مستشفى على قضبان.. مشاهدات من رحلتي على متن القطار الطبي في أوكرانيا

مستشفى على قضبان.. مشاهدات من رحلتي على متن القطار الطبي في أوكرانيا

بقلم*: ياسر كمال الدين

بدأت كتابة هذه الخواطر بعد مرور شهر على إنهاء مهمتي وعودتي إلى القاهرة، وقد أتاحت لي هذه المدَّة إعادة ترتيب أفكاري واسترجاع الأحداث التي شهدتُها على مدار الأسابيع الخمسة التي أمضيتها في أوكرانيا. كانت هذه المهمة من أقصر المهمات التي عملت فيها بالميدان خلال قرابة العشر سنوات التي أمضيتها في مجال العمل الإغاثي، إلاَّ أنها رغم قصرها كانت الأغنى بالأحداث على الاطلاق.

في الثالث عشر من شهر مايو، وصلت إلى مدينة لفيف غرب أوكرانيا، بعد رحلة طويلة، سافرت خلالها من القاهرة إلى العاصمة البلجيكية بروكسل، ومنها لبولندا، ثم أكملت الرحلة براً إلى غرب أوكرانيا، وأنا أفكر في القطار الطبي الذي قرأت وسمعت عنه كثيراً في الأسابيع السابقة لالتحاقي بالبعثة. يعمل هذا القطار الطبي – الذي هو الأول من نوعه لمنظمة أطباء بلا حدود – على نقل المرضى من المستشفيات الأوكرانية المثقلة بالأعباء بسبب قربها من مناطق الحرب النشطة إلى المستشفيات البعيدة عن القتال التي تتوفر فيها القدرة الاستيعابية اللازمة. لم أكن قد رأيت مثيلاً له خلال عملي في المجال الإغاثي سواء في مناطق النزاع المسلح أو غيرها. تسميات عدَّة أطلقت عليه، “القطار الطبي” و”مستشفى على قضبان” و”كبسولة الهروب” ما حمسني لخوض هذه التجربة كأنها أول مهمة ميدانية لي.

لفيف مدينة صغيرة جميلة، تقع بالقرب من الحدود الغربية لأوكرانيا مع بولندا، بدا الجو العام فيها هادئاً جداً ولا يعكس المشهد فيها خطورة الحرب. رأيت المارة في الشوارع يتجولون بين المطاعم والمتاجر كأن ما من تأثيرٍ على سكان هذه المدينة. توجست من هذا الهدوء الخادع، ولم يكد ينتهي اليوم حتى سمعت دوي صافرات الإنذار في كل أرجاء المدينة مبشرة باحتمال وقوع غارة جوية روسية. توقفت المطاعم عن خدمة زبائنها وأغلقت أبوابها واتجه بعض المارة بهدوء لمنازلهم، بينما أكمل البعض الاخر تجوله في الشوارع غير عابئ بالإنذار.

سبقَ أن عايشت قدرة الشعوب على التكيف مع أهوال الحروب في أماكن أخرى عملت بها مثل أفغانستان والعراق، ولكن كانت أسابيع قليلة قد مرَّت على اندلاع الحرب، فتوقعت وضعاً ً أكثر حدة. ولكن علمت فيما بعد أن سكان المدينة اعتادوا أصوات صافرات الإنذار التي تتكرر بشكل يومي لتنبيه الناس بضرورة إخلاء الشوارع فورًا والاحتماء من غارة محتملة على الرغم من أنَّ لفيف تبعد عن المواجهات اليومية في شرق البلاد أكثر من ألف كيلومتر.

40 إلى 60 ساعة رحلة القطار الطبي في أوكرانيا

بعد تمضية ليلة واحدة في لفيف، اتجهت مع أفراد الفريق لنستقل القطار الشهير. كنت قد علمت أن الفريق يبيت في المدينة بعد كل رحلة ويستغل هذا الوقت للراحة والاستحمام قبل الانطلاق لرحلة إخلاء جديدة. تستغرق الرحلة الواحدة نحو عشرين ساعة من لفيف لمدن الشرق الواقعة على خط المواجهة مثل خاركيف ودنيبرو وبكروفسك. فيما يستغرق مجموع الرحلة الواحدة ذهاباً وإياباً ما بين الـ 40 والـ60 ساعة، وقد تطول المدَّة إنْ كان علينا إرسال المرضى إلى أكثر من وجهة أو تقصر إذا كان الاجلاء من مدن خط المواجهة مباشرة الى لفيف.

قبل وصولي إلى أوكرانيا، سمعت من زملائي في بروكسل عن امتلاك هذا البلد لشبكة من أعقد وأكبر شبكات القطار في القارة بأكملها. وكانت فكرة هذا النشاط الإغاثي بسيطة وعبقرية في الوقت نفسه، فهو يعتمد على قطار عادي من الخارج، لا يوحي بأي شيء غير اعتيادي، شكله متطابق مع قطارات الركاب الكثيرة، ولكنه يحتوي من الداخل على تجهيزات تمكن الفريق الطبي من نقل نحو ٣٠ مريضاً ومريضة من من شرق البلاد إلى غربها والعكس.

“البابوشكات” يواجهنَ كل يوم تأثير الحرب على حياتهن

يضمُّ القطار أطباءً وطاقماً تمريضاً وأخصائياً لوجستياً ومترجمة بالإضافة اليّ أنا كمنسقاً ميدانياً. كان جزء من الفريق يستريح في لفيف حين يعمل ما بين ١٨ و٢١ فرد من باقي الفريق على القطار كل رحلة.

كان القطار بمثابة مستشفى صغير متنقل، مجهَّز بـ ٣٠ فراشاً طبياً معدين لرعاية المرضى خلال الرحلة الطويلة، فيما طوَّر الفريق اللوجستي لأطباء بلا حدود عربة كاملة لتصبح وحدة رعاية مركزة تتسع لخمسة مرضى من ذوي الحالات الحرجة مع معظم التجهيزات المتواجدة في وحدات الرعاية في المستشفيات مثل شبكة كاملة لإنتاج وتوصيل الاوكسجين وجهازان للتنفس الصناعي.

تبدأ التجهيزات للرحلة بإخطار من وزارة الصحة الأوكرانية والمستشفيات الواقعة بالقرب من خط المواجهة، على أن تتبعها زيارة استطلاعية من أحد زملائنا الأطباء المقيم في مدينة قريبة من الاحداث. نحصل على عدد تقريبي للحالات المطلوب نقلها لغرب أوكرانيا مع وصف عام للوضع الصحي واحتياجات هؤلاء المرضى الذي قد ينقص أو يزيد عددهم خلال الرحلة. كان هذا الكم من المعلومات كافياً لإخطار الفريق للاستعداد لرحلة جديدة. كنا نجتمع في محطة القطارات قبل موعد الرحلة بنصف ساعة لنستقل القطار الطبي فور وصوله. كانت رحلة الذهاب مخصصة لتجهيز القطار والاستعداد لاستقبال المرضى في كافة مقصورات القطار الخمس المخصصة للمرضى.  فيما كان كل اثنان او ثلاث من طاقم الفريق يتشاركون مقصورة المعيشة نفسها في الليلة الأولى من الرحلة، مدركين أنَّ الليلة التالية ستكون خالية من الراحة لأن الطاقم الطبي يتقاسم ساعات العمل الليلية للإشراف على المرضى. باختصار، كان النوم صعباً طوال الرحلة!

ولكن، كان فريق القطار من أروع من عملت معهم في مسيرتي المهنية، أغلبهم يعمل في وظيفة أخرى توقف عن أدائها مؤقتا ليلحق بالقطار الطبي الذي يساعد في تقديم الخدمات الطبية. شعرت من محادثاتي مع أفراد الفريق ان سبب وجودهم على متن القطار نابع من يقينهم بأنَّ لكل شخص دوراً في مجتمعه وقت الكوارث. يفخر أفراد الفريق بدورهم في الحرب على الرغم من صعوبته وخطورته. وكان يصدف أكثر من مرة أن يلتقي أحد افراد الفريق بشخص من مسقط رأسه يتم إخلائه بواسطة القطار الطبي أو يعلم بأنَّ له معارف وأصدقاء مشتركون بينه وبين أحد المرضى. أغلب أفراد الفريق كانوا بدورهم متأثرين بالحرب ونازحين هم أو أهلهم من مدنهم وقراهم لاماكن أكثر امانا. كان القطار مسرحاً يومياً للقصص الإنسانية المشتركة بين الأطباء والممرضين والمرضى طوال رحلة الاخلاء.

خلال وجودي تمكنا من إخلاء نحو ٢٠٠ مريض ومريضة أغلبهم مصابو حرب جراء انفجارات او شظايا. كان يطلق الفريق على أغلب مرضانا تسمية «بابوشكا»، أي الجدة باللغتين الروسية والاوكرانية. في كثير من الأحيان كنا نعود بقطار مليء بالـ«بابوشكات»! هؤلاء الجدات كنَّ يقاومن كل يوم تأثير الحرب على حياتهن. أغلبهن كن يرفضن ترك منازلهن منذ بدء الحرب ولكنهن اضطررنَ لتركها كمرضى بعد الإصابة. في تلك الفترة، نزح اغلب سكان القرى القريبة من خط النيران وبقي من لا يملك من الأموال ما يكفي للرحيل ولا أقرباء خارج القرية لاستضافته، هذا إضافة إلى أنَّ أغلب الـ«بابوشكات» رفضنَ ترك مكان ولادتهن. قالت لي إحداهن «سوف أعود لمنزلي في أقرب وقت ممكن، لم أكن اريد ترك بيتي أبداً و لكني الآن مضطرة لذلك”.

ساق مقابل أرنب

قص عليَّ بعض المرضى كيف غيرت الحرب حياتهم وأخبار أحبائهم الذين خسروا حياتهم بسبب الحرب. أحد المرضى كان عامل بناء في أواخر الأربعينيات من عمره من سكان إحدى القرى في شرق مدينة خاركيف، كان قد فقد أباه وأمه قبل الحرب وبقي وحده في منزله. لم يكن لديه سبب لترك منزله الصغير حتى مع اقتراب الاشتباكات ودوي الصواريخ. لم يكن لديه زوجة أو طفل يخاف عليهم وكان منزله وقطعة الأرض الصغيرة أمامه كل ما يملك في هذه الحياة. سمع دوياً قريباً ذات يوم، ثم آخر أقرب وبعده دوي انفجار أطاح به عدة أمتار وكسر ذراعيه. استرسل وهو يخبرني تفاصيل ما جرى معه وكأنها قصة شخص آخر. “لم أكن أعلم ما ينبغي علي فعله للاحتماء من القذائف. كنت قد رأيت كيف لقيَ جيراني حتفهم، اب وام و٤ أطفال، وهم محتمون بقبو منزلهم. دفنتهم القذائف تحت الأنقاض. لم أكن أعلم إذا كنت آمناً في العراء، ولكني كنت متيقن من أني لا اريد لنفسي نهاية تشبه مأساة تلك الأسرة». مريضة أخرى من مصابي الحرب مازحتني وهي على الفراش وإحدى ساقيها مبتورة والساق الأخرى مصابة جراء التعرض المباشر لانفجار والإصابة بشظايا: “كنت أُحضر أرنباً من الحظيرة لتجهيز وجبة العشاء لأصدقائي، كان هذا أغلى أرنب في حياتي، أرنب واحد مقابل ساق”. ابتسمت على الرغم من الألم الواضح على معالم وجهها بالرغم من مسكنات الألم. كان أبوها السبعيني يرافقها في الرحلة وينظر اليها بمزيج من الحزن والفخر وهي تروي لي كيف انتهى بها الحال على متنِ هذا القطار. قال لي بعيداً عن ابنته «سوف تعبر تلك الأزمة، انها امرأة قوية، لقد ورثت صلابتها مني».

العمل على مساعدة الأشخاص الأكثر حاجة أينما كانوا

كعامل إغاثة، أفكِّر دوماً في حال المحتاجين للمساعدات الإنسانية على جانبَي النزاع في بلدانِ كثيرة من حول العالم. لطالما واجه العمل الإنساني هذا التحدي، أي أن يكون قادراً على إيصال المساعدات الانسانية الضرورية للمحتاجين بغض النظر عن العرق او الدين او الانتماء السياسي في الحروب.

في سياق الحرب الروسية الأوكرانية، وعلى الرغم من تواجد أطباء بلا حدود في روسيا منذ عام ١٩٩٢، وحتى كتابة هذه السطور لا تستطيع فرق المنظمة الوصول للناس المتواجدين في مناطق سيطرة روسيا والمجموعات المدعومة من روسيا في أوكرانيا. في أماكن عدة حول العالم تضيق باستمرار مساحة العمل الاغاثي خلال الحروب، أي أن تكون قادراً على الوصول للمحتاجين وإنقاذ أراوح المتضررين من النزاعات المسلحة من دون تمييز.

الوداع

خمسة أسابيع أمضيتها في هذه البعثة، قبل أن أبدأ بترتيب اشيائي للعودة للقاهرة. ذهبت ليلة سفري لحضور حفل صغير أعده فريق القطار لتوديعي وشاركتهم شعوري، كيف كان لكلٍ منهم تأثير على رؤيتي لواقع المعاناة من جراء الحرب، وكيف انبهرت من الروح الرائعة السائدة بين أفراد الفريق على متنِ القطار.

على الرغم من بعد المسافة بين مصر وأوكرانيا، الا ان الحرب في أوكرانيا كانت موضع اهتمام جميع وسائل الاعلام بلا استثناء. وانا أجهز نفسي للعودة خطرت في بالي أسئلة كثيرة، كيف لكافة التحليلات الجيوسياسية، وتفاصيل أسباب اندلاع الحرب وتأثيراتها من عضوية الناتو وتجارة النفط لرغيف الخبز، أن تفسر المعاناة والقصص الإنسانية التي عاشها الاشخاص الذين قابلتهم على متنِ القطار، لم أصل لإجابة! سأكتفي بالذكريات الطيبة التجربة الثرية والعلاقات الإنسانية التي سأحتفظ بها بعد هذه البعثة. وها أنا أودِّع الفريق وأعود إلى أرض الوطن في انتظار مهمة جديدة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  ياسر كمال الدين صيدلي وعامل إغاثة من مصر، انضم لأطباء بلا حدود عام 2012 وعمل في مجال إدارة العمليات الإغاثية كمنسق مشروع ورئيس بعثة في بعثات مختلفة، منها مصر، لبنان، العراق، افغانستان، سوريا، اليونان، كينيا وأوكرانيا. يشغل حاليا منصب رئيس بعثة أطباء بلا حدود في مصر. حصل ياسر على درجة البكالوريوس في الصيدلة من جامعة القاهرة والماجستير في الأنثروبولوجيا من جامعة كوليدج لندن.

أهل غزة: المعاناة المستمرة؟

أهل غزة: المعاناة المستمرة؟

تقيّم فرق أطباء بلا حدود في الميدان آثار الغارات الجوية الإسرائيلية على النظام الصحي وقد تبرعت بالمواد الصيدلانية لغرف العمليات وغرف الطوارئ في مستشفيات غزة.

هذا وعطّل إغلاق المعابر الحدودية منذ 2 أغسطس/آب دخول الأدوية والإمدادات الطبية الأساسية إلى المنطقة. وأسفر الإغلاق عن نقص حاد قي الوقود، ما قد يترك تداعيات جسيمة على إمدادات المياه النظيفة والقدرة على الوصول إلى الخدمات الأساسية وعلى عمل البنى التحتية للرعاية الصحية.

Médecine donations following airstrike
من خلال هذه السلسة القصيرة التي تتألف من 4 حلقات، يصف عبد الله وأسيل ونرمين وشمس وياسمين حياتهم اليومية كمراهقين في ظل الحصار والاحتلال.

فيروس التهاب الكبد C؟

فيروس التهاب الكبد C؟

يقدّر عدد المصابين بفيروس التهاب الكبد سي بحوالي 58 مليون شخص حول العالم. ورغم أن التهاب الكبد الفيروسي سي يعد مرضًا يمكن الشفاء منه، إلا أنّ ملايين المصابين لا يستطيعون الحصول على العلاج المناسب بسبب ارتفاع أسعاره، مما يؤدي إلى وفاة مئات الآلاف كل عام نتيجة مضاعفات في الكبد.
تعاني باكستان من ثاني أعلى معدل للإصابة بهذا الفيروس في العالم. ومنذ عام 2015، تدير منظمة أطباء بلا حدود برنامجًا لمعالجة التهاب الكبد الوبائي سي في عيادتها في مجمّع مشار كولوني السكني غير الرسمي في كراتشي.
Published on اب 10, 2022

انفجار مرفأ بيروت…جرح قد لا يلتئم أبدا

انفجار مرفأ بيروت…جرح قد لا يلتئم أبدا

بعد انفجار 4 آب، لبّت فرقنا احتياجات طبية ونفسية كتيرة وضمّدنا جروح عدد كبير من المصابين، ولكن في جروح بقلوب الناس يمكن ما منقدر نوصلها.

Published on اب 4, 2022

مقابلة مع زميلنا ماريو فواز منسق التواصل الإعلامي لأنشطة منظمة أطباء بلا حدود في أوكرانيا

مقابلة مع زميلنا ماريو فواز منسق التواصل الإعلامي لأنشطة منظمة أطباء بلا حدود في أوكرانيا

شاهدوا جلسة أسئلة وأجوبة مع زميلنا ماريو فواز منسق التواصل الإعلامي لأنشطة منظمة أطباء بلا حدود في أوكرانيا ليخبرنا عن تجربته من الميدان!

Published on تموز 20, 2022

ما هو التواصل الميداني؟

ما هو التواصل الميداني؟

لا يعرف الكثيرون أنّ العمل الإعلامي جزء مهم وأساسي من عمل أطباء بلا حدود إذ يسلّط الضوء على أنشطتنا وعلى معاناة الناس وقصصهم. تعرّفوا إلى دور العاملين في التواصل الميداني مع زميلنا ماريو فواز.

Published on تموز 8, 2022

جولة داخل قطار أطباء بلا حدود الطبي

جولة داخل قطار أطباء بلا حدود الطبي

جهَّزت منظمة أطباء بلا حدود بالتعاون مع السكك الحديدية الأوكرانية ووزارة الصحة، قطاراً لنقل المرضى من المستشفيات القريبة من جبهات القتال في شرق أوكرانيا إلى المستشفيات في غرب البلاد. منذ 31 مارس 2022 قمنا بنقل أكثر من 600 مريض.

Published on حزيران 24, 2022

كيف ترتبط أزمة المناخ بأزمة الحصول على الأدوية؟

عائلات تتجه إلى أرض جافة في بنتيو. تضرر 835000 شخص بشكل مباشر من الفيضانات.

كيف ترتبط أزمة المناخ بأزمة الحصول على الأدوية؟

عائلات تتجه إلى أرض جافة في بنتيو. تضرر 835000 شخص بشكل مباشر من الفيضانات.

وتؤدي الطوارئ المناخية، لا سيما إذا ما اقترنت بتعذر الحصول على الأدوية، إلى تفاقم مواطن الضعف القائمة وتدهور الأوضاع الإنسانية. وخير برهان على ذلك هو تداعيات تغير أنماط هطول الأمطار في النيجر وتأثير ذلك على إنتاج الغذاء وانتشار الأمراض المعدية في البلد على غرار الملاريا. فقد جاءت هذه التداعيات لتزيد من المشاكل التي يعاني منها البلد أساسًا كانتشار الأوبئة المتكرر وانعدام الأمن الغذائي لأسباب مرتبطة بالضغط الديموغرافي وباستخدام الأراضي ومشاكل العنف والنزوح. والجدير ذكره أن اجتماع الملاريا ومشكلة سوء التغذية يتسبب بآثار سلبية مهلكة على الأطفال دون سن الخامسة.

وفي إطار عمل أطباء بلا حدود مع المجتمعات المحلية التي تواجه أزمات إنسانية، اتخذت المنظمة موضوعي “الإنصاف في تلقي اللقاح” و”حقوق الملكية الفكرية” كمحورين أساسيين لتبحث من خلالهما في أوجه التداخل بين أزمة تغير المناخ والقدرة على الحصول على الأدوية.

لقد ظهر جليًا للعالم في خضم تفشي جائحة كوفيد-19 وأزمة تغير المناخ ما يتطلبه مواجهة تهديد وجودي مباشر. ورأينا التدابير التي يتعين علينا اتخاذها للتصدي لكوفيد-19 وتوفير الوصول العادل إلى اللقاحات للجميع، كما لمسنا حجم الموارد التي نحتاج إلى حشدها لمواجهة هكذا أزمة.

وبناء عليه، تمكنت البلدان التي ترتفع فيها معدلات التحصين على غرار المملكة المتحدة من التصدي للجائحة في مراحل مبكرة وإعادة فتح اقتصادها في حين بقي الكثير من البلدان يرزح تحت وطأة الأزمة. وظل السكان الأكثر حاجة والعاملون في المجال الصحي فيها معرضين للخطر، علمًا أن البلدان الغنية اختارت تخزين اللقاحات وإعطاء الأولوية لسكانها بينما وقف السكان في باقي الدول متفرجين بانتظار الحصول على تبرعات من هذه اللقاحات بحسب الوعود التي قُدمت إليهم. 

أما في ما يتعلق بالمحور الثاني، فنبحث في دور قوانين حقوق الملكية الفكرية والدور الذي تؤديه في تقويض القدرة على الوصول إلى التكنولوجيا الطبية على وجه التحديد. وهنا، يجدر ذكر أن القوانين التي تفاقم أزمة الوصول إلى الأدوية، أي القوانين المرتبطة بإنفاذ براءات اختراع الأدوية والتقنيات الطبية بواسطة منظمة التجارة العالمية، تنطبق هي أيضًا على التقنيات المبتكرة الصديقة للبيئة.

وتتركز هذه التقنيات في البلدان الغنية مع أن الحاجة تشتد إليها في جميع البلدان، إذ تعتبر بالغة الأهمية لمواءمة الدول لاقتصاداتها وللتقليل انبعاثات الكربون. وتشمل التقنيات الخضراء أو التقنيات الصديقة للبيئة مصادر الطاقة المتجددة، والتكنولوجيا الانتقالية التي تحد من التأثير البيئي للمصادر الحالية للانبعاثات والأجهزة التي تستعمل خلايا الهيدروجين كوقود، والأدوية المعالجة للأمراض الجديدة الناجمة عن أسباب مناخية وأنواع المحاصيل الضرورية للتكيف مع تغير أنماط الطقس.

وهنا، يظهر بوضوح أن حاجتنا الماسة إلى مشاركة التقنيات المستحدثة الصديقة للبيئة تتطلب منا التطرق إلى تداعيات قوانين الملكية الفكرية التي تؤثر على نظام البحث والتطوير والبحث في الدور الذي تؤديه هذه القوانين في تقويض القدرة على الوصول إلى التكنولوجيا البالغة الأهمية، كما هو الحال مع أزمة الحصول على الأدوية.

وفي هذا السياق، لا يزال أمامنا الكثير لنكتشفه عن أوجه التقاء أزمة المناخ مع أزمة الحصول على الأدوية، وما يمكن أن نتعلمه من الاستجابة الحالية لكلتا الأزمتين، وكيف تعود أوجه عديدة من الظلم إلى أسباب شائعة متجذرة في طريقة بناء النظم العالمية وهياكل السلطة.

إن المنظمات الإنسانية تستجيب للأزمات بصرف النظر عن الأسباب التي أشعلتها. لكن جهود هذا الأخيرة في الاستجابة لا تعوض عن تقاعس السلطات المعنية في اتخاذ الإجراءات اللازمة لمعالجة أسباب بعض هذه الأزمات. وعليه، فلا بد من اتخاذ إجراءات سياسية ملموسة لتطبيق حلول تحد من ظاهرة الاحتباس الحراري وتزيل الحواجز التي تحول دون الحصول على الأدوية، وذلك في سبيل تجنب العواقب الإنسانية الكارثية وإنهاء أوجه الظلم المرتبطة بالوصول إلى الأدوية والتقنيات الصديقة للبيئة حتى يتمكن الناس من العيش في صحة ورفاهية.

470 شخصًا يحتاجون إلى مكان آمن إثر تنفيذ سبع عمليات إنقاذ في وسط البحر الأبيض المتوسط

470 شخصًا يحتاجون إلى مكان آمن إثر تنفيذ سبع عمليات إنقاذ في وسط البحر الأبيض المتوسط

منذ صباح يوم 9 مايو/أيار وطوال الساعات الـ 72 التالية، أنقذت فرق أطباء بلا حدود 470 شخصًا كانوا على متن 7 قوارب تواجه خطر الغرق في منطقتي البحث والإنقاذ الليبية والمالطية. وقد أُحضر هؤلاء الأشخاص على متن سفينة أطباء بلا حدود للبحث والإنقاذ، جيو بارنتس، التي تعمل في وسط البحر الأبيض المتوسط.

وعلى مدار الأيام الثلاثة التي عملت خلالها فرقنا بشكل مكثف، رُصدت القوارب التي كانت على وشك الغرق من على متن جيو بارنتس إثر تلقّي إنذارات من قبل منظمة هاتف الإنذار (ألارم فون) المعنية بالرصد في البحر الأبيض المتوسط، بدعم من المنظمة غير الربحية بيلوت فولونتير التي توفر المراقبة الجوية في وسط البحر الأبيض المتوسط والتي اتخذت من فرنسا مقرًا لها. وتجدر الإشارة إلى أن المراكز المعنية بتنسيق الإنقاذ البحري لم تحدد أيًا من هذه القوارب.

ففي وقت مبكر من صباح يوم 9 مايو/أيار، رصد فريقنا قاربين مطاطيين على وشك الغرق يحملان على متنهما ما مجموعه 204 أشخاص، من بينهم طفل صغير يدعى محمد يبلغ من العمر تسعة أشهر، تمكنت فرق أطباء بلا حدود من إخراجه من بين الحشود بعناية برفقة والدته وأُحضر إلى بر الأمان على ظهر السفينة. ثم نقل جميع الناجين من القوارب المطاطية على متن سفينة جيو بارنتس.

وبعد مرور أكثر من 24 ساعة، تلقّت أطباء بلا حدود إنذارًا بوجود قارب مطاطي مكتظ آخر ينقل على متنه 59 شخصًا، فانطلقت السفينة باتجاه موقعه بتوجيه من الطائرة التابعة لبيلوت فولونتير ونفذت عملية الإنقاذ.

وفي وقت متأخر من يوم 10 مايو/أيار، تلقت أطباء بلا حدود إنذارين جديدين من قبل ألارم فون عبر البريد الإلكتروني يفيدان بوجود قاربين آخرين يوشكان على الغرق في موقع قريب. فأُطلق اثنان من زوارق الإنقاذ السريعة من سفينة جيو بارنتس في حوالي الساعة التاسعة مساء. وبعد مرور خمس ساعات من البحث المكثف في الظلام، تمكن الفريق من العثور على القاربين اللذين كانا ينجرفان بالقرب من منصة نفط. وأُنقذ الناجون على متن هذين القاربين الذين يبلغ عددهم 111 شخصًا ثم نُقلوا على متن سفينة جيو بارنتس في حوالي الساعة الثانية صباحًا في نهاية أطول عملية إنقاذ منذ انطلاق عمليات البحث والإنقاذ على متن السفينة.

وفي 11 مايو/أيار، تلقّت فرقنا إنذارات إضافية من قبل ألارم فون تفيد بوجود المزيد من القوارب التي تواجه خطر الغرق في المياه الدولية التابعة لمنطقة البحث والإنقاذ المالطية. وبمساعدة منظمة بيلوت فولتير، تمكنت سفينة جيو بارنتس من العثور على الموقع الدقيق للقارب الأول حيث عثرت فرقنا على 67 شخصًا ينجرفون على متن قارب خشبي ويبدو عليهم جميعًا الخوف والتعب والارتباك. وبعد مرور بضع ساعات، أُحضر جميع الناجين على متن سفينة البحث والإنقاذ.

وتقول امرأة تبلغ 26 عامًا من سوريا، “كنت أشارف على فقدان الوعي عند وصول فريق الإنقاذ. لم أتمكن من فهم ما يحدث. فبحلول ذلك الوقت، كنا قد قضينا 48 ساعة على الأقل في البحر. كنت متأكدة من أنني سألقى حتفي”.

ومازال يوم عمليات الإنقاذ الطويل مستمرًا إذ أنقذ فريقنا 29 شخصًا كانوا على متن قارب آخر ينجرف في منطقة البحث والإنقاذ المالطية. ومرة أخرى، لم تكن السلطات المالطية قد اتخذت أي إجراءات. 

وفي هذا الصدد، يقول رئيس بعثة عمليات البحث والإنقاذ، خوان ماتياس غيل، “من غير المفهوم أن تتحمل المنظمات الخاصة مثلنا العبء الأكبر لإنقاذ حياة الناس بعد مرور كل هذه السنوات التي شهدت رحلات هجرة مميتة في البحر الابيض المتوسط. فوفقًا للبيانات الرسمية، غرق أو فُقد ما لا يقل عن 24,000 شخص منذ عام 2014. وعلى الرغم من ذلك، مازالت أوروبا تغض الطرف عما يحدث على حدودها الجنوبية”.

ويضيف، “لقد شعرنا بالفزع مرة أخرى جراء تقاعس السلطات المالطية والإيطالية بينما كان نحو 100 شخص يواجهون خطر الغرق. فقد أُبلغت القوات المسلحة المالطية في الوقت نفسه الذي تلقينا فيه البلاغ لكنها التزمت الصمت ولم تتحرك متجاهلة التزامها القانوني بتقديم المساعدة أو التنسيق، علمًا أنها الجهة الرئيسية المسؤولة عن عمليات البحث والإنقاذ في منطقة البحث والإنقاذ المالطية. كما أنها قد تجاهلت طلبنا بتوفير ميناء آمن”.

تعرّض معظم الناجين على متن سفينة جيو بارنتس لأشكال مختلفة من الانتهاكات الجسدية ويشمل ذلك العنف الجنسي والعمل القسري. وقد أقدم أربعة منهم على عبور البحر الأبيض المتوسط بينما كانوا يعانون من كسور في العظام ناجمة عن الإصابات التي لحقت بهم أثناء فترة تواجدهم في ليبيا.

ويعاني أحد الناجين المتواجدين حاليًا على متن سفينة جيو بارنتس من مرض السكري ويعتمد على الإنسولين، لكنه لم يتلقّ أدويته المنقذة للحياة لعدة أسابيع على الأرجح. كما تعرّض ناجيان آخران إلى نوبات ذهان على متن السفينة. ويعاني جميع الناجين الـ 470 على متن سفينة جيو بارنتس من مواطن ضعف جسدية أو نفسية ويحتاجون إلى مكان آمن للنزول في أقرب وقت ممكن.

وعلى الرغم من طلباتنا الستة، لم تمنحنا السلطات الإيطالية المسؤولة أيضًا عن أنشطة البحث والإنقاذ في البحر الأبيض المتوسط الإذن بإنزال الناجين في مكان آمن.

في جمهورية الكونغو الديمقراطية مشاهدُ لن أنساها طيلة حياتي

في جمهورية الكونغو الديمقراطية مشاهدُ لن أنساها طيلة حياتي

مؤثرة وجميلة” كلمتان أختصر فيهما تجربتي الأولى مع منظمة أطباء بلا حدود. اسمي سامي جرجس أبلغ من العمر 26 عامًا، حائز على إجازة في الدعاية والإعلان. قبل الانضمام إلى المنظمة عملتُ كمسؤول سلسلة التوريد في شركة بتروكيماويات. وطيلة تلك المدَّة كنت أبحثُ عن فرصة تمكنني من وضع خبراتي في مكان أفضل من ذاك الذي كنت أتواجد فيه. “لا تملك خبرة العمل في الميدان” كانت إجابة المنظمات المحلية التي سعيت إلى الانضمام إليها. لكنْ خلال بحثي عبر مواقع التوظيف الإلكترونية وجدت إعلان عمل مع منظمة أطباء بلا حدود. كنت قد سمعتُ عن المنظمة الكثير وبعدها بدأت بالقراءة عنها، دورها، أهدافها ومشاريعها. فوجدت نفسي أقرب إليها من غيرها من المنظمات الدولية، فهي طبية إنسانية وبعيدة من الأجندات السياسية والاصطفافات.

أرسلتُ سيرتي الذاتية عبر الموقع الالكتروني الخاص بالتوظيف، رغبةً مني في الانضمام إلى فريق عملها. وبعد أشهر، وصلتني رسالة القبول. للوهلة الأولى تفاجأت، ثمَّ أخبرت والدتي- وهي التي كانت تدرك جيداً رغبتي بعدم الاستمرار في العمل في القطاع الخاص في لبنان- ثمَّ اتصلت بأصدقائي وأعلمتهم بحماس عن انضمامي إلى المنظمة.

من لبنان إلى كينشاسا

كانت الوظيفة تتطلب أن أكون مسؤولاً عن التوريد واللوجستيات في مشروع منظمة أطباء بلا حدود في جمهورية #الكونغو الديمقراطية. يوم علمتُ أني سأسافر إلى الكونغو فرحتُ كثيراً إذ لطالما رغبت في زيارة هذا البلد. قبل انتقالي إلى هناك، قرأت أكثر عن الوضعين السياسي والصحي، ورغم كل ما علمته كنت متحمساً جداً.

 توجهت من مطار بيروت إلى العاصمة الكونغولية كينشاسا، تخللها انتظار في اسطنبول. قادتنا السيارة على طرق وعرة من المطار وصولاً إلى مكان إقامتي، رأيتُ ما سبق أن شاهدته ضمن وثائقيات عن البلد في الإعلام وعبر مواقع التواصل الاجتماعي من معاناة اقتصادية، وفروقات اجتماعية. أناسٌ لا يعيشون في منازل، سوء التغذية منتشر كما الأوبئة، إضافةً إلى الوضع السياسي المتغير الذي نسمع الكثير عنه في النشرات الإخبارية. ما رأيته بعيناي كان له وقعٌ مختلف. ولكنَّ كرم السكان في هذا البلد ومحبة الموظفين المحليين، جعلتني أشعر بأني أعيش ضمن عائلة كبرى، يرحب بكَ الجميع من اليوم الأول ما يتيح الاندماج بشكل أسرع!

تتوافر في كينشاسا مستلزمات الحياة كافة، ولكن الفروقات الاجتماعية بين الناس القاطنين فيها وبين سكان الضواحي والأرياف شاسعة. في هذه المناطق، الناس عُرضة للضرب والاعتداء والموت أكثر على يد مجموعات مسلحة تقتحم القرى جراء صراعات عرقية – سياسية أو لأهدافٍ مادية.

تعمل المنظمة في جمهورية الكونغو الديمقراطية منذ 35 عاماً حيث توفر الرعاية الصحية لضحايا النزاع والعنف وللنازحين، ولمَن يعانون من الأوبئة والأمراض المتوطنة كمرضى فيروس نقص المناعة البشرية/متلازمة نقص المناعة المكتسب. كما يستقبل مركز طوارئ الكونغو، وهو فريق طوارئ من منظمة أطباء بلا حدود، حالات طارئة من سوءِ التغذية والحصبة والكوليرا، الناجمة من ضعف البنى التحتية والخدمات الصحية غير الملائمة، التي لا تستطيع الوقاية من تفشّي الأمراض أو الاستجابة لها.

أذكرُ تماماً يوم وصلَت فتاة تبلغ من العمر خمس سنوات إلى مستشفى أطباء بلا حدود وقد تعرضت لضرب بآلةٍ حادة على رأسها، أُجريَت لها الإسعافات اللازمة غير أنها لم تنجو. فكنتُ أنا الشخص المسؤول عن تحضير الأوراق الرسمية لإجراءات الدفن، كما تواجدت يوم وريت في الثرى، إنها تجربة مؤلمة بالنسبة إلي لا أرغب في التفكير فيها.
سامي جرجس - مسؤول التوريد واللوجستيات

لحظات مؤثرة ترسخ في ذاكرتي

بعد وصولي، استلمتُ مهامي كمدير الخدمات اللوجستية وسلسلة التوريد في مركز منظمة أطباء بلا حدود وارتكز دوري على متابعة سير العمل في قسم سلسلة التوريد، وإدارة الخدمات اللوجستية والمخزون الطبي، كما العناية بجميع الشحنات الواردة أو الصادرة، والتنسيق بين المشاريع الأخرى مع احترام قواعد منظمة أطباء بلا حدود. إلى ذلك، كنت مسؤولاً عن تطوير قدرات الفريق وضمان قيام طاقم العمل بدورهم، إضافة إلى الإشراف على جميع أنشطة التوريد في القاعدة والمستشفى والمستودعات.

كنت أزور مستشفى أطباء بلا حدود في كانانغا (كانت تعرف مسبقا بلولوابورغ وهي عاصمة مقاطعة لولوا في جمهورية الكونغو الديمقراطية) مرة واحدة في الأسبوع للتأكد من عدم وجود أي نقص في التجهيزات التي يحتاجها الفريق الطبي العامل هناك. كانت تلك المرة الأولى التي أرى فيها أطفالاً يعانون من سوء التغذية أو جرحى اعتداءات عنف.

أذكرُ تماماً يوم وصلَت فتاة تبلغ من العمر خمس سنوات إلى مستشفى أطباء بلا حدود وقد تعرضت لضرب بآلةٍ حادة على رأسها، أُجريَت لها الإسعافات اللازمة غير أنها لم تنجو. فكنتُ أنا الشخص المسؤول عن تحضير الأوراق الرسمية لإجراءات الدفن، كما تواجدت يوم وريت في الثرى، إنها تجربة مؤلمة بالنسبة إلي لا أرغب في التفكير فيها.

ومن اللحظات الأخرى المؤلمة، تلك التي كنت أقوم خلالها في جولة داخل المستشفى، عندما دخلت إلى إحدى الغرف ورأيت طفلاً يرقد على السرير، طوله 50 سنتمتراً ووزنه 16 كيلوغراماً، نحيل جداً حيث تشعر عند رؤيته أنَّ الجلد ملتصقٌ تماماً بالجسم، سألتُ الممرضة عن عمره، “سنتان؟” فأجابت أكثر، فقلت لها كم عمره إذاً؟ فقالت 10 سنوات. سبقَ أن شاهدت حالات سوء تغذية من خلال فيديوهات ووثائقيات، ولكنها المرة الأولى التي أراها أمام عينايَ وقد آلمني ذلك حقاً! كان الطفل يتيماً بلا أهل، مرمياً إلى جانب أحد الطرق، وقد نقله أحد الاشخاص إلى مستشفى المنظمة ليحصل على الرعاية اللازمة. وبمرور الأسابيع باتت صحته تتحسن، وبدأ يتناول الطعام بشكل سليم، وصار أكثر ابتساماً وتفاعلاً معي بعدما صرتُ اذهب لرؤيته أسبوعياً.

مفهوم الفقر تغيَّر في ذهني

سوء التغذية موجود بكثرة في جمهورية الكونغو الديمقراطية نظراً للوضع الاقتصادي الصعب، كما الكوليرا، والملاريا وإيبولا. ورغم كل ذلك، أشعر أنَّ عملي له دورٌ وهدف، أقوم بأشياء لها ضرورة وذات أهمية، وأساهم في مساعدة أناس هم في أمسِّ الحاجة إلى المساعدة. إلى جانب ذلك، طوّرت هذه التجربة شخصيتي، كما بدَّلت مفهوم الفقر في ذهني، صحيح أننا نرى في لبنان عائلات فقيرة، ولكن الحالات لا يمكن مقارنتها بتاتاً بما نراه في الكونغو. لم أعُد أولي أهمية للأمور المادية، وهي لم تكن تعنيني سابقاً، غير أني الآن بتُ أكثر إدراكاً لمعاني الحرمان والحاجة الذي اختلف كلياً بالنسبة إليَّ.

عائلةٌ واحدة

منذ لحظة لقائي بفريق العمل في مشروع منظمة أطباء بلا حدود شعرتُ بأنني فردٌ منهم، إذ إنَّ ترحيبهم بالأشخاص الجدد يُسهل اندماجنا معهم ويخفف عنا البُعد عن الأهل. أشهر أمضيتها مع عائلتي الجديدة، نتحدث سوياً طيلة أيام وساعات العمل كما في أيام إجازاتنا الأسبوعية. لكنَّ أكثر ما تأخرت في التأقلم معه كان عبارة “بابا” و”ماما”، في عاداتنا ترتبط هذه التسمية بالأهل، أما في جمهورية الكونغو الديمقراطية فمتداولة للتوجه إلى الشخص الأكبر سناً وتعتمد من باب الاحترام والتقرب منه. بضعة أشهر لا يُمكنها اختصار تجربة كاملة، وأنا متأكد من أنَّ الأيام المقبلة تخبئ لي الكثير من القصص.