الأمين العام لأطباء بلا حدود حكومات العالم متواطئة في الإبادة

Chris Lockyear MSF secratery general at UN briefing

الأمين العام لأطباء بلا حدود حكومات العالم متواطئة في الإبادة

لا يستطيع الأطباء إيقاف الإبادة. قادة العالم يستطيعون.
كريستوفر لوكيير، الأمين العام لأطباء بلا حدود

يواجه أكثر من مليون شخص في غزة رعبًا متجددًا بعد تلقيهم أمرًا عاجلًا بإخلاء مدينة غزة، قبيل الهجوم البري الموسّع الذي يشنه الجيش الإسرائيلي. الهروب مستحيل لكثر، من كبار السن، والمرضى بحالات حرجة، والحوامل أو الجرحى. والباقون خلفهم حُكم عليهم بالإعدام.

أما من يحاولون الفرار، فسيرافقهم القصف العنيف. والناجون من هذه الرحلة سيصلون إلى مناطق مكتظة في وسط وجنوب غزة، حيث لا أمان ولا أساسيات يحتاجونها للبقاء. تقف الكارثة في وجه السكان الذين دُفعوا إلى حافة الهاوية خلال قرابة عامين من الوحشية المستفحلة.

ما يحدث في غزة ليس مجرد كارثة إنسانية، بل إبادة جماعية ممنهجة لشعب بأكمله. ومنظمة أطباء بلا حدود تقولها بوضوح: إسرائيل ترتكب إبادة جماعية بحق الفلسطينيين في غزة وبإفلات كلّي من العقاب.

Attack on MSF vehicle in North Gaza

مستوى الخسائر البشرية هائل. فبحسب آخر أرقام وزارة الصحة، قُتل أكثر من 64,000 شخص، من بينهم 20,000 طفل. يرجح أن يكون العدد الحقيقي للقتلى أعلى من ذلك، فالكثير الكثير من الأشخاص عالقون تحت أنقاض المستشفيات والمدارس والمنازل.

ما من مأمن في غزة. أبيدت عائلات بأكملها وهي تحتمي في بيوتها. قُتل عاملون في المجال الصحي خلال رعايتهم للمرضى. استُهدف صحافيون لأنهم أدلوا بشهادتهم. هاجم الجيش الإسرائيلي الحجر والبشر في غزة.

تستخدم إسرائيل أسلحة فائقة القوة ومصممة لساحات القتال المفتوحة، اشترت بعضها من الحكومات الأمريكية والأوروبية، مستهدفةً مناطق حضرية مكتظة بالسكان، حيث يحتمي الناس في الخيام. وينتج عن ذلك إصابات قاتلة تُعالجها فرقنا.

استهدفت السلطات الإسرائيلية وبشكل ممنهج نظام الرعاية الصحية في غزة، من قصف للمستشفيات، وغارات على المرافق الطبية، وتهديد حياة الكوادر والمرضى. من شأن هذه الأعمال أن ترقى إلى مستوى جرائم الحرب. أما المستشفيات القليلة المتبقية فهي مكتظة وتعاني من شح في الإمدادات. المرضى يعانون ويسقطون ضحايا لموت يمكن تجنّبه.

قُتل اثنا عشر من زملائنا، ولا يزال جراح العظام في أطباء بلا حدود، د. محمد عبيد، معتقلًا لدى إسرائيل منذ أكتوبر/تشرين الأول 2024. قُتل في المحصلة أكثر من 1,500 عامل في القطاع الصحي. كل واحد منهم يشكل خسارة فادحة لعائلاتهم ولنظام الرعاية الصحية المحاصر في غزة.

يمتد تأثير هذه الحرب الإبادية لما هو أبعد من الهجمات المباشرة. أطبقت السلطات الإسرائيلية الخناق على غزة عامدة متعمدة، وفرضت حصارًا شاملًا وقيودًا صارمة على الوقود والمياه والغذاء والإمدادات الطبية.

حققت سياسة العقاب الجماعي هدفها الوحشي، فأدى التجويع المتعمد إلى إعلان المجاعة. أظهر مسح أجري مؤخرًا في عياداتنا في غزة أن 25 في المئة من النساء الحوامل أو المرضعات يعانين من سوء التغذية، ما قد يزيد من خطر وفيات الأجنّة والإجهاض والولادات المبكرة.

أما القلة المتاحة من المساعدات الغذائية، فقد حُوّلت بإذلال إلى سلاح. فالمخطط الذي تديره إسرائيل وتموله الولايات المتحدة الأمريكية مسؤول عن مقتل 1,400 شخص وإصابة 4,000 آخرين. عالجنا أطفالًا أصيبوا بأعيرة نارية في صدورهم بينما كانوا يمدون أيديهم للحصول على الطعام، وأشخاصًا دُهسوا أو اختنقوا خلال التدافع. هذا المستوى من الوحشية لا يصدقه عقل.

يؤدي النقص المتعمد في المياه إلى تفشي الأمراض. في الشهر الماضي، عالجت أطباء بلا حدود 4,000 شخص من الإسهال المائي والذي قد يكون قاتلًا للأطفال الذين يعانون أصلًا من سوء التغذية. تستطيع أطباء بلا حدود أن تزيد من إمدادات مياه الشرب النظيفة، ولكنها تُمنع من ذلك مرارًا.

وفي الوقت نفسه، تتسارع وتيرة عنف المستوطنين وعنف الدولة في الضفة الغربية المحتلة. تتصاعد وتيرة سرقة الأراضي، والتهجير القسري، والاعتداءات على السكان، بصفتها جزءًا من السياسات الرامية إلى تغيير التركيبة الديموغرافية للضفة الغربية.

تتواطأ حكومات العالم في هذه الإبادة الجماعية من خلال دعمها لإسرائيل بشكل سياسي أو عسكري أو مادي. وعليها التزام أخلاقي وقانوني بالرّد: عبر الضغط السياسي الحقيقي، لا الكلمات الجوفاء، وبكل الأدوات السياسية والدبلوماسية والاقتصادية لوقف هذه الفظائع.

على الدول ضمان الوقف الفوري لإطلاق النار، ورفع الحصار وضمان سماح السلطات الإسرائيلية بإيصال المساعدات الإنسانية المستقلة على نطاق واسع وبلا عوائق. يجب حماية المرافق الطبية والعاملين في المجال الصحي. ويجب وضع حد لأوامر الإخلاء والتهجير القسري والجماعي للسكان.

كما يجب فتح الحدود للسماح بإجلاء الأشخاص الذين يرغبون بالمغادرة، والمرضى المحتاجين لرعاية متخصصة طارئة. على الحكومات أن تعمل بشكل مباشر على تسهيل هذه المسارات المنقذة للحياة وتضمن حق العودة عندما تكون ظروفها آمنة بالفعل.

يمكن للبلدان التي أعربت عن غضبها وتضامنها مع الفلسطينيين أن تفعل المزيد لزيادة الضغط السياسي على غيرها من الدول كي تتحرك، وعليها أن تفعل المزيد. يشمل الضغط ضمان وقف جميع الدول لنقل الأسلحة التي تقتل وتصيب السكان وتدمر البنية التحتية المدنية في غزة.

يبلغ عدد زملائنا في غزة 1,399 زميلًا، وهم يواجهون كل يوم الحقيقة المرة: فهم لا يستطيعون إيقاف الإبادة الجماعية. ولكن قادة العالم يستطيعون، إذا اختاروا أن يتحركوا. ومع اقتراب السنوية الثانية لهذا العنف الشديد الذي لا يرحهم، فإن الخيارات السياسية المطلوبة لوضع حد لهذا العنف قد طال انتظارها.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

الهجوم على مدينة غزة: كارثة إنسانية وحكمًا بالإعدام

بيك أب مزدحمة محملة بالأشخاص والأمتعة تسير في شارع مدمر في غزة

الهجوم على مدينة غزة: كارثة إنسانية وحكمًا بالإعدام

كارثة إنسانية في غزة

تواجه مدينة غزة كارثة إنسانية مع التصعيد الأخير في الهجوم العسكري الإسرائيلي، ما يدفع السكان إلى حافة الهاوية ويهدد بقاء ما ظل من النظام الصحي. تحذر فرق أطباء بلا حدود من استحالة إجبار مليون شخص – ومنهم مئات المرضى بحالة حرجة والأطفال حديثو الولادة – على الخروج من مدينة غزة إلى مناطق مكتظة ومفتقرة للموارد في وسط وجنوب القطاع. سيمثل هذا حكمًا بالإعدام على مليون فلسطيني.

صورة واسعة لمخيم مترامي الأطراف ومزدحم بخيام النازحين على ساحل رملي في غزة

تهجيرٌ وتدهور الظروف المعيشية

يتسبب القصف المتواصل من قبل القوات الإسرائيلية وتقدم الهجوم البري بمقتل مئات الفلسطينيين وطردهم من منازلهم وملاجئهم، ولعدة مرات أحيانًا، تبعًا لنمط من الدمار الكامل الذي سبق أن شهدته فرق أطباء بلا حدود في رفح. يقول منسق الطوارئ مع أطباء بلا حدود في غزة، جاكوب غرانجيه، “نزح بعض زملائنا أكثر من إحدى عشرة مرة منذ عام 2023”. لا توفر الملاجئ المؤقتة سوى القليل من الأمان مع استمرار القصف، والذي غالبًا ما يستهدف المناطق التي فرّ إليها الناجون. ويشغل الآن نحو مليون نازح 15 في المئة فقط من أراضي غزة، وقد تدهورت الظروف بفعل تدمير نحو 90 في المئة من أنظمة المياه والصرف الصحي. ويضيف غرانجيه، “تواصل أطباء بلا حدود توزيع المياه في المدينة، ولكن مع نفاد أي مخزون مائي، وإذا منعت القوات الإسرائيلية إنتاج المياه الصالحة للشرب وتوزيعها، فسيموت الناس في غضون أيام”. تتفشى الأمراض، مثل الإسهال الحاد، في ظل الاكتظاظ والظروف غير الصحية.

النظام الصحي على المحك

يتسبب الهجوم الإسرائيلي بالتدمير المتعمد لجهود الرعاية الصحية في غزة. أوقف أكثر من نصف المستشفيات عن العمل؛ أما المستشفيات المتبقية فهي موشكة على الانهيار تحت وطأة الهجمات الموجّهة. بلغت معدلات إشغال الأسرة 300 في المئة في المستشفى الأهلي و240 في المئة في مستشفى الشفاء و210 في المئة في مستشفى الرنتيسي. يهدد التصعيد المستمر في مدينة غزة بإغلاق 11 مستشفى من أصل 18 مستشفى يعمل بشكل جزئي في قطاع غزة، بالإضافة إلى مرافق الرعاية الصحية الأخرى، فيما تفيد السلطات الصحية أن أكثر من نصف الأدوية الأساسية قد نفدت بالكامل.

عانى الطاقم الطبي من الغارات المتكررة، كما تعرض العاملون في المجال الصحي للقتل أو الاحتجاز أو التهديد، بما في ذلك أحد أطباء منظمتنا الذي لا يزال معتقلًا دون أي تهم رسمية. وفي المرافق الطبية التي ندعمها في مدينة غزة، نشهد زيادة في عدد الجرحى الذين يعانون من إصابات تشتد خطورة. أما المرضى الذين يحتاجون إلى عناية مركزة، فهم يواجهون خطر الموت إذا أُجبروا على الإخلاء بسبب إغلاق المستشفيات، ولن يتمكن من الإخلاء الأشخاص ذوو الاحتياجات الخاصة والمرضى والجرحى.

التجويع سياسةً

تسبب الحصار بمجاعة؛ فالقيود المفروضة على الغذاء والمياه النظيفة والأدوية وإيصال المساعدات، كلها تتسبب بارتفاع صارخ في معدلات سوء التغذية الحاد. وتُسلط قوة دموية على المدنيين منتظري المساعدات عند نقاط التوزيع – فعلى مدى أشهر، استجابت عيادات أطباء بلا حدود لإصابات جماعية ناجمة عن النيران الإسرائيلية في مواقع توزيع الأغذية التي تديرها مؤسسة غزة الإنسانية المزعومة.

شاحنة تنقل العائلات وممتلكاتهم عبر شارع مزقته الحرب في غزة

يجب وقف العمليات البرية فورًا

تهدف القوات الإسرائيلية إلى طرد الفلسطينيين من مدينة غزة، من خلال الإبادة الجماعية والتطهير العرقي والظروف التي تجعل الحياة مستحيلة. ما من مأمن، وفتات المساعدات يصل عبر طرق شديدة الخطورة على المدنيين. أما التدمير المتعمد للبنية التحتية الحيوية، فلا يزال مستمرًا.

تدعو أطباء بلا حدود إلى الإنهاء الفوري لأوامر الإخلاء بصفتها وسيلةً للتهجير القسري، وتدعو إلى وقف دائم لإطلاق النار، وإلى إدخال المساعدات الإنسانية على نطاق واسع. نطالب بحماية المرافق الطبية وتنسيق تنقلات الجهات الإنسانية الفاعلة. يجب وضع حد للدمار الممنهج والإبادة الجماعية. نطالب حلفاء إسرائيل بالوقف الفوري لنقل الأسلحة إلى إسرائيل وبتكثيف الضغط لإيقاف الهجوم. ففي غياب التدخل العاجل والجذري، فإن غزة مقبلة على إبادة كلية.

شارع في غزة على جانبيه مبانٍ متعددة الطوابق متضررة بشدة ومنهارة، مع خيام منصوبة
Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

في حرب السودان: كيف أدامت أطباء بلا حدود تشغيل مستشفى النو

Al Nao hospital is supported by MSF in Omdurman, Khartoum state

في حرب السودان: كيف أدامت أطباء بلا حدود تشغيل مستشفى النو

مستشفى النو في قلب النزاع في السودان

منذ أن اندلعت الحرب في السودان في أبريل/نيسان 2023 ووصلت ولاية الخرطوم، صار مستشفى النو الواقع في مدينة أمدرمان ملاذاً إنسانياً يلتجئ إليه آلاف المرضى. كان المستشفى يقدم خدمات محدودة جداً في بداية الحرب، يدعمه طاقم من عمال الرعاية الصحية والمتطوعين من أهل البلد. ثم في يوليو/تموز 2023، نجح فريق متفانٍ من الأطباء والممرضين والعاملين اللوجستيين ومعهم مجموعةٌ من المتطوعين بإعادة تشغيله بكامل طاقته من جديد. فقد ظلّوا يعملون تحت وطأة ضغوطٍ هائلة، مخاطرين بحياتهم يومياً لإبقاء أبوابه مشرعةً أمام المرضى.

Infront of Al Nao hospital, which is supported by MSF in Omdurman, Khartoum state
من أمام مستشفى النو الذي تدعمه أطباء بلا حدود في أم درمان بولاية الخرطوم

أطباء بلا حدود والكفاح لإيصال الإمدادات

يقول أحد العاملين اللوجستيين في منظمة أطباء بلا حدود كان يعمل في مستشفى النو في بداية الحرب: “كان علينا إدخال الإمدادات أولاً كي يتسنّى للمستشفى تقديم العلاج، لكنّ كل شحنةٍ كانت تنطوي على مغامرة. فقد كان المستودع يقع في الخرطوم على بعد نحو 30 كيلومتراً من مستشفى النو، وكان علينا أن نستطلع كل طريق قبل أن نسلكه حرصاً على سلامة الإمدادات والطاقم. كان ينطلق متطوعٌ من مستشفى النو باتجاهنا كي يتأكد من خلوّ الطرقات من أية اشتباكات، متجنباً في الآن ذاته القصف والضربات الجوية. كان يقودنا عبر طرقات فرعية مخاطراً بحياته من أجل إيصال الأدوية إلى المستشفى. لولاه ولولا تلك الإمدادات لما كانت لدينا أدنى فرصة للنجاح”.

مستشفى النو في قلب ساحة الحرب

مرّت سنتان على اندلاع الحرب حتى استعادت القوات المسلّحة السودانية السيطرة على الخرطوم في مايو/أيار 2025، حيث اندلع قتال عنيف في الخرطوم وأمدرمان. كان هذا العنف ولا يزال فصلاً من فصول حربٍ أهلية واسعة اندلعت بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع وألحقت الدمار بأجزاء واسعة من منطقة العاصمة السودانية. حطّت المعارك أوزارها الآن في الخرطوم، لكن حين اندلع القتال في منطقة العاصمة شبّت معارك عنيفة في مدنها الثلاث الواقعة على نهر النيل، ألا وهي الخرطوم وبحري وأمدرمان. وقد اضطرت أطباء بلا حدود إلى إجلاء فرقها إلى خارج المدينة، لكنها بدأت على الفور استعداداتها للعودة وتأمين الرعاية الصحية في ظلّ حرب خلفت ألماً كبيراً ومعاناة هائلة بحق الناس.

إجلاء أطباء بلا حدود قسرًا وانهيار البنية التحتية الصحية

اضطرت أطباء بلا حدود إلى إجلاء فرقها من ولاية الخرطوم في بداية الحرب، لكن قلة من زملائنا السودانيين في المنظمة ظلوا هناك لمواصلة تأمين وتنسيق جهود الرعاية فيما كنّا نخطط للعودة بكامل طاقمنا عندما تتوفر ظروف مناسبة.

وكلما كانت خطوط القتال تقترب كانت الأحياء تفرغ من ساكنيها وكانت البنى التحتية المعنية بالرعاية الصحية تتداعى. كانت المستشفيات تتعرض للنهب والقصف والهجران من عامليها. وسط كل ذاك الدمار، كانت طواقم الرعاية الصحية السودانية والمتطوعون من أبناء البلد يحرصون على أن يواصل مستشفى النو تقديم الرعاية في غرفة الطوارئ.

أضحى مستشفى النو ركناً أساسياً في نظام صحيّ يتداعى. كما أن قربه من خطوط القتال جعله مركزاً محورياً وهدفاً للنيران في الآن ذاته. فقد عمل طاقمنا السوداني الذي ظلّ هناك لم يرحل ووضع يده بيد موظفي وزارة الصحة، حيث نجح الجميع خلال الفترة الممتدة من مايو/أيار حتى يوليو/تموز 2023 في استئناف خدمات المستشفى.

Emergency room at Al Nao hospital, supported by MSF in Omdurman, Khartoum state
غرفة الطوارئ في مستشفى النو الذي تدعمه أطباء بلا حدود في أم درمان بولاية الخرطوم

من الدمار إلى الإعمار: إعادة بناء مستشفى النو

يقول صديق عمر، أحد العاملين اللوجستيين مع أطباء بلا حدود وهو من السودان: “كان المستشفى يعجّ بالنفايات حينما وصلت إليه أول مرة. وكان علينا تنظيفه قبل أن نفكّر حتى في علاج المرضى”. فقد همّ الفريق بالعمل، حيث عملوا على إصلاح بعض أجزائه التي كانت مهملة، إذ قاموا بتنظيف أرضياته وجدرانه وإصلاح نوافذه المكسرة وإعادة الطاقة الكهربائية إليه.

نقطة التحول: إعادة افتتاح مستشفى النو على مدار الساعة

لم يكن النو آنذاك يعمل سوى أربع ساعات يومياً فيما كانت أعمال إعادة تأهيله جارية. لكن بجهود طاقم وزارة الصحة والمتطوعين وزملائنا السودانيين في أطباء بلا حدود، وبدعمٍ مادي من المنظمة، عاد المستشفى للعمل على مدار الساعة في غضون ثلاثة أشهر.

وقد شكل ذلك تحولاً في غاية الأهمية بالنسبة للناس الذي تضرروا جراء الحرب، حين كانت معظم المرافق الصحية في السودان مقفلة أو بالكاد تعمل نظراً لغياب الأمن أو جراء تعرضها للنهب أو نتيجةً لنقص الإمدادات. كان عمال الرعاية الصحية يعرضون حياتهم للخطر وبالكاد يؤمنون لقمة عيشهم. وكان المستشفى يعمل تحت ضغوط هائلة حفاظاً على خدماته في ظل اقتصادٍ مزقته الحرب، حيث كانت الأساسيات من الوقود وحتى الإمدادات الطبية البسيطة محدودة بل وباهظة الثمن.

The trauma section of the emergency room at the Al Nao hospital, supported by MSF in Omdurman, Khartoum state
قسم الإصابات البالغة في غرفة الطوارئ في مستشفى النو الذي تدعمه أطباء بلا حدود في أم درمان بولاية الخرطوم

يوم في النزاع: النو يعالج مئات المرضى

يقول د. خالد عبد الرحمن عبد السلام، منسق مشروع أطباء بلا حدود في أمدرمان آنذاك: “في 27 يوليو/تموز 2023، عالج فريق غرفة الطوارئ أكثر من 150 جريح. وقف مستشفى النو يومئذٍ صامداً دون أن يرفّ له جفن. كان أفراد الطاقم يعملون كخلية نحل، بدءاً بغرفة الطوارئ وانتهاء ببنك الدم، وكانوا يتحركون بتناغم تامّ. كان فريق الطوارئ متماسكاً ويعمل بحرفية عالية، حتى نجح في امتصاص الصدمة التي نتجت عن تدفق أعداد كبيرة من المرضى، وكأنهم كانوا قد تدبروا على تفاصيل تلك اللحظة بالذات”.

كان ذلك يوماً كغيره من أيام السودان زمن الحرب. لم تكن أعمال القصف والانفجارات تقع في مواعيد يمكن التنبؤ بها لكنها كانت متواصلة حتى صار الناس يفرقون بين هذا المقذوف وذاك من أصوات هديرها. كانت جبهة أمدرمان الواقعة في ولاية الخرطوم تشهد قتالاً عنيفاً أضحى واقعاً يومياً، ولم تكن تبعد سوى كيلومترين عن أعتاب مستشفى النو. كانت الفوضى عنوان المدينة آنذاك، بيد أن المستشفى كان يعمل بعزيمة.

دعم أطباء بلا حدود لمستشفى النو: من الطوارئ إلى الشراكة

تغير دعم أطباء بلا حدود لمستشفى النو على مرّ الأيام من 2023 حتى 2025، بدءاً بإعادة تأهيل خدمات الطوارئ حتى غدا شراكةً شاملة انطوت على عودة تدريجية لكامل فريق المشروع. قدمت المنظمة التدريبات السريرية وأمنت الإمدادات الطبية الأساسية وخدمات المياه والصرف الصحي كما وفرت الطعام للمرضى. كما درّبنا طاقم وزارة الصحة على التعامل مع حالات الإصابات الجماعية وتقلوا حوافز مالية تساندهم وهم يؤدون واجباتهم التي من شأنها إنقاذ حياة الناس.

تغير دور المستشفى بتغير الظروف المحيطة به، فقد بدأ بخدمة أمدرمان، إلا أن نطاقه توسع ليشمل أجزاء من بحري ومناطق أخرى في ولاية الخرطوم في ظل تبدّل وتنقل خطوط القتال. أضحى النو مركز الطوارئ الوحيد الذي يعمل في المنطقة لا سيما وأن باقي المستشفيات كانت قد تعرضت للأضرار أو الدمار أو لم تكن قد استأنفت خدماتها بعد. فمنذ يوليو/تموز 2023، تلقى أكثر منن 48,000 مريض يعاني من إصابات بليغة العلاج في غرفة الطوارئ في مستشفى النو.

مستشفى في الخطوط الأمامية لحرب السودان

في الأول من فبراير/شباط 2025، تعرض سوقٌ في أمدرمان لتفجير، وفي غضون دقائق بلغت غرفة طوارئ النو أقصى طاقاتها، كما قال أمين عام أطباء بلا حدود كريستوفر لوكيير الذي حدث وأن كان في المستشفى يومئذٍ: “بوسعي أن أرى كيف انهارت حياة الرجال والنساء والأطفال. ثمة العشرات والعشرات من الناس الذين يعانون من إصابات مروّعة. المشرحة ممتلئة بالجثث وما تراه عيني ليس سوى مشهداً من مجزرة شنيعة”.

استطاع المستشفى علاج 158 جريحاً في ذلك اليوم. لكن لم تمرّ سوى ثلاثة أيام حتى وقعت عملية قصف على بعد 100 مترٍ من المستشفى وأودت بحياة ستة أشخاص بينهم أحد المتطوعين العاملين على تأمين وجبات الطعام في إطار إحدى المبادرات في مستشفى النو. يشار إلى أن مستشفى النو أصيب بشكل مباشر ثلاث مرات منذ بدء الحرب: أولها في أغسطس/آب 2023 وثانيها في أكتوبر/تشرين الأول 2023 وثالثها في يونيو/حزيران 2024. غير أن طاقمه واصل العمل رغم كل المصاعب.

Wofak Abdulmullah with her children Abdul Kareem and Lahamda in a trauma section of the emergency room at Al Nao hospital, supported by M
أصيبت السيدة وفاق عبد الملا مع طفليها عبد الكريم ولحامدة في حادث توك توك، وهم في قسم الإصابات البالغة في غرقة الطوارئ بمستشفى النو الذي تدعمه أطباء بلا حدود في أم درمان بولاية الخرطوم

أبطال سودانيون يحافظون على استمرار عمل مستشفى النو

يستمد مستشفى النو قوته من تفاني طاقمه السوداني الذي لا يترنّح. فقد كان هذا الطاقم، بمختلف اختصاصاته الطبية واللوجستية والتمريضية والتقنية، سواء من العاملين في وزارة الصحة أو منظمة أطباء بلا حدود، بمثابة الهواء الذي يتنفسه مستشفى النو وسط القصف وانقطاع التيار الكهربائي والضغوط التي لا تُحتمل.

وكانت المبادرات المحلية لا تقل أهميةً في دورها المحوري الذي حافظ على المستشفى، فقد كان المتطوعون في كل مكان ينفذون مختلف المهام. أنشأ بعضهم صيدلية تقدم الأدوية بالمجان لمن لا يقدر على تحمّل تكاليفها، فيما كان آخرون يساعدون في غرفة الطوارئ أثناء الإصابات الجماعية. كان المتطوعون يحضّرون أيضاً الطعام للمرضى ومرافقيهم معتمدين على المطابخ الجماعية.

وقد كان كل عامل ومتطوع يتمتع بحسّ مسؤولية لا يتزحزح أسهم في إبقاء أبواب مستشفى النو مشرعةً في وقتٍ أقفلت فيه العديد من المرافق الصحية. شجاعة الطاقم كانت عاملاً حاسماً في ذلك.

تعود الذاكرة بمحمد نديم، أحد أفراد فريق مشروع أطباء بلا حدود، فيقول: “في أكتوبر/تشرين الأول 2024 عبرت شاحنة على متنها أكثر من 30 مريضاً مصاباً بالكوليرا خطوط القتال ووصلت إلى مستشفى النو في منتصف الليل، لكن لم ينجُ سوى نحو 20 من المرضى. لم يكن مركز علاج الكوليرا مستعداً لما حدث، وكانت تنقصنا إمدادات. لكنّنا شكلنا فريقاً رغم إجراءات حظر التجول نظراً لتأخر الوقت، ونجح الفريق في إحضار ما يلزمنا من المستودع الواقع في المستشفى. أسهم ذلك التحرك الفوري في إنقاذ حياة الناس”.

ثبات أطباء بلا حدود ومستشفى النو رغم كل الصعاب

كانت أفواجٌ من النازحين تصل إلى أمدرمان في خضمّ تبدل وتحرك جبهات القتال، علماً أن كثراً منهم كانوا من العائدين إلى أحيائهم التي رحلوا عنها لذا كان لا بد من إدخال مزيدٍ من الإمدادات في مواجهة توافد الأعداد الكبيرة من الناس.

وقد عمل فريق أطباء بلا حدود اللوجستي بلا كللٍ ولا ملل حفاظاً على مخزونات المستشفى ومواصلة مهامه. وهنا يصف مدير سلسلة التوريد في المنظمة عمر محمد النور المصاعب التي كانت تعترضهم، فيقول: “كنّا مضطرين إلى نقل الإمدادات بالحافلات بدلاً من الشاحنات كي لا تتعرض للاستهداف. وكان على تلك الحافلات أن تسلك طرقاً أطول تجنباً لمواقع القتال النشطة. حتى أننا نجحنا في إرسال أربع ثلاجات محملة بالإنسولين داخل حافلات من أجل مواجهة النقص الذي تشهده المدينة والإسهام في إنقاذ حياة مرضى السكري”.

حافظ مستشفى النو على عملياته رغم تلك التحديات. وقد سمح دعم أطباء بلا حدود لوزارة الصحة بإعادة توجيه مواردها المحدودة إلى مرافق أخرى، ممّا عزز نظام الرعاية الصحية في أمدرمان. ويقول مدير عام مستشفى النو د. جمال محمد: “حافظ النو على الرعاية الصحية حيّة في غربي الخرطوم رغم المصاعب الجمة والظروف القاسية”.

وهكذا أصبحت قدرة المستشفى على تدبير حوادث الإصابات الجماعية دون الإضرار بالخدمات الأخرى مثالاً يُحتذى به في المرونة والصمود وسط الأزمات.

نموذج جدير بالتكرار

تعتمد مقاربة أطباء بلا حدود تجاه مستشفى النو على دعمٍ إستراتيجي موجّه يسهم في تعزيز جهود عمال الرعاية الصحية السودانيين وموظفي وزارة الصحة. إذ لا تسعى أطباء بلا حدود إلى إدارة الأنشطة بل تركز على مساندتها معتمدةً على تأمين الإمدادات الأساسية والدعم المالي والإرشاد الفنّي بفضل الطواقم المحلية والدولية.

سمح هذا النموذج لمستشفى النو بالمحافظة على عملياته والاستجابة للاحتياجات وسط ضغوطٍ هائلة وفي ظل غياب الأمن. فقد كان الطاقم السوداني القلب النابض لهذا النجاح، حيث كانوا يقدمون الرعاية يومياً ويتولون إدارة حالات الطوارئ ويتأقلمون مع التحديات المتواصلة.

وقد بيّنت هذه الشراكة كيف أن دعم أطباء بلا حدود جاء في محلّه وكيف أن بمقدور نظام الرعاية الصحية المحلي مواصلة مهامه حتى حين يكون النزاع على أشدّه.

وهذا ما يؤكده رئيس بعثة أطباء بلا حدود في السودان تونا تركمان بقوله: “أن نقف متضامنين مع طواقم الرعاية الصحية العاملة على الخطوط الأمامية وأن ندعم جهوده أفرادها الشجعان وهم ينقذون حياة الناس كان أقل ما يمكننا فعله، حتى حين لم تكن فرقنا قادرة على الوصول إلى المنطقة. إذ يقدم مستشفى النو مثالاً رائعاً يكشف كيف أن بالثقة والتعاضد يمكن المحافظة على الرعاية الصحية، حتى في أحلك الأوقات”.

خطوة إلى الأمام، لكن الرحلة لم تنتهِ بعد

صار مستشفى النو مثالاً عن النجاح الذي يمكن أن نحققه إذا ما تعاونت الطواقم الإنسانية المتفانية من أطباء بلا حدود ووزارة الصحة والمجتمع المحلي.

حكاية مستشفى النو لم تشارف على نهايتها، إذ تتواصل الحرب وتتفاقم معها الاحتياجات. وصحيحٌ أن المستشفى يتمتع بالقوة والمرونة إلا أنه لن يستجيب للاحتياجات الصحية وحيداً. فلا بد من مواصلة الدعم لمساندة مستشفى النو ومرافق الرعاية الصحية في ولاية الخرطوم وباقي ولايات السودان.

وهنا يمكن للمانحين وصنّاع السياسات والجهات الفاعلة في مجال العمل الإنساني أن ترى في مستشفى النو مثالاً عن كيفية إعادة بناء النظام الصحي واستعادة قدراته في السودان. ويجب أن يبذل الجميع جهوداً لا تقل عن جهود وتفاني عمال الرعاية الصحية والمتطوعين السودانيين.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

فرق أطباء بلا حدود تشهد خطر التطهير العرقي في الضفة الغربية

MSF Advocacy Manager on a field visit to Kisan village, where the Ubayat family’s 250 m² home was demolished by Israeli forces.

فرق أطباء بلا حدود تشهد خطر التطهير العرقي في الضفة الغربية

مديرة أنشطة الدفاع والتغيير في أطبّاء بلا حدود ومترجمتنا في زيارة ميدانية إلى قرية كيسان، حيث أجبر عنف المستوطنين 23 عائلة على الفرار من منازلهم.
مديرة أنشطة الدفاع والتغيير في أطبّاء بلا حدود ومترجمتنا في زيارة ميدانية إلى قرية كيسان، حيث أجبر عنف المستوطنين 23 عائلة على الفرار من منازلهم.

فرق أطباء بلا حدود شاهدة على طرد الفلسطينيين من الضفة الغربية

  • تشهد فرقنا في الضفة الغربية سياسات وممارسات صُممت لطرد الفلسطينيين من أرضهم.
  • تشمل هذه السياسات والممارسات التهجير القسري وهدم المنازل والإفلات من العقاب على عنف المستوطنين وقيود الحركة وأكثر من ذلك.
  • نحث الدول الأخرى، لا سيما تلك التي تربطها علاقات سياسية أو اقتصادية أو عسكرية وثيقة مع إسرائيل، على ممارسة ضغوط جدية لوقف الممارسات التي تُهجّر الفلسطينيين من أرضهم.

القدس – تحذر منظمة أطباء بلا حدود من أن الفلسطينيين يواجهون تهجيرًا جماعيًا قسريًا في جميع أنحاء الضفة الغربية على يد القوات الإسرائيلية والمستوطنين، ما يزيد بشكل كبير من خطر التطهير العرقي في الأراضي المحتلة.

تشهد أطباء بلا حدود كيف أصبحت المعاناة التي يتسبب بها الاحتلال الإسرائيلي واقعًا طبيعيًا أكثر من أي وقت مضى في تاريخ المنظمة الممتد على مدى 36 عامًا من تقديم الرعاية الطبية والنفسية في فلسطين.

في عام 2025، شهدت فرق أطباء بلا حدود سياسات وممارسات صُممت بوقاحة لترحيل السكان من أرضهم ومنع أي إمكانية للعودة. تحث المنظمة الدول الأخرى، لا سيما التي تربطها علاقات سياسية أو عسكرية أو اقتصادية وثيقة مع إسرائيل – بما في ذلك الولايات المتحدة والدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي – على ممارسة ضغوطات جادة لوقف الممارسات التي تضر بالفلسطينيين وتُهجّرهم، وضمان إنهاء الاحتلال غير القانوني بموجب القانون الدولي.

على مدى السنوات القليلة الماضية، شهدنا تأثير القوة المفرطة والسيطرة التي تمارسها القوات الإسرائيلية والمستوطنون في وجه الشعب الفلسطيني، والتي بلغت ذروتها في الإبادة الجماعية في غزة، وتصاعد القمع العسكري وعنف المستوطنين في جميع أنحاء الضفة الغربية.
سيمونا أونيدي، منسقة مشاريع أطباء بلا حدود في جنين وطولكرم

تكتيكات التهجير تتوسع وتشتد

من شأن مخطط “إي 1” الاستيطاني الذي أُقرّ مؤخرًا أن يقسّم الضفة الغربية بالكامل، ويعزل شمالها عن جنوبها، ويفصل القدس الشرقية عن بقية الضفة الغربية1. تمثل هذه إحدى أوضح محاولات السلطات الإسرائيلية مؤخرًا لقتل أي أفق لمستقبل فلسطيني.

عمليات عسكرية تتسبب بنزوح عشرات آلاف الأشخاص

منذ بداية العام، تسببت العملية العسكرية الإسرائيلية المستمرة باسم “الجدار الحديدي” بتهجير 40,000 شخص في شمال الضفة الغربية، بحسب الأونروا. اقتُحمت ثلاثة مخيمات للاجئين وأُخليت بشكل عنيف. دُمّرت المنازل والبنية التحتية المدنية، بما في ذلك المدارس ومراكز الرعاية الصحية، ما يزيد من احتمال أن يصبح النزوح دائمًا.

واستجابةً لذلك، نشرت أطباء بلا حدود فرقًا طبية متنقلة في 42 موقعًا في طولكرم وجنين، بما في ذلك عيادات وزارة الصحة، كما أوصلت مواد الإغاثة الأساسية إلى الفلسطينيين النازحين.

القوات الإسرائيلية تدمر البيوت الفلسطينية

منذ يناير/كانون الثاني 2023، نزح 6,450 فلسطينيًا جرّاء هدم المنازل. وفي شهري أبريل/نيسان ومايو/أيار 2025، قدمت أطباء بلا حدود الدعم المادي والنفسي للسكان الذين هُدمت منازلهم في 12 موقعًا في محافظة الخليل. وقد هُجّر قسرًا 246 شخصًا، من بينهم 97 طفلًا على الأقل.

لا يمثل هذا سوى جزء بسيط من إجمالي عمليات الهدم التي جرت في الضفة الغربية في نفس الفترة. تقول وردة*، إحدى سكان الخليل، “ليست هذه أول عملية هدم أو توغل للجيش في القرية، لكنها كانت الأشرس هذه المرة. طلبنا منهم أن نجمع ممتلكاتنا ونخرج بعض الأشياء من البيوت قبل أن يهدموها، لكنهم رفضوا. أخرجوا أغراضنا من بيوتنا ودهسوها بالجرافة ودمروها”.

طلبنا منهم أن نجمع ممتلكاتنا ونخرج بعض الأشياء من البيوت قبل أن يهدموها، لكنهم رفضوا. أخرجوا أغراضنا من بيوتنا ودهسوها بالجرافة ودمروها.
إحدى سكان الخليل

استمرار عنف المستوطنين بإفلات من العقاب

تتسبب هجمات المستوطنين بزيادة مستويات التهجير، وهي غالبًا ما تُنفَّذ بإفلات تام من العقاب وتحت حماية الجيش. فمنذ بداية عام 2023، هُجِّر نحو 2,900 فلسطيني بسبب عنف المستوطنين وقيود الحركة2 التي تمنع الفلسطينيين من الحصول على الخدمات الأساسية. ومنذ يونيو/حزيران 2025، تواجه معظم قرى مسافر يطا وبشكل يومي هجمات المستوطنين وعمليات التفتيش العسكرية.

وفي تقييم أجرته أطباء بلا حدود ضمن 197 أسرة في محافظة الخليل، وجدت المنظمة أن الأسر التي واجه العنف واحد من أفرادها على الأقل، كانت أكثر عرضة بمقدار 2.3 مرة لأن تظهر عليها أعراض الضائقة النفسية الشديدة، حيث أفادت 28.1 في المئة من الأسر أن فردًا واحدًا على الأقل من أفرادها تعرض للعنف خلال الأشهر الثلاثة الماضية. 

زيادة القيود المفروضة على الحركة تمنع الوصول إلى مرافق الرعاية الصحية والمدارس والأشغال

تُفرض على الفلسطينيين في الضفة الغربية حواجز مادية متعبة قد صُممت لجعل حياتهم غير قابلة للعيش ولإبعادهم عن أراضيهم. ويشمل ذلك القيود المفروضة على التنقل مثل الحواجز التي زاد عددها، بما في ذلك 36 حاجزًا جديدًا من ديسمبر/كانون الأول 2024 إلى فبراير/شباط 2025 فقط. كما ازدادت نقاط التفتيش المؤقتة، التي يمكن أن تظهر بشكل مباغت، إذ كانت 116 نقطة تفتيش بين أكتوبر/تشرين الأول وديسمبر/كانون الأول 2023، حتى وصلت إلى 370 نقطة تفتيش بين يناير/كانون الثاني وأبريل/نيسان 2025. تؤثر هذه القيود بشكل مباشر على وصول الناس إلى مرافق الرعاية الصحية والمدارس والأشغال والخدمات الأساسية الأخرى. ونتيجة لذلك، يتجه كثير من المرضى إلى عيادات أطباء بلا حدود المتنقلة عوضًا عن محاولة الوصول إلى المستشفيات، حتى عند الحاجة إلى رعاية متخصصة.

الهجمات على مصادر المياه تعرض مجتمعات بأكملها للخطر  

يواجه الفلسطينيون في الضفة الغربية قيودًا شديدة على الخدمات الأساسية، بما فيها المياه التي تتحكم السلطات الإسرائيلية في الوصول إليها. فمنذ مايو/أيار 2025، حدث انخفاض كبير في إمدادات المياه من شركة مياه إسرائيلية إلى محافظة الخليل عبر نقطتين رئيسيتين إسرائيليتين لربط خطوط الأنابيب، ما أدى إلى انخفاض تجاوز نسبة 50 في المئة لإمدادات المياه العامة في الخليل وأثر على نحو 800,000 شخص. استجابت أطباء بلا حدود لتقارير عن قطع مستوطنين لأنابيب المياه، بما في ذلك حوادث مؤكدة في أغسطس/آب 2025، كما حصل في إحدى قرى جنوب جبل الخليل، حيث تأثر 50 في المئة من السكان بنقص المياه. أصبحت الحاجة الآن في هذه المناطق مرتفعة وشاملة لدرجة أن الأنشطة الطارئة التي تنفذها أطباء بلا حدود في مجال المياه والصرف الصحي لم تعد كافية. سلمت فرقنا 30 خزان مياه للعائلات في جنوب جبل الخليل، للمساعدة في تخزين المياه القليلة التي يعتمدون عليها والمنقولة بالشاحنات.

خسارة الأرض وتصاريح العمل وحرية التنقل تدمر سبل العيش الفلسطينية

تعاني سبل العيش الفلسطينية من التهديد المتزايد بسبب إلغاء تصاريح العمل، والقيود المفروضة على الحركة التي تمنعهم من الوصول إلى أعمالهم، والاعتداءات على الأراضي الزراعية ورعيان المواشي، ما يقوض قدرتهم على إعالة أنفسهم.

أخبرنا أحد سكان مسافر يطا، “المسألة لا تقتصر على هدم منازلنا. فهم يستولون على أرضنا أيضًا، ويحاولون سرقة دخلنا ويجعلون عيشنا هنا مستحيلًا. كل الناس هنا يعيشون من الزراعة ورعي المواشي. لكن المستوطنين يمنعوننا من رعي أغنامنا كي لا نكسب رزقنا إذا بقينا هنا”.

تمثل سياسات إسرائيل في الضفة الغربية المحتلة – والقائمة على ضم الأراضي – انتهاكات خطيرة للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان. ويبقى إنهاء الاحتلال هو السبيل الوحيد لتخفيف المعاناة الشديدة التي يواجهها الفلسطينيون. 

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

اليمن: أطباء بلا حدود تسلّم مستشفى الأم والطفل في تعز

main door of MSF’s Mother and Child hospital in Houban

اليمن: أطباء بلا حدود تسلّم مستشفى الأم والطفل في تعز

منذ عام 2015، تدير منظمة أطباء بلا حدود مستشفى الأم والطفل في الحوبان بمحافظة تعز — وهو أحد المرافق القليلة التي تقدم رعاية صحية مجانية وعالية الجودة في منطقة متأثرة بشدة بالنزاع المستمر منذ أكثر من عقد من الزمان. في نهاية يوليو/تموز 2025، بعد 10 سنوات من الخدمة، سلمت منظمة أطباء بلا حدود المستشفى رسمياً إلى وزارة الصحة، وقبل التسليم مباشرة، تم نقل المرضى ومعدات المستشفى إلى المبنى الجديد، الذي تم بناؤه بشكل مشترك من قبل أطباء بلا حدود ووزارة الصحة.

نظرة في تسليم المشروع

وقال تيلا محمد، المدير القُطري لمنظمة أطباء بلا حدود، ومقرها صنعاء: “بعد تقديم خدمات طبية مختلفة لأكثر من مليون مريض في مستشفى الأم والطفل في تعز الحوبان على مدى السنوات العشر الماضية، نقوم بتسليم هذا المرفق إلى وزارة الصحة، ويعمل فيه بالكامل مهنيون مدربون تدريباً جيداً ومجهز. في الوقت نفسه، بعد قضاء ثلاث سنوات في هذا البلد الجميل والصعب مع شعبه المذهل، أشعر بالتأثر لمغادرته”.

Aida Mohamed, counsellor

سبب تسليم المشروع

على الرغم من أن قرار التسليم يأتي وسط مشهد إنساني مليء بالتحديات، بما في ذلك التخفيضات الأخيرة في المساعدات العالمية، وتعليق تمويل الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية والتوترات الإقليمية – التي أدت جميعها إلى زيادة الضغط على الأنظمة الصحية في اليمن – فقد كان التسليم منظوراً منذ سنوات، وبالتحديد، بدأت إجراءات النقل عندما قررت أطباء بلا حدود العمل في إدارة مشتركة مع وزارة الصحة.

بداية الاستجابة الطبية عام 2015

عندما بدأت أطباء بلا حدود التدخل في تعز الحوبان، في عام 2015، تم تحديد المنطقة باعتبارها واحدة من أكثر المناطق التي تعاني من نقص الخدمات في تعز.

وقال ألان سيلفر إيمونا، مدير مستشفى أطباء بلا حدود: “منذ الافتتاح، كنا نقدم الرعاية الصحية الأساسية وخدمات الطوارئ للأطفال دون سن الخامسة ورعاية الأمومة الشاملة بما في ذلك الأقسام القيصرية وعلاج سوء التغذية وغير ذلك. واستجبنا أيضاً لتفشي الأمراض، ودعمنا حالات الحمل المعقدة وقدمنا الإحالات المنقذة للحياة، بالإضافة إلى رعاية الإصابات بسبب النزاع. على مر السنين، تطور المستشفى الذي يضم 168 سريراً إلى مستشفى عام كامل الخدمات يقدم الرعاية الحرجة للسكان المحليين”.

Mental health counselor Amin Al-Badri

تأثير عمل أطباء بلا حدود

لقد كان الأثر الذي حققه تدخّل منظمة أطباء بلا حدود في تعز الحوبان على مدى العقد الماضي كبيراً: عالجت أطباء بلا حدود حوالي 185,000 طفل دون سن الخامسة في سيارات الإسعاف لدينا، في حين تم قبول أكثر من 200,000 في غرفة الطوارئ. كما ساعد موظفو أطباء بلا حدود 67,000 ولادة وقدموا رعاية ما بعد الولادة لـ 133,000 مريض، وعالجنا 13,846 طفلاً ورضيعاً من سوء التغذية، وأجرينا أكثر من 10,000 تدخل جراحي، بينما أدخلنا 32,165 طفلاً إلى أجنحة الأطفال وحديثي الولادة. في المجموع، تلقى أكثر من مليون مريض العلاج في مستشفى تعز الحوبان على مدى السنوات العشر الماضية.

الوصول إلى المرضى في كافة أنحاء تعز

مع عدد سكان يبلغ حوالي 940,000 نسمة في مدينة تعز والمناطق المحيطة بها، غالباً ما يسافر المرضى لمسافات طويلة للوصول إلى المستشفى، بالنسبة للكثيرين منهم، كان هذا هو المكان الوحيد الذي يمكنهم فيه الوصول إلى الرعاية الصحية.

روابط وتحديات المجتمع المحلي

عملت أبرار محمد مشرفة التثقيف الصحي في أطباء بلا حدود، في المستشفى منذ البداية. وتشرح الصلة التي نشأت بين المجتمع ومنظمة أطباء بلا حدود على مر السنين: “بشكل عام، يُكِنّ المجتمع احتراماً وتقديراً كبيرين تجاه المستشفى، لأنه المرفق الوحيد الذي يقدم خدمات مجانية تتعلق بالرعاية الصحية للأم والطفل، على الرغم من أنه في بعض الأحيان يكون هناك أيضاً إحباط داخل المجتمع، لأنه لا يغطي جميع الاحتياجات الصحية للمجتمع المحلي. إذ أنه يمكن أن تكلف عملية قيصرية عادية في المستشفيات الخاصة في تعز الحوبان ما يصل إلى 1000 دولار أمريكي، أي عشرة أضعاف متوسط الراتب الشهري، إذا كان لديك وظيفة”.

ضمان مرحلة انتقالية سلسة

بالإضافة إلى المشاركة في بناء المستشفى الجديد، ستدعم أطباء بلا حدود السلطات بالحوافز لموظفي المستشفى، وبالأدوية وغيرها من المواد والإمدادات ذات الصلة اللازمة للتشغيل العادي لمستشفى تعز الحوبان خلال الأشهر الستة المقبلة. سيضمن ذلك التسليم بشكل صحيح واستمرار الخدمات للمجتمع المحلي.

Triage area at MSF’s Mother and Child hospital in Houban

تواصل التزام أطباء بلا حدود في اليمن

منظمة أطباء بلا حدود لن تترك اليمن أو شعب اليمن. لا تزال منظمة أطباء بلا حدود موجودة في البلاد وتقدم خدمات الرعاية الصحية للسكان في عشر محافظات من أصل 22 محافظة.

تواجد طويل الأمد

تعمل أطباء بلا حدود في اليمن منذ عام 1986 وحافظت على وجود مستمر في البلاد منذ عام 2007. حيث أدت سنوات من النزاع إلى تدمير البنية التحتية العامة في اليمن، في حين يفتقر الملايين من الناس إلى المياه النظيفة والغذاء والرعاية الطبية. يسترشد عمل أطباء بلا حدود في اليمن وحول العالم بالاحتياجات الطبية فقط ويتم تنفيذه دون تأثير من الأجندات السياسية أو الدينية أو الاقتصادية. وقد أصبح ذلك ممكناً من خلال تمويلنا المستقل — الذي يأتي أكثر من 95 في المئة منه من جهات مانحة خاصة، ما يسمح لنا بتقييم الاحتياجات بحرية والوصول إلى المجتمعات وتقديم المساعدة التي نقدمها مباشرة.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

التقرير الدولي عن أنشطة أطباء بلا حدود لعام 2024

Gazan Patients in MSF Amman hospital

التقرير الدولي عن أنشطة أطباء بلا حدود لعام 2024

كتابة د. كريستوس كريستو، الرئيس الدولي لأطباء بلا حدود وكريستوفر لوكيير، الأمين العام للمنظمة
MSF response to IDPs in Barkin Ladi and Bokkos LGAs of Plateau state, Nigeria

في 75 بلدًا قدّمت فيها منظمة أطباء بلا حدود المساعدة الطبية خلال عام 2024، شهدنا أشخاصًا يتحرّكون بروح من التضامن نصرةً لمبادئ الكرامة والإنسانية. من غرفة عمليات في جمهورية الكونغو الديمقراطية، إلى جلسة توعية غذائية مجتمعية في نيجيريا، وصولًا إلى مظاهرة في جنوب إفريقيا تطالب بخفض أسعار الأدوية — لم تكن هذه الجهود لتتحقّق لولا تضافر الناس حولها. نحن ممتنون لكل من اجتمعوا وتكاتفوا في عام 2024، مما أتاح لنا مواصلة خدمة المجتمعات في مختلف أنحاء العالم.

في يوليو/تموز، أنهينا أوسع عملية تشاور داخلي في تاريخ المنظمة، بهدف رسم مسار تطوّرنا كحركة. استند هذا التشاور إلى خبرات شبكتنا من العاملين في المجال الإنساني، وأسفر عن تحديد أولوياتنا للسنوات المقبلة، وفي مقدّمتها تعزيز نهجنا المرتكز على المريض، وتحسين آليات التعاون داخل المنظمة. وقد بدأنا بالفعل بتحويل هذا الحوار الشامل إلى خطوات عملية، لنبني منظمة أطباء بلا حدود التي نصبو إليها، والتي نحتاج إليها، من أجل المجتمعات التي نخدمها. وخلال عام 2024، انتقلنا من حملة “الوصول  إلى الأدوية الأساسية” التي ركّزت على الدعوة لتوفير الأدوية ووسائل التشخيص، إلى نموذج تنظيمي جديد يعزّز جهود المنظمة في تحسين الوصول إلى المنتجات الطبية. وسيكون هذا الكيان الجديد، “MSF Access”، أقرب إلى عملياتنا الميدانية، ما يعزّز طموحاتنا المتنامية في تحسين الوصول إلى الأدوية ومنتجات الرعاية الصحية.

في مواقع تفصلها آلاف الكيلومترات، شهدت فرقنا العاملة وسط النزاعات في السودان وفلسطين انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني. ففي كلا السياقين، واجه السكان ويلات لا ترحم؛ إذ جُوّع الأطفال من خلال الحصارات، وقُصفت مناطق مأهولة بالمدنيين، وأُطلق الرصاص داخل المستشفيات. وبدلًا من استخدام القانون الدولي الإنساني كإطار للحد من فظائع الحرب، رأينا تجاهلًا صارخًا ولا مبالاة من قِبل أطراف النزاعات وداعميهم تجاه هذه المعاهدات، كما هو الحال في العديد من النزاعات الأخرى حول العالم.

ففي كلا السياقين، واجه السكان ويلات لا ترحم؛ إذ جُوّع الأطفال من خلال الحصارات، وقُصفت مناطق مأهولة بالمدنيين، وأُطلق الرصاص داخل المستشفيات.
د. كريستوس كريستو، الرئيس الدولي لأطباء بلا حدود وكريستوفر لوكيير، الأمين العام للمنظمة
Al Aqsa Hospital

تدفعنا مبادئنا إلى مواجهة تحديات استثنائية، ومن أبرزها التهديد المتصاعد لمقاومة مضادات الميكروبات. إذ تواصل الكائنات الدقيقة التكيّف للبقاء، ونواجه اليوم ارتفاعًا مقلقًا في حالات العدوى المقاوِمة للعلاج. ومع إدراكنا لخطورة هذا التهديد — الذي قد يحوّل الجروح البسيطة والأمراض القابلة للعلاج سابقًا إلى أمراض قاتلة — وسّعنا خلال عام 2024 برامجنا المعنية بإدارة استخدام المضادات الحيوية. ففي تشاد وإسواتيني وإيران وسوريا، بدأنا بتدريب الطواقم الطبية على الاستخدام الرشيد للمضادات الحيوية، وعلى تدابير الوقاية من العدوى ومكافحتها. وبنهاية العام، أصبحت برامجنا لمكافحة مقاومة مضادات الميكروبات نشطة في 42 بلدًا.

تعمل منظمة أطباء بلا حدود ضمن منظومة إنسانية تتقاسم هدفًا مشتركًا: تقديم المساعدة لمن هم في أمسّ الحاجة إليها. وقد شجّعنا الموقف الإنساني الموحد الرافض لمحاولات إسرائيل تقويض عمل وكالة الأونروا، التي تُعدّ أكبر موزّع للمساعدات ومقدّم للرعاية الصحية في غزة. ومع تزايد القيود المفروضة على العمل الإنساني، التي تعرقل تقديم المساعدات بشكل محايد ومتوافق مع المبادئ الإنسانية الأساسية، تبرز الحاجة إلى مواصلة الضغط على الحكومات للوفاء بالتزاماتها بموجب القانون الدولي الإنساني، ودعم الجهود الرامية إلى إيصال المساعدات التي تشتدّ الحاجة إليها إلى سكان غزة.

بفضل تفاني طواقمنا وثقة مرضانا ودعم مانحينا من القطاع الخاص، تستطيع منظمة أطباء بلا حدود تقديم الإغاثة لمن هم بأمسّ الحاجة إليها.
د. كريستوس كريستو، الرئيس الدولي لأطباء بلا حدود وكريستوفر لوكيير، الأمين العام للمنظمة
Collective Shelter for IDPs in Saida, South Lebanon

بفضل تفاني طواقمنا وثقة مرضانا ودعم مانحينا من القطاع الخاص، تستطيع منظمة أطباء بلا حدود تقديم الإغاثة لمن هم بأمسّ الحاجة إليها. نشارك في حملة تطعيم شلل الأطفال في غزة التي تصدّرت العناوين الدولية، وفي الوقت نفسه نُطعّم الأطفال ضد الحصبة في الصومال وأفغانستان بهدوءٍ أكبر. وباتت هذه الجهود المتزامنة ممكنة بفضل ملايين المتبرعين الذين يدعمون عملنا. فنحن معًا نؤمن بأن الأطفال يستحقّون الحماية من الأمراض التي يمكن الوقاية منها — ونعمل معًا على ترجمة هذا الإيمان إلى فعلٍ ملموس.

وفي هذه اللحظة الحرجة التي تواجه فيها الإنسانية تراجعًا في التضامن العالمي، كما يتجلّى في التخفيضات الكبيرة للتمويل الموجه للمنظمات الأخرى، نودّ أن نعرب عن خالص تقديرنا لالتزامكم المستمر بالعمل الإنساني إلى جانبنا. فخلف كل قسطرة وريدية تُوضع في جناح الكوليرا وكل ناموسية تُوزَّع على الأسر النازحة وكل قرص يُصرف لعلاج السل، تقف حركة من الأشخاص، يدعمها الملايين، تتحرك معًا بروح التضامن دفاعًا عن مبادئنا المشتركة.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

إطلاق النار على مدنيين عند نقطة توزيع مياه في غزة

An MSF water truck provides a critical source of clean drinking water.

إطلاق النار على مدنيين عند نقطة توزيع مياه في غزة

“في 23 أغسطس/آب، اندلع إطلاق نار كثيف فيما تجمع السكان، ومنهم أطفال، حول شاحنة لتوزيع المياه تابعة لأطباء بلا حدود في خان يونس. لم يتضح في خضم الفوضى مصدر هذه الرشقات النارية الكثيفة والمتتابعة.

أصيبت شابة بعيار ناري في أضلاعها خلال انتظارها للحصول على المياه من الشاحنة، وأُجليت بسيارة إسعاف إلى مستشفى ناصر، وهو نفس المستشفى الذي استهدفته القوات الإسرائيلية في هجمات البارحة. أصيب رجل آخر برصاصة في يده. تمكن بقية المتواجدين من الاحتماء تحت الشاحنة، وكان بينهم شخصان من فريق أطباء بلا حدود. لا يجوز إجبار الناس على المخاطرة بحياتهم للحصول على الماء. نددنا مرارًا بهذا الاستهتار التام بحياة الإنسان في غزة وبكل ضرورات البقاء على قيد الحياة، مثل المياه.

وقعت هذه الحادثة بعد يومين من نشرنا لمقطع فيديو يسلط الضوء على حرمان السكان في غزة من المياه بشكل متعمد، وهو يلخص هذه الرسالة بوضوح. يُمنع الناس من الحصول على المياه، وقد أوشكوا هذه المرة على دفع حياتهم ثمنًا.

حملت الشاحنة شعارًا واضحًا لأطباء بلا حدود ويمكن تمييزها كمركبة إنسانية. إلا أن إطلاق النار الذي استمر لأكثر من 30 دقيقة قد طال زجاج الشاحنة الأمامي وإطاراتها وخزانات المياه. كذلك تضررت الخيام التي تأوي نازحين تجمعوا لاستلام المساعدات بفعل رشقات الرصاص.

وكما هو حال الغذاء والوقود والإمدادات الطبية، يفرض الجيش الإسرائيلي قيودًا لا تسمح إلا بوصول محدود للمياه إلى درجة قاتلة. لا نزال نشهد العواقب الطبية الفتّاكة واللاإنسانية والمفتعلة التي يتسبب بها شح المياه المتوفرة لعدد هائل من الناس، والفوضى المترتبة على هذا الشح الممنهج.

والآن، تُصنع ظروف تهدد حياة الناس الذين يحاولون الحصول على كمية المياه الشحيحة التي سمحت السلطات الإسرائيلية بدخولها إلى القطاع، والضرورية للبقاء على قيد الحياة. لا يمكننا أن نقبل بخطر تحويل مواقع توزيع المياه بالصهاريج إلى مواقع للمجازر، وبسبب هذا الحادث العنيف، علقنا توزيع المياه على الفور لحماية الفريق والسكان، ما زاد من شح المياه.

على جميع الأطراف أن توفر الظروف الآمنة اللازمة لتوزيع المياه”.

  • هيلين أوتينز-باترسون، رئيسة بعثة أطباء بلا حدود في الأراضي الفلسطينية المحتلة
Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

التكيّف مع الحياة في كوتابالونغ: مقال مصور عن شعب الروهينغا

Life in the camps photo essay

التكيّف مع الحياة في كوتابالونغ: مقال مصور عن شعب الروهينغا

المصور الصحفي الروهينجي، ساهات ضياء هيرو، والمصور الأسترالي، فيكتور كارينجال
المصور الصحفي الروهينغي، ضياء ساهات، والمصور من أطباء بلا حدود – أستراليا، فيكتور كارينجال

في يونيو/حزيران 2025، عمل كل من المصور الصحفي الروهينغي، ساهات ضياء هيرو، والمصور الأسترالي، فيكتور كارينجال، معاً لإنتاج سلسلة من الصور التي أظهرت كيف تكيّف الروهينغا مع الحياة اليومية في مخيمات كوتابالونغ للاجئين في بنغلاديش. سلسلة الصور هذه جزء من مشروع ورقة القلقاس، وهو مشروع مناصرة يستخدم ورقة القلقاس كرمز لسرد قصة حرمان الروهينجا من الجنسية.

قبل ثماني سنوات، وصل أكثر من 700 ألف من الروهينغا إلى بنغلاديش، هرباً من حملة متعمَّدة من العنف الشديد على أيدي الجيش الميانماري.

يقول كل من ضياء وفيكتور عن هذا العمل التعاوني:

ضياء: “كان التصوير معاً أمراً رائعاً حقاً. كان الموضوع الذي اخترناه هو “ترك بصمة” لأن “بصمتنا” وهويتنا وثقافتنا وتاريخنا تتعرض للمحو. ولدينا تحديات أخرى من الحياة في المخيمات – عدم الوصول إلى التعليم وفرص كسب العيش والرعاية الصحية وأشياء كثيرة. لذلك نحن نحاول أن نصنع علامة من خلال الفن والرسم والشعر والتصوير الفوتوغرافي، لنبقي ثقافتنا حية، ونبقي هويتنا حية ولتذكّرنا من نكون. لا نريد أن نُنسى”.

فيكتور: “كان من دواعي سروري أن أمشي في المخيمات مع ضياء. أمضينا يوماً في التصوير الفوتوغرافي، ومع ذلك لم نغطي سوى جزء صغير من المخيم الضخم الذي بحجم مدينة. لكن هذا الوقت القصير كان غنياً بالقصص والحياة، والتي آمل أن تترجم من خلال الصور التي اخترناها”.

النص المصاحب لهذه الصور من ضياء وفيكتور.

رجل روهينغا يسير وحيدًا في مخيمات اللاجئين في كوتوبالونج. بنغلاديش، في يونيو/حزيران 2025.

© فيكتور كارينجال

في عام 2017، تمت إزالة مناطق كبيرة من الغابات لإفساح المجال لأماكن الإيواء حيث فر أكثر من 700,000 من الروهينغا من العنف في ميانمار ولجأوا إلى بنغلاديش المجاورة. عادت الشجيرات الآن إلى النمو، مما يوفر الظل الذي تشتد الحاجة إليه في حرارة المخيمات المكتظة بالسكان، ولكنها تمثل أيضاً ثماني سنوات من الانفصال الذي يعيشه الروهينغا عن وطنهم.

اخترنا هذه الصورة لإظهار البيئة المكتظة لمساكن المخيم. المخيمات كبيرة للغاية، ولكنها في الوقت نفسه مغلقة ومقيدة وهائلة. يلاحظ ضياء أن المساحات الخضراء الجميلة وعودة نموها يتناقض بشكل صارخ مع الظروف السيئة للمساكن المؤقتة التي يعيش فيها الروهينغا.

 

 

 

 

امرأة من الروهينغا تدخل عيادة أطباء بلا حدود في بالوخالي بمخيم كوتابالونج للاجئين في بنغلاديش. يونيو/حزيران 2025.

© فيكتور كارينجال

ذكرتنا هذه الصورة بالمحادثات التي أجريناها حول عدم قدرة الروهينغا على ترك بصمتهم أو إرثهم في العالم. تمشي المرأة عبر المخيم بخطوات لا تترك أثراً، والأمطار تعصف بالمكان. المطر توقف، مثل شعور الروهينغا تجاه وضعهم، وكأن حياتهم متوقفة.

 

 

 

 

 

رجل يصلح مأواه في مخيمات كوتابالونج. بنغلاديش، في يونيو/حزيران 2025.

© فيكتور كارينجال

رصدنا هذا الرجل يصلح مسكنه أثناء سيرنا في الشوارع الضيقة للمخيمات. بدا قوياً بشكل مثير للإعجاب، يجري إصلاحات لمسكن الخيزران المؤقت الذي يحمي عائلته أثناء العواصف الموسمية. إنه نوع من القوة والصمود الذي يسهل تصويره، ولكن ما يمثله هذا الرجل بالنسبة لي، هو كيف أرى كل الروهينغا – أناس يجب أن يكونوا أقوياء للبقاء على قيد الحياة، لحمل وزن عاطفي أكثر مما يجب على أي شخص حمله.

 

 

 

 

مأوى على منحدر غير مستقر، بنغلاديش، في عام 2025.

© ضياء ساهات

أدى تصاعد العنف في ولاية راخين في ميانمار إلى وصول المزيد من الروهينغا مؤخراً بحثاً عن الأمان في بنغلاديش. مع وجود مساحة صغيرة متبقية في المخيمات المكتظة بالسكان، بنى هؤلاء الروهينغا مأوى لهم على مساحة من الأرض معرضة للانهيارات الأرضية. منزلهم الجديد أصغر بكثير من المنزل الذي تركوه وراءهم.

فتاة من الروهينغا تدرس في ملجأها. بنغلاديش، في يونيو/حزيران 2025.

© ضياء ساهات

مع التخفيضات الأخيرة في المساعدات في المخيمات، أغلقت مراكز التعليم، وانتهت عقود 1179 معلماً محلياً داخل المخيمات. يُنظر إلى التعليم في المخيمات على أنه أحد الفرص القليلة المتاحة لشباب الروهينغا لتحسين وضعهم.

اخترنا هذه الصورة لأنها تُظهر هشاشة وأمل الشباب الروهينغا، وكيف سيكون للقرارات المتخذة اليوم تأثير مضاعف على الأجيال القادمة.

أطفال يلعبون في أحد المخيمات. بنغلاديش، في يونيو/حزيران 2025.

© ضياء ساهات

يخلق لعب الأطفال وخيالهم لحظات من الراحة من التحديات اليومية في المخيمات. رؤيتهم لمستقبل أفضل ليست فقط تعبيراً عن الأمل ولكن أيضاً وسيلة للتعامل مع الواقع الصعب من حولهم.

بينما كنا نسير في المخيمات، رأينا أن الأطفال في كل مكان – يضحكون ويلعبون وأحياناً يتعرضون للتوبيخ. لقد جلبوا الحياة إلى المخيمات وشيئاً من الفرح. أشار ضياء إلى أن السبب في وجود الكثير من الأطفال هو إغلاق المدارس بسبب قطع المساعدات.

 

 

 

 

طفل ينظر إلى المخيمات من أعلى تل متآكل. بنغلاديش، في يونيو/حزيران 2025.

© ضياء ساهات

اخترنا هذه الصورة لمشاركة خطر الانهيارات الأرضية التي تحدث من الأمطار الموسمية والفيضانات، والتربة المتآكلة في المخيمات. في الأصل كانت هناك مساكن بنيت هنا، لكنها ذهبت في انهيار أرضي. لا يزال المكان الآن غير مستقر وغير مسكون، على الرغم من وقوف الطفل وابتسامته من أعلى التل.

 

 

 

 

صورة لريحانة، صاحبة كشك طعام من الروهينغا، في ملجأها. بنغلاديش، في يونيو/حزيران 2025.

© ضياء ساهات

تأثرتُ برؤية كمية الطعام التي تمكنت ريحانة من تحضيرها داخل المطبخ الصغير الملحق بمسكنهم. افتتحت ريحانة كشكاً صغيراً لبيع الطعام في المخيمات لدعم أسرتها مالياً. على الرغم من وجود حصة غذائية، إلا أنها تبلغ حالياً 10 دولارات أمريكية شهرياً للشخص الواحد، وهو أقل بكثير مما هو مطلوب للبقاء على قيد الحياة في المخيمات، ويعني خفض المساعدات انخفاض الكميات في المستقبل.

 

 

 

 

 

صورة لطفل صغير عبر قماش مشمع. بنغلاديش، في يونيو/حزيران 2025.

© ضياء ساهات

اخترنا هذه الصور لأنها تتحدث بصرياً عن شعور بالانغلاق، وهو شعور يتحدث عنه العديد من الروهينغا في المخيمات أثناء العيش خلف أسوار المخيم المحمية بالأسلاك الشائكة.

 

 

 

 

دجاجةٌ في قن أمام ملجأ مؤقت. بنغلاديش، في يونيو/حزيران 2025.

© فيكتور كارينجال

كانت الزراعة جزءاً أساسياً من حياة الروهينغا خلال طفولة ضياء. في المخيمات الكثيفة حيث لا يوجد لدى الناس منزل دائم أو أرض أو مساحة، من النادر أن يقوم الناس بتربية الماشية أو زراعة ما يكفي من الخضروات لكسب الدخل أو تأمين المعيشة.

 

 

 

 

 

عامل يومي يُجهّز مواد الخيزران لبناء وإصلاح الملاجئ. بنغلاديش، في يونيو/حزيران 2025.

© ضياء ساهات

أوضح ضياء أن الخيزران كان مادة بناء تقليدية في ثقافة الروهينغا. في هذه الصورة، يبدو الخيزران طازجاً وأخضراً، لكن جودة هذا الخيزران أقل مما كان يستخدمه الروهينغا لمنازلهم ومرافقهم في أراكان بميانمار.

 

 

 

 

جسر يعبر بين منطقتي المخيم في مخيم كوتوبالونج للاجئين. بنغلاديش، في يونيو/حزيران 2025.

© فيكتور كارينجال

شاهدنا الناس وهم يعبرون جسر الخيزران: فتاتان تخطوان خطوات حذرة، وصبيّان يتسابقان إلى الأعلى، ويقفزان إلى الماء مع أداء شقلبة إلى الخلف. التقط ضياء صوراً لهذا المعبر على مدى السنوات الثمانية التي قضاها في المخيمات. كان هناك جسر أوسع في مكانه، لكنه تآكل وجرفته مواسم الفيضانات العديدة. على الرغم من أن الجسر الجديد يبدو غير مستقر، إلا أنه يوفر طريقاً مهماً بين المخيمات المجاورة.

 

 

 

 

 

رجل يُنقل إلى مرفق صحي. بنغلاديش، في يونيو/حزيران 2025.

© ضياء ساهات

عادة يسافر العاملون في المنظمات غير الحكومية والزوار الأجانب إلى المخيمات عبر الطرق الرئيسية. ولكن في عمق المخيمات، تصبح الممرات ضيقة أكثر، وأوضح ضياء أن الكثير من الأماكن لا يمكن الوصول إليها إلا سيراً على الأقدام. عندما تنشأ حاجة طبية، يجب حمل الأشخاص إلى أقرب مستشفى، وهي رحلة صعبة يمكن أن تستغرق ساعات في ظروف الأمطار الموسمية.

"أريد للعالم أن يعرف بأن شعب الروهينغا بشر مثلهم. نحن موجودون. نستحق السلام والمعرفة والكرامة مثلنا مثل أي شخص آخر". ساهات ضياء هيرو

السلطات الإسرائيلية تعطّش الفلسطينيين في غزة

A little boy struggles under the weight of a water jerrycan to bring it back to his displaced family's tent

السلطات الإسرائيلية تعطّش الفلسطينيين في غزة

القدس، 21 أغسطس/آب – تتعمد إسرائيل حرمان السكان في غزة من المياه ضمن حملة الإبادة الجماعية التي تشنها على الفلسطينيين – إذ تحرمهم من ضروريات الحياة، بما في ذلك الغذاء والماء والرعاية الصحية، بحسب منظمة أطباء بلا حدود. وبعد 22 شهرًا من تدمير إسرائيل للبنية التحتية الأساسية للمياه وتقييد الوصول إليها، أصبحت كمية المياه المتوفرة في غزة غير كافية على الإطلاق. يمكن لمنظمات مثل أطباء بلا حدود أن تزيد كمية المياه الصالحة للشرب في القطاع، إلا أن إسرائيل تمنع استيراد المواد الضرورية لمعالجة المياه. فمنذ شهر يونيو/حزيران 2024، لم تنل أطباء بلا حدود سوى موافقة واحدة عن كل عشرة طلبات لاستيراد المواد اللازمة لتحلية المياه.

An MSF water truck provides a critical source of clean drinking water.

غزة تواجه نقصًا كارثيًا في المياه في ظل الحصار الإسرائيلي

على إسرائيل أن تسمح وعلى نطاق واسع باستيراد المعدات الضرورية لإمداد المياه وتوزيعها. وعلى الجيش الإسرائيلي أن يتوقف عن تدمير البنية التحتية للمياه وأن يسمح بالإصلاح الفوري لأنظمة المياه التي تضررت، لضمان وصول الناس إلى المياه بشكل مستدام. لا يجوز استخدام المياه وغيرها من ضرورات الحياة كأدوات للحرب.

لا تقتصر الأزمة على شح المياه لسكان غزة، فالاعتماد على شاحنات المياه يعني عدم وجود طرق موثوقة للحصول على المتوفر. يخضع 86 في المئة من قطاع غزة لأوامر التهجير القسري التي يصدرها الجيش الإسرائيلي، ما يمنع الوصول الآمن لشاحنات المياه إلى السكان في تلك المناطق. كذلك تفاقم المشاكل التي يواجهها الناس بسبب عدم وجود طرق تخزين ملائمة في المنازل.

شح المياه في غزة ينشر الأمراض ويهدد الصحة العامة

ارتفاع حالات الإسهال والأمراض الجلدية مع نفاد المياه النظيفة

أدى نقص المياه النظيفة في غزة إلى زيادة انتشار الأمراض، حيث أجرت الفرق الطبية التابعة أطباء بلا حدود أكثر من ألف استشارة أسبوعيًا خلال الشهر الماضي لمرضى يعانون من الإسهال المائي الحاد. وفي غياب المياه الكافية للنظافة الصحية، أصبح الناس يعانون من أمراض جلدية مثل الجرب.

المستشفيات تعاني في غياب المياه النظيفة للمرضى ولمكافحة العدوى

تمثل المياه النظيفة ضرورة أساسية للمستشفيات كذلك، للحد من انتشار العدوى والحفاظ على ارتواء المرضى، كي تُشفى أجسادهم من الإصابات والأمراض.

وفي هذا الصدد، يقول مسؤول أطباء بلا حدود للمياه والصرف الصحي في غزة، محمد نصير، “الماء شحيح جدًا والناس كثر جدًا، والكمية التي يمكننا توفيرها قليلة جدًا مقارنة بالاحتياجات، والظروف صعبة للغاية”.

Palestinians wait with worn-out containers to fill them from a truck.

تدمير البنية التحتية المائية ومنع إصلاحها

تضع إسرائيل شروطًا صعبة لإيصال المياه الصالحة للشرب إلى السكان. ولطالما تحكمت بمعظم المياه التي تصل إلى غزة. لا تتوفر مياه الشرب بشكل طبيعي في غزة بسبب ملوحة المياه وتلوثها بالصرف الصحي والمواد الكيميائية، ما يضطر السكان للاعتماد على خطوط الأنابيب القادمة من إسرائيل وعلى محطات التحلية في غزة. وقد تعرضت هذه البنية التحتية لهجمات إسرائيلية متكررة.

ألحقت إسرائيل أضرارًا متكررة باثنين من أصل ثلاثة أنابيب مياه تصل إلى غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023. تشير التقديرات إلى فقدان 70 في المئة من المياه التي تجري في هذه الأنابيب نتيجة التسريبات في شبكة الأنابيب الأوسع، بفعل الأضرار جراء القصف. ونتيجة لذلك، يجب توزيع المياه بالشاحنات القادمة من محطات التحلية. ومن بين 196 محطة تحلية تديرها الحكومة والمنظمات غير الحكومية، فإن أكثر من 60 في منها خارجة عن الخدمة بسبب موقعها أو الأضرار التي لحقت بها.

يمكن للمنظمات الإنسانية إصلاح المتضرر من الأنابيب والمحطات التابعة للبنية التحتية المائية الموجودة قبل أكتوبر/تشرين الأول 2023 – وهي على استعداد لإصلاحها – لكن إسرائيل أعاقت هذه الجهود مرارًا وتكرارًا عبر منعها إمكانية الوصول إلى هذه المواقع. أما في المواقع التي يمكن الوصول إليها، تُتبع أساليب أشبه بتحضير المسوخ – إذ تؤخذ أجزاء صالحة من مولّد أو محطة مدمرة لإصلاح محطة أخرى – مع محاولات يائسة لإيجاد قطع الغيار محليًا. وهذه الإجراءات ضرورية لأن إسرائيل تمنع دخول الإمدادات اللازمة لإصلاح هذه البنية التحتية إلى غزة. وفي حال دخلت هذه المواد، يتأخر وصولها شهورًا بفعل العراقيل المتعمدة.

تنتج سبع وحدات لمعالجة المياه تابعة لأطباء بلا حدود ما يكفي من المياه لـ65,000 شخص ليحصلوا على سبعة لترات ونصف من المياه يوميًا[1]، وهو جزء ضئيل من المطلوب. تحاول أطباء بلا حدود منذ أشهر أن تُدخل تسع وحدات جديدة لمعالجة المياه إلى غزة – والتي من شأنها أن تزيد من قدرة المنظمة على إنتاج المياه بشكل كبير – لكن هذه الجهود لم تُفلح لأن إسرائيل لم تصدر الموافقات ولم تسمح بدخول الوحدات إلى غزة.

1 7.5 litres is the minimum amount of water a person needs per day during a humanitarian emergency, according to the WHO: Water Sanitation and Health

MSF logistics manager Mahmoud Abu Nada supervises a water distribution in Gaza City

وصول خطر ومحدود إلى نقاط توزيع المياه في غزة

عندما تتمكن شاحنات المياه من الوصول إلى محطات التحلية، فعليها أن تتعامل مع العقبات الكبيرة لتوزيع المياه على السكان. فالوصول الآمن إلى السكان شبه مستحيل، إذ إن اتساع رقعة الأنشطة العسكرية والقصف ضمن ما يُسمى بالمناطق الآمنة يجبر نقاط التوزيع على تغيير مواقعها باستمرار. اضطرت أطباء بلا حدود في 2025 إلى التوقف عن توفير المياه في 137 نقطة على الأقل لتوزيع المياه. يضطر الناس إلى السير لمسافات طويلة وهم يحملون الغالونات الثقيلة كي يصلوا إلى نقاط التوزيع.

في ظل النزوح والقصف تُجبر العائلات على السير لمسافات طويلة لتعبئة المياه

تحدثنا مع امرأة كانت تنتظر عند نقطة توزيع تابعة لأطباء بلا حدود في مدينة غزة فقالت، “أترون كيف يعاني الناس؟ الجميع بحاجة ماسة إلى المياه. والحصول على الماء صعب جدًا جدًا، بصراحة. حتى المشي قليلًا أصبح صعبًا جدًا. ماذا أقول لكم؟ هذا عذاب”.

الأطفال معرضون للخطر عند ضياعهم خلال عمليات التوزيع الفوضوية

ونتيجةً للعوائق المرتبطة بالحصول على المياه، تتزايد مخاطر هذه العملية، فشح المياه يتسبب بتوتر في نقاط التوزيع. أخبرنا بعض السكان أنهم يخشون عملية تعبئة المياه. تشهد فرقنا أطفالًا يضيعون بعدما تُجبر نقطة توزيع على تغيير موقعها نتيجة لأمر إخلاء أو غارة جوية، أو لأن الدمار الهائل أعجزهم عن تمييز بيئتهم.

Children wait beside their empty jerrycans for a water truck to arrive in Gaza city.

على إسرائيل أن تتوقف عن استخدام المياه كأداة حرب

يقول مدير الطوارئ في أطباء بلا حدود، أوزان أغباس، “خفّض الجيش الإسرائيلي الوصول إلى المياه لأدنى المستويات، كما فعل في الغذاء والإمدادات والرعاية الصحية. يتجنب الجيش الإسرائيلي قطع المياه بالكامل كي يتمكن من إنكار هذه التهمة، فيما يحكمون الخناق حول رقاب الفلسطينيين ويجردونهم من وسائل نجاتهم”.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print

صدمة ثم تعافي: دعم الناجين والناجيات من التعذيب في سوريا

Soha torture victim in syria, animation

صدمة ثم تعافي: دعم الناجين والناجيات من التعذيب في سوريا

في السجون والأفرع الأمنية في سوريا، طغى ظلام المجهول على عتم الزنازين. فخلال نحو 14 عامًا من الحرب، ازداد شيوع الاعتقالات التعسفية التي شملت الكثير من الأشخاص من دون محاكمة أو تحقيق. يعاني عديد من الناجين من إصابات جسدية وصدمات نفسية وحالات صحية مزمنة بسبب هذه السنوات من الانتهاك والتعذيب والإهمال الممنهج.

torture victims in syria, animation

تسببَ التعذيب في السجون السورية بندوب جسدية ونفسية عميقة

أخبرنا الناجون والناجيات عن الاعتقالات التعسفية وسنوات إساءة المعاملة

تقول سهى*، وهي امرأة في الخمسين من عمرها كانت قد اعتُقلت بلا تهمة عام 2018 وبقيت معتقلةً ست سنوات، “أُخذتُ إلى غرفة الحبس الانفرادي بينما قبعت بناتي في زنزانة أخرى. لم أكن أعرف عنهن أي شيء. لم آبه بالضرب الذي انهال عليّ، آملة أنني سأعرف مصير بناتي عندما يتوقف”.

نالت سهى* حريتها – شأنها شأن مئات السجناء والمعتقلين – عندما تكسّرت السلاسل وفتحت أبواب السجون مع سقوط الحكومة السورية السابقة في ديسمبر/كانون الأول 2024. أمضى كثر منهم سنوات في المعتقلات تحت ظروف قاسية للغاية، محرومين من الطعام المناسب وأحيانًا من الرعاية الطبية، ومعرضين لجولات لامتناهية من سوء المعاملة الجسدية والنفسية، حسبما ورد إلى الفرق الطبية وفرق الصحة النفسية التابعة لأطباء بلا حدود.

أطلقت أطباء بلا حدود أنشطة الدعم الطبي والنفسي للناجيات والناجين من التعذيب في سوريا

الرعاية شاملة: من خدمات الطبية والنفسية الاجتماعية والعمل الاجتماعي

واستجابةً للاحتياجات الطبية والنفسية الهائلة، أطلقت فرق أطباء بلا حدود برنامجًا للناجيات والناجين من سوء المعاملة في سوريا. انطلق البرنامج بنسخته التجريبية في مشروع أطباء بلا حدود القائم في محافظة إدلب. افتتحت أطباء بلا حدود عندها عيادة متخصصة في دمشق داخل مستشفى المجتهد، ثم أطلقت البرنامج في كفر بطنا في الغوطة الشرقية، والتي يأتي منها معظم مرضانا. لطالما عُرفت المنطقة بمعارضتها للحكومة السابقة، وقد عانت من الحصار والقصف الشديد.

أما البرنامج الطبي المخصص للناجيات والناجين من سوء المعاملة، فيوفر استشارات طبية عامة وإحالات إلى مرافق الرعاية الصحية المتخصصة والرعاية الصحية من الدرجة الثالثة، والدعم النفسي والاجتماعي، وخدمات العمل الاجتماعي التي تربط المرضى بالمساعدات غير الطبية من خلال المنظمات والجمعيات المحلية التي تقدم الدعم خارج نطاق خدمات أطباء بلا حدود.

victims being tortured in Syria's prison

تبطئ الصدمة النفسية بفعل الاعتقال إعادة اندماج الناجين والناجيات في المجتمع السوري

تواجه الناجيات والأطفال الناجون عوائق إضافية في الحصول على الرعاية

وفي هذا الصدد، تقول المرجع الطبي لمشروع أطباء بلا حدود في دمشق، لورا غوارديولا، “تحمل الاعتقالات في سوريا تداعيات مؤرقة على الصحة النفسية. فالاعتقال تحت ظروف لا يمكن للعقل تصورها – من سوء المعاملة التي ترقى إلى التعذيب الجسدي والنفسي – يخلّف جروحًا عميقة ودائمة بين المعتقلين والسجناء السابقين، وهي جروح تتطلب وقتًا ودعمًا ورعاية كي تبدأ بالتعافي”.

تعمل أطباء بلا حدود كذلك على الوصول إلى المزيد من النساء، ذلك أن القلة القليلة من مريضاتنا النساء أمر مؤرق، والأطفال الذين يطلبون الاستشفاء أعدادهم أقل حتى من النساء. بلغت نسبة الاستشارات مع مريضات خلال أول شهرين من أنشطة العيادة في دمشق أدنى من 15 في المئة. نجت العديد من المعتقلات من العنف الجنسي خلال اعتقالهن، ما قد يمنعهن من طلب المساعدة خوفًا من وصمة العار.

وفيما خرج الناس من المعتقل إلى واقع جديد، فهم لا يزالون يعيشون في نفس البلد، ويتذكرون تجاربهم المروعة خلال حياتهم اليومية، ما يجعل إعادة اندماجهم في المجتمع أكثر صعوبة. وعلى سبيل المثال، لن تنسى سهى* نفق المؤدي إلى المزة في دمشق، حيث أدركت أنها لن تعود إلى منزلها سالمة، وستتذكر تجربتها كلما مرّت في النفق.

Soha's daughter being tortured in Syria's prisons

رحلات الشفاء: يعيد الناجون بناء حياتهم بعد التعذيب في سوريا

تضيف سهى*، “ذلك النفق الذي – وبخلاف الحكمة – ما من ضوء في نهايته. أفكر بالانتقام. أصبحت لدي ردود أفعال غير مبررة. لا أريد أن يبقى بداخلي كره أو حقد تجاه أحد. لأنه يؤذيني أنا فقط ولا يؤذي أحدًا غيري. أريد أن أتخلص من كل ما تركته تجربتي بنفسي”.

سهى* هي واحدة من 113 مريض ضمن برنامج الناجيات والناجين من سوء المعاملة الذي تديره أطباء بلا حدود في عيادتها وفي مشروعين آخرين حيث تقدم الخدمات ذاتها. تتابع سهى* حالتها مع فريق برنامجنا للناجيات والناجين من سوء المعاملة، وهي ممضية خطوة بخطوة في طريقها نحو التعافي. يؤمن فريقنا بأنه إرادتها الصلبة لم تغادرها، حتى وإن تزعزعت خلال اعتقالها، وهي تبدأ حياتها من جديد من أجل بناتها.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print