من طابق إلى طابق: رحلة مثقلة بالهموم
لا يمكن الدخول إلى القبو الرازح تحت عقود من النفايات والمياه الراكدة.
على الدرج، يمر رجل مسن حاملًا قوارير مياه فارغة. يخبرني محمد أن هذه الرحلة اليومية والمتكررة على الدرج ستنتهي في القريب العاجل. فقد ركّبت فرق أطباء بلا حدود خزانات مياه بسعة 15,000 لتر وتعمل على ترميم شبكة الأنابيب لجلب مياه نظيفة وموثوقة إلى المبنى.
نصل إلى الطابق الثالث، حيث الملابس الزاهية على حبال الغسيل تحجب بعضًا من اللون الرمادي من حولي، وباب لونه بنيّ فاتح عند كل بضعة أمتار. الضوء خافت، لكن علامات الحياة ظاهرة هنا. تُرك كرسي متحرك معوج بجانب أحد الأبواب، ولا أثر لصاحبه.
ثم استقبلتني امرأة بابتسامة:
“لدينا مولودة جديدة في هذا الطابق. هل تودين رؤيتها؟”
أبادلها الابتسامة، رغم الغصّة التي شعرتُ بها لوجود مولودة جديدة في مكان يملأه صدى قطرات المياه. تبعتها إلى غرفة تحمل الرقم 302، وانقبض قلبي.
وجدت نور الصغيرة ممددةً يلفها اللون الوردي. ولدت نور في 16 مارس/آذار، في ليلة دكت فيها الغارات الجوية الإسرائيلية حيّ ذويها. تتذكر والدتها صوت القصف المتواصل عندما جاءها المخاض. قبل ذلك بأسبوع، كانت العائلة قد تركت منزلها في ضاحية بيروت الجنوبية والتجأت إلى هذه الغرفة ذات الشباك المشرّع، تغطيه قطعة قماش عوضًا عن الزجاج، في محاولة لصد الرياح والمطر. تكدّست الفرشات في الزاوية. وعند طرف سجادة بالية، خُلعت الأحذية.
والدة نور دافئة ومضيافة. قالت لي، “أعقّم وأنظف طوال الوقت إلى حد الهوس تقريبًا. نور صغيرة جدًا، ولا أريدها أن تلتقط أي عدوى”.
في الجانب الآخر من الممر، رأينا علي (10 سنوات) وعباس (خمس سنوات) يلعبان بهدوء. وُلد كلاهما بصعوبات إدراكية وحركية، وكلاهما بحاجة إلى رعاية خاصة.
تقول عمتهما، زينب، “كان عباس يحقق تحسنًا كبيرًا مع العلاج الطبيعي وعلاج النطق”، لكن الحرب سلبتهم ذلك. فقدت هي وشقيقها وظيفتيهما ومصدر دخلهما، وتوقف العلاج.
ثم جاء التهجير القسري. كيف يمكن استمرار الرعاية والتعافي عندما تتمحور الحياة اليومية حول تأمين الأساسيات من الغذاء والمياه النظيفة والدفء؟
كانت زينب عاملة نظافة في أحد المطاعم، لذا فهي تدرك تمامًا ما تنطوي عليه هذه الظروف. تقول، “لا أريد سوى أن يكون لديهم مستقبل”.
“تحوّل البقاء بصحة جيدة إلى معاناة يومية”
ليس سوء خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية مجرد مسألة كرامة، بل خطر جسيم على الصحة العامة. فهي تزيد من احتمالية الإصابة بأمراض جلدية وأمراض معدية يمكن الوقاية منها، خاصة بين الأطفال والأشخاص المعرضين للخطر طبيًا.
كذلك تلقي بظلالها على الحياة اليومية بطرق ملتوية وأقل وضوحًا. شهدت فرقنا الطبية إصابات بالتهابات المسالك البولية لأن المرضى يقللون من شرب المياه لتجنب البحث عن مرحاض.
توضح إيلينا فرنانديز، نائبة المنسق اللوجستي في أطباء بلا حدود، “غالبًا ما يصل النازحون إلى هنا من دون أي شيء، ولكن ما يفاقم الوضع صعوبة هو انعدام الحد الأدنى من الظروف للعيش بأمان. فمن دون المياه والصرف الصحي، تحوّل البقاء بصحة جيدة إلى معاناة يومية”.
في مختلف أنحاء لبنان، تعمل فرق أطباء بلا حدود في 252 مركز إيواء كهذا لحماية صحة السكان ودعم احتياجاتهم الأساسية للمياه النظيفة والصرف الصحي، من خلال إعادة تأهيل شبكات المياه والاستجابة للاحتياجات العاجلة في مجال المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية. ركّبت الفرق حتى الآن 490 مرحاضًا و160 مرش استحمام، بالإضافة إلى نحو 250 مغسلة و50 خزان مياه، ما ساعد العائلات في الحصول على مياه صالحة للشرب والحد من مخاطر الإصابة بالأمراض. ولتلبية الاحتياجات اليومية، وزعت الفرق 1,197 مجموعة أدوات تنظيف و15,715 من مجموعات النظافة الصحية، بالإضافة إلى مواد إغاثة مثل البطانيات والفرشات، مع توفير 419,127 لترًا من مياه الشرب وإيصال أكثر من 19.5 مليون لتر من المياه بالشاحنات إلى الملاجئ، ما ساعد آلاف الأشخاص الذين يحاولون في ظل النزوح.
إلى جانب ذلك، تصل العيادات المتنقلة إلى الذين انقطعت بهم سبل الرعاية، فيما تعالج الفرق الطبية الحالات المزمنة، وتقدم دعم الصحة النفسية، وتستجيب لحالات الطوارئ الناجمة عن العنف المستمر.
نقوم بعملنا بالتنسيق مع السلطات اللبنانية، لدعم واستكمال جهود الاستجابة المحلية، لتوسيع نطاق حصول السكان النازحين على الخدمات الأساسية. لكن الاحتياجات لا تزال هائلة.
وفي الطابق الأعلى، التقيت بحسنة.
عندما التقيت بها أول مرة، كانت ترتدي كمامة، وعيناها متعبتان. ظنَّت أنني ضمن الفريق اللوجستي وأخذتني جانباً. قالت، “شكرًا لعملكم على المراحيض. لدي طلب خاص”.
وعندما وصل محمد، تشبثت به. وسالت الدموع التي كانت تحبسها.
شُخصت حسنة بالسرطان قبل أسبوع واحد فقط من نزوحها. وُصف لها علاج إشعاعي فوري. وبعد كل جلسة، طلب منها طبيبها أن تنعزل من أجل سلامتها ولحماية الآخرين.
لكن كيف لك أم تعزل نفسك في مركز إيواء مشترك؟
كيف تحمي الآخرين وأنت تتشارك مرحاضًا مع 40 شخصًا آخر؟
تخبرني بهدوء، “أنا مستعدة للموت، لكنني لا أريد أن أؤذي أي شخص آخر خلال ذلك”.
عندما التقيت بها في المرة الثانية، بدت مختلفة: أخفّ روحًا وأكثر إشراقًا.
ركبت فرق أطباء بلا حدود مرحاض داخل غرفتها، مما ساعدها على مواصلة علاجها بأمان، مع الحفاظ على خصوصيتها وكرامتها.
اصطحبتني لألتقي بعصفوريها، كيكو وكوكو. ابتسمت وهي تصف ردة فعلهما عندما عادت لإنقاذهما:
“هما روحان، كأطفالي. كيف لي أن أتركهما خلفي؟”
هنالك شيء ما يصعب وصفه في الطريقة التي ينظر بها الناس إلى زميلي محمد، وغيره ممن يرتدون سترة أطباء بلا حدود هنا. يقتربون من الفريق لطلب الأساسيات مثل الرعاية الطبية، ومستلزمات النظافة، والحفاضات. ليس بتردد، بل بابتسامة وبثقة.
وأدرك أن هذه الثقة مبنية على وجودنا، وعلى استمراريتنا، وعلى حضورنا واستجابتنا، مرارًا وتكرارًا.
وبينما أدوّن طلباتهم، تمسّكت بمعتقد واحد: أننا سنستمر في الاستجابة.
تخبرني حسنة، “سيمرّ كل شيء. سيمرّ مرضي. وستمرّ هذه الحرب. سيمرّ كل شيء، طالما أننا سنعود إلى ديارنا سالمين ومرفوعي الرأس”.
يتردد صدى كلماتها خلال جولتنا في المبنى، وسط مئات الأعمار المعلّقة في المجهول.