمفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. تقوم قابلاتنا بإجراء جلسات تثقيفية يومية وتقديم خدمات تنظيم الأسرة لحوالي 40-50 امرأة يوميًا داخل هذه المجتمعات

من بين التحديات التي تواجه نور في عملها اليومي، هناك لحظات تبرز. “لحظةٌ خاصة أعادت اندفاعي نحو مهنة القبالة وقعت خلال إحدى الليالي التي أمضيتها في مركز أطباء بلا حدود للأم والطفل في عرسال. وصل إلى المركز أم تعاني من فقر حاد في الدم، وتعذر علينا نقلها الى المشفى المختص إذ كانت ولادتها وشيكة جدا. أثناء استعدادي لمساعدتها في الولادة، اكتشفت حالة حرجة تهدد كلا من الأم والطفل.” مع الخطر المحدق والضرورة الملحّة للإسراع بالولادة، همت نور والممرضة المرافقة لها بإجراء الولادة. وٌلد الطفل في حالة حرجة، وسارعت نور بعملية إعادة الإنعاش، بينما اعتنت، في الوقت ذاته، بعدم نزف الأم. وبعد يضع دقائق عصيبة، تمكنت نور من مساندة كلاً من الأم والطفل، وإحالتهم للتعافي في مستشفى متخصص. “لن أنسى تلك اللحظات الحساسة”، تفتكر نور. “كانت من أجمل وأصعب التجارب في الوقت عينه، خصوصًا وأنه كانت الأم قد فقدت طفلين مباشرة بعد الولادة خلال حمليها السابقين. لا تزال رؤيتي لتعافي الطفل وارتياح الأم محفورة في ذاكرتي… لحظات مثل هذه تذكرني بسبب اختياري لهذه المهنة—لإحضار الأمل وضمان صحة الأمهات والأطفال.”

لكن ليست اللحظات الحرجة حدها التي تضيء رحلة نور؛ بل الامتنان الذي يدوم بعد ذلك. “أحب عندما تأتي الأمهات بأطفالهن وتشرن إليهم بأنهم ‘أطفالي'”، تقول نور.

مع احتفالنا باليوم العالمي لقابلات، تتقدم منظمة أطباء بلا حدود بالتهنئة لهذه الكوادر الدؤوبة على مساهمتهن القيمة. فهُم ليسوا مجرد مقدمي رعاية صحية فحسب، بل أعمدة دعم، يقمن بتوجيه النساء خلال واحدة من أكثر رحلات الحياة تحولًا.

لجميع القابلات، تمد منظمة أطباء بلا حدود رسالة دعم وامتنان لتفانيهن الدائم في رعاية صحة المرأة والمجتمع. عملكن يثري الحياة ويقوي المجتمعات، ويجسد جوهر الرحمة والعناية.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

المقتولون بصمت في غزة: تدمير نظام الرعاية الصحية في رفح

المقتولون بصمت في غزة: تدمير نظام الرعاية الصحية في رفح

في ظل تهديدات بالقصف الجوي، أُجبر قرابة 1,7 مليون من الرجال والنساء والأطفال على النزوح قسرًا إلى مدينة رفح الممتدة على بقعة أرض صغيرة في جنوب قطاع غزة، فلسطين. ولكن حتى في رفح لم يجد السكان المدنيون مأمنًا.

فالعمليات العسكرية ما زالت مستمرة هناك، فيما يتربّص بالسكان تهديد مؤكد بتوغّل عسكري وشيك وواسع النطاق للقوات الإسرائيلية، بينما يهددهم الموت مرضًا أو جوعًا في مكان تشظّى نظامه الصحي.

في 13 أكتوبر/تشرين الأول 2023 ، أُجبرت فرق أطباء بلا حدود على الإجلاء مع جموع المدنيين من شمال غزة إلى جنوبها، حيث أطلقت فرقنا سريعًا استجابة طبية طارئة في رفح ودير البلح.

يستند تقرير أطباء بلا حدود، المقتولون بصمت في غزة: تدمير نظام الرعاية الصحية والمعاناة في سبيل النجاة في رفح، إلى البيانات الطبية وشهادات المرضى وينطلق منها ليبرهن انعدام ظروف النجاة، حتى في رفح.

دُمّر نظام الرعاية الصحية بأكمله في غزة، والسكان يعيشون رهن الحصار المفروض عليهم. ومن دون توفر الرعاية الطبية، ستُزهَق آلاف الأرواح الأخرى غير التي يقتلها القصف الإسرائيلي وتتداولها نشرات الأخبار – أولئك هم “المقتولون بصمت” في غزة.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

السودان: كارثة هائلة ومفتعلة؛ تطالب أطباء بلا حدود بتوسيع عاجل وسريع للاستجابة الإنسانية

السودان: كارثة هائلة ومفتعلة؛ تطالب أطباء بلا حدود بتوسيع عاجل وسريع للاستجابة الإنسانية

بعد عام من الحرب، ليست الإغاثة المقدمة لملايين الأشخاص سوى نقطة في بحر بفعل الحجز السياسي على المساعدات والذي تفرضه الأطراف المتحاربة وعدم تحرك الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الإنسانية.

بورتسودان/دارفور، 12 أبريل/نيسان 2024 – ضمن أحد أسوأ أزمات العالم من عقود، يواجه السودان كارثة هائلة ومفتعلة بعد عام من بدء الحرب بين القوات المسلحة السودانية بقيادة الحكومة، وقوات الدعم السريع شبه العسكرية. وأصبح السماح الفوري بالوصول الآمن إلى المساعدات الإنسانية مسألة حياة أو موت لملايين الأشخاص. وفيما تجتمع الحكومات والشخصيات الرسمية والمنظمات الإغاثية والجهات المانحة في 15 أبريل/نيسان في باريس لتناقش سبل تحسين إيصال الإغاثة الإنسانية، تطلق أطباء بلا حدود نداءً عاجلًا تدعوهم فيه إلى توسعة فورية لنطاق الاستجابة الإنسانية.

ملايين الأشخاص في خطر، إلا أن العالم قد غض الطرف فيما تمنع الأطراف المتحاربة عامدة الوصول إلى الإغاثة الإنسانية وإيصال المساعدات. وعلى الأمم المتحدة والدول الأعضاء مضاعفة جهودها في سبيل التفاوض على وصول آمن ومن دون عوائق ومن أجل توسعة نطاق الاستجابة الإنسانية لمنع هذا الوضع المأساوي أساسًا من التدهور أكثر.

الناس في السودان يعانون بشدة مع تواصل القتال العنيف، من تفجيرات وقصف وعمليات ميدانية في مناطق سكنية مدنية وفي القرى، وقد انهار النظام الصحي والخدمات الأساسية بشكل كبير أو تضررت بفعل الأطراف المتحاربة. وفقط 20 إلى 30 في المئة من المرافق الصحية لا تزال تعمل في السودان، أي أن توفر الرعاية الصحية للأشخاص في كافة أنحاء البلاد محدود للغاية
جين ستويل، رئيس بعثة أطباء بلا حدود في السودان

وفي المناطق القريبة من أعمال العنف، عالجت فرق أطباء بلا حدود النساء والرجال والأطفال المصابين بشكل مباشر خلال القتال، سواء المصابون بالشظايا أو بفعل التفجير أو القنص أو الرصاص الطائش. ومنذ أبريل/نيسان 2023، استقبلت المرافق التي تدعمها أطباء بلا حدود أكثر من 22,800 إصابة بالغة وأجرت أكثر من 4,600 تدخل جراحي، والكثير منها مرتبط بالعنف الذي وقع في الخرطوم ودارفور. وفي ود مدني، وهي بلدة محاطة بثلاثة خطوط جبهات مشتعلة، نشهد حاليًا 200 مريض في الشهر بإصابات مرتبطة بالعنف.

وبحسب الأمم المتحدة، أُجبر أكثر من ثمانية ملايين شخص على الهرب من منازلهم ونزحوا عدة مرات، ويُقدَّر أن 25 مليون شخص – أي نصف سكان البلاد – يحتاجون إلى مساعدات إنسانية. ويضيف ستويل، “نرى كل يوم مرضى يموتون بسبب إصابات مرتبطة بالعنف، وأطفالًا يحتضرون بسبب سوء التغذية ونقص اللقاحات، ونساءً يعانين من المضاعفات إثر الولادات غير الآمنة، ومرضى ومريضات عانوا من العنف الجنسي، وأشخاصًا متعايشين مع أمراض مزمنة لا يمكنهم الحصول على أدويتهم. وعلى الرغم من كل ذلك، هنالك فراغ إغاثي مرعب”.

وعلى الرغم من أن أطباء بلا حدود تعمل بتعاون جيد مع وزارة الصحة، إلا أن الحكومة السودانية أعاقت عامدةً الوصول إلى المساعدات الإنسانية بشكل مستمر، خاصة في المناطق الواقعة خارج نطاق سيطرتها: إذ منعت وبشكل ممنهج إصدار تصاريح السفر للطواقم الإنسانية وعبور الإمدادات عبر خطوط الجبهة، وضيقت على استخدام المعابر الحدودية، ووضعت عملية مليئة بالقيود لإصدار التأشيرات الإنسانية.

يقول إبراهيم، أحد الأطباء العاملين مع أطباء بلا حدود في الخرطوم، وهي المدينة الواقعة تحت حصار منذ ستة شهور، “يكمن تحدينا الأكبر اليوم في ندرة الإمدادات الطبية، فقد نفدت المعدات الطبية، ونحن على شفير إيقاف عملنا بالكامل ما لم تصل الإمدادات”. هذا وتعاني مدينة ود مدني من وضع مماثل للخرطوم منذ يناير/كانون الثاني.

وفي المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع، حيث تنشط أيضًا الكثير من المليشيات والجماعات المسلحة، نُهبت المرافق الصحية والمستودعات بشكل متكرر خلال الأشهر الأولى من النزاع. ولا زالت الحوادث مثل السطو على السيارات تقع باستمرار ويعاني العاملون في القطاع الطبي – وخاصة من وزارة الصحة – من المضايقات والاعتقالات.

وفي المناطق التي يصعب الوصول إليها مثل دارفور والخرطوم أو الجزيرة، تجد أطباء بلا حدود نفسها وحيدة أو ضمن المنظمات الدولية الإنسانية القليلة المتواجدة هناك، فيما تجاوزت الاحتياجات قدرتنا على الاستجابة بأشواط. وحتى في المناطق التي يمكن الوصول إليها مثل ولايات النيل الأبيض والنيل الأزرق وكسلا والقضارف، فالاستجابة الكلية ضئيلة كقطرة ماء في البحر.

تعتبر أزمة سوء التغذية الكارثية في مخيم زمزم في شمال دارفور مثالًا حيًا، حيث لا توزيع للغذاء من برنامج الأغذية العالمي منذ مايو/أيار 2023. وقرابة ربع (23 في المئة) الأطفال الذين فحصناهم هناك ضمن تقييم سريع في يناير/كانون الثاني وُجد أنهم يعانون من سوء التغذية الحاد – وسبع في المئة منهم حالات مستعصية. وكانت 40 في المئة من النساء الحوامل والمرضعات يعانين من سوء التغذية، وكان هنالك معدل وفيات مروع في كافة أنحاء المخيم بلغ 2.5 حالة وفاة لكل عشرة آلاف شخص في اليوم.

كان الوضع في السودان شديد الهشاشة أساسًا قبل الحرب وأمسى الآن كارثيًا. وفي الكثير من المناطق حيث أطلقت أطباء بلا حدود أنشطة الطوارئ، لم نشهد عودة المنظمات الدولية الإنسانية التي أجلت في أبريل/نيسان.
أوزان أغباس، مدير عمليات الطوارئ مع أطباء بلا حدود في السودان

اضطُرت خديجة محمد أبكر إلى الهرب من بيتها في زالنجي في وسط دارفور بحثًا عن الأمان. تخبرنا عن صعوبة النجاة من دون إغاثة إنسانية قائلة: “أثناء القتال، لم يكن هناك إمكانية للحصول على الرعاية الصحية أو الغذاء في المخيم. لقد بعتُ ممتلكاتي لكسب بعض المال لشراء الطعام”.

وفي حين أن هذه الظروف يصعب العمل معها، كان الأجدى بزيادة الاستجابة، لا تقليصها، خاصة في المناطق التي يمكن الوصول إليها. والحاجة طارئة إلى جهود متزايدة من كافة الجهات الفاعلة الإنسانية والمنظمات لإيجاد حلول لهذه المشكلات ولتوسعة نطاق الأنشطة في جميع أنحاء البلاد.

ويضيف أغباس، “استمرت الأمم المتحدة وشركاؤها بفرض قيود ذاتية على الوصول إلى هذه المناطق، ولم تتمكن في المحصلة حتى من الاستعداد للاستجابة أو تأسيس فرق في الميدان عندما تُتاح الفرص”.

تدعو أطباء بلا حدود الأطراف المتحاربة إلى الالتزام بالقانون الدولي الإنساني وبنود إعلان جدة الإنسانية من خلال وضع آليات لحماية المدنيين وضمان وصول إنساني آمن لجميع مناطق السودان من دون استثناء – والذي يتضمن إيقاف عراقيل وصول المساعدات والحجز عليها. تدعو أطباء بلا حدود كذلك الأمم المتحدة إلى إظهار المزيد من الشجاعة في وجه هذه الأزمة المهولة وإلى التركيز على نتائج واضحة ترتبط بزيادة الوصول كي يشاركوا بشكل فعال في إتاحة توسعة سريعة وكبيرة للإغاثة الإنسانية. كذلك تحث أطباء بلا حدود الجهات المانحة على زيادة تمويل الاستجابة الإنسانية في السودان.

*غُيِّرت الأسماء حفاظًا على هوية أصحابها

استجابة أطباء بلا حدود للحرب في لبنان

X