“شفتِ خيّي؟”: من قلب مستشفى رفيق الحريري في ليلة شهدت أعدادًا هائلة من المصابين عقب الغارات

“شفتِ خيّي؟”: من قلب مستشفى رفيق الحريري في ليلة شهدت أعدادًا هائلة من المصابين عقب الغارات

يوم الأربعاء، الثامن من أبريل/نيسان، شنت القوات الإسرائيلية غارات واسعة النطاق في مختلف أنحاء البلاد، حيث أفادت التقارير بوقوع أكثر من 100 غارة في غضون 10 دقائق. واستهدفت العديد من هذه الغارات مناطق سكنية مكتظة، ومرة أخرى بلا إنذار أو تحذير مسبق. نشارككم شهادة صفاء بليق، والتي تعمل ممرضة ومساعدة المنسقة الطبية لأطباء بلا حدود، وقد كانت ضمن فريق المنظمة الموجود في مستشفى حكومي في بيروت استقبل أعدادًا هائلة من المرضى.

كنت في مستشفى رفيق الحريري الجامعي عندما بدأ القصف.

كنت هناك مع زميلنا طبيب الطوارئ في أطباء بلا حدود ضمن زيارة روتينية. كان يومًا عاديًا – ولم يعد كذلك. فجأة، أحاط بنا الدخان الأبيض والغبار. لم يفهم أحد لبضع دقائق ما الذي يحدث. ثم بدأت سيارات الإسعاف بالوصول.

ولم تتوقف عن الوصول.

وصل أوائل المرضى مصابين بجروح خطيرة في الرأس، مع شظايا من الزجاج والمعدن والركام عالقةً في أجسادهم. كان كثيرون غائبين عن الوعي. توفي بعضهم بعيد وصولهم. لم يكن هناك وقت للتفكير، بل للتحرك والاستجابة ومحاولة إنقاذ أرواحهم.

وسرعان ما امتلأت غرفة الطوارئ بأشخاص يبحثون عن مفقودين. آباء مصابون ينادون أطفالهم. عائلات تأتي بصور أطفالها وتسأل إن كان أحد قد رأى أحبائهم الذين ربما لا يزالون تحت الأنقاض، أو ربما نُقلوا إلى مكان آخر.

كنت أحاول إيقاف نزيف رجل وصل وهو يعاني من إصابة بالغة في الرأس وشظايا في بطنه، عندما اقترب مني شاب يحمل هاتفًا، وأراني صورة لأخيه. كان يسألني إن كنت قد رأيته. لم يكن لدي أي إجابة، لكنني بحثت معه، وتفقدت الغرف والوجوه، محاولةً العثور على شقيقه بينما كان زميلي طبيب الطوارئ يساعد في تضميد الجروح وتثبيت حالة المريض النازف.

مرت الساعات، لكنها بدت كسنين. استمر المرضى بالوصول، وكثر منهم في حالة حرجة. وفي لحظة، بعد نحو أربع ساعات من بدء القصف، وصلت قرابة عشرين سيارة إسعاف دفعة واحدة. كان بداخلها 50 شخصًا، جميعهم قد فارقوا الحياة.

كان هناك شاب لا أستطيع نسيانه. فقد ساقيه، وعلقت شظية في بطنه. ما زلت أسمع صرخات أخيه في أذنيّ. حاولنا كل ما في وسعنا لتثبيت حالته، والسيطرة على النزيف، وخياطة الجرح. لكننا فقدناه.

كانت غرفة الطوارئ مكتظة. وجدت نفسي أركض جنبًا إلى جنب مع طاقم المستشفى الرائعين رغم إنهاكهم، ننتقل من مريض إلى آخر، ومن ممر إلى آخر، نحاول مواكبة الحجم الهائل للاحتياجات بموارد محدودة.

على الرغم من كل شيء، بدأ المزيد والمزيد من الأطباء في الوصول. أرسلت نقابة الأطباء نداءً للدعم إلى جميع المستشفيات، وتوافد الاختصاصيون على دفعات: من جراحين وأطباء، وكلهم مستعدون للمساعدة. كان هنالك شعور بالتضامن لا يوصف. ولكن في غرفة الطوارئ، سرعان ما نفدت الإمدادات المتاحة، وامتلأت النقالات، وكان الكثير الكثير من المرضى يصلون في حالة حرجة أو متوفين أساسًا.

ما رأيناه ذلك اليوم لم يكن مجرد حالة طوارئ طبية، بل نتيجة مباشرة للهجمات على المدنيين، والمناطق السكنية، والعائلات، والأطفال، والأشخاص الذين كانوا يعيشون حياتهم بشكل طبيعي قبل ساعات فقط.

بذل طاقم المستشفى كل ما في وسعه، هنا وفي جميع أنحاء لبنان، حيث واجهت مستشفيات أخرى موجات مماثلة من وصول المصابين بأعداد هائلة. شهدتُ تفانيًا استثنائيًا في مستشفى رفيق الحريري: رأيت أشخاصًا يجهدون أنفسهم لما بعد الإرهاق لرعاية الآخرين. لكن التفاني وحده لا يكفي عند وقوع إصابات جماعية.

بصفتنا منظمة أطباء بلا حدود، ندعم المستشفيات ونستجيب حيثما أمكننا، لكن هذا اليوم أظهر لنا مدى ضرورة حماية المدنيين بشكل عاجل.

ملاحظات للمحررين:

أطلقت منظمة أطباء بلا حدود حملة استجابة طارئة على مستوى البلاد منذ تصاعد العنف في الثاني من مارس/آذار. تدعم فرق المنظمة المستشفيات التي تستقبل أعدادًا كبيرة من الجرحى، كما تواجدت في كثير من غرف الطوارئ خلال هذه الموجات، حيث ساعدت في عملية الفرز وتنظيم تدفق المرضى وإدارة حالات الإصابات البالغة. كما تبرعت أطباء بلا حدود بالوقود ومستلزمات الإسعافات الأولية والضمادات والمستلزمات الطبية وغير الطبية لمساعدة المستشفيات على مواجهة الزيادة في الاحتياجات، وتنسق مع مرافق أخرى لتقديم دعم مماثل بناءً على الاحتياجات المُقيَّمة. وبالإضافة إلى دعم المستشفيات، تواصل أطباء بلا حدود استجابتها الطارئة من خلال 20 عيادة متنقلة في جميع أنحاء البلاد، مع توسيع نطاق توزيع مواد الإغاثة الأساسية، فضلًا عن المساعدة في مجال المياه والصرف الصحي ومراكز الإيواء.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

‏أطباء بلا حدود: نستنكر الغارات العشوائية التي استهدفت مناطق مكتظة بالسكان

‏أطباء بلا حدود: نستنكر الغارات العشوائية التي استهدفت مناطق مكتظة بالسكان

“بعيد الساعة الثانية ظهرًا، شنّت القوات الإسرائيلية غارات على عددٍ من المدن والبلدات في أنحاء لبنان، وذلك بعد أقل من 10 ساعات على إعلان وقف إطلاق النار الإقليمي. وقد طالت هذه الهجمات الإسرائيلية الواسعة مواقع عدة في لبنان، بينها بيروت وصيدا وبعلبك، وسط تقارير عن تدفّق أعداد كبيرة من المصابين إلى عدد من مستشفيات. ووفقًا لوزارة الصحة العامة، قُتل وأُصيب مئات الأشخاص في هذه الهجمات.

نستنكر هذه الغارات العشوائية التي استهدفت مناطق مكتظة بالسكان.

تستجيب فرقنا للتدفّق الكثيف للمصابين، وبينهم أطفال، في مستشفى رفيق الحريري الحكومي في بيروت. يصل المصابون وهم يعانون من جروح ناجمة عن الشظايا ونزيف حاد. كما وصل أحد الجرحى إلى المستشفى وقد فقد كلتا ساقيه. يزداد الوضع فوضى مع استمرار نقل المزيد من الجرحى. وتعمل فرق أطباء بلا حدود على تعزيز استجابتها وإرسال مزيد من الدعم إلى مستشفيات أخرى في المناطق المتضرّرة.

في وقت سابق من صباح اليوم، استجابت فرق أطباء بلا حدود في مستشفى جبل عامل في صور، جنوب لبنان، لتدفّق جرحى، بينهم طفلة فقدت ستة من أفراد عائلتها. وكانت إحدى العائلات التي نُقلت إلى المستشفى قد عادت إلى منزلها قبل ساعات قليلة من إصابتها، بعدما اعتقدت أنّ وقف إطلاق النار دخل حيّز التنفيذ. وفي الوقت نفسه، يُصاب العاملون في الرعاية الصحية بدورهم ويُدفعون إلى حافة الإنهاك، فقد استهدفت القوات الإسرائيلية الليلة الماضية مستشفى حيرام، أيضًا في صور، وهو من المستشفيات التي قدّمت لها أطباء بلا حدود تبرّعات، ما أدّى إلى إصابة عدد من العاملين في القطاع الصحي.

يجب أن تتوقف الهجمات المتواصلة على المدنيين. ويجب حماية المرافق الصحية والعاملين فيها والمرضى. كما يجب وضع حدّ للتهجير القسري المتكرر للسكان الذي يشكّل جريمة حرب”.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

لبنان: التصعيد الأخير يصعّب حصول العمال المهاجرين على الرعاية الصحية

MSF mobile clinic teams talking to patients in Ghosta, Mount Lebanon

لبنان: التصعيد الأخير يصعّب حصول العمال المهاجرين على الرعاية الصحية

بعد شهر من التصعيد في القصف وأوامر الإخلاء الكلي التي تصدرها القوات الإسرائيلية في لبنان، هُجّر أكثر من مليون شخص بشكل قسري. تضم الفئات الأشد حاجة العمال المهاجرين من مختلف البلدان الأفريقية وبلدان جنوب شرق آسيا والأقليات الأخرى، ممن يتعاظم حرمانهم من المساعدات الإنسانية.

يعاني العمال المهاجرون الذين نزحوا لسد نفقات الرعاية الطبية والتعامل مع الأنظمة القانونية التقييدية، وهم الآن عالقون بين تبعات الحرب واستجابة إنسانية في أغلبها لا تحسب لهم حسابًا. تقدر المنظمة الدولية للهجرة (26 مارس/آذار 2026) أن 48,000 من النازحين أو الذين يعيشون في مناطق شديدة الخطورة هم من المهاجرين، ويمثلون نحو 30 في المئة من السكان المهاجرين المحصين في لبنان (المنظمة الدولية للهجرة، 2025).

MSF mobile clinic teams talking to patients in Ghosta, Mount Lebanon

في بيروت، توفّر أطباء بلا حدود الرعاية من خلال عيادتها في برج حمود، ضمن ضواحي بيروت الشمالية، حيث قدمت شهريًا نحو 1,500 استشارة طبية ودعمًا للصحة النفسية وخدمات اجتماعية. واستجابةً للاحتياجات المتزايدة في أعقاب تصعيد إسرائيل لهجماتها، وسعت أطباء بلا حدود نطاق عملها من خلال عياداتها المتنقلة لتصل إلى السكان الذين نزحوا قسرًا في مختلف أنحاء المدينة والمناطق المحيطة بها. تقدم العيادة الثابتة والعيادتان المتنقلتان حاليًا نحو 3,000 استشارة أسبوعيًا، كما توزّع مواد الإغاثة الأساسية والدعم الغذائي على المطابخ المجتمعية التي يديرها المهاجرون.

منذ أوائل مارس/آذار، تضاعفت الإحالات الطبية من عيادة أطباء بلا حدود في برج حمود، حيث يحتاج مرضى كثر إلى نقل الدم أو الدخول إلى العناية المركزة أو إجراء جراحة. تعكس هذه الزيادة تصعيد الحرب وانقطاع برنامج الإحالة التابع للمنظمة الدولية للهجرة في يناير/كانون الثاني. كذلك تعاني جهات فاعلة أخرى لسد هذه الفجوات بسبب نقص التمويل، ما يترك كثيرًا من المرضى من دون الرعاية المنقذة للحياة.

تخبرنا سلام، وهي عاملة مهاجرة نازحة استقبلتها عيادة أطباء بلا حدود المتنقلة في غسطة بجبل لبنان لتلقي الرعاية الصحية، “كنت أعيش في ضاحية بيروت الجنوبية عندما اندلع القصف. هربنا في الليلة ذاتها، من دون أن نعرف إلى أين سنذهب. انتهى بنا المطاف على الطريق، نبحث عن مأوى، ونطرق أبوابًا ظلت مغلقة، ونطلب مساعدة فلا نحصل عليها. لم يكن هناك مكان لنا. لا أمان. لا شيء إلا الشارع تحت أقدامنا”.

يواجه العمال المهاجرون في لبنان أساسًا عوائق اقتصادية وقانونية واجتماعية كبيرة تحول دون حصولهم على الخدمات الأساسية. يلتجئ كثر في الوقت الحالي إلى أماكن مكتظة للمبيت يديرها ناشطون مجتمعيون، أو ينامون في الشوارع، وأفاد البعض أنهم طُردوا بشكل مباشر أو تعرضوا للتمييز أو استُبعدوا من مراكز الإيواء الرسمية لصالح المواطنين اللبنانيين.

حتى قبل التصعيد العسكري الإسرائيلي الأخير في لبنان، كان حصول المهاجرين على الرعاية الصحية محدودًا للغاية بسبب الحواجز اللغوية، والتمييز الممنهج، وتكلفة الخدمات الصحية، ووضع الإقامة. والآن، ومع نزوح نحو خُمس سكان البلاد بشكل قسري، ازداد المهاجرون تهميشًا، وباتوا يواجهون عواقب مدمرة لصحتهم ونجاتهم.
عبد الحليم عبد الله، منسق مشروع أطباء بلا حدود في بيروت
MSF mobile clinic teams talking to patients in Ghosta, Mount Lebanon

في يوم الأحد الأخير من شهر مارس/آذار، عالجت أطباء بلا حدود أكثر من 300 مريض مهاجر في عيادتها ببرج حمود وفي موقعين للعيادات المتنقلة في بيروت وصيدا. قصد أكثر من 170 مريضة ومريضًا من إثيوبيا وبنغلاديش خدمات الرعاية الصحية التي تقدمها المنظمة في صيدا وحدها. كان معظمهم إما قد نزح أو لم يحصل على الرعاية الصحية منذ شهور. اضطر الفريق إلى إرسال طفلين رضيعين في ذلك اليوم إلى غرفة الطوارئ، واستمر المرضى بالتوافد.

وفي الوقت الذي تُترك فيه العائلات نازحةً بلا مأوى، تتفاقم احتياجاتها الصحية كذلك بسبب انقطاع الرعاية، وارتفاع تكاليف الأدوية، ونقص الوصول إلى الرعاية بسبب وضع الإقامة غير النظامي. وعلى الرغم من أن الحصول على الرعاية كان مقيدًا بشدة للعمال المهاجرين في الماضي، فقد ازداد صعوبةً مع تضاعف الاحتياجات بشكل هائل في مختلف أنحاء البلاد.

تمثل الأعراض المزمنة ربع الاستشارات الطبية التي تقدمها فرق عياداتنا المتنقلة التي تعالج العمال المهاجرين، إذ حُرم كثير من المرضى من أدويتهم بسبب النزوح القسري أو عوائق أخرى تحول دون حصولهم على الرعاية الصحية. سجلت فرق أطباء بلا حدود كذلك فجوات كبيرة في حصول السكان على خدمات الرعاية الصحية النسائية وخدمات الصحة النفسية، حتى في الأماكن التي تتوفر فيها الرعاية الصحية الأولية من قبل جهات فاعلة أخرى.

عززت فرق أطباء بلا حدود استجابتها لتلبية الاحتياجات المتزايدة للسكان النازحين قسرًا في لبنان، بمن فيهم العمال المهاجرون والأقليات الأخرى. لكن هذه الفئات السكانية لا تزال غير ممثلة بشكل كافٍ ضمن الاستجابة الإنسانية على الصعيد الوطني والتي تقودها الحكومة والجهات الفاعلة الدولية. ونتيجة لذلك، لا يزال كثيرون يعتمدون على المبادرات المجتمعية، والتي تعجز غالبًا عن تلبية الاحتياجات الأكثر تعقيدًا مثل الاحتياجات الطبية أو النفسية.

يفد العمال المهاجرون في الغالب من إثيوبيا وبنغلاديش وسريلانكا للقيام بأعمال منزلية ومهن حرفية أخرى، ويعانون من تهميش ممنهج في ظل نظام الكفالة اللبناني الذي يمنحهم حقوقًا ضئيلة، ومنها التغطية الصحية. كما استُبعدوا من موجات الاستجابة الإنسانية السابقة للأزمات التي مرت بها البلاد.

استجابة أطباء بلا حدود

– تقدم منظمة أطباء بلا حدود رعاية متخصصة للعمال المهاجرين منذ عام ،2019 من خلال دعم المتطوعين في التوعية الصحية المجتمعية ممن يتحدثون الأمهرية والبنغالية والسنهالية والفرنسية والإنجليزية والعربية. يضمن هؤلاء المتطوعون أن يتمكن المرضى المهاجرون من التواصل مع العاملين في الرعاية الصحية لدينا.

– منذ عام 2024، تقدم عيادة أطباء بلا حدود في برج حمود، ضمن ضواحي بيروت الشمالية، الرعاية الصحية الأولية، ودعم الصحة النفسية، والرعاية الجنسية والإنجابية، والخدمات الاجتماعية، بالإضافة إلى التوعية الصحية.

– لتوسيع نطاق استجابتنا للتصعيد الحالي، تعمل العيادة الآن ستة أيام في الأسبوع، وتدير وحدتين طبيتين متنقلتين تغطيان احتياجات العمال المهاجرين في مختلف أنحاء البلاد، بالإضافة إلى العائلات اللبنانية النازحة في أكثر من 20 موقعًا في المناطق المجاورة في جبل لبنان. بالإضافة إلى ذلك، تدعم العيادة ثمانية مطابخ مجتمعية بالمواد الأساسية اللازمة لإعداد نحو 1,000 وجبة يوميًا، والتي تُوزّع على العمال المهاجرين النازحين وكذلك على الذين لا يزالون يعيشون في المناطق شديدة الخطورة والمناطق الواقعة ضمن نطاق أوامر الإخلاء الكلّي.

– في مختلف أنحاء لبنان، بما في ذلك المناطق شديدة الخطورة، وزعت فرق أطباء بلا حدود أكثر من 2,000 من المواد الإغاثية الأساسية، بما في ذلك البطانيات والفرشات ومجموعات النظافة الصحية على أكثر من 100 منزل ومركز إيواء للعمال المهاجرين.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

أم نازحة لا تحمل حقائب: قصة خديجة

أم نازحة لا تحمل حقائب: قصة خديجة

تتسبب الغارات الجوية الإسرائيلية المكثفة على ضاحية بيروت الجنوبية وجنوب لبنان بسقوط قتلى وجرحى وبنزوح واسع النطاق.

أما أوامر الإخلاء الكلي، وإلى جانب الغارات والتوغلات المستمرة، فتجبر العائلات على ترك بيوتها مرارًا وتكرارًا، وغالبًا بلا أي مأمن تلتجئ إليه. يبقى كثر عالقين في الشوارع أو محاصرين في بلداتهم.

في منطقة الشوف بالقرب من جنوب لبنان، حيث نزحت آلاف العائلات، أقامت أطباء بلا حدود عيادات متنقلة للطوارئ، كما تقدم الدعم لمراكز الإيواء للمساعدة في تلبية الاحتياجات الصحية والأساسية العاجلة. وكثير من العائلات التي نلتقي بها هناك، وخاصة الأمهات والأطفال، مثل خديجة وأطفالها، قد نزحت أكثر من مرّة، وهي تعاني من الإرهاق والخوف، إلى جانب احتياجاتها الطبية العاجلة.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

الضفة الغربية: الأراضي الفلسطينية تتلاشى

A home in Khallet Athaba photographed by MSF in 2024, now completely demolished by the Israeli forces.

الضفة الغربية: الأراضي الفلسطينية تتلاشى

يخبرنا ساري أحمد من قرية الفخيت بمسافر يطّا في الأراضي الفلسطينية المحتلة، “غالبًا ما يأتينا الجيش ليلًا، فيغزو الحي، ويقتحم منازلنا، ويدمر ممتلكاتنا، ويعتقل السكان بشكل جماعي، فيما تُصادر بيوتنا وتُهدم. أصبحت هجمات المستوطنين أكثر وحشية وفتكًا، فمعظمهم مسلحون هذه الأيام ويطلقون النار بهدف القتل”.

ساري متعايش مع السكري، وكان يتلقى العلاج من فرق منظمة أطباء بلا حدود حتى شهر يناير/كانون الثاني. ولكن مع تزايد العنف والقيود المفروضة على حرية التنقل، لم يعد بإمكان فرقنا أن تصل إلى عشرات الأشخاص المحتاجين في المنطقة.

في الأسابيع الأخيرة، تسبب التصعيد الحاد في النزاع بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران بموجة أخرى من العنف والخوف في مختلف أنحاء الأراضي الفلسطينية المحتلة.

وفي هذا الصدد، تقول ياسمين محمد، العاملة في مجال الصحة المجتمعية مع أطباء بلا حدود في الخليل، “عندما تنطلق صفارات الإنذار، نتجمع في رواق منزلنا، بعيدًا عن النوافذ. وفي الأفق، يتردد صدى الانفجارات بين التلال فيما تصطدم الصواريخ الاعتراضية بالقذائف”. وعلى عكس البلدات والمدن الإسرائيلية، حيث تنتشر الملاجئ وأنظمة الإنذار على نطاق واسع، ما من ملاجئ أو أماكن محمية متاحة لمعظم الفلسطينيين في الضفة الغربية. فعندما تتساقط الشظايا، ما بيد الأهالي إلا البقاء داخل بيوتهم، راجين السلامة. وفيما ينصب اهتمام العالم على الصواريخ المحلّقة في الأجواء، تُكثّف القوات الإسرائيلية عملياتها العسكرية في مختلف أنحاء الضفة الغربية. لا تزال معظم نقاط التفتيش مغلقة، ما يعني أن الأنشطة اليومية المعتادة أصبحت تستغرق وقتًا أطول لمعظم الناس، بل قد تصبح مستحيلة وتنطوي على خطر الإصابة أو القتل بفعل الهجمات الإسرائيلية غير المبررة.

تقول ياسمين محمد، “نشعر بتلاشي المساحة التي تسمح لنا بالعيش والتنقل وبناء حياتنا، فيما يشيح العالم ببصره”.

ازدادت أعمال العنف التي يرتكبها المستوطنون الإسرائيليون في مختلف مناطق الضفة الغربية. ويفيد السكان بأن المستوطنين يدخلون القرى أو الأراضي الزراعية الفلسطينية مُحمّلين بالأسلحة، كما يهاجمون الفلسطينيين في سياراتهم أثناء تنقلهم من مكان إلى آخر.

MSF teams visit Khallet Athaba to assess community needs. In Masafer Yatta, mobile clinics provide medical and psychological care to families living under occupation

حياة مجبولة بالعنف والخوف في الضفة الغربية

بين السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 والسابع من مارس/آذار 2026، قُتل في الضفة الغربية المحتلة والقدس 1,071 فلسطينيًا، من بينهم 233 طفلًا، بحسب مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان. كما قُتل 11 فلسطينيًا على أيدي المستوطنين هذا العام وحده. تقول سلام يوسف من فريق أطباء بلا حدود في الضفة الغربية، “هذا واقع صادم ومؤرّق. هم يهاجمون السكان ويقتلونهم بلا عواقب، كما لو أن العدالة ليست من نصيبنا، وكأن حياتنا بلا قيمة. في الأسبوع الماضي، أطلقت [القوات الإسرائيلية] النار على أسرة مكونة من ستة أفراد كانوا عائدين إلى بيتهم. نجا اثنان فقط من الأبناء وأصبحوا أيتامًا الآن، إذ قُتلت عائلتهم أمام أعينهم. كان شقيقاهما في الخامسة والسابعة من العمر”.

تسبب العنف المنتشر ومتعدد الأوجه بتغيير ملامح حياة الفلسطينيين، حتى أصبح الشعور بالتهديد الوجودي يجسّد واقعًا أوسع نطاقًا تتكشف تفاصيله في جميع أنحاء الضفة الغربية. تقول سلام يوسف، “نشعر بأن هذه التطورات ليست مجرد سلسلة من الحوادث المعزولة، بل هي تحول جوهري وبطيء، فالقوات الإسرائيلية والمستوطنون يستولون على الضفة الغربية شيئًا فشيئًا. الأمر مرعب لأنه خارج سيطرتنا، ويبدو أن العالم غير آبه بما يحدث لنا”.

تضيف سلام، “إذا استمر العالم في غض الطرف، فلن يوضع حدّ لتلاشي الأراضي الفلسطينية، بل سيستمر – نقطة تفتيش تلو الأخرى، وشارعًا تلو الآخر، وبيتًا تلو الآخر، إلى أن ينقلب الواقع الذي بدا مؤقتًا فيما مضى حالًا دائمًا”.

“حياتنا وأحلامنا معلقة“

تقول إلسا سالفاتوري، المعالجة النفسية مع أطباء بلا حدود في نابلس، “يحمل هذا الوضع آثارًا نفسية هائلة، فهو لا يقتصر على العنف الجسدي الناجم عن هجمات المستوطنين أو ما يحدث عند نقاط التفتيش. في جلساتنا، غالبًا ما يتحدث الأهالي عن الإذلال الذي يتعرضون له يوميًا وعن حالة عدم اليقين المستمرة، ما يجعلهم في حالة حذر مفرط، وغير قادرين على النوم، ودائمًا ما يتوقعون وقوع حدث سيئ”.

وتضيف، “توقف معظم الأهالي عن التخطيط للمستقبل. يعاني كثيرون من أعراض مرتبطة باضطراب ما بعد الصدمة، على الرغم من أن هذا الوصف لا يوضّح حالتهم بشكل صحيح، لأنهم ليسوا في مرحلة ’ما بعد‘ التجربة الصادمة، بل لا يزالون يعيشونها، ويواجهون الصدمة وعدم اليقين بشكل مستمر”.

خلال هذه الفترة التي يتزايد فيها انتشار العنف وانعدام الأمن والقيود على الحياة اليومية في جميع أنحاء الضفة الغربية، يجب أن يتمكن السكان من الحصول على الرعاية الصحية. لكن الواقع مناقض لذلك بالكامل، فالوصول إلى الرعاية الطبية محظور أو مليء بالعراقيل.

في مناطق معينة، مثل مسافر يطّا في جنوب الخليل، تُمنع المنظمات غير الحكومية من تقديم الدعم الإنساني الأساسي، حيث أُدرجت أجزاء كبيرة من الأراضي ضمن المناطق العسكرية، فيما تفرض القوات الإسرائيلية قيودًا شديدة على حرية التنقل. ونتيجة لذلك، اضطررنا إلى خفض عدد عياداتنا المتنقلة في المنطقة من 17 إلى خمس فقط منذ سبتمبر/أيلول 2025، ما يحرم المرضى حتى من أبسط الخدمات الطبية. يخبرنا أحد سكان مسافر يطّا، “نشعر بأننا مُهملون ومنسيون. لم يعد أحد يأتي صوبنا. عندما نمرض، لا خيار أمامنا سوى المشي لمسافات طويلة. وأحيانًا نظل في مكاننا ونتحمّل الألم”.

A home in Khallet Athaba photographed by MSF in 2024, now completely demolished by the Israeli forces. This picture shows the building before being demolish

الاحتياجات المتزايدة تتطلب وصولًا إنسانيًا أكبر، لا العكس

تهدد الشروط الإسرائيلية الجديدة والمُعيقة بتقليص جذري لهذه المساعدات غير الكافية أساسًا. وبما أن أطباء بلا حدود واحدة من 37 منظمة غير حكومية لم تجدد السلطات الإسرائيلية تسجيلها اعتبارًا من الأول من مارس/آذار 2026، فقد اضطر موظفونا الدوليون إلى مغادرة الأراضي الفلسطينية المحتلة. وبينما يواصل زملاؤنا الفلسطينيون تقديم الرعاية الصحية، فإن مستقبل مشاريعنا في الضفة الغربية وقطاع غزة لا يزال مجهولًا. في نابلس وجنين وطولكرم، تقلصت أنشطتنا بشكل كبير بسبب المخاوف الأمنية والعقبات الإدارية الجديدة التي فُرضت منذ الأول من مارس/آذار.

يخبرنا أحد المرضى المنتفعين من خدماتنا للصحة النفسية، “أشعر بالخوف واليأس من مجرد التفكير بأن خدمات أطباء بلا حدود قد تتوقف”.

تبذل فرقنا قصارى جهدها لتقديم جلسات دعم نفسي اجتماعي عبر الإنترنت، لكن الجلسات عن بُعد لا توفر ذات الدعم الذي توفره الرعاية الحضورية، وهي غير مناسبة بالأخص للناجيات من العنف الجنسي، والعائلات ذات الوضع الاجتماعي والاقتصادي المتدني ممن تواجه عوائق في التواصل، والمرضى الذين يعانون من أوضاع نفسية مزمنة، مثل الذهان.

يمثل الوصول إلى الرعاية الصحية حاجة إنسانية أساسية وحجر زاوية لصمود المجتمعات. عندما تتفكك أنظمة الرعاية الصحية، تتراجع الرعاية الوقائية، وتتفاقم الأمراض المزمنة، وتصبح المجتمعات أشد عرضة للخطر. وسط الكارثة الإنسانية المستمرة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ستواصل منظمة أطباء بلا حدود تقديم الرعاية الصحية لأطول فترة ممكنة، باذلين كل ما في وسعنا.

ما يحدث اليوم في الضفة الغربية ليس قَدرًا ولا يخفى على أحد. القانون الإنساني الدولي واضح: تقع على إسرائيل بصفتها سلطة الاحتلال مسؤولية قانونية لضمان حماية المدنيين وتسهيل وصولهم إلى الرعاية الطبية الأساسية. لكن الواقع بعيد كل البعد عن ذلك، فالظروف المعيشة للفلسطينيين في الضفة الغربية خطيرة ومجرّدة بشكل صارخ من أي حسّ بالإنسانية. وبحسب سلام يوسف، “لا نريد إلا أن نعيش بأمان، وأن نربي أطفالنا بلا خوف، وأن نُعامل بكرامة”.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

لبنان: الهجمات الإسرائيلية تقطع المدنيين عن الرعاية الصحية

Children in Azarieh shelter in Lebanon

لبنان: الهجمات الإسرائيلية تقطع المدنيين عن الرعاية الصحية

بيروت، لبنان، 24 مارس/آذار 2026 – بعد مرور أربعة أسابيع على التصعيد الأخير في لبنان، تحذر منظمة أطباء بلا حدود من أن القصف الإسرائيلي المستمر وما تلاه من نزوح للسكان بشكل قسري يؤثران بشكل خطير على حياة الناس وحصولهم على الخدمات الأساسية. وتدعو المنظمة إلى حماية المدنيين والرعاية الصحية، ووضع حد للإجراءات التي تجبر السكان على مغادرة بيوتهم إلى أجل غير مسمى.

MSF Mobile Medical Unit in Saida Lebanon

منذ الثاني من مارس/آذار، يواجه المدنيون ظروفًا تتفاقم سوءًا، حيث أدى التصعيد الملحوظ في هجمات القوات الإسرائيلية إلى تهجير أكثر من مليون شخص من ديارهم وعرقلة حصولهم على الرعاية الصحية. ووفقًا لوزارة الصحة، وخلال الفترة بين الثاني و23 مارس/آذار، قُتل 1,039 شخصًا، يشكل الأطفال نسبة 12 في المئة منهم.

وإلى جانب الهجمات البرية والغارات الجوية المتكررة التي تستهدف البنية التحتية المدنية مثل الجسور في جنوب لبنان، تتسبب هذه الأعمال بعزل المدن الكبرى وكثير من القرى الواقعة جنوب نهر الليطاني – إلى جانب سكانها المتبقين – عن بقية البلاد.

نعرب عن بالغ قلقنا على سلامة المدنيين الذين لم يغادروا هذه المناطق، سواء باختيارهم أو لعدم توفر الوسائل. ندعو إلى حماية المدنيين والمنشآت الطبية على الدوام، كي يبقى السكان قادرين على الحصول على الرعاية الصحية والخدمات الأساسية الأخرى.
المديرة العامة لأطباء بلا حدود، د. تيجشري شاه
MSF Mobile Medical Unit in Azarieh shelter Lebanon

أدت أوامر الإخلاء التي تغطي مجتمعة 14 في المئة من مساحة لبنان إلى نزوح شخص واحد من كل خمسة أشخاص في لبنان. وحتى في الأماكن الواقعة خارج مناطق “الإخلاء” المحددة، ومنها أجزاء من بيروت والمناطق الجنوبية من البلاد، يعيش السكان تحت التهديدات المباشرة للغارات المتكررة من الطيران الحربي والمسيّرات.

على الرغم من أوامر النزوح القسري، اختار الكثير من السكان البقاء، عوضًا عن هجر منازلهم وقراهم، فيما انعدمت خيارات الآخرين بسبب هشاشة أوضاعهم الاجتماعية-الاقتصادية والطبية، ما جعل حصولهم على الرعاية الطبية صعبًا للغاية، مثلما صعّب على العاملين في المجال الطبي والإنساني الوصول إليهم.

لا خيار أمام طاقم المستشفى في النبطية، الذين قرروا مواصلة العمل هناك، سوى الاحتماء داخل المستشفى، وتجنب التنقل بالسيارة بحثًا عن الأمان. يقاسي الطاقم هذه الظروف منذ أسابيع، ولم يرتاحوا إلا قليلًا، مثقلين بضغط مستمر وخوف، فيما تستمر المستشفيات باستقبال أعداد كبيرة من المصابين.
المنسقة الطبية لأطباء بلا حدود، د. لونا حمّاد

لا تزال عدة مستشفيات في جنوب لبنان تعمل وتقدم الرعاية الطارئة الأولية والإحالات. تدعم أطباء بلا حدود هذه المرافق بالإمدادات الطبية والوقود لتوليد الكهرباء ومواد الإغاثة الأساسية مثل البطانيات ومستلزمات النظافة.

بحسب منظمة الصحة العالمية، سُجّل لغاية 23 مارس/آذار أكثر من 63 هجومًا على مرافق الرعاية الصحية، أسفرت عن مقتل 40 عاملًا في مجال الرعاية الصحية وإصابة 91 آخرين. بالإضافة إلى ذلك، أُجبرت أكثر من خمسة مستشفيات على الإخلاء، واضطر أكثر من 54 مركزًا للرعاية الصحية الأولية في مختلف أنحاء لبنان إلى الإغلاق، ما يضائل الوصول إلى الخدمات الصحية الأساسية.

التقينا نازحًا مريضًا باللوكيميا يبلغ من العمر 56 عامًا، كان قد زار إحدى العيادات المتنقلة التابعة لأطباء بلا حدود، وأخبرنا عن تبعات انقطاع الرعاية بعد إخلاء المستشفيات: “هربت من دون أن آخذ معي شيئًا وما من مكان أذهب إليه. كنت آملًا أنني على وشك هزيمة السرطان. أما الآن، أمضي الليالي في خيمة في حديقة، ولا أعرف أين سأجد جرعتي التالية من الدواء أو كيف سأواصل علاجي”.

MSF Dr in Chouf Lebanon

في أجزاء من بيروت وجبل لبنان وجنوب لبنان وشمال لبنان وعكار، تقدم فرق أطباء بلا حدود الرعاية الصحية الأولية والإحالات والدعم لمساعدة السكان على مواصلة علاجهم، لكن الوصول المستمر إلى الرعاية المتخصصة ورعاية الأعراض المزمنة لا يزال معطلًا.

مع استمرار القصف والنزوح، نشهد يوميًا تضاؤل المساحة التي تسمح للسكان بالنجاة وتسمح للخدمات الصحية بمواصلة عملها. تدعو أطباء بلا حدود إلى حماية المدنيين والرعاية الصحية، ووضع حد للإجراءات التي تجبر الناس على ترك بيوتهم إلى أجل غير مسمى وتقطع عنهم سبل العلاج.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

قد ما تقعد ووين ما قعدت، اسماتك ابن جنوب لبنان!

Women hanging cloth in displacement center in south Lebanon

قد ما تقعد ووين ما قعدت، اسماتك ابن جنوب لبنان!

خديجة، 56 سنة، من عديسة (قرية حدودية من قرى قضاء مرجعيون في محافظة النبطية)
نزحت إلى المروانية (قضاء صيدا، جنوب لبنان)

عندما بدأت الحرب في الثامن من أكتوبر/تشرين الأول 2023، اتجهنا إلى بيروت وأقمنا هناك لسنة واحدة، إلى أن توفيت أمي في فبراير/شباط 2024. بقيت في بيروت، فيما انتقلت أختي وأولادها إلى المروانية. وبعد وقف إطلاق النار في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، قررت أن أعود إلى عديسة، إلى بيت أهلي، حيث الأمان الذي افتقدته أنا.

توجهت إلى القرية وحاولت إصلاح البيت قدر المستطاع. كنت سعيدة جدًا في البداية وكانت الفرحة تغمرني، فالبيت في النهاية ملجأي وأماني استقراري.

لكن للأسف، بعد أربعة أشهر هناك، لم أعد أشعر بالأمان[1]: قلق، خوف، توتر، تفجير.

[1] على الرغم من اتفاق وقف إطلاق النار في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، استمر القصف الإسرائيلي بالمسيّرات والطيران الحربي على مختلف المناطق اللبنانية، وخاصة القرى الحدودية الجنوبية بشكل شبه يومي.

ما من حياة أو ناس. القرية منكوبة.
خديجة*
child walking in displacement center in south lebanon

حاولت أن أبقى هناك، لكنني لم أستطع. لا تقتصر الحياة في القرية على الأكل أو الشرب أو على سقف يؤويك. وعلى الرغم من الدمار، حاولت البقاء هناك، إلا إنني احتجت للأمان. لكن ما من أمان.

ما من أمان.

بعدما أُنهكت أعصابي، اضطررت للقدوم إلى المروانية، عند أختي. دخلت إلى غرفة الطوارئ لأن أعصابي انهارت. وأنا الآن مقيمة مع أختي وأولادها الثلاثة. لكن ولأنني لست متزوجة ولا أولاد لدي، فلا أعتبر “عائلة”، فأتبعوني بأختي.

أريد أن أعرف، إذا لم أكن “عائلة”، فكيف لي أن أتدبر أموري؟ كيف أيسّر حياتي؟ الحمل ثقيل على أختي، الأرملة وأولادها الثلاثة، فكيف أتدبر أموري أنا؟ كيف أعيش؟ هل هذا يعني أن مصيري الانتقال على الدوام من مكان إلى آخر؟

قد ما تقعد ووين ما قعدت، اسماتك ابن الجنوب، من أرض الجنوب.
خديجة*

تعب أبي طوال 35 سنة من غربة وعمل ليبني بيتنا، مملكتنا. حتى لو كان بغرفة واحدة، لكنه بيتنا. كل حجر وكل زاوية لها قصة وذكريات في نفسي. فأينما أقمت، أنا لست ببيتي. ما من استقرار. أنا اليوم هنا، لكن بعد ساعة لا أعرف أين سأكون. لا أدري متى سيُطلب منّي المغادرة. كل ما تراه عيناي ليس لي. لا يعنيني.

أنا أريد بيتي. أريد أن أرجع إلى بيت أهلي الذي ترعرعت فيه، حيث نشأت أنا وأمي وأبي وإخوتي في كل أركانه.

أبكي على الحجر. يقولون “الحجر يعوّض”، ربما، لكن كل ما يذهب لا يرجع مثلما كان. فالحجر أنا من حملته بيدي ووضعته. والزرع أنا من غرزته وانتظرته لينبت أمام عينيّ. فما بالك بمن تعب طوال 35 سنة ليبني بيتًا سيهدم في نهاية المطاف؟

لا أمانع البقاء في خيمة، شريطة أن تكون في أرضي وقريتي، وأن أكون بأمان. لا ذنب لي بما يحصل. لا ذنب للأطفال. لا ذنب لكبار السن. لا ذنب لكل إنسان مريض. ما ذنب هؤلاء؟

Man walks next to hanged cloth in displacement center in south Lebanon

أختي أرملة وكلانا بلا عمل. فكيف لنا أن نؤمّن الأكل والغاز والمصروف؟ نعيش كل يوم بيومه، وكل ساعة بساعتها. قد نصل لمرحلة لا نأكل فيها إلا وجبة واحدة أو وجبتين، وقد نحرم أنفسنا الأكل لإطعام الأولاد. ابن أختي يعاني من الربو، وأختي لديها السكري. أما أنا، فلا أعرف. أخاف الذهاب إلى الطبيب فأكتشف شيئًا ما. لكنني أتوتر وأخاف. صرت أخاف من أي شيء. فإذا سألني الطبيب “ما الذي يؤلمكِ؟” سأجيب بأن كل شيء يوجعني. كل شيء. صرت أخاف من أي شي.

صرت أعبّر بالصراخ. أشعر بضغط بداخلي من خوف وغضب، كيَد مطبقة على خناقي. أشعر بالغضب! أشعر بالحزن. أحاول أن أتمالك أعصابي. طوال أربعة أشهر وأنا في العديسة حاولت أن أتمالك أعصابي، حتى صار الناس يقولون لي “أنت قوية، فلم يقم أحد بما قمتِ به. لقد أعطيتِ حياة للناس. أرجعتي لنا القوة. أنت أرجعتي لنا الحياة. نحن نستروح بك”.

ولكن في النهاية وعند الليل، أمسي وحيدة كطفل يبحث عن أمه.

أنا طفلة صغيرة عمري 56 سنة. أنا بدي أمي!
خديجة*

فقدت أمي في الحرب. لم تكن مريضة، لكن لأنها غادرت بيتها بعد تعب عقود، وعرفت إنها لن ترجع، ماتت قهرًا. إذا فقدت أهلك فقدت الأمان، فكيف إذا فقدت وطنك وقريتك وأرضك؟

أينما رحت، يسألونني “من أين أنت؟”، أجيب “من الجنوب”… “نازحة؟” لا! أنا لبنانية. لماذا تسمونني نازحة وأنا بأرضي؟

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

لبنان: عائلات تواجه مستقبلًا مجهولًا تحت القصف وأوامر الإخلاء الجديدة

لبنان: عائلات تواجه مستقبلًا مجهولًا تحت القصف وأوامر الإخلاء الجديدة

خلال أقل من أسبوعين، أُجبر أكثر من 800,000 شخص في لبنان على ترك منازلهم وبلداتهم، بسبب القصف الإسرائيلي المتواصل وأوامر الإخلاء الكلّي التي لا تستثني أحدًا.

تُفاقم عمليات النزوح الجماعي من معاناة الناس، لا سيما الذين لم يتمكنوا من العودة إلى ديارهم منذ موجات النزوح السابقة. غنى شابة تركت قريتها عديسة على الحدود الجنوبية اللبنانية، وهي واحدة من آلاف الأشخاص الذين يستمر نزوحهم منذ عام 2023. تعيش غنى الآن مع عائلتها في مركز إيواء يُعرف بفندق مونتانا، في بلدة المروانية بالقرب من صيدا، ثالث أكبر المدن اللبنانية.

أخبرنا غنى وهي تقف خارج مركز الإيواء، “جئت مع عائلتي من عديسة، وكنا من بين أوائل من أُجبروا على إخلاء قراهم [في عام 2023]. أعيش في مركز الإيواء هذا منذ نحو ثلاث سنوات. أقمت مع عائلتي المكونة من خمسة أفراد في غرفة واحدة، والآن وصل عدد كبير من الناس، وبعض الغرف تضم ما يصل إلى 30 شخصًا معًا”.

كان مركز إيواء مونتانا فندقًا قبل بضع سنوات. يستقبل المركز اليوم أكثر من 120 عائلة نازحة، وكثير منها مقيم هناك منذ الإجلاء القسري لقرى الجنوب قبل نحو ثلاث سنوات. ولكن مع صدور أوامر الإخلاء الأخيرة، وصل مزيد من الأشخاص في الأيام الماضية، ما أدّى إلى اكتظاظ مركز الإيواء وزيادة الضغط على العائلات المقيمة فيه.

تزور الوحدات الطبية المتنقلة التابعة لأطباء بلا حدود مركز الإيواء هذا بانتظام، لتقديم الرعاية الصحية العامة للمقيمين. نقدم أنشطة مماثلة في عدة مراكز إيواء أخرى في مختلف أنحاء البلاد، بما في ذلك محافظات الشمال وعكار والبقاع وجبل لبنان وبيروت، حيث يسعى مئات آلاف الأشخاص إلى مأمن.

الناس مجبرون على النزوح مجددًا، ما ينعكس سلبًا على صحتهم الجسدية والنفسية.
منسقة برامج أطباء بلا حدود في لبنان، لو كورماك

يتسبب اشتداد القصف في المناطق المكتظة بالسكان خلال الأيام الأخيرة، إلى جانب آخر أوامر الإخلاء الكلي، بإجبار الناس بشكل ممنهج على ترك قراهم.

عندما وصل فريق أطباء بلا حدود صباح يوم 12 مارس/آذار إلى مركز إيواء مونتانا، كانت العائلات هناك لا تزال تحت تأثير الصدمة بعد غارة جوية إسرائيلية وقعت في الليلة السابقة على بعد 150 مترًا فقط. ورغم أن الغارة لم تسفر عن أي إصابات ولم تسبب إلا بأضرار طفيفة للمركز، إلا إن العائلات بقيت مرتعبة.

تقول غنى، “وقعت الغارة الجوية الإسرائيلية بلا سابق إنذار وعلى مسافة قريبة جدًا من مركز إيوائنا، فاهتز بأكمله وبدأ الأطفال بالبكاء. لقد تعبت من هذا الوضع”.

وقع القصف بعيد إعلان القوات الإسرائيلية عن أوامر إخلاء كلي جديدة، امتدت إلى شمال نهر الليطاني باتجاه نهر الزهراني.

لم يعد مركز الإيواء هذا في المروانية آمنًا اليوم، شأنه شأن ما لا يقل عن سبعة مراكز إيواء أخرى حددتها السلطات المحلية، والتي يُفترض أنها متواجدة في مناطق آمنة، فهي الآن واقعة ضمن نطاق أوامر الإخلاء الإسرائيلية الجديدة
منسقة برامج أطباء بلا حدود في لبنان، لو كورماك

مع توسعة إسرائيل لنطاق أمر الإخلاء الجماعي، بحيث يشمل جميع المناطق الممتدة حتى نهر الزهراني، فإنها تستهدف منطقة مكتظة بالسكان، حيث على جميع السكان الابتعاد لمسافة تصل إلى 50 كيلومترًا بعيدًا عن الحدود الجنوبية اللبنانية.

نحن نرى أوجه تشابه مع ما شهدناه خلال العامين ونصف العام الماضيين في غزة، من أوامر إخلاء واسعة النطاق، وتشريد مستمر لآلاف العائلات، وقصف ممنهج للمناطق المكتظة بالسكان. بعد 15 شهرًا من اتفاق هشّ لوقف إطلاق النار قد فشل في وضع حد للعنف في لبنان، تجد العائلات أنفسها محاصرة مرة أخرى بين ترك بيوتها أو مواجهة القنابل.
منسقة برامج أطباء بلا حدود في لبنان، لو كورماك

تشير التقديرات إلى أن نحو 14 في المئة من أراضي لبنان تقع حاليًا ضمن نطاق أوامر الإخلاء، وأن المناطق التي أُخليت في ضواحي بيروت وعلى الحدود الجنوبية تشكل أكثر من 1,300 كيلومتر مربع. أُجبر سكان نحو 200 قرية وبلدة على الإخلاء في أقل من أسبوعين.

لقد شهدنا مغادرة السكان لمناطقهم الواقعة جنوب نهر الزهراني باتجاه الشمال، ونراقب عن كثب تأثير أوامر الإخلاء الجديدة هذه. لكن هذه المرة، قرر مزيد من الناس عدم الإخلاء، غالبًا لأن مراكز الإيواء ممتلئة، والطرق غير آمنة، وليس لديهم وسيلة للتنقل مرة أخرى، أو ببساطة ليس لديهم مكان آخر يذهبون إليه، ما يساهم على الأرجح في تعريض المدنيين لخطر أكبر وارتفاع عدد الضحايا.

وفي الوقت نفسه، تتحمل العائلات العبء المالي والنفسي الناجم عن النزوح المتكرر، من فقدان البيوت وسبل العيش، وتراكم الديون، والإرهاق، والصدمات النفسية، ونقص الوصول إلى الرعاية، وكلها عوامل تفاقم من صعوبة تأقلمهم.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

لبنان: أطباء بلا حدود تكثف استجابتها مع تصاعد النزوح في أنحاء البلاد

Displacement in Lebanon

لبنان: أطباء بلا حدود تكثف استجابتها مع تصاعد النزوح في أنحاء البلاد

سارعت فرق أطباء بلا حدود في مختلف أنحاء لبنان إلى تكييف أنشطتها للاستجابة للاحتياجات الإنسانية المتزايدة جراء تصاعد العنف والنزوح الجماعي للسكان بسبب القصف الإسرائيلي المتواصل. إلا إن تلبية هذه الاحتياجات الهائلة تتطلب استجابة شاملة.

وفي هذا الصدد، يقول منسق برامج أطباء بلا حدود في لبنان، جيريمي ريستور، “فرقنا تستجيب، لكن الاحتياجات هائلة. هناك عشرات آلاف الأشخاص بحاجة ماسة الآن إلى الحماية، والمياه، ومواد الإغاثة الأساسية، والرعاية الصحية. يجب المسارعة بتفعيل تمويل طارئ ومرن لتكثيف الاستجابة للاحتياجات على مستوى البلاد”.

وبحسب السلطات اللبنانية، قُتل أكثر من 217 شخصًا منذ يوم الاثنين الثاني من مارس/آذار، وأصيب نحو 800 شخص بجروح نتيجة القصف الإسرائيلي المتواصل. وقد نزحت آلاف العائلات بسبب أوامر الإخلاء واسعة النطاق التي غطّت أجزاء كبيرة من جنوب لبنان وجنوب بيروت ومناطق من سهل البقاع، مجبرةً السكان على ترك بيوتهم من دون أن يجدوا مأمنًا يذهبون إليه، ما ينذر باحتمالية وقوع انتهاكات للقانون الدولي الإنساني.

ويضيف ريستور، “يأتي هذا التصعيد بعد 15 شهرًا من وقف لإطلاق النار لم يضع حدًا للهجمات الإسرائيلية. والآن، تواجه الأسر خيارات مستحيلة: إما أن يتركوا منازلهم أو يبقوا تحت التهديد. في ظل هذه الأجواء من القصف المتواصل للمناطق المكتظة بالسكان، ندعو إلى حماية المدنيين والعاملين في مجال الرعاية الصحية والمرافق الطبية”.

منذ الثاني من مارس/آذار، تعمل فرق أطباء بلا حدود على تقييم الاحتياجات وتستجيب في كثير من مراكز الإيواء والبلدات والمدن في مختلف أنحاء لبنان، حيث تجمع عشرات آلاف النازحين. وقد نزح كثير من السكان عدة مرات خلال موجات التصعيد السابقة. تكتظ الملاجئ، فيما ينام بعض النازحين في سياراتهم أو في الشوارع. وبقي آخرون في بيوتهم رغم أوامر الإخلاء أو عادوا إليها بسبب عدم توفر متسع في الملاجئ أو عدم قدرتهم على استئجار مسكن.

نشرت أطباء بلا حدود عددًا من العيادات المتنقلة في مختلف أنحاء لبنان للوصول إلى النازحين. وفي صيدا، ثالث أكبر مدينة في جنوب لبنان، قدّمت عيادة متنقلة أطلقناها حديثًا أكثر من 70 استشارة في يوم واحد، إلى جانب الإسعافات النفسية الأولية.  في السادس من مارس/آذار، أطلقنا عيادة متنقلة أخرى في برجا بمنطقة الشوف في جبل لبنان، حيث يقدر عدد النازحين بـ10,000 شخص، وفي غضون ساعات قليلة، قدمت العيادة 72 استشارة عامة و11 استشارة في مجال الصحة الجنسية والإنجابية و13 جلسة لدعم الصحة النفسية. كذلك أطلقت أطباء بلا حدود عيادة متنقلة ثالثة في ببنين بعكار، شمال لبنان، وعالجت أكثر من 50 نازحًا من الجنوب في أول يوم من عملها. وفي السابع من مارس/آذار، أطلقت أطباء بلا حدود المزيد من العيادات المتنقلة في بيروت ومنطقة البقاع لدعم النازحين، إلى جانب تجهيز خطوط مساعدة للصحة النفسية، لتقديم الدعم النفسي للأشخاص الذين على الطريق أو غير قادرين على الوصول إلى الخدمات.

في بيروت والبقاع والشوف، وزّعنا 350,000 لتر من المياه وأكثر من سبعة أطنان من مواد الإغاثة الأساسية، مثل البطانيات، ومجموعات النظافة الصحية على آلاف النازحين، بمن فيهم الأطفال وكبار السن.

أما في النبطية والمحافظات الجنوبية، حيث اضطرت أطباء بلا حدود إلى تعليق أنشطتها الميدانية بسبب أوامر الإخلاء الإسرائيلية وانعدام الضمانات الأمنية للطاقم، تواصل فرقنا البحث عن سبل لتقديم الدعم في المنطقة، بالإضافة إلى تشغيل عياداتنا في برج حمود في بيروت وفي عرسال بمحافظة بعلبك-الهرمل، لضمان استمرارية الرعاية للمرضى، كما نواصل دعم مراكز الرعاية الصحية الأولية في طرابلس.

يتطلب حجم الأزمة إجراءات عاجلة وشاملة. في الوقت الذي لا يتجاوز تمويل خطة الاستجابة للبنان لعام 2026 نسبة 14 في المئة، فيما لا يزال مخزون الطوارئ شديد التدني، تدعو أطباء بلا حدود إلى المسارعة بتفعيل تمويل طارئ ومرن، لتوسيع نطاق المساعدة المقدمة للنازحين والمجتمعات التي تستضيفهم.

لا تزال أطباء بلا حدود على اتصال مع السلطات اللبنانية والجهات الفاعلة الأخرى، وهي مستعدة لزيادة دعمها مع تزايد الاحتياجات.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

حاجة عاجلة إلى تدفق كبير للمساعدات وسط ظروف كارثية في غزة

حاجة عاجلة إلى تدفق كبير للمساعدات وسط ظروف كارثية في غزة

بالرغم من الموعد النهائي يوم 1 مارس/آذار 2026 لمغادرة 37 منظمة غير حكومية للأراضي الفلسطينية المحتلة، أطباء بلا حدود ملتزمة بالبقاء لتقديم المساعدة

تدعو المنظمة الإنسانية الطبية الدولية، أطباء بلا حدود، إلى زيادة كبيرة في المساعدات المنقذة للحياة ووصول المساعدات الإنسانية دون عوائق وسط الكارثة المستمرة في غزة، حيث ما زالت الخسائر في الأرواح تحدث بسبب استمرار العنف والقيود المتواصلة على المساعدات، التي تفرضها السلطات الإسرائيلية. وعلى الرغم من هذه السياسات، فإن منظمة أطباء بلا حدود ملتزمة بالبقاء لتقديم المساعدة في الأراضي الفلسطينية المحتلة لأطول فترة ممكنة، والعمل بموجب تسجيلها لدى السلطة الفلسطينية.

بموجب القانون الإنساني الدولي، فإن السلطات الإسرائيلية، بصفتها السلطة القائمة بالاحتلال، ملزمة بضمان تقديم المساعدة الإنسانية. ومع ذلك، فإن القواعد الجديدة التقييدية، التي تطلب من 37 منظمة غير حكومية مغادرة الأراضي الفلسطينية المحتلة بحلول الأول من مارس/آذار، تُنذر بتقليل المساعدات بشكل كبير، وهي في الأصل غير كافية. يجب على الحكومات في جميع أنحاء العالم ضمان احترام قرارات محكمة العدل الدولية بما في ذلك تسهيل تقديم المساعدات الإنسانية

تعمل منظمة أطباء بلا حدود على الحفاظ على الخدمات المقدمة للمرضى في بيئة مقيدة بشكل متزايد. الاحتياجات كبيرة والقيود الصارمة لها عواقب مميتة. مئات الآلاف من المرضى بحاجة إلى رعاية طبية ونفسية، وعشرات الآلاف بحاجة إلى متابعة طبية وجراحية ونفسية طويلة الأجل.
كريستوفر لوكيير، الأمين العام لمنظمة أطباء بلا حدود

على الرغم من خطة السلام التي تقودها الولايات المتحدة، تواصل السلطات الإسرائيلية التقييد الشديد، بل حتى منع وصول الماء والمأوى والرعاية الطبية في غزة. الظروف المعيشية متدنية لمستويات مهينة، ولا يزال العنف يقتل ويجرح الفلسطينيين بشكل يومي. في الأسابيع الأخيرة، انخفضت المساعدات الإنسانية التي تصل إلى غزة بشكل كبير. في الضفة الغربية، تستمر الاحتياجات الطبية والإنسانية في التصاعد وسط زيادات مقلقة في العنف والتهجير القسري وهجمات المستوطنين المسلحين وهدم المنازل والتوسع الاستيطاني والعوائق التي تحول دون الرعاية الصحية.
 

يؤثر سحب تسجيل منظمة أطباء بلا حدود لدى السلطات الإسرائيلية بالفعل على رعاية المرضى، حيث يؤدي إلغاء التسجيل إلى تفاقم الضغط على النظام الصحي الذي دُمّر على مدى العامين الماضيين وأعاقته القيود المستمرة على المعدات والإمدادات الطبية الأساسية. منذ بداية يناير/كانون الثاني، منعت السلطات الإسرائيلية منظمة أطباء بلا حدود من جلب موظفين دوليين وإمدادات إضافية إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة، وبحلول 1 مارس/آذار 2026، سيضطر جميع أفراد الطاقم الدولي لأطباء بلا حدود لمغادرة الأراضي.

   
تواجه البرامج الطبية لأطباء بلا حدود بالفعل نقصاً، وفرقنا الطبية قلقة بشكل خاص تجاه قدرتها على الاستمرار في توفير رعاية الإصابات الطارئة وخدمات إعادة التأهيل للمرضى إضافة إلى رعاية الأطفال وخدمات الصحة الجنسية والإنجابية ورعاية الأمراض غير المعدية وحالات العلاج النفسي. وعلى المدى الطويل، ستكون أنشطة أطباء بلا حدود غير مؤكدة وربما يستحيل الاستمرار بها في ظل هذه الظروف المقيِّدة.

تعد برامج أطباء بلا حدود شريان حياة بالغ الأهمية. ولا يمكن استبدال الرعاية الطبية والمساعدة الإنسانية بهذا الحجم بسهولة. في خضم الكارثة الإنسانية المستمرة، ستبقى أطباء بلا حدود في الأراضي الفلسطينية المحتلة لأطول فترة ممكنة، وتبذل كل ما في وسعها. ندعو السلطات الإسرائيلية إلى تمكين المساعدات الإنسانية على نطاق واسع وندعو المجتمع الدولي إلى ضمان عدم ترك الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية لمصيرهم.
كريستوفر لوكيير، الأمين العام لمنظمة أطباء بلا حدود

تعمل منظمة أطباء بلا حدود في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1988، حيث تقدم الرعاية الصحية الطبية والنفسية، فضلاً عن خدمات الماء والصرف الصحي واسعة النطاق في الآونة الأخيرة. في عام 2025، دعمت أطباء بلا حدود ما نسبته واحد من كل خمسة أسرّة في المستشفيات في غزة، وساعدت في ثلث الولادات، وأجرت 913,284 استشارة للمرضى الخارجيين ووزعت أكثر من 700 مليون لتر من الماء. في يناير/كانون الثاني 2026، قدمت أطباء بلا حدود 83,579 استشارة خارجية، وعالجت 40,646 حالة طوارئ، وعالجت 5,981 مريضاً من حالات متعلقة بالإصابات. واستجابة للاحتياجات الهائلة، كانت منظمة أطباء بلا حدود قد خططت لتوسيع برامجها في عام 2026 بميزانية قدرها 130 مليون يورو. هذا الدعم يكتنفه الآن عدم اليقين.

تتزامن متطلبات التسجيل الجديدة التقييدية، التي تُستخدم كذريعة لعرقلة المساعدة، مع حملة عالمية منسقة من الهجمات عبر الإنترنت تستهدف أطباء بلا حدود، تروج لها حكومة إسرائيل.

إن حملة نزع الشرعية، القائمة على مزاعم كاذبة وغير مدعومة بأدلة، تهدف إلى تشويه سمعة أطباء بلا حدود، وإسكات صوت المنظمة، وعرقلة توفير الرعاية الصحية. في سياق يُمنع فيه الصحفيون الدوليون ويُقتل الصحفيون الفلسطينيون بانتظام، فإن زيادة تقليل وصول المنظمات غير الحكومية قد يؤدي إلى إزالة طبقة أخرى من الشهود على العنف المستمر وآثاره الدائمة على الناس.
كريستوفر لوكيير، الأمين العام لمنظمة أطباء بلا حدود
Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print