جنوب لبنان: 46 يوماً تحت الهجمات الإسرائيلية

view showing Sour beach and the seaside of Sour, southern Lebanon, and the destruction caused by the mass bombing

تتقدّم السيارات ببطء نحو جنوب لبنان، عابرةً جسر القاسمية الذي طالته الغارات الإسرائيلية، فيما تعود العائلات النازحة إلى مناطقها. وعلى جانبي الطريق، تمتد بساتين الحمضيات والموز على طول المدى. يتجه بعض العائدين إلى صور، المدينة الساحلية المدرجة على قائمة التراث العالمي لليونسكو، بعد 46 يومًا من القصف الإسرائيلي والتي لا تزال موئل الذين لم يهجروها.

غيّر حجم الدمار الذي خلّفته الغارات ملامح المدينة وأثّر في حياة سكانها. فبينما تصطف أشجار النخيل على طول الواجهة البحرية للمتوسّط، وتنتشر قوارب الصيد على مقربة منها، نجد في المنطقة نفسها مبانٍ من عشرة طوابق انشطرت إلى نصفين بفعل القصف. وعوضًا عن المنازل والشوارع، حلّت حُفر يبلغ عمقها عدة أمتار، فيما تُركت سيارات مهجورة على قارعة الطريق، وقد مزّقتها الشظايا.

View of the seaside of Sour, southern Lebanon, and the destruction caused by the mass bombings during the 46-day period o

أُجبر معظم السكان على النزوح خلال فترة التصعيد، أما من قرروا البقاء، فقد عُزلوا بشدّة بعدما دمّرت الغارات الجسور الرئيسية التي تربط الجنوب ببقية البلاد، هذا واضطرّ العاملون في المجال الإنساني إلى الإخلاء، وواجهت الكوادر الصحية هجمات شبه يومية، فيما أجبر القصف المتواصل السكان على ملازمة منازلهم.

وعلى الرغم من الحس بالارتياح الذي جلبه وقف إطلاق النار لعشرة أيام، إلا أنّ هشاشته لم تبدّد حالة عدم اليقين، بما في ذلك صوت المسيّرة الإسرائيلية في الأجواء وأصداء الانفجارات قرب الحدود. لا يزال السكان يتساءلون عمّا إذا كانت الهجمات ستتجدد، وما إذا كانوا سيتمكّنون من الحصول على الغذاء والوقود والأدوية، وما إذا كانوا سيستطيعون العودة مجددًا إذا اضطروا إلى المغادرة.

معزولون، تحت القصف، ومحرومون من الرعاية الصحية

خلال 46 يومًا من الغارات الإسرائيلية، لم يبقَ السكان في الجنوب من باب الأمان، بل بقوا لأن المغادرة لم تكن ممكنة بفعل الكلفة وغياب المأوى والخشية من فقدان المنازل، والشعور بالمهانة المرتبط بالتهجير القسري. خلال التصعيد الأخير، كان كثيرون في صور ومحيطها قد نزحوا أصلًا من بلدات قريبة من الحدود الجنوبية نتيجة اقتحام القوات الإسرائيلية لمنازلهم، ولم يكونوا راغبين، أو قادرين، على خوض هذه التجربة من جديد.

وفي هذا الصدد، يقول حمد الدرويش، أمين سر اللجنة الشعبية لتجمع جل البحر الفلسطيني في صور، حيث نزحت عائلته عام 1948 إبان النكبة، “كنا هنا ولم نتحرك من هنا، الحمد لله رب العالمين. وعلى مدى 46 يومًا، كنّا محاصرين من دون أي من مقومات الصمود، ما من تموين ولا أي شيء، وعاش السكان بصعوبة شديدة”.

From a window View of the seaside of Sour, southern Lebanon, and the destruction caused by the mass bombings

أدّت الهجمات على القطاع الصحي والقصف المتواصل من قِبل القوات الإسرائيلية إلى قطع الرعاية الصحية عن الناس، فقد شُنَّت غارات إسرائيلية على المنطقة، بعضها مع سابق إنذار وبعضها من دونه، وطالت مرافق صحية وسيارات الإسعاف أو وقعت في محيطها، وفيما غادرت معظم الجهات الدولية الجنوب بسبب تدهور الوضع الأمني، اضطرت مرافق صحية محلية بدورها إلى الإغلاق نتيجة القصف القريب. وبات السكان حبيسي منازلهم، فصاروا يتجنبون التجمّعات، بل ويُفرّقون بين أفراد الأسرة للحد من خطر القتل جرّاء القصف.

توقّف بعض المرضى عن تناول أدويتهم بسبب عدم توفّرها، كما آثروا صرف ما لديهم من موارد لتأمين الغذاء والمياه، وفي الوقت نفسه، يفتقر الناس إلى أيّ شعور بالأمان تجاه ما ينتظرهم في الأيام المقبلة.
د. عايدة حسّونة، طبيبة مع أطباء بلا حدود
MSF medical team working with Ministry of Public Health staff in Jabal Amel hospital, Sour, southern Lebanon.

الاجتياح البري للقوات الإسرائيلية يهجّر الناس قسرًا

شنت القوات الإسرائيلية اجتياحًا بريًا في جنوب لبنان، نتج عنه ما يُعرف بـ”الخط الأصفر”، وهي منطقة محظورة تحتل فيها القوات الإسرائيلية أجزاء من الأراضي اللبنانية، مما حال دون عودة سكان نحو 55 قرية إلى منازلهم. وفي ظل التدمير والهدم الذي طال قرى ومجتمعات بأكملها، بات الآلاف يرزحون تحت وطأة التهجير القسري.

الكل مقهور وزعلان لحال بلده، ونحن كذلك. هنا نسمع أصوات التفجيرات. فلمَ تُفجّر ضيعنا وبيوتنا؟ ولمَ الخط الأصفر والخط الأحمر والخط الأزرق؟ كنا نأكل من حول بيوتنا، الخس والنعنع والبقدونس، وكل شيء كنا نزرعه بالقرب من البيت. لا يصح أن يظل المرء كل الحياة هكذا.
صالحة سرور، مريضة تتلقى الرعاية في عيادات أطباء بلا حدود، وهي قد نزحت مرات عدّة أولها من بلدتها الحدودية عيتا الشعب

وفيما واصل عاملو المجال الصحي في المنطقة عملهم طوال أشهر الحرب تحت وطأة ضغط هائل، ففرق أطباء بلا حدود في جنوب لبنان، بما في ذلك صور والنبطية، تواصل تقديم الرعاية الصحية الأولية والدعم النفسي ورعاية الصحة الجنسية والإنجابية، وتيسير الإحالات إلى الرعاية الصحية المتخصصة، فضلًا عن دعم المستشفيات في التعامل مع حالات الإصابات البليغة والطوارئ. هذا وتواصل أطباء بلا حدود دعوتها إلى توسيع عاجل لنطاق المساعدات الإنسانية وضمان وصولها من دون عوائق حيثما دعت الحاجة في مختلف أنحاء لبنان.

As people begin returning during the fragile and temporary ceasefire, MSF mobile clinic teams in Sour and surroundings
Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

جنوب لبنان: “اختاروا البقاء” – النظام الصحي منهَك بعد 46 يومًا من القصف

جنوب لبنان: “اختاروا البقاء” – النظام الصحي منهَك بعد 46 يومًا من القصف

تشهد الحرب في لبنان وقفًا هشًّا لإطلاق النار لمدة عشرة أيام، وقد أوقعت آثارًا مدمّرة على النظام الصحي وكوادره. وبينما أوقع القصف الإسرائيلي قتلى وجرحى، وجد العاملون في المجال الصحي أنفسهم في دائرة الخطر في ظل الهجمات التي طالت المستجيبين الأوائل ومحيط المستشفيات وأوقعت خسائر في الأرواح وجرحى في صفوفهم. ومع ذلك، واصل العاملون في المجال الصحي في لبنان تقديم الرعاية المنقذة للحياة وسط ضغوط هائلة.

في جنوب لبنان، عملت الكوادر الصحية على مدار الساعة للاستجابة شبه اليومية للأعداد الهائلة من المصابين والقتلى الذين يُنقلون إلى المستشفيات. كان المرضى، بمن فيهم أطفال، يصلون وهم يعانون من إصابات بالغة، شملت نزيفًا حادًا وبترًا رضحيًا وجروحًا معقّدة. وكثيرًا ما خشي العاملون في المجال الصحي من أن يكون بين المصابين أفرادٌ من عائلاتهم أو أشخاص يعرفونهم.

وفي هذا الصدد، تقول تانيا هاشم، مديرة البرنامج الطبي في أطباء بلا حدود، “أمضت الكوادر الصحية في مستشفيات النبطية 46 يومًا وهي تنام داخل المستشفيات. ولم يتمكّن بعضهم من رؤية عائلاتهم، فيما أقام آخرون مع أفراد من أسرهم داخل المستشفى”.

في النبطية جنوبي لبنان، هُجّر آلاف الأشخاص قسرًا عقب القصف المكثّف الذي شنّته القوات الإسرائيلية، متبوعًا بأوامر إخلاء كلّي. ومع ذلك، اختارت عائلات كثيرة البقاء، وبقي العاملون في المجال الصحي في مواقعهم، يعملون على مدار الساعة لضمان استمرار الخدمات المنقذة للحياة. وفي مستشفى النبطية الحكومي، احتمت نحو 42 عائلة من العاملين في المجال الطبي مع أطفالهم داخل المستشفى. وعلى بُعد كيلومترات قليلة، كانت الفرق في مستشفى النجدة الشعبية تستجيب أيضًا لحالات إصابات جماعية خلال احتمائها داخل المرفق، إذ كان التنقّل داخل المدينة شديد الخطورة بسبب الغارات المتواصلة من القوات الإسرائيلية، حتى إن تأمين الإمدادات الأساسية كان يتطلّب توجّه سيارات الإسعاف إلى مدن أخرى.

تشرح د. منى أبو زيد، مديرة مستشفى النجدة الشعبية في النبطية التي بقيت في المستشفى طوال فترة التصعيد، “كان بقاء الجميع داخل المستشفى جزءًا من خطة الاستعداد للطوارئ، حتى لا يضطر أحد إلى المغادرة والرجوع. كان الأطباء يبيتون هنا، وبقي أطفالهم معهم”. وكان المصابون جراء الغارات الإسرائيلية يُنقلون إلى المستشفى وهم يعانون من إصابات مروّعة ونزيف حاد وجروح تهدد حياتهم.

وتضيف، “كان الأطفال يصلون أحيانًا إلى المستشفى وقد فقدوا كلا والديهم”.

تقديم الرعاية تحت القصف

منذ الثاني من مارس/آذار، سجّلت منظمة الصحة العالمية هجمات شبه يومية على الرعاية الصحية، بلغ مجموعها 147 هجومًا حتى وقف إطلاق النار الأخير لمدة عشرة أيام. وقد تسببت هذه الهجمات في إلحاق أضرار بالمستشفيات ومقتل أكثر من 100 من العاملين في المجال الصحي وإصابة 233 آخرين، بما في ذلك حالات استُهدفت فيها الفرق الطبية خلال هجمات متكررة على المواقع نفسها أثناء استجابتها للمصابين. كما أُجبرت ستة مستشفيات على الأقل على الإغلاق، فيما تعرّضت مستشفيات عديدة أخرى للأضرار.

في مستشفى النبطية الحكومي، استقبل د. أحمد زريق جثمان زميله المسعف بعد ساعات فقط من حديثه معه.

ويقول، “أمضينا الصباح في الخارج، نتحدث معًا. ثم غادر ليستجيب لحالة طارئة. فتعرّض لإصابة بالغة واستُشهد على إثرها. كنا قد رأيناه في صباح ذلك اليوم نفسه، وأمضينا وقتًا معه. تخيّلي أن تلتقي شخصًا وتبدو كل الأمور طبيعية تمامًا، ثم فجأة يتبدّل كل شيء. لقد كان مسعفًا. غادر ولم يعد. رجع بجسده بلا روحه”.

تعرّضت مستشفيات تدعمها أطباء بلا حدود في صور والنبطية لأضرار نتيجة غارات وقعت على مقربة منها. ففي صور، أُصيب عاملون في المجال الطبي في مستشفى حيرام جراء تحطّم الزجاج، فيما تسبّبت الغارات في محيط المستشفى اللبناني الإيطالي بأضرار طالت معدات طبية، من بينها أجهزة غسيل الكلى. أما في مستشفى جبل عامل، فقد اضطر الفريق الطبي إلى إزالة الزجاج المتناثر وتعزيز النوافذ بعد تحطّمها بفعل عصف الانفجارات القريبة.

لا يزال الوقف المؤقت لإطلاق النار هشًّا. وخلال الأيام العشرة هذه، يحاول العاملون في المجال الصحي في المستشفيات أخذ قسطٍ من الراحة، والاستعداد لاحتمال تجدّد الأعمال العدائية. تواصل أطباء بلا حدود دعم عدد من المستشفيات، من بينها مستشفى جبل عامل والمستشفى اللبناني الإيطالي في صور، ومستشفى النبطية الحكومي ومستشفى النجدة الشعبية في النبطية، إلى جانب مستشفى رفيق الحريري ومستشفى بعلبك الحكومي وغيرها، وذلك من خلال تقديم التبرعات ودعم الرعاية الطارئة ورعاية الإصابات البليغة.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

لبنان: الحاجة ماسة لتوسيع نطاق المساعدات الإنسانية بعد قرابة شهرين من التدمير

Lycee Abdel Kader shlter Beirut, Lebanon

لبنان: الحاجة ماسة لتوسيع نطاق المساعدات الإنسانية بعد قرابة شهرين من التدمير

في أعقاب الإعلان عن وقف مؤقت لإطلاق النار، يخيم الغموض والحذر على الحس الضئيل بالارتياح بين السكان في لبنان. لا تزال الاحتياجات الإنسانية والطبية هائلة لمئات آلاف الأشخاص في لبنان. وفي ضاحية بيروت الجنوبية، يتنقل الناس ذهابًا وإيابًا بين مراكز الإيواء وبيوتهم، ويجمعون ما استطاعوا حمله، ويستعدون للعودة إلى أماكن نزوحهم في حال تفاقم الوضع. خسر السكان بيوتهم وسبل عيشهم وأحباءهم، خاصةً في ضاحية بيروت الجنوبية والبقاع وجنوب لبنان، وهُجّر أكثر من مليون شخص قسرًا بسبب الهجمات الإسرائيلية المتتابعة.

Harriri school shleter Beirut, Lebanon

وفي الوقت الذي تعمل فيه فرق أطباء بلا حدود في مختلف أنحاء لبنان على تكييف استجابتها وتقييم الاحتياجات مع استمرار تنقّل السكان حول البلاد، فإننا نواصل المطالبة بزيادة عاجلة في حجم المساعدات الإنسانية وإتاحة وصولها بلا عوائق إلى المحتاجين في جميع أنحاء البلاد.

علق العائدون جنوبًا في طوابير طويلة من السيارات وسط الازدحام المروري. لا يزال انعدم اليقين شديدًا. ولا يعرف كثيرون ما إذا كانوا سيجدون بيوتهم قائمة أم مدمرة. ورغم بعض الراحة التي قد يجلبها وقف الهجمات، فإن الاحتياجات الإنسانية للسكان لا تزال ملحّة وهائلة. ويشمل ذلك الأثر النفسي الناجم عن أشهر من الصدمات التي تسببت بها عمليات القتل والتهجير وانعدام الوصول إلى الضرورات الأساسية.

وحتى قبل التصعيد في أوائل مارس/آذار، كان الوقف المزعوم لإطلاق النار مجرد حبر على ورق، حيث استمرت الهجمات المتتابعة للقوات الإسرائيلية بتدمير حياة السكان. ولا يزال هنالك أكثر من 64 ألف شخص مهجّر بسبب التوغلات الإسرائيلية والاحتلال في جنوب لبنان، في حين استُهدفت الآليات المستخدمة لإعادة الإعمار والمرافق المدنية الأخرى، ما حال دون التعافي في كثير من المناطق.

Azarieh Shleter in Beirut, Lebanon

منذ الثاني من مارس/آذار، قُتل أكثر من ألفي شخص وأصيب أكثر من 7,000 آخرين لغاية 10 أبريل/نيسان، بحسب مسؤولي الصحة المحليين. وفي الثامن من أبريل/نيسان وحده، تسببت حملات القصف واسعة النطاق التي شنتها القوات الإسرائيلية في مختلف أنحاء لبنان بخُمس الإصابات المسجلة منذ أوائل مارس/آذار. تعمل فرق أطباء بلا حدود في مستشفى رفيق الحريري الجامعي في بيروت، ومستشفى جبل عامل في صور، لدعم النظام الصحي المحلي في الاستجابة للاحتياجات العاجلة. وبالتعاون مع طاقم المستشفى والعاملين فيه، عالجت فرقنا مرضى يعانون من إصابات غيّرت مجرى حياتهم، بما في ذلك بتر الأطراف والإصابات البالغة في الأعضاء. ولم يُستثنَ المدنيون من الضربات العشوائية التي شنتها القوات الإسرائيلية على المناطق المكتظة بالسكان، في حين أسفرت الهجمات على المرافق الصحية عن مقتل وإصابة عاملين في المجال الطبي.

وفي الوقت نفسه، هُجّر أكثر من مليون شخص قسرًا. واضطر كثيرون إلى ترك بيوتهم في غمضة عين، ولم يحملوا معهم في أغلب الأحيان سوى الملابس التي كانوا يرتدونها، تاركين وراءهم بيوتهم وممتلكاتهم. وقد تدهورت حالة السكان الصحية بعيد أشهر قضوها في مراكز الإيواء المكتظة أو الخيام المؤقتة في الشوارع، نتيجةً لسوء النظافة، وظروف الإيواء غير الملائمة، والضغط النفسي المطول.

لا تنتهي عواقب التهجير بفعل الحرب بمجرد محاولة الناس العودة إلى ديارهم. فلن يتمكن البعض من العودة لأن بيوتهم قد دمرت، وغيرهم لا يستطيعون حتى الوصول مطلقًا إلى قراهم الواقعة على الحدود الجنوبية المحتلة من القوات الإسرائيلية. تتأثر الصحة النفسية للسكان بشكل كبير نتيجةً للصعوبات الاقتصادية، وفقدان العمل، والصدمة نتيجة ترك البيوت فجأة، وانعدام اليقين حيال المستقبل، وغياب الأمان. ولا يزال كثيرون يعانون من التوتر والقلق والاكتئاب وأعراض الإجهاد الحاد الناجم عن الصدمة.

Women putting her bag in car leaving Lycee Abdel Kader shelter in Beirut, Lebanon
Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

لبنان: بحثت عن النسيان بين هذه الجدران، فوجد الأمل طريقه إليّ

displaced women in Lebanon washing dishes

لبنان: بحثت عن النسيان بين هذه الجدران، فوجد الأمل طريقه إليّ

تدعم منظمة أطباء بلا حدود السكان المهجّرين قسرًا في مختلف أنحاء لبنان من خلال العيادات المتنقلة التي تقدم الرعاية الصحية الأولية، وأدوية الأمراض غير المعدية، وخدمات الصحة الجنسية والإنجابية، ودعم الصحة النفسية.

لا يزال الوصول إلى المياه النظيفة وخدمات الصرف الصحي أحد أهم ركائز الصحة والحماية والكرامة خلال النزوح. وفي مختلف أنحاء لبنان، تعمل أطباء بلا حدود على تعزيز ظروف المياه والصرف الصحي في مراكز الإيواء لضمان استعادة السكان قدرتهم على الوصول إلى الضروريات، بما في ذلك القدرة على الاغتسال، وتنظيف مساحات المعيشة، وإدارة النفايات، وحماية صحتهم وخصوصيتهم وكرامتهم بعد إجبارهم على ترك بيوتهم بشكل مفاجئ تحت وطأة القصف الإسرائيلي وأوامر الإخلاء الكلّي.

MSF is installing toilets, sinks, and showers to improve the water, sanitation, and hygiene conditions in dilapidated buildings and shelters

تشاركنا مريم سرور، مسؤولة التواصل في لبنان، مشاهد من زيارتها لعائلات تعيش في مركز إيواء مؤقت، حيث تُرسم ملامح الحياة اليومية عبر النزوح المطوّل والظروف المعيشة القاسية.

“كنت هنا في أكتوبر/تشرين الأول 2024، خلال التصعيد السابق للحرب في لبنان. كانت فرق أطباء بلا حدود حينها تصلح الأنابيب والمراحيض المتهالكة، لتوفير المياه النظيفة والظروف المعيشية الآمنة للأشخاص المقيمين هناك، والذين يعاني كثر منهم من احتياجات إضافية.

لم أدرك كم حاولت جاهدةً نسيان هذا المكان، إلى أن وطأت قدماي عتباته مجددًا في مارس/آذار.

الجدران رمادية. الأسقف رمادية. الأرضيات رمادية.

المشاهد هي ذاتها، والمعاناة هي ذاتها.

أدخل إلى مكان مجرّد من الدفء واللون، غزت برك المياه الآسنة أرضياته وزواياه. فتحت شبابيك غرفه على مصراعيها، وتكدست بداخلها قطع القماش والورق المقوى، علّها تقي من برد أو من أمطار.

ولا أنسى الأصوات.

أسمع عبر الممرات المتداعية صدى قطرات المياه وسعال قاطني المكان.

كان هذا المبنى في الماضي مقرّ أحد أكثر المستشفيات تطورًا في بيروت. أخبرتني والدتي أنه كان يضم أول جهاز للتصوير بالرنين المغناطيسي في المدينة، حتى أن جدتي قد قصدته مرّة طلبًا للرعاية في عام 1990.

ولكن وبعد سنوات من الاضطرابات المدنية، صار المبنى مهجورًا وتُرك للنسيان.

هذا المبنى الذي كان رمزًا للرعاية الطبية والتعافي، يجسّد اليوم صورة مختلفة تمامًا.

أصبح مركز إيواء مشترك يستقبل نحو أربعمئة شخص نزحوا مجددًا: أمهات ومسنّون ومرضى يغسلون الكلى ويتلقون علاجًا للسرطان.

عائلات أتت من مختلف مناحي الحياة، وجمعهم النزوح.

ما من مراحيض. ما من مياه جارية.

ومعاناة يومية أصبحت أصعب بألف مرة.

أنا هنا مع فريق أطباء بلا حدود. تزور عياداتنا المتنقلة وفرقنا المختلفة مراكز إيواء كهذا، للاستجابة لحجم الاحتياجات الهائلة لدى السكان.

يرافقني زميلي محمد دندش، مدير اللوجستيات في المنظمة، في جولة عبر المبنى المكون من 12 طابقًا. عملت أطباء بلا حدود هنا خلال تصعيد عام 2024، حيث صرّفت المياه الآسنة وأصلحت المراحيض للأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة أو الإضافية. وبعد وقف إطلاق النار، عادت العائلات إلى بيوتها.

والآن، بعد ستة عشر شهرًا، ومع اشتداد القصف الإسرائيلي وأوامر الإخلاء واسعة النطاق، أُجبر أكثر من مليون شخص في لبنان على ترك منازلهم – وبعضهم للمرة الثانية أو الثالثة.

abandoned building turned into displacement center

من طابق إلى طابق: رحلة مثقلة بالهموم

لا يمكن الدخول إلى القبو الرازح تحت عقود من النفايات والمياه الراكدة.

على الدرج، يمر رجل مسن حاملًا قوارير مياه فارغة. يخبرني محمد أن هذه الرحلة اليومية والمتكررة على الدرج ستنتهي في القريب العاجل. فقد ركّبت فرق أطباء بلا حدود خزانات مياه بسعة 15,000 لتر وتعمل على ترميم شبكة الأنابيب لجلب مياه نظيفة وموثوقة إلى المبنى.

نصل إلى الطابق الثالث، حيث الملابس الزاهية على حبال الغسيل تحجب بعضًا من اللون الرمادي من حولي، وباب لونه بنيّ فاتح عند كل بضعة أمتار. الضوء خافت، لكن علامات الحياة ظاهرة هنا. تُرك كرسي متحرك معوج بجانب أحد الأبواب، ولا أثر لصاحبه.

ثم استقبلتني امرأة بابتسامة:

“لدينا مولودة جديدة في هذا الطابق. هل تودين رؤيتها؟”

أبادلها الابتسامة، رغم الغصّة التي شعرتُ بها لوجود مولودة جديدة في مكان يملأه صدى قطرات المياه. تبعتها إلى غرفة تحمل الرقم 302، وانقبض قلبي.

وجدت نور الصغيرة ممددةً يلفها اللون الوردي. ولدت نور في 16 مارس/آذار، في ليلة دكت فيها الغارات الجوية الإسرائيلية حيّ ذويها. تتذكر والدتها صوت القصف المتواصل عندما جاءها المخاض. قبل ذلك بأسبوع، كانت العائلة قد تركت منزلها في ضاحية بيروت الجنوبية والتجأت إلى هذه الغرفة ذات الشباك المشرّع، تغطيه قطعة قماش عوضًا عن الزجاج، في محاولة لصد الرياح والمطر. تكدّست الفرشات في الزاوية. وعند طرف سجادة بالية، خُلعت الأحذية.

والدة نور دافئة ومضيافة. قالت لي، “أعقّم وأنظف طوال الوقت إلى حد الهوس تقريبًا. نور صغيرة جدًا، ولا أريدها أن تلتقط أي عدوى”.

في الجانب الآخر من الممر، رأينا علي (10 سنوات) وعباس (خمس سنوات) يلعبان بهدوء. وُلد كلاهما بصعوبات إدراكية وحركية، وكلاهما بحاجة إلى رعاية خاصة.

تقول عمتهما، زينب، “كان عباس يحقق تحسنًا كبيرًا مع العلاج الطبيعي وعلاج النطق”، لكن الحرب سلبتهم ذلك. فقدت هي وشقيقها وظيفتيهما ومصدر دخلهما، وتوقف العلاج.

ثم جاء التهجير القسري. كيف يمكن استمرار الرعاية والتعافي عندما تتمحور الحياة اليومية حول تأمين الأساسيات من الغذاء والمياه النظيفة والدفء؟

كانت زينب عاملة نظافة في أحد المطاعم، لذا فهي تدرك تمامًا ما تنطوي عليه هذه الظروف. تقول، “لا أريد سوى أن يكون لديهم مستقبل”.

“تحوّل البقاء بصحة جيدة إلى معاناة يومية”

ليس سوء خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية مجرد مسألة كرامة، بل خطر جسيم على الصحة العامة. فهي تزيد من احتمالية الإصابة بأمراض جلدية وأمراض معدية يمكن الوقاية منها، خاصة بين الأطفال والأشخاص المعرضين للخطر طبيًا.

كذلك تلقي بظلالها على الحياة اليومية بطرق ملتوية وأقل وضوحًا. شهدت فرقنا الطبية إصابات بالتهابات المسالك البولية لأن المرضى يقللون من شرب المياه لتجنب البحث عن مرحاض.

توضح إيلينا فرنانديز، نائبة المنسق اللوجستي في أطباء بلا حدود، “غالبًا ما يصل النازحون إلى هنا من دون أي شيء، ولكن ما يفاقم الوضع صعوبة هو انعدام الحد الأدنى من الظروف للعيش بأمان. فمن دون المياه والصرف الصحي، تحوّل البقاء بصحة جيدة إلى معاناة يومية”.

في مختلف أنحاء لبنان، تعمل فرق أطباء بلا حدود في 252 مركز إيواء كهذا لحماية صحة السكان ودعم احتياجاتهم الأساسية للمياه النظيفة والصرف الصحي، من خلال إعادة تأهيل شبكات المياه والاستجابة للاحتياجات العاجلة في مجال المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية. ركّبت الفرق حتى الآن 490 مرحاضًا و160 مرش استحمام، بالإضافة إلى نحو 250 مغسلة و50 خزان مياه، ما ساعد العائلات في الحصول على مياه صالحة للشرب والحد من مخاطر الإصابة بالأمراض. ولتلبية الاحتياجات اليومية، وزعت الفرق 1,197 مجموعة أدوات تنظيف و15,715 من مجموعات النظافة الصحية، بالإضافة إلى مواد إغاثة مثل البطانيات والفرشات، مع توفير 419,127 لترًا من مياه الشرب وإيصال أكثر من 19.5 مليون لتر من المياه بالشاحنات إلى الملاجئ، ما ساعد آلاف الأشخاص الذين يحاولون في ظل النزوح.

إلى جانب ذلك، تصل العيادات المتنقلة إلى الذين انقطعت بهم سبل الرعاية، فيما تعالج الفرق الطبية الحالات المزمنة، وتقدم دعم الصحة النفسية، وتستجيب لحالات الطوارئ الناجمة عن العنف المستمر.

نقوم بعملنا بالتنسيق مع السلطات اللبنانية، لدعم واستكمال جهود الاستجابة المحلية، لتوسيع نطاق حصول السكان النازحين على الخدمات الأساسية. لكن الاحتياجات لا تزال هائلة.

وفي الطابق الأعلى، التقيت بحسنة.

عندما التقيت بها أول مرة، كانت ترتدي كمامة، وعيناها متعبتان. ظنَّت أنني ضمن الفريق اللوجستي وأخذتني جانباً. قالت، “شكرًا لعملكم على المراحيض. لدي طلب خاص”.

وعندما وصل محمد، تشبثت به. وسالت الدموع التي كانت تحبسها.

شُخصت حسنة بالسرطان قبل أسبوع واحد فقط من نزوحها. وُصف لها علاج إشعاعي فوري. وبعد كل جلسة، طلب منها طبيبها أن تنعزل من أجل سلامتها ولحماية الآخرين.

لكن كيف لك أم تعزل نفسك في مركز إيواء مشترك؟

كيف تحمي الآخرين وأنت تتشارك مرحاضًا مع 40 شخصًا آخر؟

تخبرني بهدوء، “أنا مستعدة للموت، لكنني لا أريد أن أؤذي أي شخص آخر خلال ذلك”.

عندما التقيت بها في المرة الثانية، بدت مختلفة: أخفّ روحًا وأكثر إشراقًا.

ركبت فرق أطباء بلا حدود مرحاض داخل غرفتها، مما ساعدها على مواصلة علاجها بأمان، مع الحفاظ على خصوصيتها وكرامتها.

اصطحبتني لألتقي بعصفوريها، كيكو وكوكو. ابتسمت وهي تصف ردة فعلهما عندما عادت لإنقاذهما:

“هما روحان، كأطفالي. كيف لي أن أتركهما خلفي؟”

هنالك شيء ما يصعب وصفه في الطريقة التي ينظر بها الناس إلى زميلي محمد، وغيره ممن يرتدون سترة أطباء بلا حدود هنا. يقتربون من الفريق لطلب الأساسيات مثل الرعاية الطبية، ومستلزمات النظافة، والحفاضات. ليس بتردد، بل بابتسامة وبثقة.

وأدرك أن هذه الثقة مبنية على وجودنا، وعلى استمراريتنا، وعلى حضورنا واستجابتنا، مرارًا وتكرارًا.

وبينما أدوّن طلباتهم، تمسّكت بمعتقد واحد: أننا سنستمر في الاستجابة.

تخبرني حسنة، “سيمرّ كل شيء. سيمرّ مرضي. وستمرّ هذه الحرب. سيمرّ كل شيء، طالما أننا سنعود إلى ديارنا سالمين ومرفوعي الرأس”.

يتردد صدى كلماتها خلال جولتنا في المبنى، وسط مئات الأعمار المعلّقة في المجهول.

displaced families in lebanon hang their cloth on the roof of a displacement center

مركز الإيواء هذا ليس استثناءً. ففي مختلف أنحاء لبنان، في المدارس والخيام والمباني قيد الإنشاء، يعيش آلاف النازحين في ظروف مماثلة، ومن دون وصول معتمد إلى المياه أو الصرف الصحي أو الخدمات الأساسية.

تستجيب فرق أطباء بلا حدود في مواقع كهذه في جميع أنحاء البلاد، وتعمل على استعادة ما فُقد: ليس فقط في البنية التحتية، بل في الحد الأدنى من ظروف الصحة والكرامة وإمكانية التعافي”.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

“شفتِ خيّي؟”: من قلب مستشفى رفيق الحريري في ليلة شهدت أعدادًا هائلة من المصابين عقب الغارات

“شفتِ خيّي؟”: من قلب مستشفى رفيق الحريري في ليلة شهدت أعدادًا هائلة من المصابين عقب الغارات

يوم الأربعاء، الثامن من أبريل/نيسان، شنت القوات الإسرائيلية غارات واسعة النطاق في مختلف أنحاء البلاد، حيث أفادت التقارير بوقوع أكثر من 100 غارة في غضون 10 دقائق. واستهدفت العديد من هذه الغارات مناطق سكنية مكتظة، ومرة أخرى بلا إنذار أو تحذير مسبق. نشارككم شهادة صفاء بليق، والتي تعمل ممرضة ومساعدة المنسقة الطبية لأطباء بلا حدود، وقد كانت ضمن فريق المنظمة الموجود في مستشفى حكومي في بيروت استقبل أعدادًا هائلة من المرضى.

كنت في مستشفى رفيق الحريري الجامعي عندما بدأ القصف.

كنت هناك مع زميلنا طبيب الطوارئ في أطباء بلا حدود ضمن زيارة روتينية. كان يومًا عاديًا – ولم يعد كذلك. فجأة، أحاط بنا الدخان الأبيض والغبار. لم يفهم أحد لبضع دقائق ما الذي يحدث. ثم بدأت سيارات الإسعاف بالوصول.

ولم تتوقف عن الوصول.

وصل أوائل المرضى مصابين بجروح خطيرة في الرأس، مع شظايا من الزجاج والمعدن والركام عالقةً في أجسادهم. كان كثيرون غائبين عن الوعي. توفي بعضهم بعيد وصولهم. لم يكن هناك وقت للتفكير، بل للتحرك والاستجابة ومحاولة إنقاذ أرواحهم.

وسرعان ما امتلأت غرفة الطوارئ بأشخاص يبحثون عن مفقودين. آباء مصابون ينادون أطفالهم. عائلات تأتي بصور أطفالها وتسأل إن كان أحد قد رأى أحبائهم الذين ربما لا يزالون تحت الأنقاض، أو ربما نُقلوا إلى مكان آخر.

كنت أحاول إيقاف نزيف رجل وصل وهو يعاني من إصابة بالغة في الرأس وشظايا في بطنه، عندما اقترب مني شاب يحمل هاتفًا، وأراني صورة لأخيه. كان يسألني إن كنت قد رأيته. لم يكن لدي أي إجابة، لكنني بحثت معه، وتفقدت الغرف والوجوه، محاولةً العثور على شقيقه بينما كان زميلي طبيب الطوارئ يساعد في تضميد الجروح وتثبيت حالة المريض النازف.

مرت الساعات، لكنها بدت كسنين. استمر المرضى بالوصول، وكثر منهم في حالة حرجة. وفي لحظة، بعد نحو أربع ساعات من بدء القصف، وصلت قرابة عشرين سيارة إسعاف دفعة واحدة. كان بداخلها 50 شخصًا، جميعهم قد فارقوا الحياة.

كان هناك شاب لا أستطيع نسيانه. فقد ساقيه، وعلقت شظية في بطنه. ما زلت أسمع صرخات أخيه في أذنيّ. حاولنا كل ما في وسعنا لتثبيت حالته، والسيطرة على النزيف، وخياطة الجرح. لكننا فقدناه.

كانت غرفة الطوارئ مكتظة. وجدت نفسي أركض جنبًا إلى جنب مع طاقم المستشفى الرائعين رغم إنهاكهم، ننتقل من مريض إلى آخر، ومن ممر إلى آخر، نحاول مواكبة الحجم الهائل للاحتياجات بموارد محدودة.

على الرغم من كل شيء، بدأ المزيد والمزيد من الأطباء في الوصول. أرسلت نقابة الأطباء نداءً للدعم إلى جميع المستشفيات، وتوافد الاختصاصيون على دفعات: من جراحين وأطباء، وكلهم مستعدون للمساعدة. كان هنالك شعور بالتضامن لا يوصف. ولكن في غرفة الطوارئ، سرعان ما نفدت الإمدادات المتاحة، وامتلأت النقالات، وكان الكثير الكثير من المرضى يصلون في حالة حرجة أو متوفين أساسًا.

ما رأيناه ذلك اليوم لم يكن مجرد حالة طوارئ طبية، بل نتيجة مباشرة للهجمات على المدنيين، والمناطق السكنية، والعائلات، والأطفال، والأشخاص الذين كانوا يعيشون حياتهم بشكل طبيعي قبل ساعات فقط.

بذل طاقم المستشفى كل ما في وسعه، هنا وفي جميع أنحاء لبنان، حيث واجهت مستشفيات أخرى موجات مماثلة من وصول المصابين بأعداد هائلة. شهدتُ تفانيًا استثنائيًا في مستشفى رفيق الحريري: رأيت أشخاصًا يجهدون أنفسهم لما بعد الإرهاق لرعاية الآخرين. لكن التفاني وحده لا يكفي عند وقوع إصابات جماعية.

بصفتنا منظمة أطباء بلا حدود، ندعم المستشفيات ونستجيب حيثما أمكننا، لكن هذا اليوم أظهر لنا مدى ضرورة حماية المدنيين بشكل عاجل.

ملاحظات للمحررين:

أطلقت منظمة أطباء بلا حدود حملة استجابة طارئة على مستوى البلاد منذ تصاعد العنف في الثاني من مارس/آذار. تدعم فرق المنظمة المستشفيات التي تستقبل أعدادًا كبيرة من الجرحى، كما تواجدت في كثير من غرف الطوارئ خلال هذه الموجات، حيث ساعدت في عملية الفرز وتنظيم تدفق المرضى وإدارة حالات الإصابات البالغة. كما تبرعت أطباء بلا حدود بالوقود ومستلزمات الإسعافات الأولية والضمادات والمستلزمات الطبية وغير الطبية لمساعدة المستشفيات على مواجهة الزيادة في الاحتياجات، وتنسق مع مرافق أخرى لتقديم دعم مماثل بناءً على الاحتياجات المُقيَّمة. وبالإضافة إلى دعم المستشفيات، تواصل أطباء بلا حدود استجابتها الطارئة من خلال 20 عيادة متنقلة في جميع أنحاء البلاد، مع توسيع نطاق توزيع مواد الإغاثة الأساسية، فضلًا عن المساعدة في مجال المياه والصرف الصحي ومراكز الإيواء.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

‏أطباء بلا حدود: نستنكر الغارات العشوائية التي استهدفت مناطق مكتظة بالسكان

‏أطباء بلا حدود: نستنكر الغارات العشوائية التي استهدفت مناطق مكتظة بالسكان

“بعيد الساعة الثانية ظهرًا، شنّت القوات الإسرائيلية غارات على عددٍ من المدن والبلدات في أنحاء لبنان، وذلك بعد أقل من 10 ساعات على إعلان وقف إطلاق النار الإقليمي. وقد طالت هذه الهجمات الإسرائيلية الواسعة مواقع عدة في لبنان، بينها بيروت وصيدا وبعلبك، وسط تقارير عن تدفّق أعداد كبيرة من المصابين إلى عدد من مستشفيات. ووفقًا لوزارة الصحة العامة، قُتل وأُصيب مئات الأشخاص في هذه الهجمات.

نستنكر هذه الغارات العشوائية التي استهدفت مناطق مكتظة بالسكان.

تستجيب فرقنا للتدفّق الكثيف للمصابين، وبينهم أطفال، في مستشفى رفيق الحريري الحكومي في بيروت. يصل المصابون وهم يعانون من جروح ناجمة عن الشظايا ونزيف حاد. كما وصل أحد الجرحى إلى المستشفى وقد فقد كلتا ساقيه. يزداد الوضع فوضى مع استمرار نقل المزيد من الجرحى. وتعمل فرق أطباء بلا حدود على تعزيز استجابتها وإرسال مزيد من الدعم إلى مستشفيات أخرى في المناطق المتضرّرة.

في وقت سابق من صباح اليوم، استجابت فرق أطباء بلا حدود في مستشفى جبل عامل في صور، جنوب لبنان، لتدفّق جرحى، بينهم طفلة فقدت ستة من أفراد عائلتها. وكانت إحدى العائلات التي نُقلت إلى المستشفى قد عادت إلى منزلها قبل ساعات قليلة من إصابتها، بعدما اعتقدت أنّ وقف إطلاق النار دخل حيّز التنفيذ. وفي الوقت نفسه، يُصاب العاملون في الرعاية الصحية بدورهم ويُدفعون إلى حافة الإنهاك، فقد استهدفت القوات الإسرائيلية الليلة الماضية مستشفى حيرام، أيضًا في صور، وهو من المستشفيات التي قدّمت لها أطباء بلا حدود تبرّعات، ما أدّى إلى إصابة عدد من العاملين في القطاع الصحي.

يجب أن تتوقف الهجمات المتواصلة على المدنيين. ويجب حماية المرافق الصحية والعاملين فيها والمرضى. كما يجب وضع حدّ للتهجير القسري المتكرر للسكان الذي يشكّل جريمة حرب”.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

لبنان: التصعيد الأخير يصعّب حصول العمال المهاجرين على الرعاية الصحية

MSF mobile clinic teams talking to patients in Ghosta, Mount Lebanon

لبنان: التصعيد الأخير يصعّب حصول العمال المهاجرين على الرعاية الصحية

بعد شهر من التصعيد في القصف وأوامر الإخلاء الكلي التي تصدرها القوات الإسرائيلية في لبنان، هُجّر أكثر من مليون شخص بشكل قسري. تضم الفئات الأشد حاجة العمال المهاجرين من مختلف البلدان الأفريقية وبلدان جنوب شرق آسيا والأقليات الأخرى، ممن يتعاظم حرمانهم من المساعدات الإنسانية.

يعاني العمال المهاجرون الذين نزحوا لسد نفقات الرعاية الطبية والتعامل مع الأنظمة القانونية التقييدية، وهم الآن عالقون بين تبعات الحرب واستجابة إنسانية في أغلبها لا تحسب لهم حسابًا. تقدر المنظمة الدولية للهجرة (26 مارس/آذار 2026) أن 48,000 من النازحين أو الذين يعيشون في مناطق شديدة الخطورة هم من المهاجرين، ويمثلون نحو 30 في المئة من السكان المهاجرين المحصين في لبنان (المنظمة الدولية للهجرة، 2025).

MSF mobile clinic teams talking to patients in Ghosta, Mount Lebanon

في بيروت، توفّر أطباء بلا حدود الرعاية من خلال عيادتها في برج حمود، ضمن ضواحي بيروت الشمالية، حيث قدمت شهريًا نحو 1,500 استشارة طبية ودعمًا للصحة النفسية وخدمات اجتماعية. واستجابةً للاحتياجات المتزايدة في أعقاب تصعيد إسرائيل لهجماتها، وسعت أطباء بلا حدود نطاق عملها من خلال عياداتها المتنقلة لتصل إلى السكان الذين نزحوا قسرًا في مختلف أنحاء المدينة والمناطق المحيطة بها. تقدم العيادة الثابتة والعيادتان المتنقلتان حاليًا نحو 3,000 استشارة أسبوعيًا، كما توزّع مواد الإغاثة الأساسية والدعم الغذائي على المطابخ المجتمعية التي يديرها المهاجرون.

منذ أوائل مارس/آذار، تضاعفت الإحالات الطبية من عيادة أطباء بلا حدود في برج حمود، حيث يحتاج مرضى كثر إلى نقل الدم أو الدخول إلى العناية المركزة أو إجراء جراحة. تعكس هذه الزيادة تصعيد الحرب وانقطاع برنامج الإحالة التابع للمنظمة الدولية للهجرة في يناير/كانون الثاني. كذلك تعاني جهات فاعلة أخرى لسد هذه الفجوات بسبب نقص التمويل، ما يترك كثيرًا من المرضى من دون الرعاية المنقذة للحياة.

تخبرنا سلام، وهي عاملة مهاجرة نازحة استقبلتها عيادة أطباء بلا حدود المتنقلة في غسطة بجبل لبنان لتلقي الرعاية الصحية، “كنت أعيش في ضاحية بيروت الجنوبية عندما اندلع القصف. هربنا في الليلة ذاتها، من دون أن نعرف إلى أين سنذهب. انتهى بنا المطاف على الطريق، نبحث عن مأوى، ونطرق أبوابًا ظلت مغلقة، ونطلب مساعدة فلا نحصل عليها. لم يكن هناك مكان لنا. لا أمان. لا شيء إلا الشارع تحت أقدامنا”.

يواجه العمال المهاجرون في لبنان أساسًا عوائق اقتصادية وقانونية واجتماعية كبيرة تحول دون حصولهم على الخدمات الأساسية. يلتجئ كثر في الوقت الحالي إلى أماكن مكتظة للمبيت يديرها ناشطون مجتمعيون، أو ينامون في الشوارع، وأفاد البعض أنهم طُردوا بشكل مباشر أو تعرضوا للتمييز أو استُبعدوا من مراكز الإيواء الرسمية لصالح المواطنين اللبنانيين.

حتى قبل التصعيد العسكري الإسرائيلي الأخير في لبنان، كان حصول المهاجرين على الرعاية الصحية محدودًا للغاية بسبب الحواجز اللغوية، والتمييز الممنهج، وتكلفة الخدمات الصحية، ووضع الإقامة. والآن، ومع نزوح نحو خُمس سكان البلاد بشكل قسري، ازداد المهاجرون تهميشًا، وباتوا يواجهون عواقب مدمرة لصحتهم ونجاتهم.
عبد الحليم عبد الله، منسق مشروع أطباء بلا حدود في بيروت
MSF mobile clinic teams talking to patients in Ghosta, Mount Lebanon

في يوم الأحد الأخير من شهر مارس/آذار، عالجت أطباء بلا حدود أكثر من 300 مريض مهاجر في عيادتها ببرج حمود وفي موقعين للعيادات المتنقلة في بيروت وصيدا. قصد أكثر من 170 مريضة ومريضًا من إثيوبيا وبنغلاديش خدمات الرعاية الصحية التي تقدمها المنظمة في صيدا وحدها. كان معظمهم إما قد نزح أو لم يحصل على الرعاية الصحية منذ شهور. اضطر الفريق إلى إرسال طفلين رضيعين في ذلك اليوم إلى غرفة الطوارئ، واستمر المرضى بالتوافد.

وفي الوقت الذي تُترك فيه العائلات نازحةً بلا مأوى، تتفاقم احتياجاتها الصحية كذلك بسبب انقطاع الرعاية، وارتفاع تكاليف الأدوية، ونقص الوصول إلى الرعاية بسبب وضع الإقامة غير النظامي. وعلى الرغم من أن الحصول على الرعاية كان مقيدًا بشدة للعمال المهاجرين في الماضي، فقد ازداد صعوبةً مع تضاعف الاحتياجات بشكل هائل في مختلف أنحاء البلاد.

تمثل الأعراض المزمنة ربع الاستشارات الطبية التي تقدمها فرق عياداتنا المتنقلة التي تعالج العمال المهاجرين، إذ حُرم كثير من المرضى من أدويتهم بسبب النزوح القسري أو عوائق أخرى تحول دون حصولهم على الرعاية الصحية. سجلت فرق أطباء بلا حدود كذلك فجوات كبيرة في حصول السكان على خدمات الرعاية الصحية النسائية وخدمات الصحة النفسية، حتى في الأماكن التي تتوفر فيها الرعاية الصحية الأولية من قبل جهات فاعلة أخرى.

عززت فرق أطباء بلا حدود استجابتها لتلبية الاحتياجات المتزايدة للسكان النازحين قسرًا في لبنان، بمن فيهم العمال المهاجرون والأقليات الأخرى. لكن هذه الفئات السكانية لا تزال غير ممثلة بشكل كافٍ ضمن الاستجابة الإنسانية على الصعيد الوطني والتي تقودها الحكومة والجهات الفاعلة الدولية. ونتيجة لذلك، لا يزال كثيرون يعتمدون على المبادرات المجتمعية، والتي تعجز غالبًا عن تلبية الاحتياجات الأكثر تعقيدًا مثل الاحتياجات الطبية أو النفسية.

يفد العمال المهاجرون في الغالب من إثيوبيا وبنغلاديش وسريلانكا للقيام بأعمال منزلية ومهن حرفية أخرى، ويعانون من تهميش ممنهج في ظل نظام الكفالة اللبناني الذي يمنحهم حقوقًا ضئيلة، ومنها التغطية الصحية. كما استُبعدوا من موجات الاستجابة الإنسانية السابقة للأزمات التي مرت بها البلاد.

استجابة أطباء بلا حدود

– تقدم منظمة أطباء بلا حدود رعاية متخصصة للعمال المهاجرين منذ عام ،2019 من خلال دعم المتطوعين في التوعية الصحية المجتمعية ممن يتحدثون الأمهرية والبنغالية والسنهالية والفرنسية والإنجليزية والعربية. يضمن هؤلاء المتطوعون أن يتمكن المرضى المهاجرون من التواصل مع العاملين في الرعاية الصحية لدينا.

– منذ عام 2024، تقدم عيادة أطباء بلا حدود في برج حمود، ضمن ضواحي بيروت الشمالية، الرعاية الصحية الأولية، ودعم الصحة النفسية، والرعاية الجنسية والإنجابية، والخدمات الاجتماعية، بالإضافة إلى التوعية الصحية.

– لتوسيع نطاق استجابتنا للتصعيد الحالي، تعمل العيادة الآن ستة أيام في الأسبوع، وتدير وحدتين طبيتين متنقلتين تغطيان احتياجات العمال المهاجرين في مختلف أنحاء البلاد، بالإضافة إلى العائلات اللبنانية النازحة في أكثر من 20 موقعًا في المناطق المجاورة في جبل لبنان. بالإضافة إلى ذلك، تدعم العيادة ثمانية مطابخ مجتمعية بالمواد الأساسية اللازمة لإعداد نحو 1,000 وجبة يوميًا، والتي تُوزّع على العمال المهاجرين النازحين وكذلك على الذين لا يزالون يعيشون في المناطق شديدة الخطورة والمناطق الواقعة ضمن نطاق أوامر الإخلاء الكلّي.

– في مختلف أنحاء لبنان، بما في ذلك المناطق شديدة الخطورة، وزعت فرق أطباء بلا حدود أكثر من 2,000 من المواد الإغاثية الأساسية، بما في ذلك البطانيات والفرشات ومجموعات النظافة الصحية على أكثر من 100 منزل ومركز إيواء للعمال المهاجرين.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

أم نازحة لا تحمل حقائب: قصة خديجة

أم نازحة لا تحمل حقائب: قصة خديجة

تتسبب الغارات الجوية الإسرائيلية المكثفة على ضاحية بيروت الجنوبية وجنوب لبنان بسقوط قتلى وجرحى وبنزوح واسع النطاق.

أما أوامر الإخلاء الكلي، وإلى جانب الغارات والتوغلات المستمرة، فتجبر العائلات على ترك بيوتها مرارًا وتكرارًا، وغالبًا بلا أي مأمن تلتجئ إليه. يبقى كثر عالقين في الشوارع أو محاصرين في بلداتهم.

في منطقة الشوف بالقرب من جنوب لبنان، حيث نزحت آلاف العائلات، أقامت أطباء بلا حدود عيادات متنقلة للطوارئ، كما تقدم الدعم لمراكز الإيواء للمساعدة في تلبية الاحتياجات الصحية والأساسية العاجلة. وكثير من العائلات التي نلتقي بها هناك، وخاصة الأمهات والأطفال، مثل خديجة وأطفالها، قد نزحت أكثر من مرّة، وهي تعاني من الإرهاق والخوف، إلى جانب احتياجاتها الطبية العاجلة.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

الضفة الغربية: الأراضي الفلسطينية تتلاشى

A home in Khallet Athaba photographed by MSF in 2024, now completely demolished by the Israeli forces.

الضفة الغربية: الأراضي الفلسطينية تتلاشى

يخبرنا ساري أحمد من قرية الفخيت بمسافر يطّا في الأراضي الفلسطينية المحتلة، “غالبًا ما يأتينا الجيش ليلًا، فيغزو الحي، ويقتحم منازلنا، ويدمر ممتلكاتنا، ويعتقل السكان بشكل جماعي، فيما تُصادر بيوتنا وتُهدم. أصبحت هجمات المستوطنين أكثر وحشية وفتكًا، فمعظمهم مسلحون هذه الأيام ويطلقون النار بهدف القتل”.

ساري متعايش مع السكري، وكان يتلقى العلاج من فرق منظمة أطباء بلا حدود حتى شهر يناير/كانون الثاني. ولكن مع تزايد العنف والقيود المفروضة على حرية التنقل، لم يعد بإمكان فرقنا أن تصل إلى عشرات الأشخاص المحتاجين في المنطقة.

في الأسابيع الأخيرة، تسبب التصعيد الحاد في النزاع بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران بموجة أخرى من العنف والخوف في مختلف أنحاء الأراضي الفلسطينية المحتلة.

وفي هذا الصدد، تقول ياسمين محمد، العاملة في مجال الصحة المجتمعية مع أطباء بلا حدود في الخليل، “عندما تنطلق صفارات الإنذار، نتجمع في رواق منزلنا، بعيدًا عن النوافذ. وفي الأفق، يتردد صدى الانفجارات بين التلال فيما تصطدم الصواريخ الاعتراضية بالقذائف”. وعلى عكس البلدات والمدن الإسرائيلية، حيث تنتشر الملاجئ وأنظمة الإنذار على نطاق واسع، ما من ملاجئ أو أماكن محمية متاحة لمعظم الفلسطينيين في الضفة الغربية. فعندما تتساقط الشظايا، ما بيد الأهالي إلا البقاء داخل بيوتهم، راجين السلامة. وفيما ينصب اهتمام العالم على الصواريخ المحلّقة في الأجواء، تُكثّف القوات الإسرائيلية عملياتها العسكرية في مختلف أنحاء الضفة الغربية. لا تزال معظم نقاط التفتيش مغلقة، ما يعني أن الأنشطة اليومية المعتادة أصبحت تستغرق وقتًا أطول لمعظم الناس، بل قد تصبح مستحيلة وتنطوي على خطر الإصابة أو القتل بفعل الهجمات الإسرائيلية غير المبررة.

تقول ياسمين محمد، “نشعر بتلاشي المساحة التي تسمح لنا بالعيش والتنقل وبناء حياتنا، فيما يشيح العالم ببصره”.

ازدادت أعمال العنف التي يرتكبها المستوطنون الإسرائيليون في مختلف مناطق الضفة الغربية. ويفيد السكان بأن المستوطنين يدخلون القرى أو الأراضي الزراعية الفلسطينية مُحمّلين بالأسلحة، كما يهاجمون الفلسطينيين في سياراتهم أثناء تنقلهم من مكان إلى آخر.

MSF teams visit Khallet Athaba to assess community needs. In Masafer Yatta, mobile clinics provide medical and psychological care to families living under occupation

حياة مجبولة بالعنف والخوف في الضفة الغربية

بين السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 والسابع من مارس/آذار 2026، قُتل في الضفة الغربية المحتلة والقدس 1,071 فلسطينيًا، من بينهم 233 طفلًا، بحسب مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان. كما قُتل 11 فلسطينيًا على أيدي المستوطنين هذا العام وحده. تقول سلام يوسف من فريق أطباء بلا حدود في الضفة الغربية، “هذا واقع صادم ومؤرّق. هم يهاجمون السكان ويقتلونهم بلا عواقب، كما لو أن العدالة ليست من نصيبنا، وكأن حياتنا بلا قيمة. في الأسبوع الماضي، أطلقت [القوات الإسرائيلية] النار على أسرة مكونة من ستة أفراد كانوا عائدين إلى بيتهم. نجا اثنان فقط من الأبناء وأصبحوا أيتامًا الآن، إذ قُتلت عائلتهم أمام أعينهم. كان شقيقاهما في الخامسة والسابعة من العمر”.

تسبب العنف المنتشر ومتعدد الأوجه بتغيير ملامح حياة الفلسطينيين، حتى أصبح الشعور بالتهديد الوجودي يجسّد واقعًا أوسع نطاقًا تتكشف تفاصيله في جميع أنحاء الضفة الغربية. تقول سلام يوسف، “نشعر بأن هذه التطورات ليست مجرد سلسلة من الحوادث المعزولة، بل هي تحول جوهري وبطيء، فالقوات الإسرائيلية والمستوطنون يستولون على الضفة الغربية شيئًا فشيئًا. الأمر مرعب لأنه خارج سيطرتنا، ويبدو أن العالم غير آبه بما يحدث لنا”.

تضيف سلام، “إذا استمر العالم في غض الطرف، فلن يوضع حدّ لتلاشي الأراضي الفلسطينية، بل سيستمر – نقطة تفتيش تلو الأخرى، وشارعًا تلو الآخر، وبيتًا تلو الآخر، إلى أن ينقلب الواقع الذي بدا مؤقتًا فيما مضى حالًا دائمًا”.

حياتنا وأحلامنا معلقة

تقول إلسا سالفاتوري، المعالجة النفسية مع أطباء بلا حدود في نابلس، “يحمل هذا الوضع آثارًا نفسية هائلة، فهو لا يقتصر على العنف الجسدي الناجم عن هجمات المستوطنين أو ما يحدث عند نقاط التفتيش. في جلساتنا، غالبًا ما يتحدث الأهالي عن الإذلال الذي يتعرضون له يوميًا وعن حالة عدم اليقين المستمرة، ما يجعلهم في حالة حذر مفرط، وغير قادرين على النوم، ودائمًا ما يتوقعون وقوع حدث سيئ”.

وتضيف، “توقف معظم الأهالي عن التخطيط للمستقبل. يعاني كثيرون من أعراض مرتبطة باضطراب ما بعد الصدمة، على الرغم من أن هذا الوصف لا يوضّح حالتهم بشكل صحيح، لأنهم ليسوا في مرحلة ’ما بعد‘ التجربة الصادمة، بل لا يزالون يعيشونها، ويواجهون الصدمة وعدم اليقين بشكل مستمر”.

خلال هذه الفترة التي يتزايد فيها انتشار العنف وانعدام الأمن والقيود على الحياة اليومية في جميع أنحاء الضفة الغربية، يجب أن يتمكن السكان من الحصول على الرعاية الصحية. لكن الواقع مناقض لذلك بالكامل، فالوصول إلى الرعاية الطبية محظور أو مليء بالعراقيل.

في مناطق معينة، مثل مسافر يطّا في جنوب الخليل، تُمنع المنظمات غير الحكومية من تقديم الدعم الإنساني الأساسي، حيث أُدرجت أجزاء كبيرة من الأراضي ضمن المناطق العسكرية، فيما تفرض القوات الإسرائيلية قيودًا شديدة على حرية التنقل. ونتيجة لذلك، اضطررنا إلى خفض عدد عياداتنا المتنقلة في المنطقة من 17 إلى خمس فقط منذ سبتمبر/أيلول 2025، ما يحرم المرضى حتى من أبسط الخدمات الطبية. يخبرنا أحد سكان مسافر يطّا، “نشعر بأننا مُهملون ومنسيون. لم يعد أحد يأتي صوبنا. عندما نمرض، لا خيار أمامنا سوى المشي لمسافات طويلة. وأحيانًا نظل في مكاننا ونتحمّل الألم”.

A home in Khallet Athaba photographed by MSF in 2024, now completely demolished by the Israeli forces. This picture shows the building before being demolish

الاحتياجات المتزايدة تتطلب وصولًا إنسانيًا أكبر، لا العكس

تهدد الشروط الإسرائيلية الجديدة والمُعيقة بتقليص جذري لهذه المساعدات غير الكافية أساسًا. وبما أن أطباء بلا حدود واحدة من 37 منظمة غير حكومية لم تجدد السلطات الإسرائيلية تسجيلها اعتبارًا من الأول من مارس/آذار 2026، فقد اضطر موظفونا الدوليون إلى مغادرة الأراضي الفلسطينية المحتلة. وبينما يواصل زملاؤنا الفلسطينيون تقديم الرعاية الصحية، فإن مستقبل مشاريعنا في الضفة الغربية وقطاع غزة لا يزال مجهولًا. في نابلس وجنين وطولكرم، تقلصت أنشطتنا بشكل كبير بسبب المخاوف الأمنية والعقبات الإدارية الجديدة التي فُرضت منذ الأول من مارس/آذار.

يخبرنا أحد المرضى المنتفعين من خدماتنا للصحة النفسية، “أشعر بالخوف واليأس من مجرد التفكير بأن خدمات أطباء بلا حدود قد تتوقف”.

تبذل فرقنا قصارى جهدها لتقديم جلسات دعم نفسي اجتماعي عبر الإنترنت، لكن الجلسات عن بُعد لا توفر ذات الدعم الذي توفره الرعاية الحضورية، وهي غير مناسبة بالأخص للناجيات من العنف الجنسي، والعائلات ذات الوضع الاجتماعي والاقتصادي المتدني ممن تواجه عوائق في التواصل، والمرضى الذين يعانون من أوضاع نفسية مزمنة، مثل الذهان.

يمثل الوصول إلى الرعاية الصحية حاجة إنسانية أساسية وحجر زاوية لصمود المجتمعات. عندما تتفكك أنظمة الرعاية الصحية، تتراجع الرعاية الوقائية، وتتفاقم الأمراض المزمنة، وتصبح المجتمعات أشد عرضة للخطر. وسط الكارثة الإنسانية المستمرة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ستواصل منظمة أطباء بلا حدود تقديم الرعاية الصحية لأطول فترة ممكنة، باذلين كل ما في وسعنا.

ما يحدث اليوم في الضفة الغربية ليس قَدرًا ولا يخفى على أحد. القانون الإنساني الدولي واضح: تقع على إسرائيل بصفتها سلطة الاحتلال مسؤولية قانونية لضمان حماية المدنيين وتسهيل وصولهم إلى الرعاية الطبية الأساسية. لكن الواقع بعيد كل البعد عن ذلك، فالظروف المعيشة للفلسطينيين في الضفة الغربية خطيرة ومجرّدة بشكل صارخ من أي حسّ بالإنسانية. وبحسب سلام يوسف، “لا نريد إلا أن نعيش بأمان، وأن نربي أطفالنا بلا خوف، وأن نُعامل بكرامة”.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

لبنان: الهجمات الإسرائيلية تقطع المدنيين عن الرعاية الصحية

Children in Azarieh shelter in Lebanon

لبنان: الهجمات الإسرائيلية تقطع المدنيين عن الرعاية الصحية

بيروت، لبنان، 24 مارس/آذار 2026 – بعد مرور أربعة أسابيع على التصعيد الأخير في لبنان، تحذر منظمة أطباء بلا حدود من أن القصف الإسرائيلي المستمر وما تلاه من نزوح للسكان بشكل قسري يؤثران بشكل خطير على حياة الناس وحصولهم على الخدمات الأساسية. وتدعو المنظمة إلى حماية المدنيين والرعاية الصحية، ووضع حد للإجراءات التي تجبر السكان على مغادرة بيوتهم إلى أجل غير مسمى.

MSF Mobile Medical Unit in Saida Lebanon

منذ الثاني من مارس/آذار، يواجه المدنيون ظروفًا تتفاقم سوءًا، حيث أدى التصعيد الملحوظ في هجمات القوات الإسرائيلية إلى تهجير أكثر من مليون شخص من ديارهم وعرقلة حصولهم على الرعاية الصحية. ووفقًا لوزارة الصحة، وخلال الفترة بين الثاني و23 مارس/آذار، قُتل 1,039 شخصًا، يشكل الأطفال نسبة 12 في المئة منهم.

وإلى جانب الهجمات البرية والغارات الجوية المتكررة التي تستهدف البنية التحتية المدنية مثل الجسور في جنوب لبنان، تتسبب هذه الأعمال بعزل المدن الكبرى وكثير من القرى الواقعة جنوب نهر الليطاني – إلى جانب سكانها المتبقين – عن بقية البلاد.

نعرب عن بالغ قلقنا على سلامة المدنيين الذين لم يغادروا هذه المناطق، سواء باختيارهم أو لعدم توفر الوسائل. ندعو إلى حماية المدنيين والمنشآت الطبية على الدوام، كي يبقى السكان قادرين على الحصول على الرعاية الصحية والخدمات الأساسية الأخرى.
المديرة العامة لأطباء بلا حدود، د. تيجشري شاه
MSF Mobile Medical Unit in Azarieh shelter Lebanon

أدت أوامر الإخلاء التي تغطي مجتمعة 14 في المئة من مساحة لبنان إلى نزوح شخص واحد من كل خمسة أشخاص في لبنان. وحتى في الأماكن الواقعة خارج مناطق “الإخلاء” المحددة، ومنها أجزاء من بيروت والمناطق الجنوبية من البلاد، يعيش السكان تحت التهديدات المباشرة للغارات المتكررة من الطيران الحربي والمسيّرات.

على الرغم من أوامر النزوح القسري، اختار الكثير من السكان البقاء، عوضًا عن هجر منازلهم وقراهم، فيما انعدمت خيارات الآخرين بسبب هشاشة أوضاعهم الاجتماعية-الاقتصادية والطبية، ما جعل حصولهم على الرعاية الطبية صعبًا للغاية، مثلما صعّب على العاملين في المجال الطبي والإنساني الوصول إليهم.

لا خيار أمام طاقم المستشفى في النبطية، الذين قرروا مواصلة العمل هناك، سوى الاحتماء داخل المستشفى، وتجنب التنقل بالسيارة بحثًا عن الأمان. يقاسي الطاقم هذه الظروف منذ أسابيع، ولم يرتاحوا إلا قليلًا، مثقلين بضغط مستمر وخوف، فيما تستمر المستشفيات باستقبال أعداد كبيرة من المصابين.
المنسقة الطبية لأطباء بلا حدود، د. لونا حمّاد

لا تزال عدة مستشفيات في جنوب لبنان تعمل وتقدم الرعاية الطارئة الأولية والإحالات. تدعم أطباء بلا حدود هذه المرافق بالإمدادات الطبية والوقود لتوليد الكهرباء ومواد الإغاثة الأساسية مثل البطانيات ومستلزمات النظافة.

بحسب منظمة الصحة العالمية، سُجّل لغاية 23 مارس/آذار أكثر من 63 هجومًا على مرافق الرعاية الصحية، أسفرت عن مقتل 40 عاملًا في مجال الرعاية الصحية وإصابة 91 آخرين. بالإضافة إلى ذلك، أُجبرت أكثر من خمسة مستشفيات على الإخلاء، واضطر أكثر من 54 مركزًا للرعاية الصحية الأولية في مختلف أنحاء لبنان إلى الإغلاق، ما يضائل الوصول إلى الخدمات الصحية الأساسية.

التقينا نازحًا مريضًا باللوكيميا يبلغ من العمر 56 عامًا، كان قد زار إحدى العيادات المتنقلة التابعة لأطباء بلا حدود، وأخبرنا عن تبعات انقطاع الرعاية بعد إخلاء المستشفيات: “هربت من دون أن آخذ معي شيئًا وما من مكان أذهب إليه. كنت آملًا أنني على وشك هزيمة السرطان. أما الآن، أمضي الليالي في خيمة في حديقة، ولا أعرف أين سأجد جرعتي التالية من الدواء أو كيف سأواصل علاجي”.

MSF Dr in Chouf Lebanon

في أجزاء من بيروت وجبل لبنان وجنوب لبنان وشمال لبنان وعكار، تقدم فرق أطباء بلا حدود الرعاية الصحية الأولية والإحالات والدعم لمساعدة السكان على مواصلة علاجهم، لكن الوصول المستمر إلى الرعاية المتخصصة ورعاية الأعراض المزمنة لا يزال معطلًا.

مع استمرار القصف والنزوح، نشهد يوميًا تضاؤل المساحة التي تسمح للسكان بالنجاة وتسمح للخدمات الصحية بمواصلة عملها. تدعو أطباء بلا حدود إلى حماية المدنيين والرعاية الصحية، ووضع حد للإجراءات التي تجبر الناس على ترك بيوتهم إلى أجل غير مسمى وتقطع عنهم سبل العلاج.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print