الكونغو الديمقراطية: أطباء بلا حدود تستجيب لتفشي الإيبولا

الكونغو الديمقراطية: أطباء بلا حدود تستجيب لتفشي الإيبولا

بعد إعلان وزارة الصحة في جمهورية الكونغو الديمقراطية رسميًا عن تفشّي مرض فيروس إيبولا في 15 مايو/أيار، باشرت أطباء بلا حدود الاستعداد لتكثيف استجابتها الطبية بشكل عاجل في مقاطعة إيتوري، شمال شرق البلاد.

وفي نهاية الأسبوع، وتحديدًا في 9 و10 مايو/أيار، تلقت أطباء بلا حدود بلاغات تحذّر من ارتفاع عدد الوفيات المرتبطة بحالات يُشتبه في إصابتها بحمى نزفية فيروسية في منطقة مونغوالو الصحية، عاصمة مقاطعة إيتوري، الواقعة إلى الشمال الغربي من بونيا.

وبالتعاون مع وزارة الصحة، توجّه فريق ميداني لتقييم الوضع، حيث تبيّن أن 55 شخصًا قد توفّوا منذ مطلع شهر أبريل/نيسان. كما تلقت أطباء بلا حدود تقارير لاحقة تشير إلى تسجيل حالات في منطقتي بونيا وروامبارا الصحيتين.

وبحسب السلطات الكونغولية، سُجّل ما مجموعه 246 حالة يُشتبه في إصابتها بالفيروس، إلى جانب الإبلاغ عن أكثر من 80 حالة وفاة في المناطق الصحية الثلاث.

ويعود هذا التفشّي إلى فيروس إيبولا من سلالة بونديبوغيو، وهي سلالة تختلف عن سلالة زائير الأكثر شيوعًا، إذ لا يتوفر لها لقاح أو علاج معتَمد حتى الآن.

وفي 15 مايو/أيار، أكدت السلطات الصحية في أوغندا المجاورة تسجيل إصابة بمرض فيروس إيبولا من سلالة بونديبوغيو، طالت رجلًا كونغوليًا في التاسعة والخمسين من عمره، وتوفي في 14 مايو/أيار.

وقد أبلغت أطباء بلا حدود وزارة الصحة الأوغندية استعدادها لدعم استجابة السلطات الصحية.

يثير عدد الحالات والوفيات الذي نشهده خلال فترة زمنية قصيرة قلقًا بالغًا، لا سيما مع انتشار المرض في عدة مناطق صحية وامتداده عبر الحدود الآن. في إيتوري، يواجه كثير من الناس صعوبات في الوصول إلى الرعاية الصحية، ويعيشون في ظل انعدام مستمر للأمن، ما يجعل التحرك السريع بالغ الأهمية للحد من تفاقم التفشّي
مديرة برنامج أطباء بلا حدود للطوارئ، تريش نيوبورت

تعمل فرق أطباء بلا حدود حاليًا في المناطق المتضرّرة في إيتوري لتقييم الاحتياجات الطبية، وهي تنسّق العمل بشكل وثيق مع السلطات الصحية الكونغولية.

وفي عيادة سلامة التابعة لأطباء بلا حدود في بونيا، سُجلت ثلاث حالات مشتبه في إصابتها بالإيبولا، تم إخضاعها للعزل الصحي.

في الوقت الحالي، تعمل أطباء بلا حدود على حشد فرق إضافية تضم كوادر طبية ولوجستية وداعمة من ذوي الخبرة في الاستجابة لتفشّي الحمى النزفية الفيروسية، إلى جانب تأمين الإمدادات الأساسية، بهدف إطلاق استجابة واسعة النطاق في أقرب وقت ممكن.

كما ستعمل المنظمة على ضمان تطبيق إجراءات وقائية صارمة في مشاريعها القائمة لحماية كوادرها ومرضاها، وضمان استمرار حصولهم على الرعاية الصحية.

تُقدَّر نسبة الوفيات المرتبطة بسلالة بونديبوغيو بما يتراوح بين 25 و40 في المئة. ويُعدّ هذا ثالث تفشٍ يُسجّل لهذه السلالة، بعد تفشيها في أوغندا بين عامي 2007 و2008، وفي جمهورية الكونغو الديمقراطية عام 2012.

الإيبولا مرض فيروسي معدٍ من الحمى النزفية، ينتقل إلى الإنسان عبر الاتصال المباشر بدم الحيوانات المصابة أو إفرازاتها أو أعضائها أو سوائلها الجسدية الأخرى. كما ينتقل من شخص إلى آخر من خلال المخالطة المباشرة لسوائل الجسم مع الأشخاص المصابين.

يُشار إلى أن أطباء بلا حدود استجابت لعدة تفشّيات للإيبولا في جمهورية الكونغو الديمقراطية خلال السنوات الماضية. ويُعد هذا التفشّي السابع عشر في البلاد منذ تسجيل أول حالة عام 1976.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

أطباء بلا حدود تدين الهجوم على الرعاية الصحية في لبنان

civil defence ambualnce in Sour, Lebanon

أطباء بلا حدود تدين الهجوم على الرعاية الصحية في لبنان

بيروت/لبنان، تدين منظمة أطباء بلا حدود بأشد العبارات الهجمات التي تشنها القوات الإسرائيلية ضد المسعفين في لبنان، ومن ضمنها الهجوم الأخير الذي تسبب بمقتل مسعفَين من الدفاع المدني اللبناني في النبطية، وتكرر نداءها العاجل لحماية العاملين في المجال الطبي والمسعفين.

في 12 مايو/أيار 2026، أصابت غارة بمسيّرة ثلاثة مسعفين أثناء محاولتهم مساعدة شخص جريح نجا من هجوم سابق. قُتل اثنان منهم على الفور، بينما أصيب الثالث. حضرت سيارة إسعاف ثانية انطلقت من مستشفى النجدة الشعبية لمساعدة جرحى الهجوم الأول، وشهد مسعفوها الهجوم على زملائهم، فنقلوا زميلهم الجريح إلى المستشفى وعادوا لاحقًا إلى موقع الهجوم لجمع رفات الضحايا.

نعرب عن بالغ غضبنا إزاء مقتل مسعفين كانوا يؤدون عملهم فحسب، متحملين مخاطر جسيمة من أجل إنقاذ الأرواح. نرفض الهجمات على العاملين في مجال الرعاية الصحية ونرفض أن تصبح حدثًا عاديًا.
جيريمي ريستور، منسق برامج أطباء بلا حدود في لبنان

وفيما عززت فرق أطباء بلا حدود الدعم الذي تقدمه في مستشفى النجدة الشعبية للاستجابة لحوادث الإصابات الجماعية خلال الأشهر الماضية، عملت فرقنا كذلك جنبًا إلى جنب مع المسعفين والمستجيبين على خط الجبهة في مختلف أنحاء محافظة النبطية، بما في ذلك الدفاع المدني اللبناني، حيث كانت فرقنا معهم خلال أيام وليالٍ من الاستجابة للطوارئ وهم ينقلون المرضى إلى المرافق الطبية، ودعمت الزملاء الذين واصلوا العمل على الرغم من الخسائر الفادحة والخوف الشديد.

يمثل حادث 12 مايو/أيار جزءًا من نمط مؤرّق من الهجمات. فخلال الأسابيع الأخيرة، شهدت فرق أطباء بلا حدود في لبنان عواقب الغارات الجوية وهجمات المسيّرات وقصف المدفعية، والتي تتسبب بأضرار للمستشفيات، وسيارات الإسعاف، والمعدات الطبية، وتوقع قتلى وجرحى في صفوف المدنيين، والعاملين في المجال الصحي، وأوائل المستجيبين. كذلك أفادت السلطات الصحية اللبنانية، ووسائل الإعلام، والمنظمات الإنسانية الأخرى بحدوث هذا النوع من أعمال العنف، بما في ذلك الهجمات المتكررة التي يتعرض لها المسعفون أثناء إنقاذ الجرحى.

Ambulance in Sour, Lebanon

في النبطية ومختلف أنحاء جنوب لبنان، كثيرًا ما تُجبر فرق الإنقاذ والفرق الطبية على تأخير استجابتها المنقذة للحياة أو الحد منها خوفًا من التعرض للاستهداف. وتفيد فرق الإسعاف المدعومة من أطباء بلا حدود بأنها لا تمضي سوى دقائق معدودة في المواقع المستهدفة بفعل خطر القصف المتكرر، فتتجنب استخدام معدات الحفر، وتؤخر عمليات الإنقاذ، بحيث يظل بعض الأشخاص عالقين تحت الأنقاض لساعات أو أيام. عالجت فرق أطباء بلا حدود مرضى تفاقمت حالتهم بشكل خطير بسبب هذه التأخيرات في عمليات الإنقاذ، ومنهم جرحى بإصابات بالغة جدًا توفوا لاحقًا متأثرين بجراحهم.

ومنذ أن بدأت أطباء بلا حدود بدعم مستشفى النجدة الشعبية في بداية مارس/آذار، تلقى العلاج 725 جريحًا، فيما وصل 232 شخصًا متوفي أو توفوا داخل المستشفى.

وبحسب منظمة الصحة العالمية، سُجل بين الثاني من مارس/آذار و12 مايو/أيار 161 هجومًا على مرافق الرعاية الصحية، أسفر عن مقتل 110 أشخاص وإصابة 252 آخرين. وشمل ذلك 15 هجومًا أسفر عن مقتل 12 شخصًا وإصابة 21 آخرين، ووقعت هذه الهجمات بعد بدء وقف إطلاق النار في 17 أبريل/نيسان، والذي لم يوقف الأعمال العدائية ولم يسمح للسكان المهجّرين بالعودة إلى ديارهم أو يسمح للأشخاص العالقين في المناطق المستهدفة بكثافة بالبحث عن مأمن.

MSF staff with civil defence staff in Lebanon

يمنح القانون الدولي الإنساني الحماية للعاملين في مجال الرعاية الصحية، ولأوائل المستجيبين، وسيارات الإسعاف، والمرافق الطبية. ولا يتسبب قتلهم بفاجعة للعائلات والزملاء فحسب، بل يضعف أيضًا الاستجابة الطارئة وأنظمة الرعاية الصحية المنهكة أساسًا.

تطالب أطباء بلا حدود بالوقف الفوري للهجمات المتواصلة على العاملين في المجال الطبي والمسعفين، وعلى المرافق والمكاتب، وتطالب كذلك بوقف أعمال العنف التي تهدد حياة المدنيين ومن يحاولون إنقاذهم.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

أزمة سوء التغذية المفتعلة في غزة

A staff at Al-Helou Hospital, in Gaza City, Occupied Palestinian Territory, checks on a newborn with low-weight lying in an incubator.

أزمة سوء التغذية المفتعلة في غزة

افتعلت إسرائيل أزمة سوء تغذية في غزة، متسببةً بتبعات مدمرة على النساء الحوامل ومواليدهن

القدس/برشلونة، 7 مايو/أيار 2026 – كان لأزمة سوء التغذية التي افتعلتها إسرائيل في غزة تأثير مدمر على النساء الحوامل، والمرضعات، والمواليد الجدد، والرّضع دون سن الستة أشهر خلال فترات الأعمال العدائية المكثفة والحصار كمنتصف عام 2025، وفقًا لتحليل للبيانات الطبية نشرته منظمة أطباء بلا حدود اليوم.

في أربعة مرافق صحية تديرها أو تدعمها منظمة أطباء بلا حدود بين أواخر عام 2024 وأوائل عام 2026، سجلت فرق المنظمة مستويات أعلى من الولادة المبكرة والوفيات بين رضع ولدوا لأمهات تأثرن بسوء التغذية خلال فترة الحمل، ومستويات عالية من الإجهاض التلقائي، ولاحظت زيادة حادة في عدم الالتزام بالعلاج بين الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية.

تربط أطباء بلا حدود هذه النتائج بحظر إسرائيل للسلع الأساسية وهجماتها على البنية التحتية المدنية، بما في ذلك المرافق الطبية. فانعدام الأمن، والتهجير، والقيود المفروضة على المساعدات، ومحدودية الوصول إلى الغذاء والرعاية الطبية، كلها جلبت عواقب مدمرة على صحة الأمهات والمواليد الجدد. وتحذر أطباء بلا حدود من أن الوضع لا يزال دقيقًا للغاية على الرغم من الوقف المزعوم لإطلاق النار، وتحث السلطات الإسرائيلية على السماح فورًا بدخول المساعدات والإمدادات الحيوية بلا عوائق.

An MSF staff Mohammed Shehada, Nursing Activities Manager at Al-Helou Hospital, in Gaza City, Occupied Palestinian Territory, checks on a new

الآثار المدمرة لسوء التغذية خلال الحمل

أزمة سوء التغذية مفتعلة بالكامل. قبل الحرب، كان سوء التغذية في غزة شبه معدوم. على مدى عامين ونصف، أدى الحظر الممنهج للمساعدات الإنسانية والسلع التجارية، بالإضافة إلى انعدام الأمن، إلى تقييد شديد للوصول إلى الغذاء والمياه النظيفة. أُجبرت المرافق الصحية على التوقف عن العمل وتدهورت ظروف المعيشة بشكل كبير. ونتيجة لذلك، أصبحت الفئات الأشد حاجة من السكان معرضة بشكل متزايد لخطر الإصابة بسوء التغذية.
المسؤولة الطبية عن حالات الطوارئ في أطباء بلا حدود، ميرسيه روكاسبانا

حللت أطباء بلا حدود البيانات التي جُمعت من مئتي أم وأم لأطفال حديثي الولادة يتلقون العلاج في وحدات العناية المركزة لحديثي الولادة في مستشفيي الناصر والحلو في خان يونس ومدينة غزة، بين يونيو/حزيران 2025 ويناير/كانون الثاني 2026. أكثر من نصف النساء عانين من سوء التغذية* في مرحلة ما خلال الحمل، و25 في المئة منهن كنّ لا يزلن يعانين من سوء التغذية أثناء الولادة.

تسعون في المئة من الأطفال المولودين لأمهات يعانين من سوء التغذية وُلدوا قبل الأوان، و84 في المئة منهم كان وزنهم عند الولادة منخفضًا – وهي نسبة أعلى بكثير من تلك المسجلة لدى الأطفال المولودين لأمهات لم يكنّ يعانين من سوء التغذية عند الولادة. كانت معدلات وفيات المواليد مرتفعة بمقدار الضعف بين الرضع المولودين لأمهات يعانين من سوء التغذية مقارنةً بالمولودين لأمهات لا يعانين من سوء التغذية.

التهجير وانعدام الأمن يمنعان تلقي العلاج

بين أكتوبر/تشرين الأول 2024 وديسمبر/كانون الأول 2025، أدخلت فرق أطباء بلا حدود 513 رضيعًا دون سن ستة أشهر إلى برامج التغذية العلاجية لمرضى العيادات الخارجية في مركزي المواصي والعطار للرعاية الصحية الأولية في خان يونس. من بين الذين أُدخلوا، كان 91 في المئة معرضين لخطر ضعف النمو والتطور. بحلول ديسمبر/كانون الأول، خرج 200 طفل من البرنامج – إذ شُفي 48 في المئة منهم فقط، وتوفي سبعة في المئة، وأُحيل سبعة في المئة إلى برنامج للأطفال الأكبر سنًا، فيما تمثلت الصدمة في نسبة الذين لم يلتزموا بالعلاج والتي بلغت 32 في المئة، وذلك مرتبط بشكل أساسي بانعدام الأمن والتهجير.

تزامن انخفاض استقبال المرضى في أواخر يوليو/تموز وأوائل أغسطس/آب 2025 مع فترة من تزايد انعدام الأمن وتعطّل توزيع المواد الغذائية. طلبت معظم الأمهات الدعم الغذائي حتى قبل أن يُشخّص أطفالهن بسوء التغذية، ما يعكس انعدام الأمن الغذائي على نطاق واسع بسبب الحصار الذي فرضته إسرائيل، والذي منع فعليًا دخول المواد الغذائية إلى غزة لعدة أشهر. وقد اعتمدت العائلات آليات للتكيف، وغالبًا ما أعطت الأولوية للرجال والأطفال على حساب الأمهات عند توزيع المواد الغذائية المحدودة.
المنسقة الطبية للمنظمة في فلسطين، مارينا بوماريس
A patient is checked at MSF’s ambulatory therapeutic feeding centre in Al-Attar primary healthcare centre in Khan Younis, Gaza, in the Occupi

أزمة سوء تغذية مفتعلة

قبل الحرب، لم تكن هناك أي وحدات مخصصة للتغذية العلاجية. وقد رصدت فرق أطباء بلا حدود أولى حالات سوء التغذية لدى الأطفال في يناير/كانون الثاني 2024. ومنذ ذلك الحين وحتى مارس/آذار 2026، أدخلت المنظمة 4,950 طفلًا دون سن 15 عامًا – 98 في المئة منهم دون سن الخامسة – يعانون من سوء التغذية الحاد في برامج العيادات الخارجية والمرضى المقيمين. وخلال الفترة نفسها، سُجلت 3,482 امرأة من الحوامل والمرضعات في برامج العيادات الخارجية.

تقول منى، وهي امرأة تبلغ من العمر 23 عامًا وقد تلقت العلاج من أطباء بلا حدود، “توفي ابني الأصغر في عمر خمسة أشهر بسبب سوء التغذية الحاد. عانيت أنا شخصيًا من سوء التغذية أثناء الحمل، وكنت أعاني من الإسهال والضعف. أعيش في منزل مدمر بشكل جزئي. كان زوجي صيادًا لديه قارب صغير دمره القصف الإسرائيلي. والآن ليس لدينا دخل ثابت”.

انتهى وقف إطلاق النار المبرم في يناير/كانون الثاني 2025 في منتصف مارس/آذار 2025. وبحلول أواخر مايو/أيار 2025، انخفض عدد نقاط توزيع المواد الغذائية من نحو 400 نقطة إلى أربع نقاط فقط تابعة لمؤسسة غزة الإنسانية. وعلاوة على ذلك، أدى الحصار المفروض على شاحنات توزيع المواد الغذائية التجارية إلى تقييد الوصول إلى الغذاء بشكل كبير. يقول رئيس وحدة الطوارئ في أطباء بلا حدود، خوسيه ماس، “كانت نقاط [توزيع المواد الغذائية] ذات طابع عسكري وخطيرة، وكانت بالكاد تعمل، أو مفتوحة في نفس الوقت، ما زاد من تقييد الوصول إلى المساعدات الغذائية التي تمس الحاجة إليها”.

في الأشهر التالية، شهدت المرافق التي تدعمها أطباء بلا حدود زيادة حادة في عدد المرضى طالبي الرعاية بسبب العنف الذي وقع في نقاط توزيع المواد الغذائية وسوء التغذية المرتبط بالحرمان من الغذاء. كما أفادت نساء كثيرات بأنهن عانين من ضغط وقلق شديدين نتيجة المخاطر الكبيرة التي يواجهها أفراد الأسرة الذكور الذين يحاولون الحصول على الغذاء في مواقع مؤسسة غزة الإنسانية، والقصف الجوي المكثف وما نتج عنه من تهجير. لاحظت فرق أطباء بلا حدود ارتفاع عدد حالات الإجهاض التلقائي خلال هذه الفترة، حيث تبين أن الضغط الشديد كان عاملًا مساهمًا في ذلك.

Food items of Sahar Nafez Salam in the tent where she lives in a camp for displaced people in Khan Younis, Gaza, in the Occupied Palestinian

إعلان مستويات غير مسبوقة من سوء التغذية 

بين 16 أكتوبر/تشرين الأول و30 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، قُدر أن نحو ثلاثة أرباع سكان غزة يواجهون مستويات عالية من انعدام الأمن الغذائي الحاد، وفقًا للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، والذي أعلن عن مجاعة في أغسطس/آب، وهي الأولى من نوعها في منطقة الشرق الأوسط.

أدت القيود التكتيكية التي تفرضها إسرائيل على دخول المواد الغذائية، وممرات المساعدات ومواقع التوزيع ذات الطابع العسكري، والهجمات الموجهة على البنية التحتية الأساسية في غزة، إلى خلق بيئة يُستخدم فيها الجوع بشكل متعمد وسيلةً للسيطرة على السكان.
رئيس وحدة الطوارئ في أطباء بلا حدود، خوسيه ماس

ويضيف رئيس وحدة الطوارئ في أطباء بلا حدود، خوسيه ماس، “وعلى الرغم من أن الوقف المزعوم لإطلاق النار قد أدى إلى بعض الاستقرار في الأوضاع، إلا أنه لا يزال هشًا للغاية. تواصل فرقنا استقبال مرضى جدد يعانون من سوء التغذية، حيث يُجبر سكان غزة على تحمل ظروف معيشية غير لائقة بشكل مقصود، ويفتقرون إلى المساعدات والدخل والموارد الأساسية. تدعو أطباء بلا حدود السلطات الإسرائيلية، بصفتها سلطة الاحتلال، والدول الحليفة بما فيها الولايات المتحدة، إلى تسهيل دخول المساعدات الحيوية بشكل كافٍ ومستمر إلى سكان غزة لاستعادة مستويات مقبولة من الصحة والتغذية والكرامة”.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

وقف للنار بالاسم فقط: القوات الإسرائيلية تواصل قتل الناس في جنوب لبنان

وقف للنار بالاسم فقط: القوات الإسرائيلية تواصل قتل الناس في جنوب لبنان

رغم الإعلان عن وقف لإطلاق النار بين لبنان وإسرائيل في 17 أبريل/نيسان، وتمديده لاحقًا لثلاثة أسابيع إضافية، لا تزال الهجمات مستمرة في جنوب لبنان. فالقوات الإسرائيلية تواصل شنّ الغارات بصورة يومية موقعةً مئات القتلى والجرحى. كما تتوالى أوامر الإخلاء وتفضي إلى تهجير آلاف الأشخاص قسرًا، فيما لم تتوقّف عمليات نسف المنازل والقرى خلال الأسابيع الماضية.

وفي هذا السياق، تواصل المستشفيات في جنوب لبنان استقبال الجرحى، حيث تتعاون فرق أطباء بلا حدود مع وزارة الصحة العامة لتقديم العلاج للمرضى.

نشهد إصابات بليغة ومختلفة منذ سريان ما يُسمّى بوقف إطلاق النار. ففي عائلة واحدة، استقبلنا طفلًا صغيرًا يعاني من إصابات في الوجه، أُصيبت شقيقته ذات السنوات الأربع بكسور مركَّبة في الجمجمة وكسور في الأطراف وكدمات في الرئتين، وتعرّض والدهما لإصابات متفاوتة، فيما بقيت والدتهما عالقة تحت أنقاض منزلهم. تعمل الفرق الطبية في كلا المستشفيين على مدار الساعة لعلاج هؤلاء المرضى الذين تتراوح إصاباتهم بين جروح طفيفة وحالات بليغة تستدعي إجراء عمليات جراحية متقدمة.
د. تيانمين دن، طبيبة طوارئ مع أطباء بلا حدود

بين 18 أبريل/نيسان و3 مايو/أيار، استقبل مستشفى جبل عامل 173 مصابًا، فيما قضى 145 مريضًا متأثرين بجراحهم.

وفي قضاء النبطية، تشهد فرق أطباء بلا حدود وضعًا مماثلًا في المستشفيين اللّذين ندعمها. فبين 26 أبريل/نيسان و3 مايو/أيار، استقبل المستشفيين 65 مصابًا، من بينهم مريضان قضيا متأثّرَين بجروحهما، فضلًا عن 26 شخصًا وصلوا إلى المستشفى وقد فارقوا الحياة.

ورغم استمرار الدعم المقدَّم، بما يشمل تعزيز رعاية الطوارئ وإحالات الإسعاف، لا يزال المصابون يصلون متأخرين أو في مراحل حرجة من إصاباتهم نتيجة انعدام الأمن وبعد المسافات التي تفصلهم عن الرعاية. وفي بعض الحالات، تقترن إحالة المرضى بتحديات كثيرة في ظل انعدام الأمن على الطرقات. ومع ذلك، لا تجد الفرق الطبية أمامها من خيار سوى إحالة المرضى إلى مرافق أخرى في ظل نقص المستلزمات الطبية الأساسية في المرافق التي يعملون فيها على غرار وحدات الدم. فعلى سبيل المثال، في الأسبوع الماضي، تقرَّر نقل مريضين مصابين بجروح بالغة من مستشفى النجدة الشعبية إلى مستشفى آخر بسبب نقص وحدات الدم، ففارقا الحياة أثناء نقلهما.

ونظرًا للاحتياجات الهائلة، تُجبَر الفرق الطبية في جنوب لبنان على العمل لفترات متواصلة قد تبلغ 36 ساعة وبوتيرة أسرع عما قبل، كما تُضطر أحيانًا إلى تنسيق عدة عمليات جراحية في آن واحد للمريض نفسه، سواء بسبب هول الاحتياجات أو خطورة الإصابات.

وفي هذا السياق، تعمل أطباء بلا حدود على تكييف أساليب عملها لتواصل دعم فرق المستشفى التي أُنهكت بفعل أكثر من شهرين من الغارات المتواصلة ووقف إطلاق النار الذي لم يمنحهم أي شعور بالراحة. وفي مستشفى قانا في صور ومستشفى النجدة الشعبية في النبطية، تتولى فرق أطباء بلا حدود المناوبات الليلية للمساعدة في ضمان استمرارية الرعاية والتخفيف من الضغط وعبء العمل على الأطباء المقيمين.

تدهور متسارع في الصحة النفسية

سامية* هي امرأة نازحة من الجنوب وتقيم حاليًا في بلدة برجا بقضاء الشوف شمال نهر الليطاني. عادت إلى منزلها فور الإعلان عن وقف إطلاق النار لتجد أنه تضرّر بشكلٍ بالغ. وتقول في هذا الصدد، “لا نثق بهذه الهدنة، فقد سلبت منا كل ما تبقى من أمل. إن كنت أعاني قبل وقف إطلاق النار، فوضعي الآن أسوأ بمئة مرة”.

وفي سبيل الاستجابة للاحتياجات المتنامية في مجال الصحة النفسية، تعمل فرقنا في محافظتي النبطية والجنوب على تكثيف عدد العيادات المتنقلة وزيادة وتيرتها للوصول إلى المجتمعات النائية والعائلات التي قرّرت العودة إلى ديارها في أعقاب الإعلان عن وقف إطلاق النار، والتي تشهد أوضاعها النفسية تدهورًا كبيرًا.

وتوضح د. دن، “استيقظت لاجئة من سوريا، كانت قد فقدت كلتا ساقيها في غارة جوية قبل أسابيع قليلة، على خبر مقتل ابنها البالغ من العمر ثماني سنوات في غارة جوية، فيما أصيبت ابنتها بثقوب معوية جراء الشظايا. كيف يمكن أن نتوقّع من هذه الأم أن تتحمّل واقعها الجديد؟”.

ظنّ كثيرون أنّ وقف إطلاق النار الذي أُعلن قبل ثلاثة أسابيع سيمنحهم وعائلاتهم بعض الانفراج، لكن الواقع جاء مختلفًا.

مرّ شهران على بدء التصعيد، والوضع يزداد تعقيدًا مع تفاقم أنماط العنف والضرر مع مرور الوقت. ففي غياب حماية حقيقية ووصول غير مقيّد إلى الرعاية الصحية، لم يمنح النزوح الأمان للناس، ولم يوفّر الحماية للمدنيين.
جيريمي ريستور، رئيس بعثة أطباء بلا حدود في لبنان

*تم تغيير الاسم لحماية الهوية

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

10 سنوات على قرار الأمم المتحدة 2286: حماية الرعاية الصحية

t Mary Soledad Hospital in Bamenda is the base of MSF's ambulance service in Cameroon's North-West Region

10 سنوات على قرار الأمم المتحدة 2286: حماية الرعاية الصحية

4 أيار/مايو، 2026 – يوافق يوم 3 أيار/مايو مرور 10 سنوات منذ أن اعتمد مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بالإجماع القرار 2286. التزمت أكثر من 80 دولة عضو بحماية العاملين في المجال الطبي والطبي الإنساني والبنية التحتية ووسائط النقل والمعدات الخاصة بها. واليوم، تدعو المنظمة الإنسانية الطبية الدولية أطباء بلا حدود الدول إلى احترام هذا الالتزام وحماية الرعاية الطبية.

لدى منظمة أطباء بلا حدود فرق تعمل في أكثر من 70 دولة حول العالم، بما في ذلك في الأراضي الفلسطينية المحتلة ولبنان وأوكرانيا والسودان وميانمار، بالإضافة إلى مناطق نزاع أخرى. في العقد الماضي، قُتل 21 من موظفي أطباء بلا حدود في 15 حادثة أثناء قيامهم بواجباتهم. في عام 2025 وحده، أبلغ نظام مراقبة الهجمات على الرعاية الصحية (SSA) التابع لمنظمة الصحة العالمية عن ما مجموعه 1348 هجوماً على المرافق الطبية، ما أدى إلى وفاة 1981 شخصاً.

ما كان يعتبر حدثاً استثنائياً في السابق أصبح الآن أمراً شائعاً. نرى تجاهلًا صارخاً لحماية البعثات الطبية في البلدان التي تشهد حروباً. يجب على الدول التي التزمت بحماية الرعاية الطبية في عام 2016 التوقف عن الاختباء وراء الأعذار وتوجيه أصابع الاتهام، والتصرف.
الدكتور جافيد عبد المنعم، الرئيس الدولي لمنظمة أطباء بلا حدود
Israeli strike on Nasser hospital in Gaza

على مدى السنوات العشر الماضية، كانت الهجمات على الرعاية الصحية عديدة وشملت الضربات الجوية على المستشفيات في سوريا واليمن، وقصف المستشفيات في أوكرانيا والأراضي الفلسطينية المحتلة، وضربات الطائرات المسيرة على مستشفى في ميانمار، وهجمات على سيارات الإسعاف التي تحمل علامات تعريف واضحة في الكاميرون وهايتي ولبنان. غالباً ما كان جواب الدول المرتكبة هو الإنكار أو الادعاء بارتكاب خطأ أو اتهامات بفقدان الحماية دون دليل. كما يُعامل العاملون الصحيون بشكل متزايد على أنهم مشتبه بهم وليسوا محميين.

والنتيجة المباشرة للهجمات هي الإصابات والخسائر في الأرواح. وعلى المدى الطويل، فإن النتيجة هي أن المجتمعات غالباً ما تُحرم من الرعاية المنقذة للحياة حيث لا تتم إعادة بناء البنية التحتية الصحية أو تقوم المنظمات الإنسانية بتعليق أنشطتها بسبب المخاوف الأمنية. في عام 2025، أجرت فرق أطباء بلا حدود في السودان ما يقرب من 850,000 استشارة للمرضى الخارجيين، وأدخلت نحو 95,600 شخص إلى المستشفيات وساعدت في ما يقرب من 29,000 ولادة. في غزة، خلال الفترة نفسها، أجرت الفرق 913,000 استشارة للمرضى الخارجيين، واستقبلت نحواً من 54,000 شخص وأجرت 89,800 جلسة صحة نفسية. في أوكرانيا في عام 2025، أحالت سيارات الإسعاف التابعة لمنظمة أطباء بلا حدود 10,700 مريض، 60 في المئة منهم أصيبوا بجروح مرتبطة بالحرب، وقدمت الفرق 45,300 استشارة للمرضى الخارجيين عبر العيادات المتنقلة، وأجرت 9,750 جلسة علاج طبيعي. عندما تتعرض البنية التحتية للرعاية الصحية للتلف أو التدمير، وإذا كان الناس خائفون جداً من مغادرة منازلهم لطلب الرعاية الطبية، فإن المجتمعات هي التي تعاني.

تتعرض الرعاية الطبية في حالات النزاع لتهديد شديد، حيث شوهدت هجمات ضد العاملين في مجال الرعاية الصحية والبنية التحتية الصحية العاملة في كل صراع تقريباً على مدى العقد الماضي. تطالب منظمة أطباء بلا حدود الدول باحترام التزاماتها وتعهداتها بموجب القرار 2286 من أجل مزيد من الحماية والمساءلة. يجب أن تكون الحماية الممنوحة لنا ولمرضانا بموجب القانون الإنساني الدولي مشفوعة بالأفعال، وليس مجرد كلمات.
الدكتور جافيد عبد المنعم، الرئيس الدولي لمنظمة أطباء بلا حدود
Medical and health aid centre in Davydiv Brid village, Kherson Oblast. 31 January 2023.
Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

إسرائيل تستعمل المياه سلاحًا للعقاب الجماعي ضد الفلسطينيين في غزة

إسرائيل تستعمل المياه سلاحًا للعقاب الجماعي ضد الفلسطينيين في غزة

القدس – عمدت السلطات الإسرائيلية إلى توظيف الوصول إلى المياه سلاحًا بوجه الفلسطينيين، إذ حرمت سكان غزة من المياه بشكل ممنهج في إطار حملة عقاب جماعي، وفقًا لما أفاد به تقرير أصدرته منظمة أطباء بلا حدود. وفي هذا السياق، تطالب أطباء بلا حدود السلطات الإسرائيلية بإعادة توفير المياه للسكان في غزة فورًا وبالمستويات المطلوبة، كما يقع على عاتق حلفاء إسرائيل استخدام نفوذهم والضغط عليها لوقف عرقلة وصول المساعدات الإنسانية، بما في ذلك الاحتياجات المرتبطة بالبنية التحتية للمياه.

يشكّل هذا الحرمان المتعمّد للفلسطينيين من المياه جزءًا لا يتجزّأ من الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل. ويوثّق تقرير أطباء بلا حدود كيف أنّ الاستخدام المتكرّر للمياه بصفتها سلاحًا من قبل السلطات الإسرائيلية لا يمثّل أفعالًا معزولة، بل يندرج ضمن نمط متكرر ومنهجي وتراكمي. ويجري ذلك بالتوازي مع القتل المباشر للمدنيين وتدمير المرافق الصحية وتسوية المنازل بالأرض بما يفرض نزوحًا جماعيًا. وتشكل هذه الممارسات مجتمعةً خلقًا متعمَّدًا لظروف معيشية مدمّرة وغير إنسانية للفلسطينيين في غزة.

تدرك السلطات الإسرائيلية أن الحياة لا يمكن أن تستمرّ من دون ماء، لكنّها دمّرت البنية التحتية للمياه في غزة بشكل متعمّد ومنهجي، وفي الوقت نفسه، تستمر في منع دخول الإمدادات المرتبطة بالمياه. لقي فلسطينيون حتفهم وأُصيب آخرون لمجرد أنّهم كانوا يحاولون الحصول على المياه. هذا الحرمان، إلى جانب الأوضاع المعيشية المتردية والاكتظاظ الشديد وانهيار النظام الصحي، يُهيّئ بيئة خصبة ومثالية لانتشار الأمراض.
مديرة شؤون الطوارئ في أطباء بلا حدود، كلير سان فيليبو

دمّرت إسرائيل أو ألحقت أضرارًا بقرابة 90 في المئة من البنية التحتية للمياه والصرف الصحي في غزة، بما في ذلك محطات التحلية والآبار وخطوط الأنابيب وشبكات الصرف الصحي[1]. وقد وثّقت فرق أطباء بلا حدود إطلاق الجيش الإسرائيلي للنار على شاحنات مياه تحمل شعار المنظمة بوضوح، أو تدمير آبار كانت تمثّل شريان حياة لعشرات آلاف الأشخاص. كما سُجّلت حوادث عنف متكرّرة أثناء توزيع المياه على السكان، ما أسفر عن إصابة فلسطينيين وعاملين في المجال الإنساني وإلحاق أضرار بالمعدات.

وتقول حنان، وهي امرأة فلسطينية في مدينة غزة، “كان حفيدي في النصيرات، في يوليو/تموز [2025]. ذهب ليحضر بعض مياه الشرب. كان يقف في الطابور مع أطفال آخرين، فقتلته [القوات الإسرائيلية]. كان عمره 10 سنوات… لا يُفترض أن يكون الحصول على الماء بهذه الخطورة”.

أدّى الشح المفتَعَل للمياه الذي تسببت به السلطات الإسرائيلية إلى واقعٍ تراكمي حتى بات تزويد الناس بكميات كافية من المياه غير ممكن. فبعد السلطات المحلية، تُعدّ أطباء بلا حدود أكبر جهة منتِجة لمياه الشرب وأحد أبرز موزعيها في غزة. ومع ذلك، بين مايو/أيار ونوفمبر/تشرين الثاني 2025، نفدت كمية المياه في واحدة من كل خمس عمليات توزيع نظمناها، إذ لم تكن شاحناتنا قادرة على حمل ما يكفي لتلبية احتياجات جميع الأشخاص الذين يحتاجون إلى المياه. كما حالت أوامر الإخلاء التي يصدرها الجيش الإسرائيلي دون وصول فرقنا إلى مناطق كنّا نؤمّن فيها المياه لمئات آلاف الأشخاص، ما أدّى إلى توقّف خدمات أساسية وفقدان بنية تحتية منقذة للحياة.

هذا وعرقلت السلطات الإسرائيلية دخول المواد الأساسية المرتبطة بخدمات المياه والصرف الصحي إلى غزة. فمنذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، قُطعت أو فُرضت قيود مشدّدة على الكهرباء والوقود، وعلى الإمدادات مثل المولّدات وقطع غيارها وزيت المحرّكات، وهي عناصر حيوية لتشغيل أنظمة معالجة المياه وتوزيعها. وقد رُفض ثلث طلباتنا لإدخال هذه الإمدادات الحيوية أو لم نتلقَّ عليها أي رد. تشمل هذه المواد وحدات تحلية المياه ومضخّات وكلور وغيره من المواد الكيميائية اللازمة لمعالجة المياه، بالإضافة إلى خزّانات مياه وطاردات حشرات ومراحيض. كما أنّ الكثير من المواد التي حصلت على موافقة السلطات الإسرائيلية أُعيدت لاحقًا عند المعبر.

يقول علي، وهو نازح فلسطيني يعيش في مخيم في دير البلح، “نحن بحاجة إلى المياه. الأمر غير منطقي. كأننا نطلب من العالم أبسط مقوّمات الحياة”.

تطال تداعيات هذا الحرمان من الوصول إلى المياه جوانب واسعة من حياة الناس، من صحتهم إلى نظافتهم وكرامتهم، ولا سيّما النساء والأشخاص المتعايشين مع عجز. وقد بات الوصول إلى مستلزمات النظافة الأساسية شديد الصعوبة، بما في ذلك المياه النظيفة والصابون والحفاضات ومنتجات النظافة الخاصة بالدورة الشهرية. وفي هذا السياق، يُضطرّ الناس إلى الحفر في الرمال لاستخدام هذه الحُفَر كمراحيض، لكنها سرعان ما تفيض وتلوّث محيطها والمياه الجوفية بالفضلات.

[1] وفقاً للأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي

يتسبب الحرمان من الوصول إلى المياه والنظافة الصحية، فضلًا عن العيش في ظروف قاسية وغير لائقة، كالاكتظاظ في الخيام والملاجئ المؤقتة، بتصاعد ملحوظ في تفشّي الأمراض، بما في ذلك التهابات الجهاز التنفسي والأمراض الجلدية وأمراض الإسهال. وقد شكّلت الأمراض الجلدية نحو 18 في المئة من مجمل الاستشارات الطبية العامة التي قدّمتها أطباء بلا حدود في عام 2025، فيما أظهرت بياناتنا بين مايو/أيار وأغسطس/آب 2025 أنّ قرابة 25 في المئة من الأشخاص عانوا من أمراض في الجهاز الهضمي خلال الشهر السابق.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

جنوب لبنان: 46 يوماً تحت الهجمات الإسرائيلية

view showing Sour beach and the seaside of Sour, southern Lebanon, and the destruction caused by the mass bombing

تتقدّم السيارات ببطء نحو جنوب لبنان، عابرةً جسر القاسمية الذي طالته الغارات الإسرائيلية، فيما تعود العائلات النازحة إلى مناطقها. وعلى جانبي الطريق، تمتد بساتين الحمضيات والموز على طول المدى. يتجه بعض العائدين إلى صور، المدينة الساحلية المدرجة على قائمة التراث العالمي لليونسكو، بعد 46 يومًا من القصف الإسرائيلي والتي لا تزال موئل الذين لم يهجروها.

غيّر حجم الدمار الذي خلّفته الغارات ملامح المدينة وأثّر في حياة سكانها. فبينما تصطف أشجار النخيل على طول الواجهة البحرية للمتوسّط، وتنتشر قوارب الصيد على مقربة منها، نجد في المنطقة نفسها مبانٍ من عشرة طوابق انشطرت إلى نصفين بفعل القصف. وعوضًا عن المنازل والشوارع، حلّت حُفر يبلغ عمقها عدة أمتار، فيما تُركت سيارات مهجورة على قارعة الطريق، وقد مزّقتها الشظايا.

View of the seaside of Sour, southern Lebanon, and the destruction caused by the mass bombings during the 46-day period o

أُجبر معظم السكان على النزوح خلال فترة التصعيد، أما من قرروا البقاء، فقد عُزلوا بشدّة بعدما دمّرت الغارات الجسور الرئيسية التي تربط الجنوب ببقية البلاد، هذا واضطرّ العاملون في المجال الإنساني إلى الإخلاء، وواجهت الكوادر الصحية هجمات شبه يومية، فيما أجبر القصف المتواصل السكان على ملازمة منازلهم.

وعلى الرغم من الحس بالارتياح الذي جلبه وقف إطلاق النار لعشرة أيام، إلا أنّ هشاشته لم تبدّد حالة عدم اليقين، بما في ذلك صوت المسيّرة الإسرائيلية في الأجواء وأصداء الانفجارات قرب الحدود. لا يزال السكان يتساءلون عمّا إذا كانت الهجمات ستتجدد، وما إذا كانوا سيتمكّنون من الحصول على الغذاء والوقود والأدوية، وما إذا كانوا سيستطيعون العودة مجددًا إذا اضطروا إلى المغادرة.

معزولون، تحت القصف، ومحرومون من الرعاية الصحية

خلال 46 يومًا من الغارات الإسرائيلية، لم يبقَ السكان في الجنوب من باب الأمان، بل بقوا لأن المغادرة لم تكن ممكنة بفعل الكلفة وغياب المأوى والخشية من فقدان المنازل، والشعور بالمهانة المرتبط بالتهجير القسري. خلال التصعيد الأخير، كان كثيرون في صور ومحيطها قد نزحوا أصلًا من بلدات قريبة من الحدود الجنوبية نتيجة اقتحام القوات الإسرائيلية لمنازلهم، ولم يكونوا راغبين، أو قادرين، على خوض هذه التجربة من جديد.

وفي هذا الصدد، يقول حمد الدرويش، أمين سر اللجنة الشعبية لتجمع جل البحر الفلسطيني في صور، حيث نزحت عائلته عام 1948 إبان النكبة، “كنا هنا ولم نتحرك من هنا، الحمد لله رب العالمين. وعلى مدى 46 يومًا، كنّا محاصرين من دون أي من مقومات الصمود، ما من تموين ولا أي شيء، وعاش السكان بصعوبة شديدة”.

From a window View of the seaside of Sour, southern Lebanon, and the destruction caused by the mass bombings

أدّت الهجمات على القطاع الصحي والقصف المتواصل من قِبل القوات الإسرائيلية إلى قطع الرعاية الصحية عن الناس، فقد شُنَّت غارات إسرائيلية على المنطقة، بعضها مع سابق إنذار وبعضها من دونه، وطالت مرافق صحية وسيارات الإسعاف أو وقعت في محيطها، وفيما غادرت معظم الجهات الدولية الجنوب بسبب تدهور الوضع الأمني، اضطرت مرافق صحية محلية بدورها إلى الإغلاق نتيجة القصف القريب. وبات السكان حبيسي منازلهم، فصاروا يتجنبون التجمّعات، بل ويُفرّقون بين أفراد الأسرة للحد من خطر القتل جرّاء القصف.

توقّف بعض المرضى عن تناول أدويتهم بسبب عدم توفّرها، كما آثروا صرف ما لديهم من موارد لتأمين الغذاء والمياه، وفي الوقت نفسه، يفتقر الناس إلى أيّ شعور بالأمان تجاه ما ينتظرهم في الأيام المقبلة.
د. عايدة حسّونة، طبيبة مع أطباء بلا حدود
MSF medical team working with Ministry of Public Health staff in Jabal Amel hospital, Sour, southern Lebanon.

الاجتياح البري للقوات الإسرائيلية يهجّر الناس قسرًا

شنت القوات الإسرائيلية اجتياحًا بريًا في جنوب لبنان، نتج عنه ما يُعرف بـ”الخط الأصفر”، وهي منطقة محظورة تحتل فيها القوات الإسرائيلية أجزاء من الأراضي اللبنانية، مما حال دون عودة سكان نحو 55 قرية إلى منازلهم. وفي ظل التدمير والهدم الذي طال قرى ومجتمعات بأكملها، بات الآلاف يرزحون تحت وطأة التهجير القسري.

الكل مقهور وزعلان لحال بلده، ونحن كذلك. هنا نسمع أصوات التفجيرات. فلمَ تُفجّر ضيعنا وبيوتنا؟ ولمَ الخط الأصفر والخط الأحمر والخط الأزرق؟ كنا نأكل من حول بيوتنا، الخس والنعنع والبقدونس، وكل شيء كنا نزرعه بالقرب من البيت. لا يصح أن يظل المرء كل الحياة هكذا.
صالحة سرور، مريضة تتلقى الرعاية في عيادات أطباء بلا حدود، وهي قد نزحت مرات عدّة أولها من بلدتها الحدودية عيتا الشعب

وفيما واصل عاملو المجال الصحي في المنطقة عملهم طوال أشهر الحرب تحت وطأة ضغط هائل، ففرق أطباء بلا حدود في جنوب لبنان، بما في ذلك صور والنبطية، تواصل تقديم الرعاية الصحية الأولية والدعم النفسي ورعاية الصحة الجنسية والإنجابية، وتيسير الإحالات إلى الرعاية الصحية المتخصصة، فضلًا عن دعم المستشفيات في التعامل مع حالات الإصابات البليغة والطوارئ. هذا وتواصل أطباء بلا حدود دعوتها إلى توسيع عاجل لنطاق المساعدات الإنسانية وضمان وصولها من دون عوائق حيثما دعت الحاجة في مختلف أنحاء لبنان.

As people begin returning during the fragile and temporary ceasefire, MSF mobile clinic teams in Sour and surroundings
Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

جنوب لبنان: “اختاروا البقاء” – النظام الصحي منهَك بعد 46 يومًا من القصف

جنوب لبنان: “اختاروا البقاء” – النظام الصحي منهَك بعد 46 يومًا من القصف

تشهد الحرب في لبنان وقفًا هشًّا لإطلاق النار لمدة عشرة أيام، وقد أوقعت آثارًا مدمّرة على النظام الصحي وكوادره. وبينما أوقع القصف الإسرائيلي قتلى وجرحى، وجد العاملون في المجال الصحي أنفسهم في دائرة الخطر في ظل الهجمات التي طالت المستجيبين الأوائل ومحيط المستشفيات وأوقعت خسائر في الأرواح وجرحى في صفوفهم. ومع ذلك، واصل العاملون في المجال الصحي في لبنان تقديم الرعاية المنقذة للحياة وسط ضغوط هائلة.

في جنوب لبنان، عملت الكوادر الصحية على مدار الساعة للاستجابة شبه اليومية للأعداد الهائلة من المصابين والقتلى الذين يُنقلون إلى المستشفيات. كان المرضى، بمن فيهم أطفال، يصلون وهم يعانون من إصابات بالغة، شملت نزيفًا حادًا وبترًا رضحيًا وجروحًا معقّدة. وكثيرًا ما خشي العاملون في المجال الصحي من أن يكون بين المصابين أفرادٌ من عائلاتهم أو أشخاص يعرفونهم.

وفي هذا الصدد، تقول تانيا هاشم، مديرة البرنامج الطبي في أطباء بلا حدود، “أمضت الكوادر الصحية في مستشفيات النبطية 46 يومًا وهي تنام داخل المستشفيات. ولم يتمكّن بعضهم من رؤية عائلاتهم، فيما أقام آخرون مع أفراد من أسرهم داخل المستشفى”.

في النبطية جنوبي لبنان، هُجّر آلاف الأشخاص قسرًا عقب القصف المكثّف الذي شنّته القوات الإسرائيلية، متبوعًا بأوامر إخلاء كلّي. ومع ذلك، اختارت عائلات كثيرة البقاء، وبقي العاملون في المجال الصحي في مواقعهم، يعملون على مدار الساعة لضمان استمرار الخدمات المنقذة للحياة. وفي مستشفى النبطية الحكومي، احتمت نحو 42 عائلة من العاملين في المجال الطبي مع أطفالهم داخل المستشفى. وعلى بُعد كيلومترات قليلة، كانت الفرق في مستشفى النجدة الشعبية تستجيب أيضًا لحالات إصابات جماعية خلال احتمائها داخل المرفق، إذ كان التنقّل داخل المدينة شديد الخطورة بسبب الغارات المتواصلة من القوات الإسرائيلية، حتى إن تأمين الإمدادات الأساسية كان يتطلّب توجّه سيارات الإسعاف إلى مدن أخرى.

تشرح د. منى أبو زيد، مديرة مستشفى النجدة الشعبية في النبطية التي بقيت في المستشفى طوال فترة التصعيد، “كان بقاء الجميع داخل المستشفى جزءًا من خطة الاستعداد للطوارئ، حتى لا يضطر أحد إلى المغادرة والرجوع. كان الأطباء يبيتون هنا، وبقي أطفالهم معهم”. وكان المصابون جراء الغارات الإسرائيلية يُنقلون إلى المستشفى وهم يعانون من إصابات مروّعة ونزيف حاد وجروح تهدد حياتهم.

وتضيف، “كان الأطفال يصلون أحيانًا إلى المستشفى وقد فقدوا كلا والديهم”.

تقديم الرعاية تحت القصف

منذ الثاني من مارس/آذار، سجّلت منظمة الصحة العالمية هجمات شبه يومية على الرعاية الصحية، بلغ مجموعها 147 هجومًا حتى وقف إطلاق النار الأخير لمدة عشرة أيام. وقد تسببت هذه الهجمات في إلحاق أضرار بالمستشفيات ومقتل أكثر من 100 من العاملين في المجال الصحي وإصابة 233 آخرين، بما في ذلك حالات استُهدفت فيها الفرق الطبية خلال هجمات متكررة على المواقع نفسها أثناء استجابتها للمصابين. كما أُجبرت ستة مستشفيات على الأقل على الإغلاق، فيما تعرّضت مستشفيات عديدة أخرى للأضرار.

في مستشفى النبطية الحكومي، استقبل د. أحمد زريق جثمان زميله المسعف بعد ساعات فقط من حديثه معه.

ويقول، “أمضينا الصباح في الخارج، نتحدث معًا. ثم غادر ليستجيب لحالة طارئة. فتعرّض لإصابة بالغة واستُشهد على إثرها. كنا قد رأيناه في صباح ذلك اليوم نفسه، وأمضينا وقتًا معه. تخيّلي أن تلتقي شخصًا وتبدو كل الأمور طبيعية تمامًا، ثم فجأة يتبدّل كل شيء. لقد كان مسعفًا. غادر ولم يعد. رجع بجسده بلا روحه”.

تعرّضت مستشفيات تدعمها أطباء بلا حدود في صور والنبطية لأضرار نتيجة غارات وقعت على مقربة منها. ففي صور، أُصيب عاملون في المجال الطبي في مستشفى حيرام جراء تحطّم الزجاج، فيما تسبّبت الغارات في محيط المستشفى اللبناني الإيطالي بأضرار طالت معدات طبية، من بينها أجهزة غسيل الكلى. أما في مستشفى جبل عامل، فقد اضطر الفريق الطبي إلى إزالة الزجاج المتناثر وتعزيز النوافذ بعد تحطّمها بفعل عصف الانفجارات القريبة.

لا يزال الوقف المؤقت لإطلاق النار هشًّا. وخلال الأيام العشرة هذه، يحاول العاملون في المجال الصحي في المستشفيات أخذ قسطٍ من الراحة، والاستعداد لاحتمال تجدّد الأعمال العدائية. تواصل أطباء بلا حدود دعم عدد من المستشفيات، من بينها مستشفى جبل عامل والمستشفى اللبناني الإيطالي في صور، ومستشفى النبطية الحكومي ومستشفى النجدة الشعبية في النبطية، إلى جانب مستشفى رفيق الحريري ومستشفى بعلبك الحكومي وغيرها، وذلك من خلال تقديم التبرعات ودعم الرعاية الطارئة ورعاية الإصابات البليغة.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

لبنان: الحاجة ماسة لتوسيع نطاق المساعدات الإنسانية بعد قرابة شهرين من التدمير

Lycee Abdel Kader shlter Beirut, Lebanon

لبنان: الحاجة ماسة لتوسيع نطاق المساعدات الإنسانية بعد قرابة شهرين من التدمير

في أعقاب الإعلان عن وقف مؤقت لإطلاق النار، يخيم الغموض والحذر على الحس الضئيل بالارتياح بين السكان في لبنان. لا تزال الاحتياجات الإنسانية والطبية هائلة لمئات آلاف الأشخاص في لبنان. وفي ضاحية بيروت الجنوبية، يتنقل الناس ذهابًا وإيابًا بين مراكز الإيواء وبيوتهم، ويجمعون ما استطاعوا حمله، ويستعدون للعودة إلى أماكن نزوحهم في حال تفاقم الوضع. خسر السكان بيوتهم وسبل عيشهم وأحباءهم، خاصةً في ضاحية بيروت الجنوبية والبقاع وجنوب لبنان، وهُجّر أكثر من مليون شخص قسرًا بسبب الهجمات الإسرائيلية المتتابعة.

Harriri school shleter Beirut, Lebanon

وفي الوقت الذي تعمل فيه فرق أطباء بلا حدود في مختلف أنحاء لبنان على تكييف استجابتها وتقييم الاحتياجات مع استمرار تنقّل السكان حول البلاد، فإننا نواصل المطالبة بزيادة عاجلة في حجم المساعدات الإنسانية وإتاحة وصولها بلا عوائق إلى المحتاجين في جميع أنحاء البلاد.

علق العائدون جنوبًا في طوابير طويلة من السيارات وسط الازدحام المروري. لا يزال انعدم اليقين شديدًا. ولا يعرف كثيرون ما إذا كانوا سيجدون بيوتهم قائمة أم مدمرة. ورغم بعض الراحة التي قد يجلبها وقف الهجمات، فإن الاحتياجات الإنسانية للسكان لا تزال ملحّة وهائلة. ويشمل ذلك الأثر النفسي الناجم عن أشهر من الصدمات التي تسببت بها عمليات القتل والتهجير وانعدام الوصول إلى الضرورات الأساسية.

وحتى قبل التصعيد في أوائل مارس/آذار، كان الوقف المزعوم لإطلاق النار مجرد حبر على ورق، حيث استمرت الهجمات المتتابعة للقوات الإسرائيلية بتدمير حياة السكان. ولا يزال هنالك أكثر من 64 ألف شخص مهجّر بسبب التوغلات الإسرائيلية والاحتلال في جنوب لبنان، في حين استُهدفت الآليات المستخدمة لإعادة الإعمار والمرافق المدنية الأخرى، ما حال دون التعافي في كثير من المناطق.

Azarieh Shleter in Beirut, Lebanon

منذ الثاني من مارس/آذار، قُتل أكثر من ألفي شخص وأصيب أكثر من 7,000 آخرين لغاية 10 أبريل/نيسان، بحسب مسؤولي الصحة المحليين. وفي الثامن من أبريل/نيسان وحده، تسببت حملات القصف واسعة النطاق التي شنتها القوات الإسرائيلية في مختلف أنحاء لبنان بخُمس الإصابات المسجلة منذ أوائل مارس/آذار. تعمل فرق أطباء بلا حدود في مستشفى رفيق الحريري الجامعي في بيروت، ومستشفى جبل عامل في صور، لدعم النظام الصحي المحلي في الاستجابة للاحتياجات العاجلة. وبالتعاون مع طاقم المستشفى والعاملين فيه، عالجت فرقنا مرضى يعانون من إصابات غيّرت مجرى حياتهم، بما في ذلك بتر الأطراف والإصابات البالغة في الأعضاء. ولم يُستثنَ المدنيون من الضربات العشوائية التي شنتها القوات الإسرائيلية على المناطق المكتظة بالسكان، في حين أسفرت الهجمات على المرافق الصحية عن مقتل وإصابة عاملين في المجال الطبي.

وفي الوقت نفسه، هُجّر أكثر من مليون شخص قسرًا. واضطر كثيرون إلى ترك بيوتهم في غمضة عين، ولم يحملوا معهم في أغلب الأحيان سوى الملابس التي كانوا يرتدونها، تاركين وراءهم بيوتهم وممتلكاتهم. وقد تدهورت حالة السكان الصحية بعيد أشهر قضوها في مراكز الإيواء المكتظة أو الخيام المؤقتة في الشوارع، نتيجةً لسوء النظافة، وظروف الإيواء غير الملائمة، والضغط النفسي المطول.

لا تنتهي عواقب التهجير بفعل الحرب بمجرد محاولة الناس العودة إلى ديارهم. فلن يتمكن البعض من العودة لأن بيوتهم قد دمرت، وغيرهم لا يستطيعون حتى الوصول مطلقًا إلى قراهم الواقعة على الحدود الجنوبية المحتلة من القوات الإسرائيلية. تتأثر الصحة النفسية للسكان بشكل كبير نتيجةً للصعوبات الاقتصادية، وفقدان العمل، والصدمة نتيجة ترك البيوت فجأة، وانعدام اليقين حيال المستقبل، وغياب الأمان. ولا يزال كثيرون يعانون من التوتر والقلق والاكتئاب وأعراض الإجهاد الحاد الناجم عن الصدمة.

Women putting her bag in car leaving Lycee Abdel Kader shelter in Beirut, Lebanon
Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

لبنان: بحثت عن النسيان بين هذه الجدران، فوجد الأمل طريقه إليّ

displaced women in Lebanon washing dishes

لبنان: بحثت عن النسيان بين هذه الجدران، فوجد الأمل طريقه إليّ

تدعم منظمة أطباء بلا حدود السكان المهجّرين قسرًا في مختلف أنحاء لبنان من خلال العيادات المتنقلة التي تقدم الرعاية الصحية الأولية، وأدوية الأمراض غير المعدية، وخدمات الصحة الجنسية والإنجابية، ودعم الصحة النفسية.

لا يزال الوصول إلى المياه النظيفة وخدمات الصرف الصحي أحد أهم ركائز الصحة والحماية والكرامة خلال النزوح. وفي مختلف أنحاء لبنان، تعمل أطباء بلا حدود على تعزيز ظروف المياه والصرف الصحي في مراكز الإيواء لضمان استعادة السكان قدرتهم على الوصول إلى الضروريات، بما في ذلك القدرة على الاغتسال، وتنظيف مساحات المعيشة، وإدارة النفايات، وحماية صحتهم وخصوصيتهم وكرامتهم بعد إجبارهم على ترك بيوتهم بشكل مفاجئ تحت وطأة القصف الإسرائيلي وأوامر الإخلاء الكلّي.

MSF is installing toilets, sinks, and showers to improve the water, sanitation, and hygiene conditions in dilapidated buildings and shelters

تشاركنا مريم سرور، مسؤولة التواصل في لبنان، مشاهد من زيارتها لعائلات تعيش في مركز إيواء مؤقت، حيث تُرسم ملامح الحياة اليومية عبر النزوح المطوّل والظروف المعيشة القاسية.

“كنت هنا في أكتوبر/تشرين الأول 2024، خلال التصعيد السابق للحرب في لبنان. كانت فرق أطباء بلا حدود حينها تصلح الأنابيب والمراحيض المتهالكة، لتوفير المياه النظيفة والظروف المعيشية الآمنة للأشخاص المقيمين هناك، والذين يعاني كثر منهم من احتياجات إضافية.

لم أدرك كم حاولت جاهدةً نسيان هذا المكان، إلى أن وطأت قدماي عتباته مجددًا في مارس/آذار.

الجدران رمادية. الأسقف رمادية. الأرضيات رمادية.

المشاهد هي ذاتها، والمعاناة هي ذاتها.

أدخل إلى مكان مجرّد من الدفء واللون، غزت برك المياه الآسنة أرضياته وزواياه. فتحت شبابيك غرفه على مصراعيها، وتكدست بداخلها قطع القماش والورق المقوى، علّها تقي من برد أو من أمطار.

ولا أنسى الأصوات.

أسمع عبر الممرات المتداعية صدى قطرات المياه وسعال قاطني المكان.

كان هذا المبنى في الماضي مقرّ أحد أكثر المستشفيات تطورًا في بيروت. أخبرتني والدتي أنه كان يضم أول جهاز للتصوير بالرنين المغناطيسي في المدينة، حتى أن جدتي قد قصدته مرّة طلبًا للرعاية في عام 1990.

ولكن وبعد سنوات من الاضطرابات المدنية، صار المبنى مهجورًا وتُرك للنسيان.

هذا المبنى الذي كان رمزًا للرعاية الطبية والتعافي، يجسّد اليوم صورة مختلفة تمامًا.

أصبح مركز إيواء مشترك يستقبل نحو أربعمئة شخص نزحوا مجددًا: أمهات ومسنّون ومرضى يغسلون الكلى ويتلقون علاجًا للسرطان.

عائلات أتت من مختلف مناحي الحياة، وجمعهم النزوح.

ما من مراحيض. ما من مياه جارية.

ومعاناة يومية أصبحت أصعب بألف مرة.

أنا هنا مع فريق أطباء بلا حدود. تزور عياداتنا المتنقلة وفرقنا المختلفة مراكز إيواء كهذا، للاستجابة لحجم الاحتياجات الهائلة لدى السكان.

يرافقني زميلي محمد دندش، مدير اللوجستيات في المنظمة، في جولة عبر المبنى المكون من 12 طابقًا. عملت أطباء بلا حدود هنا خلال تصعيد عام 2024، حيث صرّفت المياه الآسنة وأصلحت المراحيض للأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة أو الإضافية. وبعد وقف إطلاق النار، عادت العائلات إلى بيوتها.

والآن، بعد ستة عشر شهرًا، ومع اشتداد القصف الإسرائيلي وأوامر الإخلاء واسعة النطاق، أُجبر أكثر من مليون شخص في لبنان على ترك منازلهم – وبعضهم للمرة الثانية أو الثالثة.

abandoned building turned into displacement center

من طابق إلى طابق: رحلة مثقلة بالهموم

لا يمكن الدخول إلى القبو الرازح تحت عقود من النفايات والمياه الراكدة.

على الدرج، يمر رجل مسن حاملًا قوارير مياه فارغة. يخبرني محمد أن هذه الرحلة اليومية والمتكررة على الدرج ستنتهي في القريب العاجل. فقد ركّبت فرق أطباء بلا حدود خزانات مياه بسعة 15,000 لتر وتعمل على ترميم شبكة الأنابيب لجلب مياه نظيفة وموثوقة إلى المبنى.

نصل إلى الطابق الثالث، حيث الملابس الزاهية على حبال الغسيل تحجب بعضًا من اللون الرمادي من حولي، وباب لونه بنيّ فاتح عند كل بضعة أمتار. الضوء خافت، لكن علامات الحياة ظاهرة هنا. تُرك كرسي متحرك معوج بجانب أحد الأبواب، ولا أثر لصاحبه.

ثم استقبلتني امرأة بابتسامة:

“لدينا مولودة جديدة في هذا الطابق. هل تودين رؤيتها؟”

أبادلها الابتسامة، رغم الغصّة التي شعرتُ بها لوجود مولودة جديدة في مكان يملأه صدى قطرات المياه. تبعتها إلى غرفة تحمل الرقم 302، وانقبض قلبي.

وجدت نور الصغيرة ممددةً يلفها اللون الوردي. ولدت نور في 16 مارس/آذار، في ليلة دكت فيها الغارات الجوية الإسرائيلية حيّ ذويها. تتذكر والدتها صوت القصف المتواصل عندما جاءها المخاض. قبل ذلك بأسبوع، كانت العائلة قد تركت منزلها في ضاحية بيروت الجنوبية والتجأت إلى هذه الغرفة ذات الشباك المشرّع، تغطيه قطعة قماش عوضًا عن الزجاج، في محاولة لصد الرياح والمطر. تكدّست الفرشات في الزاوية. وعند طرف سجادة بالية، خُلعت الأحذية.

والدة نور دافئة ومضيافة. قالت لي، “أعقّم وأنظف طوال الوقت إلى حد الهوس تقريبًا. نور صغيرة جدًا، ولا أريدها أن تلتقط أي عدوى”.

في الجانب الآخر من الممر، رأينا علي (10 سنوات) وعباس (خمس سنوات) يلعبان بهدوء. وُلد كلاهما بصعوبات إدراكية وحركية، وكلاهما بحاجة إلى رعاية خاصة.

تقول عمتهما، زينب، “كان عباس يحقق تحسنًا كبيرًا مع العلاج الطبيعي وعلاج النطق”، لكن الحرب سلبتهم ذلك. فقدت هي وشقيقها وظيفتيهما ومصدر دخلهما، وتوقف العلاج.

ثم جاء التهجير القسري. كيف يمكن استمرار الرعاية والتعافي عندما تتمحور الحياة اليومية حول تأمين الأساسيات من الغذاء والمياه النظيفة والدفء؟

كانت زينب عاملة نظافة في أحد المطاعم، لذا فهي تدرك تمامًا ما تنطوي عليه هذه الظروف. تقول، “لا أريد سوى أن يكون لديهم مستقبل”.

“تحوّل البقاء بصحة جيدة إلى معاناة يومية”

ليس سوء خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية مجرد مسألة كرامة، بل خطر جسيم على الصحة العامة. فهي تزيد من احتمالية الإصابة بأمراض جلدية وأمراض معدية يمكن الوقاية منها، خاصة بين الأطفال والأشخاص المعرضين للخطر طبيًا.

كذلك تلقي بظلالها على الحياة اليومية بطرق ملتوية وأقل وضوحًا. شهدت فرقنا الطبية إصابات بالتهابات المسالك البولية لأن المرضى يقللون من شرب المياه لتجنب البحث عن مرحاض.

توضح إيلينا فرنانديز، نائبة المنسق اللوجستي في أطباء بلا حدود، “غالبًا ما يصل النازحون إلى هنا من دون أي شيء، ولكن ما يفاقم الوضع صعوبة هو انعدام الحد الأدنى من الظروف للعيش بأمان. فمن دون المياه والصرف الصحي، تحوّل البقاء بصحة جيدة إلى معاناة يومية”.

في مختلف أنحاء لبنان، تعمل فرق أطباء بلا حدود في 252 مركز إيواء كهذا لحماية صحة السكان ودعم احتياجاتهم الأساسية للمياه النظيفة والصرف الصحي، من خلال إعادة تأهيل شبكات المياه والاستجابة للاحتياجات العاجلة في مجال المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية. ركّبت الفرق حتى الآن 490 مرحاضًا و160 مرش استحمام، بالإضافة إلى نحو 250 مغسلة و50 خزان مياه، ما ساعد العائلات في الحصول على مياه صالحة للشرب والحد من مخاطر الإصابة بالأمراض. ولتلبية الاحتياجات اليومية، وزعت الفرق 1,197 مجموعة أدوات تنظيف و15,715 من مجموعات النظافة الصحية، بالإضافة إلى مواد إغاثة مثل البطانيات والفرشات، مع توفير 419,127 لترًا من مياه الشرب وإيصال أكثر من 19.5 مليون لتر من المياه بالشاحنات إلى الملاجئ، ما ساعد آلاف الأشخاص الذين يحاولون في ظل النزوح.

إلى جانب ذلك، تصل العيادات المتنقلة إلى الذين انقطعت بهم سبل الرعاية، فيما تعالج الفرق الطبية الحالات المزمنة، وتقدم دعم الصحة النفسية، وتستجيب لحالات الطوارئ الناجمة عن العنف المستمر.

نقوم بعملنا بالتنسيق مع السلطات اللبنانية، لدعم واستكمال جهود الاستجابة المحلية، لتوسيع نطاق حصول السكان النازحين على الخدمات الأساسية. لكن الاحتياجات لا تزال هائلة.

وفي الطابق الأعلى، التقيت بحسنة.

عندما التقيت بها أول مرة، كانت ترتدي كمامة، وعيناها متعبتان. ظنَّت أنني ضمن الفريق اللوجستي وأخذتني جانباً. قالت، “شكرًا لعملكم على المراحيض. لدي طلب خاص”.

وعندما وصل محمد، تشبثت به. وسالت الدموع التي كانت تحبسها.

شُخصت حسنة بالسرطان قبل أسبوع واحد فقط من نزوحها. وُصف لها علاج إشعاعي فوري. وبعد كل جلسة، طلب منها طبيبها أن تنعزل من أجل سلامتها ولحماية الآخرين.

لكن كيف لك أم تعزل نفسك في مركز إيواء مشترك؟

كيف تحمي الآخرين وأنت تتشارك مرحاضًا مع 40 شخصًا آخر؟

تخبرني بهدوء، “أنا مستعدة للموت، لكنني لا أريد أن أؤذي أي شخص آخر خلال ذلك”.

عندما التقيت بها في المرة الثانية، بدت مختلفة: أخفّ روحًا وأكثر إشراقًا.

ركبت فرق أطباء بلا حدود مرحاض داخل غرفتها، مما ساعدها على مواصلة علاجها بأمان، مع الحفاظ على خصوصيتها وكرامتها.

اصطحبتني لألتقي بعصفوريها، كيكو وكوكو. ابتسمت وهي تصف ردة فعلهما عندما عادت لإنقاذهما:

“هما روحان، كأطفالي. كيف لي أن أتركهما خلفي؟”

هنالك شيء ما يصعب وصفه في الطريقة التي ينظر بها الناس إلى زميلي محمد، وغيره ممن يرتدون سترة أطباء بلا حدود هنا. يقتربون من الفريق لطلب الأساسيات مثل الرعاية الطبية، ومستلزمات النظافة، والحفاضات. ليس بتردد، بل بابتسامة وبثقة.

وأدرك أن هذه الثقة مبنية على وجودنا، وعلى استمراريتنا، وعلى حضورنا واستجابتنا، مرارًا وتكرارًا.

وبينما أدوّن طلباتهم، تمسّكت بمعتقد واحد: أننا سنستمر في الاستجابة.

تخبرني حسنة، “سيمرّ كل شيء. سيمرّ مرضي. وستمرّ هذه الحرب. سيمرّ كل شيء، طالما أننا سنعود إلى ديارنا سالمين ومرفوعي الرأس”.

يتردد صدى كلماتها خلال جولتنا في المبنى، وسط مئات الأعمار المعلّقة في المجهول.

displaced families in lebanon hang their cloth on the roof of a displacement center

مركز الإيواء هذا ليس استثناءً. ففي مختلف أنحاء لبنان، في المدارس والخيام والمباني قيد الإنشاء، يعيش آلاف النازحين في ظروف مماثلة، ومن دون وصول معتمد إلى المياه أو الصرف الصحي أو الخدمات الأساسية.

تستجيب فرق أطباء بلا حدود في مواقع كهذه في جميع أنحاء البلاد، وتعمل على استعادة ما فُقد: ليس فقط في البنية التحتية، بل في الحد الأدنى من ظروف الصحة والكرامة وإمكانية التعافي”.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print