الماء حياة: لا يجوز أن يُعاقب أهل جنوب لبنان

الماء حياة: لا يجوز أن يُعاقب أهل جنوب لبنان

لن يعود أهل الجنوب طالما أن الماء غائب عن ديارهم. فقد خلفت القوات الإسرائيلية الأضرار ودمرت البنية التحتية للماء في جنوب لبنان وما تزال مستمرةً في أفعالها، وهي بهذا تحرمُ الأهالي من إعادة لملمة حياتهم وتُحوّل حاجةً إنسانيةً أساسية إلى عقبةٍ تحول دون تعافي المجتمعات.

فمنذ مارس/آذار والهجمات الإسرائيلية تطال جنوب لبنان مخلفةً موجةً من الدمار، ومُفاقمةً الخسائر والمعاناة التي نجمت عن التصعيد السابق في سبتمبر/أيلول 2024.

ورغم وقف إطلاق النار الذي دخل حيّز التنفيذ منذ منتصف أبريل/نيسان، إلا أن الهجمات تتواصل، حتى أن الوصول إلى عدة قرى على طول الشريط الحدودي صار متعذرًا كونها تقع في منطقة تحتلها القوات الإسرائيلية، وما من أحدٍ يعيش فيها اليوم. وإلى جوارها يقع شريطٌ آخر من قرى منكوبة عادت إليها بعض الأسر رغم التحديات الهائلةً، بعد أن اتخذت قرارًا أقل ما يقال عنه أنه قرارٌ صعب.

حين نتنقل بين القرى في جنوب لبنان، تبرز المشكلة ذاتها في كل مكان نذهب إليه. إذ قبل أن يتطرّق الناس إلى مساءل الرعاية الصحية أو التعليم أو السكن، تجدهم يسألوننا عن الماء.
منسقة مشاريع أطباء بلا حدود في لبنان شارلين سيلفان

زارت فرق أطباء بلا حدود العديد من التجمعات السكنية وشهدت على الدمار بأم أعينها، في مشهدٍ يتكرر قريةً تلو الأخرى. هجمات إسرائيلية مباشرة وغير مباشرة ألحقت أضرارًا بالأبنية الأثرية ودور العبادة ومرافق الرعاية الصحية والبيوت والبنى التحتية الأساسية، علمًا أن أنظمة المياه والكهرباء تضررت بشكل كبير. حتى أن ألواح الطاقة الشمسية المستخدمة في البنية التحتية المائية قد أصيبت وتضررت في كل المواقع التي زارتها المنظمة، الأمر الذي عطل أنظمة المياه التي يعتمد عليها الأهالي كلّ يوم.

هذا النهج الخطير يكشف عن محاولات متكررة لإلحاق الأضرار والدمار بالبنية التحتية التي يعتمد عليها الناس لتأمين الماء كونه حاجةً أساسية.

والأنكى من كل هذا أن الأضرار لا تقتصر على مكون واحد في هذه البنية التحتية، إنما تطال المنظومة المائية من الألف إلى الياء، بآبارها ومضخاتها وأنظمة التنقية والخزانات ومولدات الكهرباء وخطوط الأنابيب وأنظمة الطاقة الشمسية. فحين يتعطل واحدٌ من هذه المكونات تتعطل المنظومة بأسرها، وبالتالي يُحرَم الناس من مصدر مياه موثوق لا غنى لهم عنه إذا ما أرادوا أن يعيشوا ويتعافوا مما أصابهم.

وهنا تتضح آثار هذا الواقع على حياة الناس وصحتهم وكرامتهم وقدرتهم على البقاء في ديارهم أو العودة إليها.

كما تمتد هذه النتائج خارج نطاق البنية التحتية، إذ لا تقتصر أهمية الماء على الشرب، إنما يعد أساسيًا لتحضير الطعام والغسيل والنظافة وغيرها من مناحي الحياة. كما أنه عنصرٌ أساسي للزراعة التي تعد سبيل العيش الوحيد للكثير من العائلات في جنوب لبنان. وبالتالي فإن توقف أنظمة المياه عن العمل يخلف معاناة تطال حياة الأسر الاقتصاد المحلي.

ففي ياطر على سبيل المثال، أصيب خزان مياه القرية إصابةً مباشرةً ألحق به أضرارًا لا يمكن إصلاحها. ولتأمين المياه، قدمت المنظمة خزانات بلاستيكية مؤقتة إلى حين إيجاد حل طويل الأمد. أما في فرون، فقد تضرر الخزان أيضًا ضررًا لا يمكن إصلاحه، فعملت الفرق على إصلاح نظام التنقية وربطه بمصدر الماء مباشرةً، مستغنيةً عن الخزان.

كلما تحدثت إلى العائدين لا أستطيع أن أتجاهل مسألةً صعبة يطرحونها مرارًا وتكرارًا. فقد خلفت هذه الهجمات المتكررة أضرارًا بليغة طالت مصادر المياه وبنيتها التحتية، مما يخلق عقبات هائلة تحول دون عودة الناس إلى ديارهم وإعادة بناء حياتهم. فتجدهم يتساءلون: ما الذي يحدث؟ لا بد أنه مقصود.
منسقة مشاريع أطباء بلا حدود في لبنان شارلين سيلفان

وهذا سؤال مشروع. فحين يُحرَم الناس من الماء في أكثر من منطقة، تبدأ التبعات بالتوسع بعيدًا عن مشكلة المياه بحد ذاتها. فغياب الماء يقوض سبل العيش ولا سيما العائلات التي تعتمد على الزراعة والأرض في كسب رزقها.

لا شك أن إصلاح أنظمة المياه ضرورةٌ أساسية، بيد أن حضور المنظمات القادرة على الدعم في القرى الموجودة ضمن ما يدعى بالمنطقة الأمنية حضورٌ محدود للغاية. وهنا تبرز أهمية الجهود التي تبذلها منظمة أطباء بلا حدود، علمًا أنها جهود غير كافية، إذ أن حجم الاحتياجات يفوق الدعم الراهن. كما أن المنظمات الإنسانية ليست مسؤولة عن إصلاح أنظمة أساسية أكثر من مرة لا سيما وأنها قد تتعرض للهجوم وتلحقها الأضرار مجددًا.

رسالة أهل الجنوب واضحةٌ وضوح الشمس: لن تعود الحياة إلى طبيعتها إلا بعودة الماء. فالماء كرامة، والماء مصدر للرزق، والماء سبيلٌ للتعافي. والأهم أن الماء حياة وحقٌّ أساسي يجب على إسرائيل أن تحترمه. يجب عليها وقف هذه الهجمات المتكررة والسماح للناس بالعودة إلى بيوتهم وإعادة بناء مصادر رزقهم وحياتهم وكرامتهم.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

فريق أطباء بلا حدود يصل إلى نيبال لتقييم الاحتياجات بعد السيول الجارفة

فريق أطباء بلا حدود يصل إلى نيبال لتقييم الاحتياجات بعد السيول الجارفة

بعد أن اجتاحت سيول جارفة منطقة راسوا في نيبال يوم الأربعاء 26 أغسطس/آب، وصل إلى نيبال فريق من أطباء بلا حدود من ذوي الخبرة في الاستجابة لحالات الطوارئ لتقييم الاحتياجات الفورية للسكان. ونحن على استعداد لتقديم المساعدة الإنسانية والطبية بشكل عاجل.

سرعان ما اجتاحت الفيضانات مناطق تيموري وراسواغادهي وسيابروبيسي، وألحقت أضرارًا جسيمة بالمناطق السكنية والأسواق والبنية التحتية. وتشير التقديرات إلى أن ارتفاع موجات السيول بلغ 8 إلى 10 أمتار في بعض المناطق. ويُخشى أن يكون مئات الأشخاص، إن لم يكن الآلاف، قد لقوا حتفهم، فيما لا يزال كثيرون في عداد المفقودين.

وصلت مياه الفيضانات إلى بلدة موغلينغ في مقاطعة تشيتوان، وبدأت المياه بالانحسار منذ ذلك الحين. ومع ذلك، تقول السلطات إن مستوى الخطر لا يزال مرتفعًا، إذ لم تُفتح بعد المنطقة المسدودة من مجرى النهر في الجزء العلوي منه بالكامل.

وصدر تحذير بأعلى درجات التأهب للمجتمعات الواقعة على طول نهري بوتي كوشي وتريشولي، ولا سيما في مقاطعات راسوا ونواكوت ودادينغ وغورخا وتشيتوان. ونُصح السكان الذين يعيشون على ضفاف الأنهار بالانتقال إلى أماكن أكثر أمانًا.

تجري السلطات عمليات بحث وإنقاذ عاجلة في المناطق المتضررة، كما أُطلقت استجابة صحية شاملة لهذه الحالة الطارئة.

وصل فريق أطباء بلا حدود إلى نيبال بعد أقل من 24 ساعة على وقوع السيول، ونعمل على التواصل مع المرافق الصحية لتقييم إمكانية تقديم الدعم لها. ومن خلال خبرتنا الطويلة في الاستجابة لحالات الطوارئ، نعلم أن السكان في المناطق المتضررة سيحتاجون بشكل عاجل إلى المأوى، والمواد غير الغذائية مثل مستلزمات النظافة والطهي، إضافة إلى المياه النظيفة والمراحيض، والرعاية الطبية الطارئة وعلاج الإصابات.

تقيّم فرق أطباء بلا حدود سبل تقديم المساعدة للسكان، وهي على استعداد لدعم الاستجابة الوطنية لهذه الكارثة.

عملت فرق أطباء بلا حدود في نيبال آخر مرة عام 2020، حيث استجابت للاحتياجات الناجمة عن جائحة كوفيد-19. وقبل ذلك، نفّذنا استجابة واسعة النطاق في البلاد عقب الزلازل التي ضربت نيبال في أبريل/نيسان ومايو/أيار 2015، وقدّمنا خلالها استشارات طبية ونفسية، إضافةً إلى المأوى والغذاء.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

المشكلة الصحية الأولى في فلسطين هي الاحتلال الإسرائيلي

المشكلة الصحية الأولى في فلسطين هي الاحتلال الإسرائيلي

في جميع أنحاء فلسطين، يبدو الأثر التراكمي لأفعال إسرائيل على الفلسطينيين منذ 7 أكتوبر 2023 واضحاً: لقد أدت إلى تآكل قدرة الفلسطينيين على عيش حياة كريمة وصحية. ويجب ذِكر هذا الأمر بوضوح. تدل السياسات المطبقة في غزة، والمسار الذي لوحظ في الضفة الغربية، على المشروع الإسرائيلي الأوسع لاستعمار فلسطين من خلال الاحتلال.

الصورة أراها واضحة من مكاني: إن المشكلة الصحية الأولى في فلسطين هي الاحتلال الإسرائيلي.

لقد مر أكثر من 1000 يوم منذ بدء الإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة، ومازال العقاب الجماعي للفلسطينيين مستمراً حتى يومنا هذا. وفي خضم ما يسمى بوقف إطلاق النار، اعتاد العالم على رؤية الفلسطينيين يتعرضون للتشويه والقتل يومياً في خيامهم وفي المستشفيات وفي الشوارع.

فقدت كلمة وقف إطلاق النار معناها، فبينما أكتب هذه السطور، يستمر عدد الضحايا في الازدياد، وكذلك عدم الاهتمام بالوضع الكارثي في غزة، وهو الفشل السياسي الأبرز في العالم في العقود الأخيرة.

كان يونيو الشهر الأكثر دموية منذ أكتوبر 2025. حتى 14 يوليو من هذا العام، قتلت إسرائيل ما مجموعه 1110 فلسطينيين وأصابت 3599 منذ بدء وقف إطلاق النار، مع توسيع السيطرة العسكرية على القطاع. “الخط الأصفر” الذي وضعته إسرائيل هو حدود متغيرة تقسم القطاع إلى مناطق فلسطينية ومناطق يسيطر عليها الإسرائيليون. يستمر هذا الخط في التوسع ويعرِّض أي شخص يقترب منه – غالباً ما يكون الشخص يحاول ببساطة الوصول إلى مأواه أو يجمع الحطب أو يبحث عن طعام – لخطر إطلاق النار عليه.

لكن الأمر لا يتعلق بالعنف فقط. مع تحرك الخط غرباً، فإنه يضغط أكثر من مليوني شخص في ثلث القطاع فقط. هذا ليس أمراً عَرَضياً. فهو يخلق ظروفاً من الاكتظاظ الشديد حيث ينتشر المرض بسهولة، ولا تتوفر الاحتياجات الأساسية. نرى العواقب في عياداتنا: عدوى الجهاز التنفسي والأمراض الجلدية وأمراض الإسهال، مدفوعة بنقص المياه النظيفة وغياب الصرف الصحي والظروف المعيشية اللاإنسانية.

شهدت الضفة الغربية أيضاً تحولاً عنيفاً وعميقاً منذ 7 أكتوبر 2023، حيث قامت الحكومة الإسرائيلية والجيش والمستوطنون الذين تدعمهم الدولة بتسريع التطهير العرقي ونزع ملكية الأراضي وتجزئة الأراضي والخنق الاقتصادي، مما زاد من تآكل الوجود الفلسطيني واستمراريته.  

يتم تعقُّب ومطاردة الفلسطينيين في منازلهم ومدارسهم وأراضيهم، بينما يتمتع المهاجمون بالإفلات التام من العقاب. في نابلس والخليل، نستقبل مرضى يعانون من الصدمة والاكتئاب المرتبطَين بالعنف المتزايد والقيود المفروضة على الحركة، والتي تعيق كل جانب من جوانب حياتهم، بما في ذلك الوصول إلى المستشفى.  

استمرت إسرائيل في عرقلة الوصول إلى الرعاية الصحية في الضفة الغربية بشكل منهجي وتفكيك نظام الرعاية الصحية في غزة بشكل متعمد.  

استُهدف كل من العاملين في الرعاية الصحية والمرضى وسيارات الإسعاف والمستشفيات.  

في 26 أكتوبر 2024، خلال غارة على مستشفى كمال عدوان في غزة، تم اعتقال جراح أطباء بلا حدود الدكتور محمد عبيد مع 57 آخرين. وهو واحد من أكثر من 95 عاملاً فلسطينياً في مجال الرعاية الصحية لا يزالون محتجزين لدى القوات الإسرائيلية. وحتى يومنا هذا، لا يزال الدكتور عبيد في سجن إسرائيلي دون تهمة. وما زلنا ندعو إلى إطلاق سراحه غير المشروط والفوري.  

لقد أهلكت الإبادة الجماعية القوى العاملة في النظام الصحي في غزة، وسيستغرق تعويضها سنوات، فقد قُتل ما لا يقل عن 1700 من موظفي الرعاية الصحية منذ أكتوبر 2023، بالإضافة إلى 15 من أعضاء فريق أطباء بلا حدود، الذين عمل العديد منهم بلا كلل لعقود. لا أحد آمن في غزة.  

يتم تقييد وصول الناس إلى الرعاية الصحية بشكل أكبر منذ أن ألغت السلطات الإسرائيلية تسجيل 37 منظمة إنسانية في يناير. وتمنعنا إسرائيل من جلب موظفين دوليين وإمدادات تشتد الحاجة إليها إلى غزة والضفة الغربية، وقد دخلت بعض الإمدادات الإنسانية إلى غزة، إلا أنها لا تكفي. هذه القيود التعسفية هي جزء من سياسة عقابية طويلة الأمد تفرضها إسرائيل. 

سواء من خلال العنف المباشر، أو تفكيك نظام الرعاية الصحية أو عرقلة المساعدات الإنسانية، أو التسبب في المجاعة، أو استخدام الماء كسلاح، أو التسبب في مستويات أعلى من الخداج والوفيات بين الرضع ومستويات عالية من الإجهاض، أو الحرمان من الرعاية، فالصورة أراها واضحة من مكاني: إن المشكلة الصحية الأولى في فلسطين هي الاحتلال الإسرائيلي. 

أصبحت أساليب إسرائيل مقبولة؛ وطبَّع قادة العالم مع سلوك إسرائيل. من خلال الدعم السياسي أو المساعدات العسكرية أو الصمت، مكَّنوا من استمرار سياساتها. 

الوضع ليس فقط لا يطاق؛ إنه متجذر. في غزة، تستمر الإبادة الجماعية، وفي الضفة الغربية، يتسارع التطهير العرقي. 

هناك حاجة ماسة إلى تحول جذري في السياسة، تحوُّل يعطي الأولوية لكرامة الفلسطينيين، وحماية المدنيين، ويضمن وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، ويُحمِّل جميع الحكومات المسؤولية. بدون هذا التغيير، لن تمثل الألفُ يومٍ القادمة نقطة تحوّل، بل استمراراً لنفس الواقع المدمر. 

الدكتور جافيد عبد المنعم هو الرئيس الدولي لمنظمة أطباء بلا حدود، وعمل كطبيب طوارئ في غزة في عام 2024، بشكل رئيسي في مستشفى ناصر. مع تجاوز الإبادة الجماعية في غزة 1000 يوم، واستمرار انتهاك إسرائيل لوقف إطلاق النار، يتأمل الدكتور جافيد في التواطؤ المستمر لقادة العالم الذين يسمحون لإسرائيل بمواصلة حملتها للإبادة الجماعية، ويدعو إلى تغيير جذري في السياسة.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

الاحتياجات الطبية آخذة بالازدياد في الخليل بفعل العنف المتصاعد وتقييد التنقلات

الاحتياجات الطبية آخذة بالازدياد في الخليل بفعل العنف المتصاعد وتقييد التنقلات

فيما يشن المستوطنون الإسرائيليون والقوات الإسرائيلية مزيدًا من الهجمات في مختلف أنحاء الضفة الغربية بلا رادع، يعاني الفلسطينيون للحصول على الرعاية الصحية الأساسية بسبب القيود المفروضة عليهم وانعدام الأمن والعنف الممنهج. وعلى الرغم من تقييد السلطات الإسرائيلية لقدرتنا على الاستجابة لأكبر التحديات الصحية، وسّعت منظمة أطباء بلا حدود نطاق أنشطة العيادات المتنقلة في الخليل، بما في ذلك لتلبية احتياجات السكان النفسية الناجمة عن العنف المتعمد.

العنف يزيد من احتياجات الصحة الجسدية والنفسية

تتأثر الصحة الجسدية والنفسية لسكان الخليل بفعل الهجمات المتكررة، والتهجير، والقيود المفروضة على التنقل، وتدهور الظروف المعيشية.

أخبرنا إسماعيل إبراهيم، وهو مريض من خارج مدينة يطّا في محافظة الخليل، أنه تعرض للهجوم ثلاث مرات خلال الأشهر الماضية.

يقول، “رش المستوطنون رذاذ الفلفل في وجهي فيما كنت أعمل في كرم زيتون تحرثه عائلتي منذ سنوات. وأطلقوا الحيوانات لترعى بين أشجار الزيتون، فخربوا الأرض ودمروا الأشجار وكسروها. وعندما وصلت الشرطة، أخبرونا أنهم ممنوعون من التحدث مع المستوطنين”.

ويضيف إسماعيل، “الوضع يزداد سوءًا يومًا بعد يوم. تعرض كثير من أهالي منطقتنا للهجوم. ذات مرة، جاءوا ليلًا وسرقوا 200 خروف بعدما كسروا بوابة الحظيرة. ولم نتمكن من استعادة سوى قليل منها”.

قُتل هذا العام في الضفة الغربية ما لا يقل عن 77 فلسطينيًا على يد القوات الإسرائيلية والمستوطنين، بحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية[1]. يفوق هذا العدد إجمالي القتلى في عام 2025 بأكمله. ومنذ مارس/آذار، تراوحت نسبة الاستشارات النفسية التي قدمناها إثر حوادث العنف المتعمد بين 17 في المئة و38 في المئة، مقارنةً بنسبة لم تتجاوز 13 في المئة في بداية العام.

بين يناير/كانون الثاني ويوليو/تموز، قدمت فرق أطباء بلا حدود أكثر من 1,930 استشارة فردية في الصحة النفسية، وعقدت 436 جلسة علاج جماعي عبر الأنشطة المتنقلة وغرفة استشارات ثابتة. وفي الفترة نفسها، تلقت فرقنا في الخليل كذلك نحو 170 بلاغًا عن حوادث مثل هدم المنازل، أو الإصابات، أو الهجمات على أنظمة المياه والصرف الصحي. أجرينا 27 عملية استجابة سريعة، والتي قد تشمل تقديم الدعم النفسي، أو التبرع بمستلزمات أساسية مثل الفرشات أو الشوادر.

عقبات متزايدة أمام الرعاية الصحية

بالإضافة إلى العنف المتصاعد، تشكل القيود المفروضة على التنقل وانهيار نظام الرعاية الصحية عوائق إضافية أمام الوصول إلى الرعاية.

وفي هذا الصدد، يقول د. محمد الحروب، المنسق الطبي المساعد لأطباء بلا حدود في الخليل، “لاحظنا ازديادًا في الطلب على خدماتنا الطبية، لأن السكان يواجهون ظروفًا اقتصادية صعبة ولا يستطيعون تحمل تكاليف الرعاية الصحية الخاصة”.

تزداد المشكلة تفاقمًا بفعل نقص العاملين في مجال الرعاية الصحية. ففي أعقاب هجوم إسرائيل على غزة، صادرت مليارات الدولارات من عائدات ضرائب السلطة الفلسطينية. وقد أثر ذلك بشكل كبير على دفع رواتب العاملين في القطاع الصحي، ما أدى إلى تقليص ساعات عمل الطواقم الطبية وإغلاق العيادات كليًا في بعض الحالات.

ويضيف د. الحروب، “تضاعفت الأعباء بسبب محدودية الخدمات الصحية، ونقص العاملين في مجال الرعاية الصحية والأدوية لدى وزارة الصحة. يخبرنا بعض المرضى أنهم ظلوا بلا أدوية لعدة أيام”.

علاوة على ذلك، تتزايد صعوبة الوصول إلى الرعاية الصحية لكثير من الفلسطينيين نتيجةً لانعدام الأمن، ونقاط التفتيش، وإغلاق الطرق.

عائشة* امرأة من قرية قرب يطّا، قد وصلت إلى عيادة تابعة لأطباء بلا حدود في خلّة الميّة. تقول، “أصبحت الحياة عبئًا ثقيلًا بسبب هجمات المستوطنين. أشعر بالخوف طوال الوقت. بالكاد ينام أهلي خوفًا من قدوم المستوطنين”. وفيما لا تجاوز المسافة بضعة كيلومترات، إلا أن رحلة عائشة إلى العيادة استغرقت وقتًا أطول بسبب انعدام الأمن والطرق الالتفافية.

تعاني حماتها من السكري وارتفاع ضغط الدم، ولكن “لا تتوفر جميع الأدوية” حيث تقيم العائلة، كما أخبرتنا.

[1] مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية: https://www.ochaopt.org/ar/content/humanitarian-situation-report-23-july-2026

قيود تشغيلية وسط انعدام اليقين

على الرغم من القيود، أجرت أطباء بلا حدود بين يناير/كانون الثاني ويوليو/تموز 7,595 استشارة خارجية في الخليل، منها 1,910 استشارات في مجال الصحة الجنسية والإنجابية. وفي شهري يونيو/حزيران ويوليو/تموز، وبعد زيادة عدد العيادات المتنقلة من خمس إلى ثماني عيادات، قدمت فرق أطباء بلا حدود 1,450 و1,397 استشارة خارجية على التوالي. وكانت هذه أعلى أرقام شهرية في عام 2026، بزيادة قدرها 26 في المئة مقارنة بالشهرين السابقين. وكانت الأمراض النسائية، والأمراض غير المعدية، والتهابات الجهاز التنفسي العلوي، والرمد من أبرز الأمراض التي تلقى السكان الرعاية الصحية لعلاجها.

يأتي ذلك بعدما اضطررنا إلى تقليص أكثر من نصف أنشطتنا المتنقلة في الربع الأول من العام، في ظل إجراءات إلغاء التسجيل التي فرضتها السلطات الإسرائيلية. أدى ذلك إلى تقييد الوصول إلى مناطق مثل حي H2 ذي الطابع العسكري في مدينة الخليل والقرى الواقعة في تلال مسافر يطّا، وهي مناطق معرضة للعنف والهجمات. وللوصول إلى مرضى المناطق التي لم يعد بإمكان أطباء بلا حدود زيارتها، أطلقنا عيادات جديدة بالقرب من حدود المنطقة C، وهي منطقة تخضع حصرًا لسيطرة القوات الإسرائيلية، لضمان استمرار حصول السكان هناك على خدماتنا.

على الرغم من تكييف الأنشطة، لا تزال فرق أطباء بلا حدود تواجه قيودًا تشغيلية كبيرة.

تقول إليزا التميمي، مسؤولة الشؤون الإنسانية مع أطباء بلا حدود في الخليل، “لا نعرف كل يوم ما إن سنتمكن حتى من الوصول إلى العيادة، فالظروف تتغير باستمرار. تخضع مناطق بأكملها أحيانًا لإغلاق تام ليوم أو يومين أو حتى أسبوع كامل، ما يؤثر بشكل كبير على حياة السكان. خسر كثر وظائفهم ولا يمكنهم العثور على عمل جديد”.

يقول منسق برامج أطباء بلا حدود في فلسطين، جوان توبو، “على السلطات الإسرائيلية وقف جميع الإجراءات التي تطرد الفلسطينيين من بيوتهم، وأن تضمن وصولهم بلا عوائق إلى الرعاية الصحية والمساعدات الإنسانية، وأن تحمي المدنيين وتلتزم بالقانون الدولي”.

تقول عائشة إنهم لا يطلبون الكثير: “آمل أن تعود الحياة إلى ما كانت عليه قبل الحرب. وآمل أن يعيش الناس بكرامة. أريد أن يستطيعوا الخروج بلا خوف، وأن يحصلوا على الرعاية الصحية والتعليم والضروريات الأساسية”.

انتهى

*غُيّرت الأسماء حمايةً لهوية أصحابها.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

البقاع: حيث انقلبت حياة السكان في ظل الحرب

البقاع: حيث انقلبت حياة السكان في ظل الحرب

خلف الدمار الذي طال جنوب لبنان وضاحية بيروت الجنوبية، بلغت تداعيات الحرب كذلك سهل البقاع، هذه المنطقة الزراعية الشاسعة في شرق لبنان على الحدود مع سوريا، ما يُضيف بعدًا آخر إلى الأزمات المتداخلة التي عانت منها المنطقة، ومنها الانهيار الاقتصادي، ومرافق الرعاية الصحية محدودة التمويل، والبنية التحتية غير الملائمة للمياه والصرف الصحي، ووضع اللاجئين الذي طال أمده. 

منذ تصعيد القصف الإسرائيلي في الثاني من مارس/آذار، التجأ الأشخاص الذين تركوا بيوتهم بسبب أوامر الإخلاء الكلّي إلى مختلف أنحاء البقاع، حيث يواجه السكان المحتاجون أساسًا (ومنهم اللاجئون السوريون) ضغوطات متفاقمة. بلغت موجة النزوح في المحافظة ذروتها في أبريل/نيسان، حيث سُجل نزوح 52,935 شخصًا في مراكز الإيواء ووسط السكان. واليوم، تعود عائلات إلى منازلها وأحيائها في البقاع، ليواجه كثير منها مرافق متضررة بالقصف الإسرائيلي، وعوائق مختلفة تحول دون حصولهم على الرعاية الصحية. 

استقر كثيرون في البقاع، مستأجرين المقدور عليه، أو مقيمين في مراكز إيواء جماعية، أو عائدين إلى بيوت عائلاتهم التي غادروها منذ سنوات. لم ينتهِ النزوح في نظرهم مع تراجع حدة القصف، بل تحول إلى عملية إعادة بناء بطيئة من دون دخل وغالبًا بلا تأمين صحي، في محافظة انصرف عنها اهتمام الرأي العام إلى حد كبير. 

مهجّرون بلا استقرار 
في كامد اللوز بالبقاع الغربي في لبنان، تمتد الأراضي الزراعية والوديان الشاسعة، ولكن في نظر عائلات مثل عائلة مها وحسن، فالعثور على مكان للعيش لا يعني بالضرورة إيجاد الاستقرار. تعتني مها بزوجها حسن في غرفة مستأجرة منذ مارس/آذار، عندما أجبرتهما الحرب على مغادرة الخيام بجنوب لبنان، حيث دُمر منزلهما. لا يستطيع حسن التحرك بمفرده، ومها وحدها قائمة على رعايته. اتضح أن البقاء في شقة أختها بالطابق الثاني غير ممكن، فانتقلا إلى كامد اللوز، في ظل انقطاع الدخل وأي فرصة قريبة للعودة إلى بيتهما. 

قالت مها، “صار كل شيء أصعب منذ أن غادرنا بيتنا. عليّ أن أعتني بزوجي وأدير كل الأمور بمفردي“. 

كانت مها قد توقفت عن تناول الأدوية التي تحتاجها لأنها لم تعد قادرة على تحمل تكاليفها. من خلال جولات التواصل المجتمعي، التقت فرق أطباء بلا حدود بحسن ومها، وساعدتهما في الحصول على الخدمات الصحية التي يحتاجان إليها. 

منذ الثاني من مارس/آذار، قدمت فرق أطباء بلا حدود في البقاع 13,722 استشارة طبية، منها 7,505 استشارات لحالات حرجة، و6,760 استشارة لأمراض غير معدية، و2,570 استجابة في مجال الصحة الجنسية والإنجابية، و852 استشارة للأطفال دون الخامسة، إلى جانب 3,270 جلسة توعية صحية. 

في زحلة بمحافظة البقاع، تواجه عائلة أخرى اضطرابات مختلفة فيما تستعد لاستقبال أجدد أفرادها. قبل الحرب، عاشت العائلة في النبطية بجنوب لبنان، وقامت حياتها على الزراعة. عاد خليل وزوجته الحامل ميرنا إلى مسقط رأسه، زحلة، لبيت قديم ورثه عن جده، فكان مأوى بلا استقرار. ومع اقتراب موعد ولادة ميرنا، لم تملك العائلة أي وسيلة لتغطية التكاليف. 

قال خليل، “خسرنا عملنا ودُمّرت حياتنا”. 

لو نظرنا إلى العائلات مثل عائلة ميرنا وخليل، نرى أن تداعيات الحرب قد تجاوزت حدود البيت، مع انقطاع الدخل وفقدان السكن والقدرة على الاستعداد لولادة طفلهما. 

أضاف خليل، “فيما تستعد لولادة طفلك، عليك أن تفكر في المستقبل. إلا أنني قد قلقت بشأن تكاليف الولادة وكيف سنعيد بناء حياتنا“. 

من خلال الشراكة مع المستشفى اللبناني-الفرنسي في زحلة، ساعدت أطباء بلا حدود في ضمان حصول ميرنا على رعاية الأمومة المتخصصة التي يقدمها المستشفى وولادة طفلها بأمان. 

ما وراء الوصول إلى الرعاية الصحية 
قال منسق مشروع أطباء بلا حدود في البقاع، عمرو إبراهيم، “يعاني السكان في لبنان من ظروف معيشية صعبة بسبب الأزمة الاقتصادية المزمنة، والتي تفاقمت بفعل النزاع المسلح القائم، وعدم الاستقرار السياسي. تشمل الفئات الأشد تضررًا المهجّرين واللاجئين والسكان الأقل حظًا، وكثيرًا ما يواجهون ظروفًا معيشية تعاني من الاكتظاظ، ووصولًا محدودًا إلى الرعاية الصحية، وصعوبات متزايدة في توفير الغذاء والمأوى. يجب حماية المدنيين وضمان وصول آمن وسريع إلى الإغاثة الإنسانية والرعاية الصحية لكل المحتاجين”. 

حافظت أطباء بلا حدود على وجود طبي طويل الأمد في البقاع، مكيفةً استجابتها مع تغير الاحتياجات. وفي بعلبك-الهرمل، تدير المنظمة مركزًا للرعاية الصحية الأولية في الهرمل وعيادة متنقلة، فيما يستمر وصول الفرق المتنقلة في مختلف أنحاء البقاع إلى السكان الذين يعانون من محدودية الوصول إلى الرعاية الصحية. 

منذ تصعيد القصف الإسرائيلي في الثاني من مارس/آذار، قدمت أطباء بلا حدود الدعم كذلك للأشخاص الذين هُجّروا إلى البقاع، ومنهم من يعيشون في مراكز إيواء جماعية وأماكن عامة. قدمت الفرق مواد الإغاثة الأساسية، وأصلحت أنظمة المياه والصرف الصحي، وزودت السكان بالوقود والمياه، وقدمت الرعاية الصحية عبر العيادات المتنقلة. 

في البقاع، وزعت أطباء بلا حدود منذ الثاني من مارس/آذار 1,796 من مجموعات النظافة الصحية، و1,020 بطانية، و962 فرشة، و109,691 لترًا من مياه الشرب، و929,000 لتر من المياه، و31,200 لتر من الوقود، و32 من مجموعات التنظيف. 

وفي هذا الصدد، قالت منسقة الطوارئ مع أطباء بلا حدود في البقاع، لبنى معروف، “في سياق يواجه فيه الناس عوائق متعددة تحول بينهم وبين الرعاية الصحية، فإن الوصول إليها لا يُترجم بتوفر الخدمة فقط. استطعنا عبر التعاون مع مستشفى قائم وذي قدرة تشغيلية أن نستجيب سريعًا لتلك الاحتياجات وأن نوفّر وصولًا آمنًا إلى الرعاية”. كذلك يدعم فريق أطباء بلا حدود الوصول إلى الرعاية التوليدية الطارئة في المرافق الصحية المتخصصة في البقاع، ما يعزز قدرات المستشفى ويدعم توفير الرعاية السريعة وعالية الجودة للسكان. 

سد الثغرات 
تستمر الأزمة في التأثير على الحياة اليومية للمهجّرين، والعائدين إلى بيوتهم، ومن لم يغادروها، في سبل العيش المنقطعة، والمنازل المتضررة، والضغوط على الخدمات الأساسية. 

تطورت لذلك استجابة أطباء بلا حدود بالتوازي مع هذه الاحتياجات المتغيرة: من الدعم الطارئ خلال التهجير، إلى أنشطة الرعاية الصحية طويلة الأمد، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات، وتوفير الرعاية الصحية الأساسية والإحالات للعلاج المتخصص. 

ربما غابت الأزمة عن عناوين الأخبار، لكن تبعاتها لا زالت ترسم ملامح الحياة اليومية لكثيرين في البقاع. فالحفاظ على الوصول إلى الرعاية الصحية يستوجب الاستمرار بالوصول إلى السكان حيثما كانوا، ودعم المرافق الصحية التي تواجه ضغوطًا، وضمان حصول السكان على الرعاية التي يحتاجونها. 

الاحتياجات القائمة 
في مختلف أنحاء البقاع، لا زالت الأزمات المتداخلة تثقل بتبعاتها السكان اللبنانيين، واللاجئين السوريين، والمهجّرين، والعائدين إلى بيوتهم. فالخطر المباشر لم يعد الهم الوحيد لكثر، في ظل الحاجة لإعادة بناء البيوت، واستعادة الدخل، والحصول على الرعاية الصحية، والتي قد تصبح كلها معاناة مطوّلة. 

لا زالت تداعيات الأزمات في البقاع تؤثر على أماكن سكن الناس، وكيفية كسب رزقهم، وقدرتهم في الحصول على الرعاية التي يحتاجون إليها. 

قالت مها، “لا أشعر بالاستقرار، ولا أعتقد أنني سأشعر بهذا الاستقرار أبدًا لأنني خسرت بيتي. لا أشعر بالراحة إلا في بيتي وقريتي“. 

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

بيان بشأن قرار الجيش الإسرائيلي رفض فتح تحقيق جنائي في مقتل وإصابة موظفي أطباء بلا حدود

بيان بشأن قرار الجيش الإسرائيلي رفض فتح تحقيق جنائي في مقتل وإصابة موظفي أطباء بلا حدود

تدين منظمة أطباء بلا حدود قرار المدعي العام العسكري الإسرائيلي إغلاق القضيتين اللتين أحالتهما المنظمة نفسها للمراجعة، من دون فتح تحقيق جنائي فيهما. وتتعلق القضيتان بالهجمات المتعددة على قافلة تابعة لأطباء بلا حدود في مدينة غزة، فلسطين، في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، وأسفرت عن مقتل شخصين، وبالغارة التي استهدفت مأوى لأطباء بلا حدود في خان يونس في فبراير/شباط 2024، وأسفرت عن مقتل شخصين وإصابة ستة آخرين.

للأسف، لم يكن هذا القرار مفاجئًا. فقد صدر بعد نحو عامين من تقديم أطباء بلا حدود طلبها، وبعد أن تقدّمت المنظمة بالتماس إلى المحكمة العليا الإسرائيلية للطعن في عدم ردّ المدعي العام العسكري على طلباتها الرسمية.

هذه ليست عدالة. فالصمت الذي استمر عامين، ثم إغلاق القضايا بطريقة تثير أسئلة أكثر مما تقدم إجابات، أمر غير مقبول. لكن ذلك ليس مستغربًا حين تتولى مؤسسة عسكرية التحقيق في أفعالها بنفسها؛ وهي منظومة أثبتت عدم استعدادها للتعامل مع حجم الانتهاكات التي قد ترقى إلى جرائم حرب في غزة.

قُتل موظفون في أطباء بلا حدود وأفراد من عائلاتهم، وأسماؤهم معروفة. وقد تمت مشاركة مواقع وجودهم، وكانت مركباتهم تحمل شعار المنظمة بوضوح. ولطالما أكدنا أن جميع المعطيات تشير بوضوح إلى مسؤولية الجيش الإسرائيلي عن هذه الهجمات القاتلة. ومع ذلك، رفض المسؤولون عن مقتلهم المضي قدمًا في إجراء أي تحقيق جنائي.

بهذا القرار، أوضح المدعي العام العسكري أن لا مجال لتحقيق المساءلة داخل النظام القانوني الإسرائيلي عن مقتل موظفينا، تمامًا كما لم تُحاسَب إسرائيل على الإبادة الجماعية التي تواصل ارتكابها بحق الفلسطينيين.

قُتل ما مجموعه 15 موظفًا من أطباء بلا حدود على يد القوات الإسرائيلية في غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023. وهذا العدد ليس سوى جزء بسيط من نحو 1,700 عامل في مجال الرعاية الصحية قُتلوا خلال الفترة نفسها. وتواصل القوات الإسرائيلية قتل المدنيين من دون التعرض لأي عقاب، وهو ما تؤكده بوضوح هذه القرارات الصادرة عن المدعي العام العسكري.

يجب فهم قرار “إغلاق” هذه القضايا في سياقه الكامل: ففي غزة، قُتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين، ودُمّرت المرافق الصحية، واستُهدفت قوافل إنسانية. كما قُتل الصحافيون والعاملون في المجال الطبي وموظفو الأمم المتحدة والعاملون في مجال الإغاثة بأعداد غير مسبوقة في أي نزاع شهدته الآونة الأخيرة.

تجدّد أطباء بلا حدود تأكيد ما شددت عليه منذ بداية هذا العنف: لا يوجد أي هدف عسكري يبرّر التضحية الشاملة بالمدنيين. ولا يمكن لأي مراجعة داخلية تجريها المؤسسة العسكرية أن تحلّ محل مساءلة حقيقية ومستقلة ومحايدة.

نطالب بإعادة النظر في القضايا المتعلقة بزملائنا من قبل جهة تحقيق مستقلة ومحايدة.

إلى زملائنا الذين فقدناهم، وإلى المدنيين والعاملين في المجال الإنساني الذين لا يُحصى عددهم ولقوا حتفهم في غزة: لن نسمح بأن تُطوى ملفات موتكم باعتبارها مجرد نتائج حتمية لإجراءات روتينية. لقد كنتم تستحقون الحماية، واليوم، تستحقون العدالة.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

قيود إسرائيل في غزة تهدد حياة الناس

قيود إسرائيل في غزة تهدد حياة الناس

عمان/القدس، 12 أغسطس/آب – تحذر منظمة أطباء بلا حدود من أن آلاف الأشخاص في غزة بفلسطين مهددون بشدّة بالموت والإصابة بأمراض خطيرة، في ظل استمرار السلطات الإسرائيلية بتقييد دخول زيوت المحركات وقطع الغيار إلى القطاع. فهذه الإمدادات ضرورية لتشغيل مولدات الكهرباء في المستشفيات، وتشغيل سيارات الإسعاف، ومضخات المياه وشاحناتها. وتمثل عرقلة هذه الخدمات الأساسية دليلًا واضحًا على التدمير الممنهج الذي تمارسه إسرائيل بحق مقومات الحياة في غزة.

في بعض المرافق، لدى أطباء بلا حدود من زيت المحركات ما يكفي بالكاد لشهر واحد، وقد تضررت بعض معداتنا بالفعل نتيجةً لنقص الإمدادات. أصبحنا مضطرين للبحث عن إمدادات في السوق المحلية وبأسعار باهظة. انخفضت إمدادات زيت المحركات لدرجة ضاعفت سعره 20 ضعفًا خلال الأشهر الستة الماضية. ومع نهاية يوليو/تموز، تجاوز سعره 1,300 دولار أمريكي للتر الواحد، وما من ضمانات بشأن جودته أو توافره.

في الخامس من أغسطس/آب، تعطلت إحدى المولدات الكهربائية في مستشفى أطباء بلا حدود الميداني في دير البلح. وفي ضوء اعتماد الفرق على مولد احتياطي أصغر حجمًا، فقد أُجبرت على التقنين الشديد لاستهلاك الكهرباء في هذه الفترة. لم نتمكن من تشغيل غرفة العمليات إلا لعلاج الأشخاص ذوي الحالات الأشد خطورة، وعجزت فرق التمريض عن تعقيم المعدات الأساسية، وتوقفت خدمات الأشعة، وعانى المصابون بحروق مؤلمة وسط الحرّ القائظ وبغياب التكييف.

ما نشهده في غزة ليس مجرد سلسلة من الحوادث الفردية لنفاد الإمدادات، بل هي سياسة استنزاف متعمدة. نشهد منذ أكثر من عامين كيف تعرقل سياسات إسرائيل دخول الإمدادات، وهذه السياسات لا تؤخر وصول المساعدات فقط، بل تفكك أنظمة بحد ذاتها تعتمد نجاة السكان عليها.
منسق برامج أطباء بلا حدود في فلسطين، فيليبيه ريبيرو

ويضيف ريبيرو، “يطال النقص اليوم زيت المحركات وقطع الغيار، وسيطال في الغد شيئًا آخر. تتغير السلع، لكن المنطق يبقى هو ذاته: أن يخضع الناس لظروف تجعل الحياة لا تطاق، حيث تُسلب كرامتهم بشكل ممنهج عبر حرمانهم من أبسط السلع وأهمها. هذا ليس إجراءً بيروقراطيًا، بل جهد متعمد لجعل الوجود بحد ذاته مستحيلًا”.

في غزة، قطعت السلطات الإسرائيلية معظم التيار الكهربائي ودُمّر جزء كبير من البنية التحتية الكهربائية. تعتمد المستشفيات والخدمات الأساسية الأخرى في الوقت الحالي على المولدات الكهربائية بشكل شبه كلي. وفي ظل انقطاع زيت المحركات وقطع الغيار، تكثر أعطال هذه المولدات.

في حال توقفت المولدات عن العمل، فما من مصادر طاقة بديلة مثل أنظمة الطاقة الشمسية أو المعدات الاحتياطية. كذلك منعت السلطات الإسرائيلية دخول المولدات أو المركبات الجديدة.

عندما تتعطل المولدات الكهربائية، تتعرض المستشفيات للخطر. وسيتأثر بذلك الأطفال حديثو الولادة الموجودون في الحاضنات، والأشخاص الذين يعتمدون على أجهزة توليد الأكسجين، أو الذين يحتاجون لجراحة منقذة للحياة.
نائب منسق المشروع، علا بردويل

لا يمثل حظر زيت المحركات وقطع الغيار حادثًا منفردًا، بل يندرج ضمن سلسلة أوسع من القيود المفروضة في إطار الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل، مستخدمةً العنف البنيوي للحد المتعمّد من الوصول إلى الخدمات والإمدادات الحيوية. لن يكفي دخول زيت المحركات وقطع الغيار وحده لتحسين حياة سكان غزة. يجب على إسرائيل أن ترفع حصارها فورًا، وأن تسمح بدخول مستمر ومن دون عوائق لجميع الإمدادات الطبية والإنسانية والتجارية اللازمة لتلبية احتياجات السكان الهائلة.

لا تقتصر العواقب على المستشفيات، ففي الوقت الحالي، يعتمد حصول السكان على مياه الشرب على الشاحنات التي تنقل المياه إلى المناطق التي يلتجئون إليها. كشف مسح أجرته منظمات معنية برصد شؤون المياه والصرف الصحي في يوليو/تموز أن 90 في المئة من العائلات تعاني من انعدام الأمن المائي الذي يتراوح بين المتوسط والعالي.

في ظل انقطاع زيت المحركات، تعاني جميع وسائل النقل من خطر التوقف، بما في ذلك شاحنات المياه التي تشتد الحاجة إليها في ذروة حر الصيف، إلى جانب سيارات الإسعاف، والحافلات التي تنقل الطواقم الطبية إلى أماكن عملهم، والشاحنات التي تنقل الإمدادات الإنسانية. كذلك تعتمد المخابز ومطاحن الدقيق على المولدات الكهربائية، ما يعني أن إنتاج الغذاء قد يتأثر.

تضررت إحدى المولدات الكهربائية في مركز تحلية المياه التابع لأطباء بلا حدود بسبب نقص زيت المحركات وقطع الغيار اللازمة لاستبدال الأجزاء المعطوبة. في يونيو/حزيران، اضطررنا إلى خفض مدة تشغيله من 12 ساعة إلى سبع ساعات يوميًا، ما أدى إلى انخفاض إنتاج مياه الشرب من 600,000 لتر إلى 350,000 لتر يوميًا. وهذا يعني حرمان أكثر من 40,000 شخص من الحصول على المياه بشكل يومي.

يزداد اتساع رقعة القيود الإسرائيلية، فالمولدات الكهربائية والمركبات ليست وحدها ممنوعة من الدخول، إذ تضم المحظورات المواد اليومية، بدءًا من مراهم علاج الأمراض الجلدية، وصولًا إلى الأختام المطاطية اللازمة لآلات تنظيف المعدات الطبية. في الوقت الحالي، يطال الشح تقريبًا كافة جوانب الحياة في غزة، ما يحرم المستشفيات والمنظمات الإنسانية من الإمدادات الأساسية.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

أطباء بلا حدود تطالب بالإفراج الفوري عن جميع العاملين الفلسطينيين في القطاع الصحي ممن تعتقلهم إسرائيل بشكل تعسفي

أطباء بلا حدود تطالب بالإفراج الفوري عن جميع العاملين الفلسطينيين في القطاع الصحي ممن تعتقلهم إسرائيل بشكل تعسفي

لا يزال د. حسام أبو صفية، مدير مستشفى كمال عدوان في غزة، قيد الحبس الانفرادي، بعد اعتقال دام سنة ونصف السنة. تعرب منظمة أطباء بلا حدود عن بالغ غضبها إزاء المعاملة التي يتلقاها العاملون في القطاع الصحي، والذين يُعتقل معظمهم في ظروف مزرية، من دون مبرر أو سبب. نضم صوتنا إلى الأصوات العالمية المطالبة بالإفراج الفوري عنهم. يأتي وضع د. أبو صفية في الحبس الانفرادي والتعذيب الذي تعرض له بحسب تقارير في إطار السلوك المشين الذي تتبعه السلطات الإسرائيلية في اعتقال العاملين في المجال الطبي واستهدافهم في جميع أنحاء فلسطين. 

ليست قضية د. أبو صفية قضية معزولة، فوفقًا لمرصد العاملين في الرعاية الصحية، لا يزال هنالك 95 عاملًا فلسطينيًا في الرعاية الصحية محتجزين لدى السلطات الإسرائيلية منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023. وفي الوقت ذاته، قُتل 1,700 من العاملين في المجال الصحي، بالإضافة إلى 15 من زملائنا في أطباء بلا حدود. 

تحتجز إسرائيل منذ أكثر من 600 يوم جراح العظام في أطباء بلا حدود، د. محمد عبيد، في ظروف صعبة، ومن دون أي تواصل مع عائلته. اعتقلت القوات الإسرائيلية د. عبيد في 26 أكتوبر/تشرين الأول 2024 أثناء تأديته لواجبه في مستشفى كمال عدوان في شمال غزة بفلسطين. نواصل المطالبة بالإفراج عنه فورًا ومن دون شروط. 
 
نرفض ما تمارسه إسرائيل من اعتقال تعسفي وتعذيب واعتداء بحق العاملين الفلسطينيين في المجال الطبي. تقاعس كثير من قادة العالم لفترة طويلة جدًا وفشلوا في إدانة ممارسات إسرائيل في فلسطين، والصمت قد أصبح تواطؤًا. 

 
نطالب بالإفراج الفوري عن جميع أفراد الطاقم الطبي المعتقلين بشكل تعسفي، والذين يجب أن يُمنحوا الرعاية الطبية الملائمة وظروف الاحتجاز التي تكفل كرامتهم إلى حين الإفراج عنهم. 

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

ما الذي سيجلبه الغد في الضفة الغربية، تُرك الفلسطينيون يعانون من عنف الاحتلال الإسرائيلي

ما الذي سيجلبه الغد في الضفة الغربية، تُرك الفلسطينيون يعانون من عنف الاحتلال الإسرائيلي

ووصولهم إلى الخدمات الأساسية. وقد تفاقم الوضع منذ بدء الحرب الشاملة في غزة في عام 2023، فقد قُتل ما مجموعه 1109 فلسطينيين – 243 منهم على الأقل من الأطفال – على أيدي القوات الإسرائيلية والمستوطنين في الضفة الغربية المحتلة والقدس الشرقية، حتى الآن. وقد قتل أربعة وسبعون شخصاً هذا العام وحده.   

في نابلس، حيث تقدم أطباء بلا حدود رعاية الصحة النفسية، تصف النساء اللواتي تدعمهن المنظمة صعوبات حياتهن اليومية، وخاصة العقبات التي تحول دون الحصول على الرعاية. وهو وضع تفاقم منذ أن قررت السلطات الإسرائيلية رفض تسجيل العديد من المنظمات الإنسانية الدولية، بما في ذلك أطباء بلا حدود. 

في عام 2011، مرضت ابنة رنا البالغة من العمر عامين، والتي كانت تعاني من إعاقات. كانت العائلة تعيش في عزون عتمة ولم يكن لديهم سيارة. لم تكن هناك سيارات أجرة تعمل. وللقرية، وهي جيب في محافظة قلقيلية تحيط بها المستوطنات والجدران العازلة، مدخل واحد فقط: بوابة يفتحها الجيش الإسرائيلي لبضع ساعات فقط في اليوم. في تلك الليلة، كانت البوابة مغلقة. 

 تقول الأم البالغة من العمر 39 عاماً: ” توفيت ابنتي لأننا لم نتمكن من المغادرة. اضطررنا إلى الانتظار حتى الصباح، حتى تفتح البوابة وتُقِلُّها سيارة أجرة إلى المستشفى. ما مررت به، عانت منه الكثير من الأمهات الفلسطينيات. لا أريد أن أصدّق أن هناك مكان في أي بقعة في العالم يعاني فيه الناس أكثر من هنا”.   

لدى رنا خمسة أطفال أحياء، بينهم طفل رضيع يبلغ من العمر بضعة أشهر. تعاني اثنتان من بناتها، وهما توأمتان، من إعاقات شديدة. في يوم زفافها، في عام 2004، هدم الجيش الإسرائيلي منزل العائلة جزئياً. بعد أكثر من 20 عاماً، لا تزال هي وعائلتها يعيدون بنائه، غرفة تلو الأخرى، حسب ما تسمح به إمكانياتهم. 

من نافذة بيتها، تقول: “أول شيء تراه هو الجدار. ثم المستوطنات”. هناك مستوطنتان إسرائيليتان على حدود عزون عتمة: شعاري تكفاه وأورانيت. كلتاهما غير قانوني بموجب القانون الدولي. وقد أدى مسار الجدار العازل بين هذه المستوطنات وعزون عتمة إلى تحويل القرية إلى طريق مسدود. 

قبل بضعة أشهر، كان على رنا وهي على وشك الولادة، أن تتحمل عناء التوجه إلى الطريق ليلاً. وتقول: “ذهبت أولاً إلى قلقيلية. كتبوا لي رسالة إحالة يقولون فيها إنه علي الذهاب إلى نابلس. لكن كان الوقت ليلاً. فكرت أنا وزوجي في الأمر لفترة طويلة، وفي النهاية، جازفنا”. كانت خائفة على نفسها وعلى طفلها الذي لم يولد بعد. هذه المرة، سارت الأمور على ما يرام. وتقول: “إن أعظم إنجاز، في هذه الأيام، هو الوصول إلى المنزل بأمان وسلامة”. 

تشارك فرق أطباء بلا حدود، التي عملت في الضفة الغربية لعقود، هذا التقييم، كما يشير فيليبي ريبيرو، رئيس بعثة أطباء بلا حدود: “عندما يغادر الفلسطينيون في الضفة الغربية منازلهم في الصباح، فإنهم لا يعرفون ما إذا كانوا سيتمكنون من العودة في ذلك المساء، بسبب نقاط التفتيش. يمكن اعتقال أي شخص واحتجازه إدارياً من قبل الجيش الإسرائيلي لشهور أو سنوات. أضف إلى ذلك الخوف من هجوم من قبل المستوطنين أو من عملية عسكرية من قبل الجيش الإسرائيلي”. 

اعتباراً من ديسمبر 2025، وثق مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة 925 عقبة أمام الحركة تقيد بشكل دائم أو متقطع حركة 3.4 مليون فلسطيني في جميع أنحاء الضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية. وقد تغير نطاق عنف المستوطنين على وجه الخصوص: فقد تم تسجيل ما لا يقل عن 3088 هجوماً خلال الفترة من 2023 إلى 2025، مقارنة بحوالي 1860 هجوماً خلال الفترة من 2021 إلى 2023، وفقاً لمفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان. 

حالة رنا، بعد أن فقدت ابنتها، أبعد ما تكون عن حالة معزولة. يقول ريبيرو: “نحن نواجه منظومة إعاقة للرعاية: تكاثر نقاط التفتيش، وتأخير سيارات الإسعاف أو منعها، واستهداف النقل الطبي، وتطويق المستشفيات، وانقطاع العلاجات. إن الحرمان من الرعاية ليس ضرراً جانبياً، بل هو أسلوب عمل“. 

مع رفض السلطات الإسرائيلية تسجيل 37 منظمة إنسانية دولية، بما في ذلك منظمة أطباء بلا حدود، في أوائل عام 2026، أصبحت الأمور أكثر صعوبة بالنسبة للمنظمة. 

يقول ريبيرو: “فعلياً، هذا يعني أنه لم يعد مسموحاً لنا الاتصال بالسلطات العسكرية الإسرائيلية التي تسيطر على الضفة الغربية لتنسيق تحركات فرقنا. وهذا يخلق مشاكل أمنية حقيقية. لا يمكننا أبداً أن نضمن أن الحماية التي يحق لفرقنا الحصول عليها، كعاملين في المجال الإنساني يتم احترامها عند مغادرتهم نابلس”. 

أصبح نشر الموظفين الدوليين الآن مستحيلاً بالنسبة لمنظمة أطباء بلا حدود. ومع ذلك، يتم دعم الفرق الفلسطينية في الضفة الغربية عن بعد من عمَّان في الأردن. 

وقد ركزت أطباء بلا حدود جميع أنشطتها في العيادة الوحيدة في نابلس، حيث يتم رؤية المرضى شخصياً، وعلقت جميع أنشطتها المتنقلة، لا سيما في قلقيلية وطوباس، نظراً لعدم قدرتها على ضمان سلامة فرقها خارج المدينة. إذا أرادت رنا الحصول على استشارة في الصحة النفسية، فعليها القيام بالرحلة من عزون عتمة إلى نابلس، وهو أمر صعب بشكل خاص.  

وتقول شروق المدموج، الأخصائية الاجتماعية التي تعمل مع أطباء بلا حدود منذ 22 عاماً: “العمل المتعلق بالصحة النفسية يتم وجهاً لوجه. وليس عبر الهاتف. نريد أن يأتي مرضانا إلى نابلس لتلقي الرعاية، لأنهم بحاجة إليها. ولكن في الوقت نفسه، لا نريد تعريضهم للخطر”. 

ما لاحظته شروق بين مرضى أطباء بلا حدود، على مر السنين، هو الاضمحلال. وتوضح: “كانت المشاكل التي اعتاد الناس على مواجهتها أبسط بكثير. اليوم، الصعوبات أكثر تعقيداً، على الأطفال كما على البالغين”.  

تظهر الاضطرابات النفسية في سن مبكرة أكثر. في الأصغر سناً، تأخذ شكل التبول في الفراش أو فرط النشاط، مدفوعة بـ “القلق من التوغلات العسكرية”.  

للأسف، أصبح الموت شيئاً عادياً في منطقتنا. تقول المدموج: “لا نعرف ما الذي سيجلبه الغد”. 

مريم عمرها 25 عاماً. وهي من مخيم نور شمس، في طولكرم، في شمال الضفة الغربية، والطريق من هناك إلى نابلس، كما تقول، “صعب، مليء بالتحويلات، طويل جداً ومرهق”. لقد خرجت مؤخراً من فترة طويلة من الاكتئاب. “بعد بدء الحرب [الهجوم الإسرائيلي على غزة في عام 2023]، شعرتُ بالحاجة إلى تغيير شيء ما، والقيام بشيء كنت قادرة على القيام به”. 

أخذت مريم دورة تدريبية تلو الأخرى: الإسعافات الأولية، المستجيب الأول، الإسعافات الأولية المتقدمة، ثم امتحان الخدمات الطبية الطارئة إلى جانب طلاب التمريض، وحصلت على درجة عالية. وانتهى بها الأمر بمرافقة سيارات الإسعاف أثناء عمليات التوغل في المخيم، لمساعدة الجرحى. وتقول: “حتى مع ارتدائنا لستراتنا، لم تكن هناك حماية للمسعفين أو الصحفيين أو أي شخص آخر. كان الناس يُقتلون في منازلهم، لمجرد النظر من النافذة”. 

في 21 يناير 2025، بعد يومين من سريان وقف إطلاق النار في غزة، أطلق الجيش الإسرائيلي العملية العسكرية “الجدار الحديدي” في الضفة الغربية. كان التوغل الأول في مخيم جنين، ثم طولكرم، وأخيراً نور شمس، في 9 فبراير. في غضون أسابيع، نزح جميع سكان المخيمات تقريباً. كانت مريم واحدة منهم. بعد إيوائها لبعض الوقت في بلعا، وهي قرية مجاورة، عَلِمَت في أحد الأيام أن الجنود استولوا على منزل العائلة وأعلنوه منطقة عسكرية.  

تقول مريم: “في الحال، أدركت أنه لم يعد لدي مكان أذهب إليه”.  

بعد عام من بدء العملية، كانت المخيمات لا تزال محتلة، والقوات الإسرائيلية متمركزة داخلها واستمرت أوامر الهدم. وفقاً لصور الأقمار الصناعية التي حللتها الأمم المتحدة، تم تدمير حوالي 35 في المئة من نور شمس في وقت مبكر من مايو 2025. عندما تمكنت مريم من العودة، وجدت منزلها متضرراً بشدة ولكنه لا يزال قائماً، على عكس بيت أختها التي تعيش معها الآن. 

تقول: “لم يعد هناك مخيم. لقد أصبح مقبرة، لأن الكثير من الناس فقدوا أحباءهم هناك. أشعر كما لو أن رائحة الدم لا تزال موجودة”. 

قصة مريم ليست مجرد قصة نزوح وعنف. إنها جزء من سياسة يمكن قراءتها على نطاق المكان بأكمله. منذ يناير 2025، نزح أكثر من 33000 شخص من مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس والمناطق المحيطة بها، وفقاً للأونروا. وكان عام 2025 عاماً قياسياً لبناء المستوطنات: 86 بؤرة استيطانية جديدة، و54 مستوطنة معتمدة رسمياً، وحوالي 28000 وحدة سكنية مصرح بها، وفقاً لمنظمة السلام الآن غير الحكومية الإسرائيلية. 

يقول ريبيرو، رئيس بعثة أطباء بلا حدود: “إنها سياسة متعمدة لحصر السكان وتجزئة الأراضي. الهدف هو جعل حل الدولتين مستحيلاً، أي منع أي استمرارية إقليمية أو اجتماعية أو اقتصادية أو ثقافية للضفة الغربية وفلسطين بشكل عام”. 

هذه السياسة لها عواقب يومية على رنا، التي تضطر إلى التخلي عن العديد من المواعيد الطبية، ولكن أيضاً المزيد من الخروجات العادية: “في السابق، كنا نأتي إلى نابلس كل أسبوع. الآن، ربما مرة واحدة في السنة. وقد نصادف مستوطنين، وقد يرشقوننا بالحجارة”. 

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

تدمير الرعاية الصحية في أوكرانيا ليس نتيجة عشوائية للحرب، بل أمر متعمد ومحسوب

تدمير الرعاية الصحية في أوكرانيا ليس نتيجة عشوائية للحرب، بل أمر متعمد ومحسوب

أصدرت منظمة أطباء بلا حدود اليوم تقريراً بعنوان “لا مكان آمن للشفاء”، يوثّق الهجمات المستمرة على العاملين في مجال الرعاية الصحية والطبية في أوكرانيا، والتي يبدو أنها تشكل استراتيجية متعمدة لتدمير النظام الطبي ومعاقبة السكان بشكل جماعي – وليست نتيجة عَرَضية للغزو الروسي. 

بين أبريل 2022 وديسمبر 2025، وثقت منظمة أطباء بلا حدود أكثر من 20 هجوماً على مرافق طبية مرتبطة بأنشطتها. أربعة مستشفيات تعمل فيها أطباء بلا حدود دُمرت بالكامل. وكان لا بد من التخلي عن سبع قواعد لسيارات الإسعاف. فقدت أطباء بلا حدود الوصول إلى أكثر من 80 قرية في ستة أقاليم كانت تدعمها بعيادات متنقلة للرعاية الصحية الأولية. وثقت منظمة الصحة العالمية 2811 هجوماً على الرعاية الصحية من فبراير 2022 إلى نهاية عام 2025، وأفادت وزارة الصحة الأوكرانية أن القوات الروسية ألحقت أضراراً أو دمرت أكثر من 2500 مرفق طبي في نفس الفترة، بما في ذلك 327 مرفقاً دمرت بالكامل. 

“هذه الهجمات متسقة تماماً ومتكررة تماماً ودقيقة للغاية بحيث لا يمكن أن تكون عرَضية؛ عندما تتعرض المستشفيات للقصف بشكل متكرر، وعندما يتم استهداف سيارات الإسعاف بطائرات مسيرة دقيقة، وعندما يُقتل العاملون الطبيون وهم في طريقهم إلى توصيل الأدوية في مركبات مُعرَّفة بشكل واضح – فهذا ليس من قبيل المصادفة. هذا نمط متكرر؛ الأنماط المتكررة يوجد قصد وراءها”. 

  • روبن ميلدروم، المنسق القُطري لمنظمة أطباء بلا حدود في أوكرانيا 

خلقت الضربات على البنية التحتية الطبية والخوف الشديد من الهجمات على المدنيين أزمة في الوصول إلى الرعاية الصحية للأشخاص الذين يحتاجون إلى علاج طبي غير طارئ أو علاج لأمراض مزمنة. ووجدت دراسة استقصائية أجرتها أطباء بلا حدود على 187 مدنياً في المناطق القريبة من الخطوط الأمامية أن أولئك الذين كانوا يحصلون “دائماً” أو “معظم الوقت” على الرعاية الصحية تقلصوا من 72 في المئة قبل تصعيد الحرب إلى 35 في المئة منذ ذلك الحين. وارتفعت نسبة أولئك الذين كانوا يحصلون على الرعاية “نادراً” أو “لا يحصلون عليها البتة” من 7 في المئة إلى 35 في المئة. وهذا يُترجَم مباشرة إلى المعاناة وحتى الوفاة من حالات يمكن تدبيرها – مثل أمراض القلب والأوعية الدموية والسكري والصرع – وهي حالات أصبحت مهددة للحياة بسبب توقف العلاج وتأخر الوصول. تعاني مرافق الرعاية الصحية التي لا تزال تعمل من نقص شديد في الموظفين: في أحد المستشفيات التي تدعمها أطباء بلا حدود في خيرسون، انخفض عدد الأطباء بنسبة 66 في المئة منذ عام 2022. 

تعمل فرق أطباء بلا حدود في شرق وجنوب أوكرانيا تحت التهديد المستمر لهجمات الطائرات المسيرة التي تعمل بنظام (منظور الشخص الأول) — وهي أسلحة تسمح للجنود بتحديد الأهداف وضربها بدقة في الوقت الفعلي. في 29 سبتمبر 2025، أصيب ممرض ومدير من مركز صحي تدعمه أطباء بلا حدود كانا يوصلان الأدوية في مركبة مُعرَّفة بشكل واضح في ليمان، دونيتسك، بطائرة مسيرة روسية بنظام منظور الشخص الأول. فقد المدير ساقه في الهجوم. وبموجب القانون الإنساني الدولي، قد يرقى الهجوم المتعمد على الموظفين الطبيين أو المركبات الطبية المعرَّفة بشكل واضح إلى جريمة حرب. 

يشهد العاملون الطبيون في أطباء بلا حدود بالقرب من خط المواجهة، وفي مركز علاجي لإعادة التأهيل المبكر في تشيركاسي، كيف أن حرب الطائرات المسيرة تتفوق بسرعة على الاستجابة الطبية. حيث كانت الإصابات في السابق تنتج في الغالب عن قصف المدفعية، فإن ضربات الطائرات المسيرة مسؤولة الآن عن حصة متزايدة من حالات الإصابات – وتؤدي إلى إصابة العديد من الضحايا بجروح متعددة في وقت واحد، وارتفاع معدلات العدوى، وارتفاع معدلات الإنتان.  ويصف جراح في أطباء بلا حدود جريحاً وصل مصاباً ببتر في الساق اليمنى وكسر مفتوح في الساق اليسرى وكسر مفتوح في الذراع اليمنى وشظايا في الذراع اليسرى وجروح متعددة في الصدر والبطن والرأس. عَمِل خمسة جراحين في وقت واحد لمدة ست ساعات تقريباً. وأفاد الجراح: “المعركة الأولى ضد النزيف. إذا نجا المريض من ذلك، فإن المعركة الثانية هي ضد العدوى. ويخسر الكثيرون تلك المعركة الثانية”. 

يصادف هذا العام مرور عشر سنوات على اعتماد قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2286، الذي يؤكد بشكل لا لبس فيه حماية العاملين في المجال الإنساني والطبي والمرضى والبنية التحتية للرعاية الصحية في النزاعات المسلحة. تدعو منظمة أطباء بلا حدود جميع الأطراف إلى الوفاء بالتزاماتها بموجب القانون الإنساني الدولي؛ وتدعو الدول التي لها نفوذ على روسيا إلى استخدامه للمطالبة بوضع حد للهجمات على الرعاية الصحية؛ وتدعو مجلس الأمن إلى التحقيق بشكل كافٍ في الهجمات على الرعاية الصحية وإدانتها علناً كوسيلة لإظهار الالتزام بقرار مجلس الأمن رقم 2286. 

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print